← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ما عنده وقبضه إلى رحمته، لقد أبقى الله أبا عبد الله "يعني الحسين"، وفي مثله الخلف الصالح، ثم شهق وبكى، وبكى من حضر في المجلس، وبكى معاوية". "الإمامة والسياسة ١: ١٢٧، ومروج الذهب ٢: ٥٢ والبيان والتبيين ٣: ٢٢١".

стр. 947

٩٣- عبد الله بن عباس وعتبة بن أبي سفيان: قال عتبة بن أبي سفيان لابن عباس: "ما منع أمير المؤمنين أن يبعثك مكان أبي موسى يوم الحكمين؟ " قال: "منعه والله من ذلك حاجز القدر، وقصر المدة، ومحنة الابتلاء، أما والله لو بعثني مكانه لاعترضت له في مدارج نفسه، ناقضا لما أبرم، ومبرما لما نقض، أُسِفُّ١ إذا طار، وأطير إذا أَسَفَّ، ولكن مضى قدر، وبقى أسف ومع يومنا غدٌ، والآخرة خير لأمير المؤمنين من الأولى". "إعجاز القرآن ١٢٢، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص١٩٥، وأمالي المرتضى ١: ٢٠٧".

стр. 948

مخاصمة بين عبد الله بن عباس وبين معاوية وأصحابه مدخل ... مخاصمة بين عبد الله بن عباس وبين معاوية وأصحابه: قال ابن أبي الحديد: "روى المدائني قال: وفد عبد الله بن عباس على معاوية مرة، فقال معاوية لابنه يزيد، ولزياد بن سمية، وعتبة بن أبي سفيان، ومروان بن الحكم، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن أم الحكم: إنه قد طال العهد بعبد الله بن عباس، وما كان شجر١ بيننا وبينه وبين ابن عمه، ولقد كان نَصَبه للتحكيم فدُفِعَ عنه٢، فحركوه على الكلام لنبلغ حقيقة صفته، ونقف على كنه معرفته، ونعرف ما صرف عنا من شبا٣ حده، وَوُوري عنا من دهاء رأيه، فربما وصف المرء بغير ما هو فيه، وأُعطِي من النعت والاسم ما لا يستحقه، ثم أرسل إلى عبد الله بن عباس، فلما دخل واستقر به المجلس ابتدأه ابن أبي سفيان فقال: يابن عباس ما منع عَلِيًّا أن يوجه بك حكمًا؟

стр. 949

٩٤- جواب ابن عباس: فقال: "أما والله لو فعل لقرن عَمْرًا بصعبة من الإبل، يوجع كتفيه مراسها١ ولأذهلت عقله، وأجرضته بريقه٢، وقدحت في سويداء قلبه، فلم يبرم أمرًا،

стр. 950

ولم ينفض ترابًا إلا كنت منه بمرأى ومسمع، فإن نكثه أرمت١ قواه، وإن أرمه فصمت٢ عراه، بغرب٣ مِقْوَلٍ لا يُفَلُّ حده، وأصالة رأي كمتاح٤ الأجل لا وزر منه، أصدع٥ به أديمه، وأفل به شبا حده، وأشحذ به عزائم المعتنز٦، وأزيح به شُبَه الشاكِّين".

стр. 951

٩٥- مقال عمرو بن العاص: فقال عمرو بن العاص: "هذا والله يا أمير المؤمنين نجوم١ أول الشر، وأُفُول آخر الخير، وفي حسمه قطع مادته، فبادره بالجملة، وانتهز منه الفرصة، واردع بالتنكيل به غيره، وشرد به من خلفه".

стр. 952

٩٦- جواب ابن عباس: فقال ابن عباس: "يابن النابغة، ضل والله عقلك، وسفه حلمك، ونطق الشيطان على لسانك، هلا توليت ذلك بنفسك يوم صفين حين دُعِيَتْ نَزَالِ١ وتكافَحَ الأبطالُ، وكثرتِ الجراحُ، وتقصفت الرماحُ، وبرزت إلى أمير المؤمنين مصاولا، فانكفأ نحوك بالسيف حاملا، فلما رأيت الكواثرَ٢ من الموت، أعددت حيلة السلامة

стр. 953

قبل لقائه، والانكفاء عنه بعد إجابة دعائه، فمنحته رجاء النجاة عورتك، وكشفت له خوف بأسه سوءتك، حذرًا أن يصطلمك١ بسطوته، أو يلتهمك بحملته، ثم أشرت على معاوية كالناصح له بمبارزته، وحسنت له التعرض لمكافحته، رجاء أن تكتفي مئونته، وتعدم صورته، فعلم غِلَّ صدرك، وما انْحَنَتْ عليه من النفاق أضلعك، وعرف مقر سهمك في غرضك، فاكفف غرب لسانك، واقمع عوراء٢ لفظك، فإنك بين أسد خادر٣، وبحر زاخر، إن تبرزت للأسد افترسك، وإن عمت في البحر قَمَسَك٤".

стр. 954

٩٧- مقال مروان بن الحك م: ١ فقال مروان بن الحكم: "يابن عباس إنك لتصرف٢ بنابك، وتُورِي نارك، كأنك ترجو الغلبة، وتؤمل العاقبة، ولولا حلم أمير المؤمنين عنكم، لتناولكم بأقصر أنامله، فأوردكم منهلا بعيدا صدره٣، ولعمري لئن سطا بكم ليأخذن بعض حقه منكم، ولئن عفا عن جرائركم لقديمًا ما نسب إلى ذلك".

стр. 955

٩٨- جواب ابن عباس: فقال ابن عباس: "وإنك لتقول ذلك يا عدو الله، وطريد رسول الله١ ﷺ ، والمباح دمه٢، والداخل بين عثمان ورعيته بما حملهم على قطع أوداجه٣، وركوب أثباجه٤، أما والله لو طلب معاوية ثأره لأخذك به، ولو نظر في أمر عثمان لوجدك أوله وآخره، وأما قولك لي: إنك لتصرف بنابك، وتوري نارك، فسل معاوية

стр. 956

وعمرًا يخبراك ليلة الهرير١ كيف ثباتُنا للمثلات٢، واستخفافُنا بالمعضلات، وصدْق جلادنا عند المصاولة، وصبُرنا على اللأواء٣ والمطاولة، ومصافحتنا بجباهنا السيوف المرهفة٤، ومباشرتنا بنحورنا حد الأسنة، هل خِمْنا٥ عن كرائم تلك المواقف؟ أم لم نبذل مهجنا٦ للمتالف؟ وليس لك إذ ذاك فيها مقام محمود، ولا يوم مشهود، ولا أثر معدود، وإنهما شهدا ما لو شهدت لأقلقك، فاربع على ظلعك٧، ولا تتعرض لما ليس لك، فإنك كالمغروز في صفد٨، لا يهبط برجل، ولا يرقأ٩ بيد".

стр. 957

٩٩- مقال زياد: فقال زياد: "يابن عباس: إني لأعلم، ما منع حسنا وحسينا من الوفود معك على أمير المؤمنين إلا ما سولت لهما أنفسهما، وغرهما به من هو عند البأساء يسلمهما١، وايم الله لو وليتهما لأدأبا٢ في الرحلة إلى أمير المؤمنين أنفسهما، ولقل بمكانهما لبثهما".

стр. 958

١٠٠- جواب ابن عباس: فقال ابن عباس: "إذن والله يقصر دونههما باعك، ويضيق بهما ذراعك، ولو رمت ذلك لوجدت من دونههما فئة صدقا صبرا١ على البلاء، لا يخيمون عن اللقاء،

стр. 959

فلعركوك بكلاكلهم١ ووطئوك بمناسمهم٢ وأوجروك٣ مشق رماحهم، وشفار٤ سيوفهم، ووخز أسنتهم، حتى تشهد بسوء ما أتيت، وتتبين ضياع الحزم فيما جنيت، فحذار حذار من سوء النية، فإنها ترد الأمنية، وتكون سببًا لفساد هذين الحيين بعد صلاحهما، وسعيًا في اختلافهما بعد ائتلافهما، حيث لا يضرهما إبساسك٥، ولا يغني عنهما إيناسك".

стр. 960

١٠١- مقال عبد الرحمن بن أم الحكم: فقال عبد الرحمن بن أم الحكم: "لله در ابن ملجم١، فقد بَلَّغَ الأمل، وأمَّن الوَجِل، وأحدَّ الشفرة، وألان المهرة، وأدرك الثار، ونفى العار، وفاز بالمنزلة العليا، ورقي الدرجة القصوى".

стр. 961

١٠٢- جواب ابن عباس: فقال ابن عباس: "أما والله لقد كرع١ كأس حتفه بيده، وعجل الله إلى النار بروحه، ولو أبدى لأمير المؤمنين صفحته، لخالطه الفحل القطم٢، والسيف الخذم، ولألعقه صابا٣، وسقاه سماما٤، وألحق بالوليد وعتبة وحنظلة٥، فكلهم كان أشد منه شكيمة٦،

стр. 962

وأمضى عزيمة، ففرى بالسيف هامهم١، ورملهم٢ بدمائهم، وقرى الذئاب أشلاءهم٣، وفرق بينهم وبين أحبائهم، أولئك حصب٤ جهنم هم لها واردون، فهل تُحِسُّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا٥؟ ولا غرو إن ختل، ولا وصمة إن قتل، فإنا لكما قال دريد بن الصمة: فإنا للحم السيف غير مكره ... ونلحمه طورا وليس بذي نكر٦ يغار علينا واترين فيشتفى ... بنا إن أصبنا أو نغير على وتر٧

стр. 963

١٠٣- مقال المغيرة بن شعبة: فقال المغيرة بن شعبة: "أما والله لقد أشرت على عليٍّ بالنصيحة، فآثر رأيه، ومضى على غلوائه١، فكانت العاقبة عليه لا له، وإني لأحسب أن خلفه يقتدون بمنهجه".

стр. 964

١٠٤- جواب ابن عباس: فقال ابن عباس: "كان والله أمير المؤمنين ﵇ أعلمَ بوجوه الرأي، ومعاقد الحزم، وتصريف الأمور، من أن يقبل مشورتك فيما نهى الله عنه، وعنَّفَ عليه، قال :

стр. 965

﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ولقد وقفك على ذكر مبين وآية متلوة، قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدً ا﴾ . وهل كان يسوغ له أن يحكم في دماء المسلمين، وفي المؤمنين، من ليس بمأمون عنده، ولا موثوق به في نفسه؟ هيهات هيهات، هو أعلم بفرض الله وسنة رسوله أن يبطن خلاف ما يظهر إلا للتقية٢، ولات حين تقية، مع وضوح الحق، وثبوت الجنان، وكثرة الأنصار، يمضي كالسيف المصلت٣ في أمر الله، مؤثرًا لطاعة ربه والتقوى، على آراء أهل الدنيا".

стр. 966

١٠٥- مقال يزيد بن معاوية: فقال يزيد بن معاوية: "يابن عباس، إنك لتنطق بلسان طلق١، ينبئ عن مكنون قلب حرق٢، فاطو على ما أنت عليه كشحًا٣، فقد محا ضوء حقنا ظلمة باطلكم".

стр. 967

١٠٦- جواب ابن عباس: فقال ابن عباس: "مهلا يزيد، فوالله ما صفتِ القلوبُ لكم، منذ تكدرتْ بالعدواة عليكم، ولا دنت بالمحبة إليكم، مذ نأتْ بالبغضاء عنكم، ولا رضيت اليوم منكم، ما سخطت بالأمس من أفعالكم، وإن تدل١ الأيام نستقض ما شذ عنا، ونسترجع ما ابتز٢ منا، كيلا بكيل، ووزنا بوزن، وإن تكن الأخرى، فكفى بالله وليا لنا، ووكيلا على المعتدين علينا".

стр. 968

مقال آخر لمعاوية ... ١٠٧- مقال معاوية: فقال معاوية: "إن في نفسي منكم لحزازات يا بني هاشم، وإني لخليق أن أدرك فيكم الثار، وأنفي العار، فإن دماءنا قبلكم، وظلامتنا فيكم".

стр. 969

١٠٨- جواب ابن عباس: فقال ابن عباس: "والله إن رمت ذلك يا معاوية لتثيرن عليك أُسْدًا مخدرة١،وأفاعي مطرقة، لا يفثوها٤ كثرة السلاح، ولا تعضها نكاية الجراح، يضعون أسيافهم على عواتقهم.

стр. 970

يضربون قُدُمًا قُدُمًا من ناوأهم١، يهون عليهم نباح الكلاب، وعواء الذئاب، لا يفاتون بوترٍ، ولا يسبقون إلى كريم ذكر، قد وطنوا على الموت أنفسهم، وسمت بهم إلى العلياء هممهم، كما قالت الأزدية: قوم إذا شهدوا الهياج فلا ... ضرب ينهنههم ولا زجر٢ وكأنهم آساد غينة قد ... غرثت وبل متونها القطر٣ فلتكونن منهم بحيث أعددت ليلة الهرير للهرب فرسك، وكان أكبر همك سلامة حشاشة٤ نفسك، ولولا طغام٥ من أهل الشأم وقوك بأنفسهم، وبذلوا دونك مهجهم، حتى إذا ذاقوا وخز الشفار، وأيقنوا بحلول الدمار، رفعوا المصاحف مستجيرين بها، وعائذين بعصمتها، لكنت شلوا مطروحا بالعراء٦، تسفي عليك رياحها٧، ويعتورك ذئابها، وما أقول هذا أريد صرفك عن عزيمتك، ولا إزالتك عن معقود نيتك، لكن الرحم التي تعطف عليك، والأواصر٨ التي توجب صرف النصيحة إليك". فقال معاوية: "لله درك يا بن عباس، ما تكشف الأيام منك إلا عن سيف صقيل، ورأى أصيل! وبالله لو لم يلد هاشم غيرك، لما نقص عددهم، ولو لم يكن لأهلك سواك لكان الله قد كثرهم"! ثم نهض، فقام ابن عباس، وانصرف". "شرح ابن أبي الحديد م٢: ص١٠٥".

стр. 971

عبد الله بن عباس وعمرو بن العاص مدخل ... عبد الله بن عباس وعمرو بن العاص: قام عمرو بن العاص في موسم من مواسم العرب، فأطرى معاوية بن أبي سفيان وبني أمية، وتناول بني هاشم، وذكر مشاهده بصفين، واجتمعت قريش فأقبل عبد الله ابن عباس على عمرو فقال:

стр. 972

١٠٩- مقال ابن عباس: "يا عمرو إنك بعت دينك من معاوية، وأعطيته ما بيدك، ومناك ما بيد غيره، فكان الذي أخذ منك أكثر من الذي أعطاك، والذي أخذت منه دون الذي أعطيته، وكل راضٍ بما أخذ وأعطى١، فلا صارت مصر في يدك كدرها عليك بالعزل والتنغيص٢، حتى لو كانت نفسك في يدك ألقيتها إليه، وذكرت يومك مع أبي موسى،

стр. 973

فلا أراك فخرت إلا بالغدر، ولا مننت إلا بالفجور والغش، وذكرت مشاهدك بصفين، فوالله ما ثقلت علينا يومئذ وطأتك، ولا نَكَتنا١ فيها حربك، ولقد كشفت فيها عورتك، وإن كنت فيها لطويل اللسان، قصير السنان، آخر الخيل إذا أقبلت، وأولها إذا أدربت، لك يدان: يد لا تبسطها إلى خير، وأخرى لا تقبضها عن شر، ولسان غرور ووجهان: وجه موحش، ووجه مؤنس، ولعمري إن من باع دينه بدنيا غيره لحري أن يطول حزنه على ما باع واشترى، لك بيان وفيك خطل، ولك رأي وفيك نكد، ولك قدر وفيك حسد، وأصغر عيب فيك أعظم عيب في غيرك.

стр. 974

١١٠- رد ابن العاص: فأجابه عمرو بن العاص: والله ما في قريش أثقل عليَّ مسألة، ولا أمرُّ جوابًا منك، ولو استطعت ألا أجيبك لفعلت، غير أني لم أبع ديني من معاوية، ولكن بعت اللهَ نفسي، ولم أنس نصيبي من الدنيا، وأما ما أخذت من معاوية وأعطيته، فإنه لا تُعَلَّم العَوَانُ الخِمْرَة١. وأما ما أتى إليَّ معاوية في مصر فإن ذلك لم يغرني له، وأما خفة وطأتي عليكم بصفين، فلما استثقلتم حياتي واستبطأتم وفاتي، وأما الجبن فقد علمت قريش أني أول من يبارز، وآخر من ينازل، وأما طول لساني، فإني كما قال هشام بن الوليد لعثمان بن عفان ﵁:

стр. 975

لساني طويل فاحترس من شذاته ... عليك، وسيفي من لساني أطول١ وأما وجهاي ولساناي، فإني ألقى كل ذي قدر بقدره، وأرمي كل نابح بحجره، فمن عرف قدره كفاني نفسه، ومن جهل قدره كفيته نفسي، ولعمري ما لأحد من قريش مثل قدرك ما خلا معاوية، فما ينفعني ذلك عندك وأنشأ عمرو يقول: بني هاشم ما لي أراكم كأنكم ... بي اليوم جهال وليس بكم جهل ألم تعلموا أني جسور على الوغى ... سريع إلى الداعي إذا كثر القتل وأول من يدعو نزال طبيعة ... جبلت عليها والطباع هو الجبل٢ وأني فصلت الأمر بعد اشتباهه ... بدومة إذ أعيا على الحكم الفصل٣ وأنيَ لا أعيا بأمر أريده ... وأني إذا عجَّت بكارُكُمُ فحل٤ "العقد الفريد ٢: ١١٢، وشرح بن أبي الحديد م١: ص١٩٦ والبيان والتبيين ٢: ١٥٩".

стр. 976

عبد الله بن عباس وعمر بن العاص أيضا ... ١١١- عبد الله بن عباس وعمرو بن العاص أيضًا: حج عمرو بن العاص فمر بعبد الله بن عباس، فحسده مكانه، وما رأى من هيبة الناس له، وموقعه من قلوبهم، فقال له يابن عباس: "مالك إذا رأيتني وليتني القصرة١، وكان بين عينيك دبرة٢، وإذا كنت في ملأ من الناس كنت

стр. 977

الهوهاة١ الهمزة؟ فقال ابن عباس: "لأنك من اللئام الفجرة، وقريش الكرام البررة، لا ينطقون بباطل جهلوه، ولا يكتمون حقًّا علموه، وهم أعظم الناس أحلامًا، وأرفع الناس أعلامًا، دخلت في قريش ولست منها، فأنت الساقط بين فراشين، لا في بني هاشم رحلك، ولا في بني عبد شمس راحلتك، فأنت الأثيم الزنيم٢ الضال المضل، حملك معاوية على رقاب الناس، فأنت تسطو بحلمه، وتسمو بكرمه" فقال عمرو: أما والله إني لمسرور بك، فهل ينفعني عندك؟ قال ابن عباس: حيث مَالَ الحقُّ مِلْنا، وحيث سَلَكَ قَصَدْنا". "العقد الفريد ٢: ١١٢"

стр. 978

١١٢- عمرو بن العاص وابن عباس: قال عمرو بن العاص لعبد الله بن عباس: "إن هذا الأمر الذي نحن وأنتم فيه ليس بأول أمر قاده البلاء، وقد بلغ الأمر منا ومنكم ما ترى، وما أبقت لنا هذه الحرب حياءً ولا صبرًا، ولسنا نقول: ليت الحرب عادت، ولكنا نقول: ليتها لم تكن كانت، فانظر فيما بقي بغير ما مضى، فإنك رأس هذا الأمر بعد علي، وإنما هو أمير مطاع، ومأمور مطيع، ومشاور مأمون، وأنت هو". "البيان والتبيين ٢: ١٥٨"

стр. 979

١١٣- مفاخرة عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس: تزوج عبد الله بن الزبير أم عمرو بنت منظور بن زبان الفزارية، فلما دخل بها قال لها تلك الليلة: أتدرين من معك في حجلتك١؟ قالت: نعم، عبد الله بن الزبير بن

стр. 980

العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى. قال: ليس غير هذا؟ قالت: فما الذي تريد؟ قال: معك من أصبح في قريش بمنزلة الرأس من الجسد، لا بل بمنزلة العينين من الرأس. قالت: أما والله لو أن بعض بني عبد مناف حضرك، لقال لك خلاف قولك، فغضب وقال: الطعام والشراب علي حرام حتى أحضرك الهاشميين وغيرهم من بني عبد مناف، فلا يستطيعون لذلك إنكارًا، قالت: إن أطعتني لم تفعل، وأنت أعلم وشأنك، فخرج إلى المسجد، فرأى حلقة فيها قوم من قريش، منهم: عبد الله بن العباس، وعبد الله بن الحصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، فقال لهم ابن الزبير: أحب أن تنطلقوا معي إلى منزلي، فقام القوم بأجمعهم، حتى وقفوا على باب بيته، فقال ابن الزبير: يا هذه اطرحي عليك سترك، فلما أخذوا مجالسهم دعا بالمائدة فتغدى١ القوم، فلما فرغوا قال لهم: إنما جمعتكم لحديث ردته علي صاحبة الستر، وزعمت أنه لو كان بعض بني عبد مناف حضرني لما أقر لي بما قلت، وقد حضرتم جميعًا، وأنت يابن عباس ما تقول؟ إني أخبرتها أن معها في خدرها من أصبح في قريش بمنزلة الرأس من الجسد، لا بل بمنزلة العينين من الرأس، فردت علي مقالتي. فقال ابن عباس: أراك قصدت قصدي، فإن شئت أن أقول قلت، وإن شئت أن أكف كففت قال: بل قل وما عسى أن تقول؟ ألست تعلم أن أبي الزبير حواري٢ رسول الله ﷺ ؟ وأن أمي أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين٣؟

стр. 981

وأن عمتي خديجة سيدة نساء العالمين؟ وأن صفية عمة رسول الله ﷺ جدتي١؟ وأن عائشة أم المؤمنين خالتي، فهل تستطيع لهذا إنكارًا؟ قال ابن عباس: لا، ولقد ذكرت شرفا شريفا، وفخرا فاخرا، غير أنك تفاخر من بفخره فخرت، وبفضله سموت، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنك لم تذكر فخرا إلا برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وأنا أولى بالفخر به منك. قال ابن الزبير: لو شئت لفخرت عليك بما كان قبل النبوة. قال ابن عباس: قد أنصف القارة من راماها٣، نشدتكم الله أيها الحاضرون، أعبد المطلب أشرف أم خويلد في قريش؟ قالوا: عبد المطلب. قال: أفهاشم كان أشرف فيها أم أسد؟ قالوا: بل هاشم. قال: أفعبد مناف أشرف أم عبد العزى؟ قالوا: عبد مناف، فقال ابن عباس: تنافرني يابن الزبير! وقد قضى ... عليك رسول الله لا قولَ هازلٍ

стр. 982

ولو غيرنا يابن الزبير فخرته ... ولكنما ساميت شمس الأصائل١ قضى لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بالفضل في قوله: "ما افترقت فرقتان إلا كنت في خيرهما" فقد فارقناك من بعد قصي٢ بن كلاب، أفنحن في فرقة الخير أم لا؟ إن قلت: نعم، خصمت، وإن قلت: لا، كفرت، فضحك بعض القوم، فقال ابن الزبير: أما والله لولا تحرمك٣ بطعامنا يابن عباس لأعرقت٤ جبينك قبل أن تقوم من مجلسك. قال ابن عباس: وَلِمَ أَبِباطِلٍ؟ فالباطلُ لا يغلبُ الحقَّ، أم بحقٍّ؟ فالحقُّ لا يخشى من الباطل. فقالت المرأة من وراء الستر: إني والله لقد نهيته عن هذا المجلس، فأبى إلا ما ترون، فقال ابن عباس: مه أيتها المرأة، اقنعي ببعلك، فما أَعْظَمَ الخَطَرَ، وما أكرم الخبر، فأخذ القوم بيد ابن عباس وكان قد عمي، فقالوا: انهض أيها الرجل فقد أفحمته غير مرة، فنهض وقال: ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا لغفا وناما٥ فقال ابن الزبير: يا صاحب القطا أقبل علي، فما كنت لتدعني حتى أقول: وايم الله لقد عرف الأقوام أني سابق غير مسبوق، وابن حواري وصديق، متبجح٦ في الشرف الأنيق، خير من طليق٧ وابن طليق، فقال ابن عباس: رسغت

стр. 983

بِجُرَّتِك١ فلم تبق شيئًا، هذا الكلام مردود، من امرئ حسود، فإن كنت سابقًا فإلى من سبقت؟ وإن كنت فاخرًا فبمن فخرت، وإن كنت أدركت هذا الفخر بأسرتك دون أسرتنا، فالفخر لك علينا. وإن كنت إنما أدركته بأسرتنا فالفخر لنا عليك، والكثكث٢ في فمك ويديك وأما ما ذكرت من الطليق، فوالله لقد ابتُليَ فَصَبَرَ، وأُنْعِمَ عليه فشكر، وإن كان والله لَوَفِيًّا كَرِيمًا، غير ناقض بيعةٍ بعد توكيدها، ولا مُسْلِمٍ كتيبة بعد التأمُّرِ عليها٣، فقال ابن الزبير: أَتُعَيِّرُ الزبير بالجبن؟ والله إنك لتعلمُ منه خلافَ ذلك، قال ابن عباس: والله إني لا أعلم إلا أنه فرَّ وما كرَّ، وحارب فما صَبَرَ وبايع فما تمم، وقطع الرحم، وأنكر الفضل، ورام ما ليس له بأهل٤: وأدرك منها بعض ما كان يرتجى ... وقصر عن جري الكرام وبلدا وما كان إلا كالهجين أمامه ... عتاق، فجاراه العتاق فأجهدا٥ فقال ابن الزبير: لم يبق يا بني هاشم غير المشاتمة والمضاربة، فقال عبد الله بن الحصين

стр. 984

ابن الحارث: أقمناه عنك يابن الزبير، وتأبى إلا منازعته؟ والله لو نازعته من ساعتك إلى انقضاء عمرك، ما كنت إلا كالسَّغِب١ الظمآن، يفتح فاه يستزيد من الريح، فلا يشبع من سغب٢، ولا يروى من عطش، فقل إن شئت أو فدع، وانصرف القوم. "شرح ابن أبي الحديد م٢: ٥٠١"

стр. 985

ابن عباس وابن الزبير في مجلس مروان بن الحكم مدخل ... ابن عباس وابن الزبير في مجلس مروان بن الحكم: وكان يوضع إلى جانب سرير مروان بن الحكم -وهو يومئذ أمير المدينة- سرير آخر أصغر من سريره، فيجلس عليه عبد الله بن عباس إذا دخل، وتوضع الوسائد فيما سوى ذلك، فأذن مروان يومًا للناس، وإذا سرير آخر قد أحدث تجاه١ سرير مروان، فأقبل ابن عباس فجلس على سريره، وجاء عبد الله بن الزبير، فجلس على السرير المحدث، وسكت مروان والقوم، فإذا يد ابن الزبير تتحرك، فعلم أنه يريد أن ينطق، ثم نطق فقال:
следующие страницы →