مجددا تلك الأهمية البارزة التي أولتها كتابات السومريين١ القدامى لهذه المنطقة٢.
وعلى أي حال، فلقد تتم العثور في الإحساء وفي قطر -وبخاصة في عوينات علي، وجنوب دخان- على فؤوس ونبال، فضلا عن كميات من حجر الصوان، ترجع إلى العصور "الباليوليثية" و"النيوليثية"٣.
هذا وقد عثرت البعثة الدنمركية في عامي ١٩٥٨/ ١٩٥٩م ي "تل سعد وسعيد" الواقع في الزاوية الجنوبية الغربية من جزيرة "فيلكا" وتقع على مبعدة ٣٠ كيلو مترا إلى الشرق من مدينة الكويت -على بعض الأختام، وعلى أنقاض من مدينة قديمة في طبقات بُني بعضها فوق بعض، ما عثرت على كسر من الفخار يرجع تاريخها إلى منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد، فضلا عن ختم مستدير من حجر التلك، يختلف عن أحجار العراق الأسطوانية -وكذا عن أختام الهند المربعة- وقد نقش من الناحيتين، هذا وقد أرخت البعثة تل سعد -اعتمادًا على فحص طبقات التل، ودراسة الفخار المتنوع الأشكال -بالعصر النحاسي "أي حوالي عام ٣٥٠٠ق. م" أما تل سعد، فقد أرخته بالعصر اليوناني٤.
وهناك فريق من الباحثين يذهب إلى أن جزيرة البحرين "وهي Tyios عند
стр. 212
بليني، و Tyrus عند سترابو"، إنما كانت مأهولة بالسكان منذ العصور الجليدية المتأخرة في أوربا، وأن جو البحرين وقت ذاك إنما يشبه مثيله في بلاد اليونان في أيامنا هذه، وأن البحرين إنما كانت خضراء تغطيها الغابات١، وإذا صحت المعلومات التي وصلت إلى الفيلسوف اليوناني "ثيوفراستوس" "٣٧١-٢٨٧ق. م"، فقد كانت تزرع في البحرين مساحات كبيرة من القطن، وأنه كان يوجد في هذه الجزيرة مساحات كبيرة لإنباته، وقد أشار "بليني "٣٢-٧٩م" إلى استمرار زراعة القطن في "Tyios" أو "Aradus" حتى أيامه٢.
وأما سكان البحرين فقد كانوا قومًا من الصيادين، يعيشون على ما يقنصونه من حيوان، وما يصطادونه من أسماك، وقد عثر على أدوات من حجر الصوان كان القوم يستخدمونها في صيدهم وفي تقطيع لحوم الفرائس التي تقع في أيديهم، وأن هذه الأدوات المكتشفة إنما تنتمي إلى أواسط عصور "Paiothitic"، كما أنها تشبه مثيلاتها في شمال العراق وفلسطين وشمال غرب الهند٣.
هذا وقد عثر في البحرين كذلك على رؤوس حراب وسكاكين، صنعها أصحابها من صخور صوانية، وقدر لها بعض الباحثين عمرًا يتراوح ما بين عشرة آلاف واثني عشر ألف سنة، ومن ثم فربما ترجع إلى أخريات أيام الرعي، وبداية عهد الاستقرار، بدليل أن منها أحجارًا شذبت لتكون آلات حصد للمحاصيل، فضلا عن قطع الحشائش واجتثاثها من الأرض٤.
وأما في وسط شبه الجزيرة العربية، فقد عثر في مواضع مختلفة من المملكة العربية السعودية -تمتد من الاحساء شرقًا إلى إلى الحجاز غربًا، ومن مدائن صالح شمالا، وحتى نجران جنوبًا -على أدوات حجرية تنتمي إلى تلك العصور المبكرة، كما في "الدوادمي"- وتقع على الطريق بين مكة والرياض، وعلى مبعدة ٣٣٦ كيلو مترًا إلى الغرب من الرياض -حيث عثر على أدوات حجرية من بينها فأس تميل لونها إلى الخضرة٥، وكما في "تل الهبر" إذ كان الصيادون في عصور ما
стр. 213
قبل التاريخ يتنقلون باتجاه الأودية من مكان إلى آخر، وقد ترك الصيادون -ثم الرعاة من بعدهم- بعض الآثار في الأماكن التي حلوا بها حينًا من الدهر، وما برح السياح، وخبراء شركة "أرامكو" وغيرهم، يعثرون على بعض منها، بين الحين والحين١.
وأما في شمال شبه الجزيرة العربية، فقد عثر في "كلوة"، عند سفح جبل الطبيق، على آثار رأى بعض الباحثين أنها ترجع إلى الألف الستين قبل الميلاد، وأن تاريخ السكنى بها، إنما يرجع إلى الألف الثامنة قبل الميلاد٢.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الباحثين لم يوفقوا بعد في العثور على هياكل كاملة للإنسان من عصور ما قبل التاريخ في شبه الجزيرة العربية، أو حتى سيناء، وإن كان بعض رجال شركة "أرامكو" قد عثروا على بقايا عظام وأسنان لبعض الحيوانات "الحلمية" "Mastodom"، وعلى جزء من جمجمة إنسان قديم، في موضع يبعد تسعين ميلا إلى الغرب من "الدمام"، إلا أن ذلك لا يمكن الباحثين من إعطاء رأي علمي فيما يتصل بالحياة في عصور ما قبل التاريخ، حتى وإن أمكن العثور على مثل هذه البقايا في أماكن أخرى من شبه الجزيرة العربية٣.
على أن البحرين قدمت للباحثين هيكلين كاملين، رأينا الميت فيهما يرقد على جنبه الأيمن، ويتجه بوجهه نحو المشرق، الأمر الذي كان يتبعه سكان العراق القديم في الألف الثالثة قبل الميلاد٤. كما وجدت في المقبرة بقايا عظام حيوانات، فضلا عن أدوات بيت الميت وحليه، ولعلهم في هذا يشبهون المصريين القدامى الذين كانوا يعتقدون في الحياة الآخرة، وأنها على غرار الحياة الدنيا، ومن ثم فقد كانوا يضعون في مقبرة الميت ما قد يحتاجه من متاع في هذه الحياة الأخرى.
وأما أبواب مقابر البحرين هذه، ففي الناحية الأخرى من اتجاه الميت -أي في
стр. 214
الناحية الغربية- وربما كان لذلك صلة بدين القوم، وربما كانوا -مرة أخرى- يشبهون المصريين الذين كانوا يطلقون على عالم الموت اسم "عالم الغرب"، كما كان الموتى يسمون "أهل الغرب"، بل إن مقابرهم إنما كانت في كثير من الأحايين، إنما تقع على الضفة الغربية من النيل.
وأيًّا ما كان الأمر، فإن هناك من يرى أن القوم إنما كانوا يسكنون على ساحل الخليج العربي، بينما يتخذون من جزيرة البحرين مقبرة لموتاهم، على أن فريقًا آخر إنما يذهب إلى أن تلك المقابر، إنما كانت مقابر الفينيقيين الذين كانوا يقطنون البحرين بعد هجرتهم إليها من الأفلاج والخرج، وأنها إنما ترجع إلى الفترة ما بين عامي ٣٠٠٠ و ١٥٠٠ قبل الميلاد١، على أن هناك من يعارض هذا الاتجاه أصلا، ويرفض أن يكون الفينيقيون من هناك٢.
هذا وقد عثرت البعثة الدنماركية في عام ١٩٥٩م٣ جنوب طريق البديع في البحرين، على أربع مقابر، ترجع إلى العصور الحجرية، كما عثر بعض السياح على تلال في مواضع متفرقة في كل من عمان وقطر، ترجع إلى ما قبل الميلاد، هذا وقد عثر رجال شركة "أرامكو" على مقابر كثيرة في جبلي المذري الشمالي والجنوبي٤، فضلا عما عثر عليه "جون فلبي" و"كورنول" من مقابر في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، وفي "الرديف" -على مبعدة ١١٠ أميال شمالي غربي الدمام- وفي "الرويق"، وفي مرتفعات العلم الأبيض والعلم الأسود، وفي كثير من هذه المقابر تمكن الباحثون من الحصول على أدوات من الفخار، وعلى قطع من العاج، وعلى قشور من بيض النعام، وعلى أسلحة برونزية كما استدلوا من وجود
стр. 215
بعضها في مناطق صحراوية بعيدة عن العمران الآن، على أن هذه المناطق إنما كانت مأهولة بالسكان في تلك العصور العتيقة١.
ومن أسف أننا لا نملك دراسة علمية مقارنة عن هذه المقابر، ومن ثم فقد ذهب البعض إلى أنها إنما ترجع إلى عصر "Chaicoithic"، أو إلى العصر البرونزي، بينما ذهب آخرون إلى أنها إنما ترجع إلى العصر البرونزي المتأخر٢، هذا وقد ذهب فريق ثالث إلى أن مقابر "أم النار"، في أبو ظبي، إنما ترجع إلى الألف الثالثة "ق. م"٣، وأما عن أصحاب هذه المقابر، فإن الباحثين يتجهون إلى أن مقابر المرتفعات إنما كانت للصيادين أو الرعاة، بينما كانت مقابر السهول للمزارعين المستقرين٤.
ولعل مما تجدر ملاحظته أنه قد تبين من مخلفات المقابر في أم النار أنها إنما تضم العديد من الهياكل العظمية المتكدسة في المدفن المشترك، ويقل العدد في غرف الدفن والممرات، مما يدل على أن القبر قد استخدم مرات عديدة، هذا ويدل وجود الهياكل العظمية خارج الجدران الخارجية على وجود ظاهرة التضحية البشرية التي تواكب مراسم الدفن حيث توضع جثث الأشخاص الذين يضحى بهم مع بعض خارج المبنى الذي يضم جثة المتوفى٥.
وإنه لمن الأهمية بمكان الإشارة إلى وجود مراكز استيطان عديدة في شمال شرق الجزيرة العربية، تنتمي إلى حضارة "العبيد" في العراق القديم، من الناحية الزمنية، فضلا عن تشابه حضاري بينهما، وأما موقع هذه المراكز فقد كان بحذاء الساحل، وفي داخل المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، ولعل من المفيد هنا أن نشير إلى أن منطقة شرق الجزيرة العربية لم تخضع لتطورات عصور ما قبل التاريخ في منطقة الشرق الأدنى القديم، والتي انتقلت من مرحلة الصيد وجمع
стр. 216
الغذاء "حوالي ٩٠٠٠ق. م" إلى مرحلة استئناس الحيوان ثم الزراعة "حوالي ٧٠٠٠ق. م"، فمرحلة القرى الزراعية، ثم مرحلة التجمعات الزراعية "عصر العبيد"١.
وعلى أي حال، فلقد اكتشف في شمال شرق الجزيرة العربية أكثر من ثلاثين موقعًا، ينتمي إلى حضارة العبيد، فيها أربعة عبارة عن أماكن استقرار، والباقي مناطق سطحية تحيط بالأربعة السابقة، وتتوزع هذه المناطق على مساحة واسعة داخل المنطقة الشرقية -وكذا على الساحل، وتوجد الأولى في العروض الجنوبية، بينما توجد الثانية في العروض الشمالية، وإن اتفقت جميعًا في الفخار الملون -وكذا الأدوات التي عثر عليها فيها- إنما تتشابه جميعًا مع مثيلاتها في منطقة العبيد٢.
стр. 217
شرق الجزيرة العربية وسكان جنوب العراق من أولئك الذين كانوا يحترفون الصيد وجمع الغذاء، وأن مجموعات بشرية من شرق الجزيرة العربية قد هاجرت إلى السهل الفيضي القريب منهم، وساهمت بذلك في خلق نوع من التفاعل الثقافي، ومن ثم فقد كان هناك تبادل بين جنوب العراق وشمال شرق الجزيرة العربية في الأدوات الحجرية والمنتجات البحرية إبان عصر العبيد، وربما أدى هذا التبادل إلى هجرات دورية من جانب الرعاة والصيادين أو جامعي الغذاء، إن التطور الاقتصادي في كل من المنطقتين "الصيد والجمع وصيد الأسمال في شرق الجزيرة العربية، والزراعة في جنوب العراق" قد ساعد على عملية التبادل المادي والحضاري بين الناحيتين١.
وعلى أي حال، فلقد كان من نتائج فحص مناطق الاستقرار التي تنتمي إلى حضارة العبيد في شمال شرق الجزيرة العربية، أن الجنوب قد سادت فيه حضارة العبيد المبكرة، بينما سادت في الشمال نفس الحضارة في عصرها المتأخر، وإن عثر في موقع وحيد -على مقربة من قرية الهفوف- على فخار يشبه فخار العبيد المبكر، كما أن الحضارات التي تعاقبت بعد ذلك في جنوب العراق -كالوركاء وما قبل الكتابة- لا أثر لها في تلك المواقع التي عثر فيها على حضارة العبيد في بلاد العرب، كما أنه ليس هناك من دليل على وجود لحضارة العبيد في جزيرة "تارون"، والتي ظهر أن حضارتها إنما كانت على صلة مباشرة بحضارة الخليج العربي التي تنتمي إلى منتصف الألف الثالثة ق. م، وفيما بعد، مثل حضارة البحرين٢.
ولعل من نتائج ذلك كله أن هناك عناصر حضارية ثلاثة في شرق الجزيرة العربية في عصور ما قبل التاريخ، تميزت الواحدة بصناعة الأدوات الحجرية، وتأثرت الثانية بحضارة العبيد، وأما الثالثة -ويمثلها موقع جزيرة تارون- فتنتمي إلى حضارة الألف الثالثة ق. م، وما بعدها، وقد كانت نتيجة للعلاقات التجارية بين الجانبين، والتي قامت فيها شواطئ الخليج بدور مهم٣.
وطبقًا لعلم الطبقات، فإن العنصرين الحضاريين وجدا أنهما على علاقة مباشرة ومتتابعة في موقع "عين قناص" في الداخل، وفي جنوب غرب المنطقة الشرقية،
стр. 218
فضلا عن ذلك، فإن تحليل الرواسب من هذا الموقع أمدنا بدليل مباشر على تواجد سكاني دوري في المنطقة في العصر الحجري، وهكذا يمكننا أن نستنتج أن حركات سكانية وهجرات دورية حدثت على المدى الطويل تجاه الوادي الغريني في جنوب العراق، ومن الممكن أن نظن أن مواطن الاستقرار التي تنتمي إلى حضارة العبيد في بلاد العرب، خاصة تلك التي تقع على طول الساحل، تبادلت المواد الخام مع مثيلاتها في جنوب العراق، فلقد كانت مواد التبادل هذه تتمثل في الأصداف واللآلئ والمنتجات البحرية الأخرى، فضلا عن المواد الحجرية المنتجة من سواحل الجزيرة العربية، كما أن وجود حجر الأوبسيديون في مواقع الجزيرة العربية، لدليل على العلاقات بين هذه الأخيرة وبين الشمال عن طريق جنوب العراق١.
ومما هو جدير بالملاحظة أن الفترة التي بدأت تتكون فيها المدن في العراق، قد توافقت زمنيًّا مع فترة اختفاء حضارة العبيد في الجزيرة العربية، مما يحمل على الظن بأن هجرة كبيرة من سكان الجزيرة نزحت إلى العراق القديم في نهاية الألف الرابعة قبل الميلاد، وهذا يتفق مع ما افترضه العلماء من أن تدفق السكان على سهول العراق كان حاسمًا في قيام المراكز المدنية هناك٢.
وعلى أي حال، فلعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى المراكز الحضارية في منطقة الخليج العربي إنما قد تأثرت في عصور ما قبيل الكتابة بحضارات جنوبي بلاد الرافدين -كما أشرنا من قبل- ووادي السند ووادي النيل وإيران، ذلك لأن المراحل الأخيرة في عصور ما قبل التاريخ إنما قد تأثرت إلى حد كبير بظاهرة الاتصالات الخارجية٣.
وهناك ما يشير إلى تشابه في أشكال الأدوات الفخارية التي تنتمي إلى عصر حضارة العبيد، وتلك التي في موقع أم النار في أبو ظبي بدولة الإمارات العربية، وموقع باكون بإقليم فارس٤ في إيران.
стр. 219
هذا وقد قامت منطقة الخليج العربي بدور فعال في الاتصال بين حضارة جنوب وادي الرافدين وواد السند، وهناك ما يشير إلى أن تجار منطقة وادي السند قد مارسوا التجارة مع سكان الخليج العربي ومدن وادي الرافدين١.
وفي هذا المجال فقد عثر في أم النار و"هيلي"- على مبعدة عشرة كيلو مترات من مدينة العين- على أواني فخارية تحمل زخارف تشبه تلك التي عثر عليها في وادي السند، هذا ويستدل على الاتصال التجاري مع وادي السند من العثور على العديد من الأختام المربعة التي تتميز بها حضارة وادي السند في فيلكا وفي البحرين وكذا العثور على أختام دائرية في موقع وادي السند يعود أصلها إلى فيلكا والبحرين٢.
هذا وقد تبين من الدراسة والمقارنة لفخار أم النار، وفخار "كولي" أن الأول ينتمي إلى الألف الثالثة قبل الميلاد، وأن التشابه بين النوعين إنما يكمن في الصناعة وتطبيق الألوان وأسلوب الزخرفة والحفر البارز، وإن تميز فخار أم النار بتعدد ألوانه وأشكاله وزخارفه٣.
وفي موقع بلوخستان الإيراني يوجد موقع "بامبور" "بجنوب شرق إيران" ويضم ست طبقات تؤرخ ابتداء من الربع الثاني من الألف الثالثة ق. م، وحتى بداية الألف الثانية ق. م٤، وتمثل ست مراحل حضارية، عثر في الطبقات الأربعة الأولى منها على أواني فخارية رمادية تشبه فخار أم النار٥، أما المرحلة السادسة فإلى جانب تشابه فخارها مع فخار أم النار، فلقد كشف فيها كذلك عن ختم من أختام الخليج العربي، يؤرخ بحوالي عام ١٩٢٣ق. م٦، ومن ناحية أخرى فلقد وصلت أختام وادي السند -ومنها ما يحمل خصائص أختام الخليج العربي -إلى
стр. 220
بلاد الرافدين ومواقع الخليج العربي١، هذا فضلا عما عثر عليه في البحرين وفيلكا من أدوات حجرية من وادي السند، وكذا لوحة لعب من حجر اللازورد عثر عليها في موقع "باربار" في البحرين٢.
وعلى أي حال، فرغم أن هناك من يرى أن عصر ما قبل التاريخ قد بدأ في شبه الجزيرة العربية حوالي الألف الثالثة ق. م، في وقت كان العصر التاريخي قد بدأ في أماكن أخرى٣ -كمصر والعراق القديم- فإن معلوماتنا الحالية لا تسمح لنا بتحديد العصر الذي ينتهي فيه العصر الحجري القديم، ويبدأ فيه العصر الحجري الحديث أو العصر التاريخي في بلاد العرب، فإن ذلك ما زال متوقفًا على الأبحاث الأثرية.
على أن هناك حقيقة مهمة تتلخص في أن الهجرات بدأت تفد إلى مصر من بلاد العرب منذ الألف الرابعة قبل الميلاد، وإلى العراق قبل بداية الألف الثالثة قبل الميلاد٤، ذلك لأن شبه الجزيرة العربية، فيما يرى غالبية العلماء -ومنهم سبرنجر٥ وإيرهارد شرادر٦، وهربرت جريمة٧ وروبرتسون سمث٨ وكارل بروكلمان٩ وكنج١٠ وجون ماير١١ ستانلي كوك١٢، ورايت١٣، وهوجو فنكلر
стр. 221
وتيله والأب فنسان وجاك دي مورجان وكايتاني١ وديتلف نلسن٢، وفريتز هومل٣ وفلبي٤ وسايس٥ وحسن ظاظا٦ سبتينو موسكاتي٧ وغيرهم- يرون أن الموطن الأصلي للساميين إنما هو شبه الجزيرة العربية٨، ذلك الخزان البشري الشهير، الذي لم يتوقف عن أن يقذف- كإقليم طرد وكصحراء فقيرة، ولكنها ولود -بالموجة تلو الموجة إلى منطقة الهلال الخصيب المتاخمة والجذابة، وإلى وادي النيل، عبر البحر الأحمر، أو عن طريق سيناء٩.
ورغم اختلاف أصحاب هذه النظرية في المكان الذي كان الموطن الأصلي للساميين من الجزيرة العربية -فيما بين أواسط شبه الجزيرة العربية ولا سيما نجد، وبين العروض ولا سيما جزيرة البحرين والسواحل المقابلة لها، وبين الأقسام الجنوبية من بلاد العرب١٠- فالذي لا شك فيه أن الجزيرة العربية هي موطن الساميين الأول، وعلى هذا الأساس يمكن تفسير حركات القبائل السامية من البادية إلى أودية الأنهار الخصبة، والتي بدأت منذ عصور ما قبل التاريخ، ولم تتوقف على الإطلاق حتى الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي.
وهكذا انطلقت من شبه الجزيرة العربية هجرات ضخمة تتدفق في موجات متتابعة تشق طريقها إلى الأراضي الخصبة، ويذهب بعض العلماء إلى أن الفترة بين
стр. 222
الموجة والتي تليها تبلغ زهاء ألف عام١، ولعل من أشهر هذه الموجات موجة الأموريين٢، ثم الكنعانيين -أو الفينيقيين٣- وأما ثالث الموجات فقد كانت الموجة الآرامية٤.
وتشير الآثار المستخرجة من الأراضي فيما بين دجلة والفرات، على أن أولى الهجرات السامية إنما بدأت حوالي عام ٥٠٠٠ق. م، وأن هذه الاكتشافات لا تنفي فكرة وقوع هجرات سامية قبل هذا التاريخ٥، فضلا عن التي أتت بعده، ومنها تلك التي كانت في بداية الألف الثالثة قبل الميلاد، والتي كان أصحابها على قدر غير قليل من الثقافة، حتى أنهم استطاعوا على أيام سرجون الأولى "حوالي عام ٢٣٥٠ق. م" من أن يقيموا دولة اتسعت فتوحاتها حتى وصلت آسيا الصغرى، وبدهي أنهم لن يستطيعوا أن يفرضوا أنفسهم على شعب ذي حضارة كالسومريين، إلا إذا كانوا قد وصلوا إلى درجة من التقدم تجعلهم يعرفون كيف يستفيدون من غيرهم، وتصبح لهم السيطرة على البلاد، وأن تظل لغتهم الأصلية وكثير من مظاهر ثقافتهم، ملازمة لهم قرونًا طويلة، ومن ثم يمكننا القول أن هؤلاء المهاجرين من بلاد العرب إلى العراق قبل خمسة آلاف سنة، لم يكونوا قومًا بدائيين، بل كانوا ذوي ثقافة خاصة بهم، كما كان لهم نظمهم وحياتهم الاجتماعية٦.
стр. 223
الفصل السابع: دولة معين
١- معين والمعينيون:
يتفق العلماء -أو يكادون- على أن دولة معين، إنما هي أول دولة نستطيع أن نلمح بعض معالمها وسط ضباب التاريخ القديم لبلاد العرب الجنوبية، وأنها -طبقًا للنقوش التي تركتها في شمال اليمن حول بلدة معين- قد قامت في منطقة الجوف، بين نجران وحضرموت، وهي منطقة سهلة غرينية، اشتهرت بنخيلها وأخشابها ومراعيها، التي تعتمد على مياه "الخاردن" وعلى الأمطار التي تسقط هناك، فتكون سيولا تسيل في أودية، فإذا أضفنا إلى ذلك كله، أن الجبال تحيط بها من جهات ثلاث، مما يكون حماية طبيعية لها، لتبين لنا إلى أي مدى ساعدت تلك العوامل الطبيعية على أن تكون منطقة الجوف هذه، مركزًا هامًا للحضارات في اليمن القديم١.
ومصادرنا الأصلية عن دولة معين، إنما هي الكتابات التي تركها أصحاب هذه الحضارة، فضلا عن كتابات الرحالة القدامى من الأغارقة والرومان٢، من أمثال "ديودور الصقلي" "من القرن الأول الميلادي"، و"سترابو" "٦٦ق. م-٢٤م"، الذي دعاهم "Minai= Meinaioi"، وأن عاصمتهم، "قرناو" "Carna=Karna" وأما موقع بلادهم فقد رآه في الشمال من سبأ وقتبان، وإلى الغرب من حضرموت٣، أضف إلى ذلك أن "ثيوفراستوس" قد ذكر إلى جانب سبأ وقتبان وحضرموت- أرضًا دعاها "Mamaii"، رأى "أوليري" أن المراد بها "معين" Minaia"
стр. 224
وأن تحريفًا حدث في النسخ، ومن ثم فقد صارت "١Mamaii"، وأما "بليني" "٣٢-٧٩م، فقد وضعهم على حدود حضرموت٢.
وأما المصادر العربية، فلا علم لها بهذه الدولة، وإن عرفت اسم "معين" و"براقش"، على أنهما موضعان في الجوف، أو محفدان من جملة محافد اليمن وقصورها القديمة، كما أنها جعلتهما من أبنية "التبابعة"٣.
ويذهب "فريتز هومل" إلى أن صحة اللفظ إنما هو "معان"، وليس معين، وأن معان إنما هو النطق القديم جدًّا للكلمة٤، وربما كان "ألويس موسل"٥ و"فيليب حتى" يريان نفس الرأي، من أن لفظة معان العربية "والتي جاءت في التوراة تحت اسم ماعون ومعون ومعين، على اعتبار أنها اسم موضع"٦ قد أصبحت بعد ذلك "معين" بمعنى ماء نبع٧، ومن ثم فقد رأى البعض أن هؤلاء المعينيين المذكورين في التوراة، إنما هم سكان النقب، وحتى سيناء٨، بينما ذهب فريق آخر إلى أنهم سكان منطقة معان التي تقع إلى الجنوب الشرقي من البتراء٩، هذا وقد ذهب فريق ثالث إلى أنهم أهل "العلا"، "ديدان"، على أن التوراة قد جعلتهم من سكان النقب في بعض نصوصها، بينما جعلتهم في نصوص أخرى من القبائل العربية١٠.
стр. 225
هذا ويرى "فريتز هومل" أن كلمة "مجان" التي جاءت في نقش للملك الأكدي "نرام سن" يقول فيه أنه "أخضع بلاد مجان، وأخذ مانيوم أمير مجان أسيرًا"١ إنما هو تحريف لإسم إقليم معين في اليمن٢، بل إن هناك رأيًا غريبًا -بعيدًا عن المنطق الزمني والمنطق التاريخي- يذهب إلى أن "مجان" هذه التي جاء ذكرها في النص الآنف الذكر، إنما هي "مصر" وأن "مانيوم ""مانو دانو" إنما هي تحريف لاسم "منى"، "مينا" أول ملوك الأسرة الأولى الفرعونية٣.
والرأي عند الدكتور حسن ظاظا أنه من المحتمل أن يكون لفظ "مجان" هو في الأصل "معان" في أقصى الشمال من الحجاز شرقي خليج العقبة، وليس قرب هذا المكان من العراق هو الذي يدعو إلى ترجيح هذه الفكرة، ولكن اسم هذا الأمير الذي كان يحكم الإقليم "مانيوم" الذي يبدو أنه نطق آشوري للاسم العربي "معن" "بالضم والتنوين"، وهو شائع في أسماء عرب الشمال، نادر في عرب الجنوب، لا نجده فيما نعلم في النقوش اليمنية، بينما يقابلنا بكثرة جدًّا في الشعر العربي الجاهلي، وفي النقوش العربية القديمة التي عثر عليها في الشمال كالنقوش الصفوية مثلا٤.
على أن موقع "مجان" هذه، قد أثار جدلا طويلا بين العلماء، فذهب "هوجو فنكلر" إلى أنها في الأقسام الشرقية من شبه جزيرة العرب٥، وذهب
стр. 226
آخرون إلى أنها "جرها" "جرعاء" على ساحل الأحساء١، بينما ذهب فريق ثالث إلى أنها إنما تقع على مقربة من ساحل الخليج العربي في موضع "مجيمنة" جنوب "يبرين"٢، وذهب "فلبي"٣ إلى أنها على مقربة من الساحل عند مصب وادي شهبة، وهي البقعة التي نشأت فيها مملكة مجان القديمة.
ويذهب "كيتاني" إلى أنها "مدين" والتي كانت حوالي الألف الخامسة قبل الميلاد كثيفة الأشجار، وكان البابليون يأخذون منها الذهب والنحاس والأخشاب، ويعارض "موسل" هذا الاتجاه، محددًا موقع مجان على ساحل الخليج العربي٤، على أن هناك فريقًا سادسًا إنما يذهب إلى أنها منطقة "عمان" -أي الطرف الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية٥.
وأخيرًا، فلقد حاول بعض المؤرخين أن يحدد موقعها بخط طول ٥٥ شرقًا، وخط عرض ٢٤ شمالا، وبحوالي ٤٥٠ ميلا إلى الشمال الغربي من مسقط، وأن كلمة "مجان" إنما تتكون من الكلمة السومرية Ma"" بمعنى ميناء أو أرض السفن، وذلك بسبب شهرة أهلها في ركوب السفن، فضلا عن أن هناك نصًّا يرجع إلى أيام "دونجي" "أحد ملوك أوربا حوالي عام ٢٤٥٠ق. م" يحدثنا عن صناع السفن من "مجان"، وأن النصوص المسمارية قد وصفتها بأنها "جبل النحاس"، كما أطلقت عليها النصوص السومرية "أرض الدولوربت"، ومن ثم فإن الإشارة إلى مجان على أنها جبل النحاس، تدفعنا إلى أن ندخل في دائرتها منطقة الجبل الأخضر بعمان، حيث يوجد النحاس، وهكذا يبدو واضحًا أن لدينا من القرائن القوية التي تقربنا من وضع مجان كمرادف صحيح لعمان، لأن كل ما ذكر آنفًا إنما هو موجود في عمان٦.
стр. 227
وأيًّا ما كان الأمر بالنسبة إلى موقع "مجان" وصلتها بمعين، فإن هناك من ذهب -قبل عصر الاكتشافات الحديثة- إلى أن المراد بلفظ "Minaeo" إنما هم "المنائيون" نسبة إلى "منى" في مجاورات مكة المكرمة١، بل إن واحدًا من المؤرخين المعاصرين ذهب إلى أن المعينيين إنما هم قوم عاد٢، بينما ذهب آخرون إلى أنهم من بدو الآراميين الذين كانوا في أعالي جزيرة العرب قبل دولة حمورابي بعدة قرون، فلما ظهرت هذه الدولة واقتبست حضارة السومريين -الدينية والتشريعية والاجتماعية- كان المعينيون في جملة القبائل التي نالت حظًّا من ذلك كله٣، وبعد فترة لا ندري مداها على وجه التحقيق، هاجر المعينيون- مع قبائل أخرى- من العراق والتمسوا مقرًّا متحضرًا يقيمون فيه، فنزلوا اليمن في إقليم الجوف وشيدوا القصور والمحافد على مثال ما شاهدوه في بابل٤، ويقدم هذا النفر من الباحثين أدلة على زعمهم هذا، منها -فيما يرون- اشتراك المعينيين والآراميين في أسماء الأشخاص وأسماء المعبودات، ومنها الاشتراك في أسس المعتقدات وطرق العبادة٥.
على أن أرجح الآراء -فيما نعتقد ونميل إلى الأخذ به- أن المعينيين من جنوب شبه الجزيرة العربية، وأنهم لم يفدوا من الشمال كما زعم البعض٦، وإن كانوا قد حققوا سيطرة على الطرق التجارية بين جنوب بلاد العرب وشمالها، وقد كانت وقت ذاك وسيلة نقل الطيب والبخور، كما كانت تمتد في الشمال من غزة حتى مصر من ناحية، ومن غزة إلى الشام من ناحية أخرى، ومن ثم فقد أسسوا هناك مركزًا خاصًا بهم يبعد عن اليمن بحوالي ١٠٠٠ كيلو متر، وتفصل بينه وبين اليمن بلاد عربية أخرى تقع على الطرق التجارية٧، ثم سرعان ما بدأ نفوذهم السياسي يتسرب
стр. 228
نحو الشمال بالتدريج، حتى انتهى الأمر بسيطرتهم على شمال الحجاز، ممثلا في الحكومات المحلية في منطقة معان والعلا، وكما يقول "ألويس موسل" فإنه خلال الألف الأولى قبل الميلاد كان الجزء الأعظم من التجارة العالمية في بلاد العرب واقعًا في يد السبئيين والمعينيين الذين كانوا يسيطرون على الجزء الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية، وكان السبئيون والمعينيون أبناء جنس واحد ولكنهم كانوا يتنافسون على السيادة، لا في بلادهم فحسب، بل في الواحات التي كانت تمر بها الطرق التجارية كذلك١.
стр. 229
٢- عصر دولة معين:
لقد دار- ولا يزال- جدل طويل حول عصر الدولة المعينية، والفرق بين السنوات التي يقدمها العلماء جد شاسع، حتى أننا نرى آراء تذهب إلى أنها إنما كانت بين الألف الثالثة والثانية ق. م، بينما تأخرت بها آراء أخرى إلى النصف الثاني من الألف الأولى ق. م، ذلك أن "إدوارد جلازر" يذهب إلى أن الأبجدية التي استعملها المعينيون في كتاباتهم إنما ترجع إلى الألف الثانية، وربما الثالثة ق. م، وهذا يعني أن تاريخ القوم إنما يرجع إلى ما قبل هذه الفترة١.
ويتجه "فريتز هومل" إلى أن دولة معين قد بدأت فيما بين عامي ١٥٠٠، ١٢٠٠ق. م، وانتهت حوالي عام ٧٠٠ق. م، بل نراه يحدد حوالي عام ١٣٠٠ق. م، كبداية لظهور معين على مسرح التاريخ، وأما الحضارة والكتابة المعينية فيجب أن تكون أقدم من هذا التاريخ، وربما ترجع إلى منتصف الألف الثانية ق. م، ومن ثم فهو يرى أن دولة معين كانت سابقة لدولة سبأ، معتمدًا في ذلك على أن "جلازر" قد عثر على نقوش سبئية قديمة "جلازر ٤١٨، ٤١٩، ١٠٠٠"، وفيها نقرأ عن سقوط الدولة المعينية على يد أحد حكام سبأ٢، وأن النقش الكبير، والمعروف بنقش صرواح٣، يدلنا على أن العصر الذهبي لدولة معين، إنما كان قبل ارتفاع
стр. 230
شأن السبئيين١.
هذا وقد حدد "فلبي" لدولة معين الفترة "١١٢٠-٦٣٠ق. م"٢، بينما ذهب فريق آخر من العلماء "ومنهم هاليفي وموللر وموردتمان وماير وسبرنجر وليدر بارسكي" إلى أن ظهور دولة معين لا يمكن أن يتجاوز الألف الأولى قبل الميلاد٣، ولعل "ملاكر" يرى نفس الرأي، وإن كان أكثر تحديدًا في تأريخه، إذ جعل قيام دولة معين في عام ٧٢٥ق. م، ونهايتها في القرن الثالث ق. م٤، ولعل قريبًا من هذا ما ذهب إليه "أوليري" من أن كتابات المسند جميعها -سواء أكانت معينية أو سبئية- لا ترجع في تأريخها إلى أقدم من عام ٧٠٠ق. م، وربما إلى القرن الثامن ق. م٥.
ويذهب "وينت" إلى اعتبار سبأ وديدان أقدم الدول العربية، معتمدًا في ذلك على ما ورد في التوراة٦ من قدم سبأ، ومن ثم فإنه يرى أن قيام دولة معين لا يمكن أن يتجاوز عام ٥٠٠ق. م، وأن نهايتها إنما كانت فيما بين عامي ٢٤ق. م، ٥٠م٧، وأما "موسكاتي" فالرأي عنده أن الحفائر الحديثة وتطبيق "العملية الراديوكربونية" "Radiocarbon Precess" تشير إلى تعاصر دولتي سبأ ومعين، وأن قيام دولة معين إنما كان حوالي عام ٤٠٠ق. م٨، وأما "وليم أولبرايت" فقد حدد نفس العام "٤٠٠ق. م" كبداية لدولة معين، كما جعل نهايتها فيما بين عامي ٥٠،
стр. 231
٢٥ق. م١، ثم عاد بعد ذلك فعدل تواريخه، فجعل عام ٣٥٠ق. م، كبداية لقيام الدولة، وأما النهاية ففي الفترة ما بين عامي ١٠٠، ٥٠ق. م٢، وأخيرًا فهناك من جعل نهاية دولة معين في حوالي عام ١٠٠م٣.
وهكذا يبدو واضحًا مدى الخلاف بين العلماء على وقت قيام دولة معين ونهايتها، وكيف أن الفرق بين التقديرات المختلفة جد شاسع، وهنا لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذا التفاوت الزمني يؤثر تأثيرًا كبيرًا في معرفتنا للدول العربية الأخرى، وذلك لأن قيام كل دولة عربية جنوبية مرتبط بالأخرى، بخاصة إذا ما سلمنا بأن الدولة السبئية قامت على أنقاض الدولة المعينية، ومن ثم فإن ظهور سبأ على مسرح التاريخ العربي، يجب أن يكون في رأي هؤلاء العلماء معاصر لفترة الاضمحلال التي مرت بها دولة معين٤.
أضف إلى ذلك كله، أن الذين انتهوا بالدولة في فترة مبكرة، ترجع إلى ما قبل الميلاد بعدة قرون، أو حتى الذين وصلوا بها إلى ما قبل الميلاد بقرن من الزمان، قد يزيد وينقص قليلا، تجاهلوا أن الكتاب القدامى من الأغارقة والرومان -ومنهم سترابو وبليني وديودور الصقلي -قد أشاروا إلى المعينيين وتجارتهم، بل إن بطليموس "١٣٨-١٦٥م" والذي أخرج كتابه "الجغرافية" حوالي عام ١٥٠م، قد وصفهم بأنهم "شعب عظيم"، فضلا عن أن الكتابات المعينية في الجيزة، إنما تشير إلى اشتغالهم بتجارة الطيب والبخور في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد، ولعل هذا كله هو الذي دفع "أوليري" إلى القول بأن المعينيين كانوا نشيطين إلى ما بعد الميلاد،
стр. 232
وربما كانت نهاية دولتهم على أيام البطالمة أو الرومان، إلا أن تحقيق ذلك -على ضوء معلوماتنا الحالية- أمر لا نستطيع أن نقول فيه كلمة نزعم أنها القول الفصل، أو أنها أقرب إلى الصواب من غيرها١.
وأما بداية دولة معين، فلعلنا إن اعتمدنا على التوراة، لكان رأي الذين يرجعون بها إلى الألف الثانية ق. م، صحيحًا إلى حد كبير، ذلك أن سفر القضاة يحدثنا أن الصيدونيين والعمالقة والمعونيين كانوا يضايقون بني إسرائيل٢، وإذا كان خروج بني إسرائيل من مصر -كما رجحنا في كتابنا إسرائل - قد تم على أيام "مرنبتاح" "١٢٢٤-١٢١٤ق. م"٣، فإن عصر القضاة سوف يكون في الربع الأخير من الألف الثانية ق. م، وإذا كان المقصود بالمعونيين هنا، الجالية المعونية في شمال غرب الجزيرة العربية، فإن دولة معين لابد وأن تكون قد قامت قبل هذه الفترة، وربما في النصف الثاني من الألف الثانية قبل الميلاد.
ونقر أن في سفر أخبار الأيام الثاني، إشارات عن حرب دارت رحاها بين "يهوشافط"، من ناحية، وبين بني مؤاب وبني معون والمعونيين من ناحية أخرى٤، وهذا يعني أن المعونيين كان لهم وجود على أيام الملك اليهودي "يهوشافط" "٨٧٣-٨٤٩ق. م"- أي في القرن التاسع قبل الميلاد- ووفقا لما جاء في سفر أخبار الأيام الثاني "٢٦: ٧"، فإن الملك "عزيا" "٧٧-٧٤٠ق. م" قد حطم العرب الذين كانوا يسكنون في "حوربعل"، كما حطم أهل معون، ويفهم من نصوص التوراة هذه أن هؤلاء العرب كانوا يسكنون في الإقليم الواقع في الجنوب والجنوب الشرقي من البحر الميت -أي في نفس الإقليم الذي تقع فيه واحة معان٥، ومعنى هذا -مرة أخرى- أن المعينيين كانوا أصحاب مستعمرات في شمال بلاد العرب في
стр. 233
القرن الثامن قبل الميلاد، ولعل هذا كله إنما يعضد فكرة البداية المبكرة لقيام دولة معين في حوالي الألف الثانية قبل الميلاد، إلا إذا كانت "معون" التوراة، لا صلة لها بمعين بلاد العرب، وهو أمر لا يوافق عليه الكثير من الباحثين.
стр. 234
٣- ملوك معين:
لقد توصل العلماء -عن طريق الرحالة والبعثات العلمية- إلى أسماء عدد من حكام معين، إلا أن الأمر لا يزال موضع خلاف، فيما يتصل بحكم هؤلاء الملوك، ولعل السبب في ذلك يرجع "أولًا" إلى عدم الاتفاق بين العلماء على فترة حكم دولة معين، وكذا على وقت سقوطها، ويرجع "ثانيًا" إلى أن الكتابات المعينية نفسها غير مؤرخة طبقًا لأي تقويم من التقاويم، فضلا عن أنها لم تقدم لنا الفترة الزمنية التي استغرقها حكم هؤلاء الملوك -كأفراد أو جماعات- ويرجع "ثالثًا" إلى أنها في جوهرها كتابات شخصية، أكثر منها سياسية، ومن هنا بات من الصعب على العلماء أن يتفقوا على قوائم ثابتة وصحيحة لملوك معين، أو لمدد حكمهم١.
وقد رتب "هومل" ملوك معين في ثلاث أسرات، تتكون الواحدة منها من أربعة ملوك، ثم أسرة رابعة من ملكين٢، بينما رتبهم "كليمات هوارت" في سبع طبقات، مجموعها ٢٢ ملكًا، تتكون الأولى من أربعة ملوك، والثانية من خمسة، والثالثة من أربعة، والرابعة من اثنين، والخامسة من ثلاثة، بينما تتكون السادسة والسابعة من ملكين٣، هذا وقد قدم لنا كذلك كل من "موللر" و"أوتووبير" و"موردتمان" و"ريكمانز" قوائم بملوك معين٤.
وأما "جون فلبي" فقد رتبهم في خمس أسرات، تفصل الواحدة عن الأخرى فترة مظلمة لا نعرف عنها شيئًا، كما أن فترة حكم كل أسرة تقوم على الفرض والتخمين، لا على الحقيقة والواقع، فهو مثلا يقدر أن فترة حكم الملك لا تتجاوز
стр. 235
العشرين عامًا، وأن فترة الانتقال بين الأسرة والأخرى تبلغ أيضًا عشرين عامًا١، ويضع "فلبي" على رأس الأسرة الأولى "إل يفع وقه"، متخذًا من عام ١١٢٠ق. م، بداية لحكمه، بينما يجعل" "تبع كرب" "٦٥٠-٦٣٠ق. م" الملك الأخير من الأسرة الخامسة٢.
وفي عام ١٩٥٠م، قد لنا "وليم أولبرايت" قائمة تتكون من سبعة عشر ملكًا، ثم ذكر أن هناك ما لا يقل عن خمسة ملوك لا يعرف فترة حكمهم٣، وفي عام ١٩٥٣م، أعاد "أولبرايت" دراسة القوائم ثم قدمها لنا في ثلاث مجموعات، تتكون الأولى من "١٢ ملكًا"، والثانية من "٦ ملوك"، والثالثة من "٣ ملوك"٤.
ولعل من أهم الأحداث التي روتها النقوش ما كان في عهد الملك "أب يدع يثع" عن حرب وقعت بين الجنوب والشمال، ذلك أن نقوش "جلازر ١١١٥، هاليفي ٥٣٥، ٥٧٨" إنما تتحدث عن حرب وقعت بين "ذيمنت" و"ذشامت"٥ وكذا عن حرب أخرى وقعت بين "مذي" و"مصر" في وسط مصر٦، وأن المقصود من الكتابة إنما هو شكر لآلهة معين "عثتر، ود، نكرح" على نجاة القافلة المعينية من أضرار الحرب الأولى والثانية، ووصولها إلى "قرناو".
ويبدو أن القوافل بما تحمله من أموال، كانت كثيرًا ما تتعرض لهجوم من القبائل ومن العشائر، فضلا عن قطاع الطرق، وهي وإن أمنت على نفسها بحماية من الحكومة، وباتفاق مع سادات القبائل نظير مبلغ من المال، فهي لا تأمن على نفسها من القبائل المعادية، ومن ثم فلا غرابة إن نذر أصحاب القوافل لآلهتهم عند عودتهم سالمين من تجارتهم، أو عادت قوافلهم سالمة٧.
وأما عن الحرب التي استعر أوارها بين الشمال والجنوب، فالرأي عند "هوجو فنكلر" أنها كانت بين حكومة معين وحكومة عربية أخرى، هي حكومة
стр. 236
"أريبي"، والتي كان نفوذها يمتد حتى دمشق١، على أن الكتابة نفسها، إنما حددت موضع الهجوم على القافلة بين معين "أو مادان" وبين رجمت٢.
وقد قام جدل طويل بين العلماء فيما يختص بالحرب التي دقت طبولها بين "مذي" ومصر، وكان أشد الجدل يدور حول المقصود بمذي هذه، وحول تاريخ هذه الحرب، فذهب فريق إلى أنهم "الماذيون" أي الماديون "الميديون"، والميديون -كما نعرف- قبائل إيرانية كانت منتشرة في منطقة تمتد من جبال "دوماوند" حتى مدينة "همدان"، ثم استطاعوا تحت قيادة "كياكسارس" السيطرة على فارس، واتخاذ مدينة "أكباتانا "ومكانها الآن مدينة همدان" عاصمة لهم، بل والتعاون مع البابليين في القضاء على آشور، واحتلال "نينوى" في عام ٦١٢ق. م، ثم الاستيلاء على الجزء الشمالي من الإمبراطورية الآشورية. إلا أن الأمور سرعان ما بدأت تتغير في هضبة إيران، عندما تولى العرش الفارسي "كيروش الثاني" في عام ٥٥٩ق. م، والذي كتب له نجحا بعيد المدى في القضاء على الميديين، وفي أن يصبح سيد المنطقة كلها٣، إلا أن تاريخ الميديين لم يحدثنا عن حروب وقعت بينهم وبين مصر، سواء أكان المقصود بها "مصر" "كنانة الله في أرضه"، أو تلك الولاية "مصرو" في شمال بلاد العرب، والأمر كذلك بالنسبة إلى تاريخ مصر على أيام الفراعين.
هذا ويرى "جون فلبي" أن "مذي" إنما هم المديانيون، وأن الحرب التي وقعت إنما كانت بين المديانيين -والذين كانت أرضهم تمتد من خليج العقبة إلى مؤاب إلى سيناء -وبين "معين موصرو٤،، وأما "هومل" فالرأي عنده أن "مذي" إنما هم جماعة من بدو سيناء٥، ويذهب "ملاكر" إلى أن الحرب بين مذي ومصر، إنما هي إشارة إلى الحرب التي كانت بين المصريين والفرس، والتي انتهت باستيلاء "قمبيز" على مصر في عام ٥٢٥ق. م٦، على أن "وينت"
стр. 237
-وربما ألبرايت كذلك- إنما يتجهان إلى أنها لا تشير إلى فتح مصر، وإنما إلى استعادتها مرة ثانية على يد "ارتكزر كسيس الثالث" "أخوس" في عام ٣٤٣ق. م١، ولعل هذا هو السبب في أن بعض المراجع إنما تضع حكم "أب يدع يثع" في حوالي عام ٣٤٣ق. م٢.
وأما "جاكين بيرين" فالرأي عندها أن مذي إنما تعني السلوقيين بصفة عامة، وأن مصر إنما تعني البطالمة وأن هذه الحرب قد وقعت فيما بين عامي ٢١٠، ٢٠٥ق. م وربما تشير إلى الاستيلاء على غزة في حوالي عام ٢١٧ق. م، وإلى المعركة التالية عند "رفع "٣Rapheia".
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن المعينيين، رغم أنهم شعب عربي جنوبي وأن دولتهم قد قامت في بلاد العرب الجنوبية، إلا أنهم قد انتشروا في شمال بلاد العرب، بل إن هناك من يذهب إلى أن نفوذهم قد امتد حتى الخليج العربي شرقًا وغزة غربًا، كما أن علاقاتهم التجارية قد امتدت إلى سورية وإلى بلاد اليونان ومصر، بدليل العثور على كتابات معينية في جزيرة "ديلوس"، إحدى جزر اليونان٤، فضلا عن العثور على كتابات معينية أخرى في الجيزة، وعند قصر البنات -عند منتصف وادي الحمامات- وفي منطقة "إدفو"٥ "بمحافظة أسوان"، وترجع بعض هذه الكتابات إلى أيام قمبيز "٥٢٥-٥٢٢ق. م"، وبعضها الآخر إلى أيام البطالمة٦.
стр. 238
بل لقد حددها بعض الباحثين بعام ٢٦٤/ ٢٦٣ق. م١، فإذا ما تذكرنا صلات مصر القوية بفلسطين في العصور الفرعونية، وتذكرنا في الوقت نفسه أن دولة معين إنما كانت تحكم في فترة ازدهارها، ما يقال له الآن الحجاز وحتى فلسطين، وأن معين كانت دولة تجارية أكثر منها عسكرية، لتبين لنا أن العلاقات بين مصر ومعين -وبخاصة في الأمور التجارية- إنما كانت أمرًا طبيعيًّا٢.
على أن أهم المراكز المعينية خارج اليمن، ما كان في الشمال الغربي لبلاد العرب، حيث تقع واحة ديدان "العلا"، وفي واحة معون -وهي معان الحالية٣- ويرى بعض الباحثين أن منطقة ديدان وما صاقبها من أراض إنما كانت بمثابة جزء من دولة معين، التي كان ملوكها يقومون بتعيين ولاة من قبلهم لإدارة هذه المنطقة يطلقون على الواحد منهم لقب "كبر" أي "كبير"، ويعهدون إليه بإدارة شئون المنطقة والمحافظة على الأمن فيها، ثم جمع الضرائب وإرسالها إلى "قرناو"٤.
وكان بجانب هؤلاء الولاة، حامية عسكرية وجالية تتألف من الأوساط التجارية في تلك الواحات، وكانت هذه البقاع موردًا للكسب بالنسبة لأهل الواحات الأصليين، وللقبائل التي كانت تقيم في مجاوراتها، فكانت القبائل الشمالية تقدم لهذه الجاليات ما تحتاج إليه من القوت والثياب، وكان لهم -من أجل ذلك- نوع من السيطرة والسيادة٥.
وقد أدى ذلك إلى نتائج هامة، منها "أولًا" احتكاك الحكام المعينيين بحكام سورية وأشور عن طريق التجارة الرئيسي، ومن ثم فلم يعن الأخيرون بتفهم النظم السياسية المختلفة للواحات المتفرقة التي تقع على طول هذا الطريق، ولم يهتموا بالمفاوضات مع الملوك المحليين للإقليم وأشرافه، وإنما اتجهوا إلى ذلك المقيم الجنوبي الذي كان معروفًا لديهم بإشرافه على الإقليم، وكانوا يخلطون بينه وبين الملك الجنوبي -الذي كان هذا المقيم يعمل في خدمته- فذكروا اسمه، كما لو كان هو الملك
стр. 239
الجنوبي، وهذا يفسر لنا الإشارات التي ترد في الوثائق السريانية والعبرية عن المعينيين والسبئيين، وتذكرهم كما لو كانوا يقيمون في الجنوب الشرقي للبحر الميت١.
ومنها "ثانيًا" أن دولة معين إنما كانت -كما أشرنا آنفًا- تحكم كل ما يقال له الحجاز الآن إلى فلسطين، فلما ضعف المعينيون أصبحت سيادتهم مقصورة على ما يسمى "معين مصرو"، التي ما لبثت أن أصبحت بعد فترة تحت سلطان السبئيين، حين كتب لهؤلاء السيادة على الجنوب والشمال معا، وأخيرًا أصبح زمام الأمور بيد "اللحيانيين" الذين كانوا دولة مستقلة هي دولة "لحيان"٢، والتي امتد نفوذها في أيام ازدهارها -فيما يرى البعض- على الأرض الممتدة غربي النفود، من شمال يثرب إلى ما يحاذي خليج العقبة، والذي أطلق عليه "أجاثر خيدس"، في القرن الثاني ق. م، اسم خليج لحيان، ثم حرف فيما بعد إلى "لات" "إيلات"٣.
وقد قام جدل طويل بين العلماء -ولا سيما المتخصصين منهم في الدراسات التوراتية- حول "معين موصرو" هذه، فذهب فريق منهم إلى أن كلمة "مصرايم" التي جاءت في التوراة، لا تدل على "مصر"، وإنما على الإقليم الواقع شمال بلاد العرب، والذي يمتد غربًا حتى حدود مصر الشرقية، ولهذا فإن ما يقال عن إقامة العبرانيين في مصر، إنما يعني إقامتهم في جنوب فلسطين، أو في شبه جزيرة سيناء وطبقًا لهذا الاتجاه، فإن خروج بني إسرائيل لم يحدث من مصر، وإنما من هذه المناطق المشار إليها، ذلك لأن الباحث اليهودي "هوجو فنكلر" إنما يرى أن اسم "مصرايم" لم يكن استعماله في البداية مقصورًا على الإشارة إلى مصر، ولكنه كان يشمل كذلك الإقليم الذي سماه الجغرافيون البابليون "مصر أو موصري"، والذي يقع جنوب البحر الميت، شمال شبه جزيرة العرب، ويمتد غربًا حتى حدود مصر الشرقية، ويضم جبل سعير ومدينة البتراء وأراضي مدين وأدوم.
ويعتقد "فنكلر" أن التقاليد اليهودية الأصلية، عندما تحدثت عن إقامة الآباء الأولين -وخاصة موسى- في مصرايم، إنما كانت تشير إلى ذلك الزمن حيث عاش
стр. 240
أسلاف العبرانيين في صحراء جنوب فلسطين، ثم بدأ سكان كنعان يستخدمون اصطلاح "مصرايم" على المراعي الجنوبية -وكذا على مصر نفسها- ذلك البلد الذي يقع بالنسبة إليهم فيما وراء الصحراء، ولعل مما يفسر هذا الافتراض أن الوادي القريب من "غزة" سمي "نهر مصرايم"، على الرغم من أنه على مسيرة ثلاثة أيام من الحدود المصرية، ومن هنا فمن الممكن أن يشير اسم "مصرايم" في بعض النصوص والتقاليد العبرية، إلى الصحراء المصرية، وليس إلى اسم مصر بالذات١.
وقد ناقشنا ذلك الأمر في كتابنا "إسرائيل"٢، وخرجنا من المناقشة بأن الأدلة العملية، والتقاليد الإسرائيلية، وما ورد في التوراة من وصف لجو مصر وأحوالها، وأثر الأدب المصري في كتب الإسرائيليين، والنصوص التوراتية الصريحة التي تتحدث عن دخول الإسرائيليين مصر، بل وذكر أسماء الداخلين منهم أرض الكنانة، كل ذلك وغيره مما يؤكد أن المقصود هنا أرض الكنانة٣، هذا فضلا عن أن ذلك أمر أجمعت عليه الكتب المقدسة الثلاثة "التوراة والإنجيل والقرآن العظيم"، وإنكارنا لأمر تجمع عليه الكتب المقدسة، لا يتفق ومنهج البحث العلمي، فضلا عن تعارضه مع إيماننا بما جاء في كتب السماء.
وانطلاقًا من هذا، وترتيبًا عليه، فإن "مصر" التي جاءت في قصة الإسرائيليين، ليست هي "موصرى" الواقعة في شمال غربي بلاد العرب، وإنما هي "مصر"، كنانة الله في أرضه، ومن ثم فإن ما جاء في نص "تجلات بلاسر الثالث" ٧٤٥-٧٢٧ق. م" من أنه قد عين "أدبئيل" حاكمًا على "موصري" فإنما يعني هذه المقاطعة العربية، والتي تقع إلى الشمال من "نخل موصرى" أي "وادي موصرى"٤.
стр. 241
وهناك من يرى أن "معين موصرى" لم تكن تابعة لحكومة معين الجنوبية، وإنما كانت منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وحتى القرن الأول قبل الميلاد، مستعمرة معينية مستقلة، وأن لقب "كبير" الوارد في نصوصها لا يعني بالضرورة أن يكون حامله تابعًا لحكومة معين الجنوبية، وإنما هو لقب كان يحمله في "معين موصرى" سيد القوم وحاكمهم، على أن أصحاب هذا الرأي إنما يربطون زوال هذه المستعمرة بزوال الدولة المعينية في الجنوب، وربما كان ذلك في الوقت نفسه دليلا على أن المستعمرة الشمالية، إنما هي ولاية تخضع للحكومة الجنوبية في معين١.
стр. 242
٤- أهم المدن المعينية:
بقيت نقطة أخيرة تتصل بالمدن المعينية، والتي أهمها دون شك "قرناو" العاصمة -وتقع على مبعدة سبعة كيلو مترات ونصف إلى الشرق من قرية الحزم، مركز الحكومة الحالي في الجوف -وقد عرفت "قرناو" كذلك، كما عرفها الكتاب القدامى من الأغارقة والرومان باسم "١Carna Karnna Katna"، وأما الأخباريون، فإن معين -في رأيهم- إنما هي من أبنية "التبابعة"، وأنها حصن بني في نفس الوقت مع "براقش" وبعد "سلحين" الذي بني -فيما يزعمون- في ثمانين عامًا٢.
وأما أهم آثار قرناو فمعبد "رصاف" الذي يقع خارج أسوار المدينة، فضلا عن آثار سكنى في مواضع متفرقة من المدينة، التي يرى البعض أنها ظلت مأهولة بالسكان حتى القرن الثاني عشر الميلادي، ثم بدأت الظروف تتغير، فأخذ سكان المدينة يتناقصون شيئًا فشيئًا حتى تحولت آخر الأمر إلى خرائب٣.
وهناك كذلك المركز الهام "ياثل" "براقش"، والتي بقيت حتى أيام
стр. 243
الهمداني "٣٣٤هـ=٩٤٥م" فوصف آثارها وخرائبها١، وهي نفسها مدينة "Athiuia=Athruia"- آخر موضع وصلته حملة إليوس جالليوس الروماني على اليمن في عام ٢٤ق. م- وأما سبب التحريف في اسمها، فهو صعوبة لفظية، فيما يرى البعض٢، ولعل اسم المدينة "ياثل" قد أصبح في العربية الفصحى "وثلة"، فقد ذكرها "الفيروزآبادي" في القاموس اسما لقرية، وقال من ناحية أخرى "وذو وثلة قيل" يعني من أقيال اليمن٣.
و"براقش" عند الإخباريين مدينة قديمة جدًّا، كان يسكنها عند ظهور الإسلام "بنو الأوبر من بلحارث بن كعب ومراد"٤، وأما سبب تسميتها ببراقش فموضع خلاف عندهم، فرواية تذهب إلى أنها سميت كذلك نسبة إلى "كلبة" عرفت ببراقش، بينما تجعلها رواية أخرى "امرأة" أسند إليها والدها تصريف أمور الدولة في أثناء غيابه في واحدة من غزواته، فما كان منها إلا أن اهتبلت الفرصة، فبنت مدينتي براقش ومعين تخليدًا لذكراها، إلا أن ذلك قد أغضب والدها الملك، ومن ثم فقد أمر بهدم المدينة، وذهبت رواية ثالثة إلى أنها نسبة إلى براقش امرأة لقمان بن عاد، وهكذا يحاول المؤرخون المسلمون تفسير الأمور ببساطة تدعو إلى العجب، إلا أنه مما لا شك فيه أن المثل المشهور "على نفسها جنت براقش" كان سببًا في هذه التفسيرات المتضاربة٥.
وهناك كذلك مدينة "نشق" "البيضاء" التي استولى عليها السبئيون في أيام "يدع أل بين" مكرب سبأ، وهي نفسها -فيما يرى البعض- "Mesca=Mescus" التي ذكرها الكتاب القدامى من الأغارقة والرومان، وهي "
Aska"- عند سترابو- وقد استولى عليها "إليوس جالليوس" إبان حملته على اليمن٦.
وهناك كذلك "نشان"، "نشن" -وهي الخربة السوداء الحالية- وقد اكتشف
стр. 244
هناك ما يشير إلى أن المدينة كانت مركزًا صناعيًّا مهمًّا١، وهناك كذلك موضع "لوق" وهو -فيما يرى جلازر "Labecia" الذي ذكره بليني "٣٢-٧٩م" من بين الأماكن التي استولى عليها "إليوس جالليوس"، بينما هو "لبه" "Labbah" فيما يرى "فون فيسمان"٢.
стр. 245
الفصل الثامن: دولة حضرموت
موقع حضر موت:
تقع حضرموت إلى الشرق من اليمن على ساحل بحر العرب، ويصفها "ياقوت الحموي" بأنها ناحية واسعة في شرق عدن بقرب البحر، وحولها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف، وبها قبر هود ﵇، وبقربها بئر برهوت، وبها مدينتان يقال لإحداهما "تريم" وللأخرى شبام"، وعندها قلاع وقرى١.
وقد تردد اسم حضرموت في كتابات اليونان والرومان، مع شيء قليل أو كثير من التغيير أو التحري، فهو عند "إيراتوسثينيس" "٢٧٦-١٩٤ق. م" "Chatramotitae"وعند "ثيوفراستوس Hadramyta"وعند "بليني" "Atramitae" وعند بطليموس "٢Adramitae".
وحضرموت عند الأخباريين "ابن يقطان" وتلك في الواقع رواية التوراة حيث نقرأ في التكوين وفي أخبار الأيام الأول أن "يقطان ولد الموارد وشالف وحضرموت ورياح"٣.
وقد وصف صاحب كتاب "الطواف حول البحر الأرتيري" سواحل حضرموت الجنوبية بأنها مناطق موبوءة يتجنبها الناس، ومن ثم فلا يجمع التوابل منها إلا "دخول" ملك حضرموت، وإلا أولئك الذين كتب عليهم القصاص من جريمة ما٤، وربما
стр. 246
كان لذلك صلة بالمعنى العبري للكلمة "دار الموت" والذي نقله مسلمة أهل الكتاب، كما نقلوا غيره إلى المصادر العربية١، ومن ثم فقد قيل اسم حضرموت في التوراة "حاضرميت"، وإن قيل كذلك، إنما سميت حضرموت نسبة إلى "حضرموت ابن يقطن بن عابر بن شالح٢".
على أن "ياقوت الحموي" إنما يقدم لنا تعليلا آخر -توراتيًّا كذلك- يجعل حضرموت اسما لرجل، هو "عامر بن قحطان" وأنه كان إذا حضر حربًا أكثر فيها من القتل، ومن ثم فقد سمي بحضر موت٣، أو أنها على اسم "حضرموت ابن قحطان" الذي نزل هذا المكان فسمي به، فهو اسم موضع، واسم قبيلة٤.
وأيًّا ما كان الصواب في هذه التعليلات، فمما لا شك فيه أن هناك دولة قامت في جنوب بلاد العرب تحمل اسم "حضرموت"، وأنها كانت تعاصر معين وقتبان وسبأ، إلا أن العلماء ما يزالون مختلفين على عصر هذه الدولة، فذهب نفر منهم إلى أنها إنما كانت في الفترة "٤٥٠ق. م-٢٩٠م"٥، بينما ذهب فريق آخر إلى أنها إنما كانت في الفترة "٤٥٠ق. م- القرن الثاني الميلادي"٦. هذا وقد قدمت لنا الاكتشافات الحديثة الكثير من أسماء ملوك حضرموت، وإن كان العلماء لم يتفقوا بعد على ترتيبهم ترتيبًا تاريخيًّا٧.
وعلى أي حال، فما تزال البعثات العلمية توالي العمل هناك، وآخرها تلك البعثة الأمريكية التي قامت في عام "١٩٦١/ ١٩٦٢" بمسح أثري للوادي، واكتشفت هناك عدة قرى ومواقع أثرية، وأطلال معابد وفخار، فضلا عن ١٢٠٠ نقش، منها ١٨ نقشًا ثموديًّا، لعل أهمها نقوش قرية "سنا" حيث يقوم هناك معبد للإله
стр. 247
القمر "سين" ونقوش "العقلة" التي تتضمن أسماء ملوك حضرموت وسبأ١، وإن كان معظمها قد صوره من قبل "فلبي" وكتب عنه.
وتدلنا النقوش التي تركها الحكام الحضارمة على مدى عنايتهم بالإصلاحات الداخلية، فضلا عن علاقتهم بالدويلات المجاورة، ومن ذلك الكتابة التي تركها لنا "شكم سلحان بن رضوان"، أحد كبار موظفي حكومة حضرموت، ربما في عهد "يشكر إيل يهرعش بن أبيع"، وفيها يتحدث الرجل عن بناء سور وباب وتحصينات لحصن" "قلت"- ويشرف على واد تقطعه الطريق بين مدينة "حجر" وميناء "قنا" -فضلا عن إنشاء جدار وحواجز في ممرات الوادي الرئيسية، وذلك لحماية منطقة حجر من أي غزو أجنبي، ولا سيما غزو الحميريين الذين كانوا يهددون حضرموت، ويتدخلون في شئونها، وأن ذلك العمل قد تم في خلال ثلاثة أشهر تقريبًا، كما أنشأ استحكامات ساحلية لحماية البر من أي هجوم بحري، ومن ثم فقد أقام على ما يبدو حصونًا على لسانين بارزين في البحر لحماية الخليج الذي كان بينهما، كما حصّن المنفذ المؤدي إلى "ابنة" وإلى مدينة "ميفعة" حيث بنى سورًا قويًّا، فضلا عن برجين وباب وأماكن للجنود لاستخدامها إبان الدفاع عن المدينة٢.
هذا ويرى نفر من الباحثين أن الكتابة التي دونها صاحبنا "شكم شلجان" هذا، إنما هي أقدم كتابة حضرمية وصلت إلينا حتى الآن، وأنها ترجع إلى القرن الخامس أو أوائل القرن الرابع قبل الميلاد٣.
ويبدو أن حضرموت كانت تعاني في تلك الأيام من هجمات الحميريين المتتالية عليها، ومن ثم فقد لجأت إلى سد الأودية بجدر حصينة قوية، حتى يمكنها التحكم في المرور في الوادي، وبالتالي تستطيع منع الحميريين من غزوها، وكانوا في تلك الفترة يقيمون في جنوب وجنوب شرق لبنة وميفعة، قبل أن يتحولوا إلى الأماكن التي عرفت باسمهم قبيل القرن الثاني ق. م٤.
стр. 248
ويرى "فون فيسمان" أن حمير قد استولت على ميناء "قنا" "Cana" في أيام الملك "يشكر إيل يهرعش بن أبيع"، وقد كان ميناء قنا هو الميناء الوحيد الصالح للملاحة، ومن ثم فإن حركة الملاحة بين حضرموت من ناحية، والهند وإفريقيا من ناحية أخرى، قد تركزت فيه١.
وهناك كتابة عثر عليها "فلبي" "عرفت بفلبي ١٠٣" تتحدث عن إنشاء طريق على أيام الملك "علهان بن يرعش" في ممر "Hamtaban" شرقي شبوة، لتسهيل وصول القوافل إلى العاصمة، فضلا عن تسهيل وصول الجيش إلى مقر الملك للدفاع عنه٢.
وهناك كتابة أخرى "فلبي ٨٢" ترجع إلى أيام الملك "العزيلط" ملك حضرموت دونها شريفان من حمير بعث بهما ملك سبأ وذي ريدان، للمشاركة في الاحتفال بتتويج ملك حضرموت في حصن أنود، وأخرى دونها الملك الحضرمي نفسه، وفيها يقول "العزيلط ملك حضرموت، ابن عم ذخر، سار إلى حصن أنود، ليتلقب بلقبه ... "٣.
وفي الواقع أننا نستطيع أن نستنتج من هذه النصوص عدة نتائج منها "أولًا" أن العلاقات بين حضرموت وسبأ كانت في تلك الأيام ودية، ومن ثم فإننا نرى ملك سبأ يشارك -عن طريق مبعوثيه- في الاحتفال بتتويج الملك الحضرمي، ولكن من ناحية أخرى، ربما كان وجود المبعوثين السبئيين إشارة إلى أن ملك حضرموت، إنما كان يتولى سلطانه برضى من ملك سبأ، بخاصة وأن الكتابة إنما دونها مبعوثا ملك سبأ٤، ومنها "ثانيًا" أن القوم في حضرموت قد اعتادوا عند تنصيب ملك جديد، أو إضافة لقب جديد إلى ألقاب الملك القديمة، أن يتم ذلك عند حصن "أنود"٥،
стр. 249
وإن كنا لا ندري متى بدأ هذا التقليد، وعلى أي حال، فلقد استمر ذلك حتى القرن الثاني الميلادي، فيما يرى "أولبرايت"، أو بالتحديد إلى عام ٢٠٠م، فيما يرى "ريكمانز"١، ومنها "ثالثًا" أن هذا المكان ربما كان من الأماكن المقدسة عند القوم، أو على الأقل ذا مكانة خاصة جرت العادة على أن يتوج الملوك فيه٢.
وهناك نصوص تفيد أن "العزيلط" "وربما كان العزيلط الثاني" قد استقبل وفودًا من الهند ومن تدمر ومن الآراميين، بل إن الكتابة المعروفة ب"جام٩١٩" تتحدث عن مرافقة عشر نساء قرشيات له إلى حصن أنود، مما يدل على أن ملك حضرموت كانت له علاقات ودية -وربما تجارية في الدرجة الأولى- مع الهند وتدمر والآراميين، كما أن ذكر قريش هنا- إن كان المقصود بها قريش المعروفة صاحبة مكة- يعد أقدم ذكر لها في وثيقة مدونة، وإن كنا لا ندري ما هي صفة هؤلاء النسوة القرشيات٣.
وإنه لمن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن نقش "فلبي٨٤" ذي الأهمية الخاصة بالعاصمة "شبوة"، حيث يتحدث فيه صاحبه "يدع إل بين بن رب شمس" بأنه من أحرار يهبأر -أي من صرحاء القبيلة- وأنه قد عمر مدينة شبوة وأقام بها، وبنى معبدها من الحجارة بعد الخراب الذي حل بها، وأنه -احتفالا بهذه المناسبة- قد أمر بتقديم القرابين في حصن أنود، فذبح "٣٥ ثورًا، ٨٢ خروفًا، ٢٥ غزالًا، ٨ فهود"٤.
ومن أسف أن الملك الحضرمي لم يحدثنا عن سبب هذه المأساة التي حلت بشبوة، ومن ثم فقد تضاربت آراء الباحثين حوله، فذهب نفر منهم إلى أن ذلك إنما كان لأن سبأ قد استولت عليها، وأن قتالا ضاريًّا قد وقع بين الفريقين، بذل فيه "يدع إل بين" كل ما استطاع حتى لا تقع المدينة في أيدي الغزاة، ومن ثم فقد كان خراب المدينة وتدمير معبد الإله "سين" بها.
стр. 250
وذهب فريق آخر إلى أن "يدع إل بين" كان ثائرًا حضرميًّا ساءه أن تحتل سبأ عاصمة بلاده، ومن ثم فقد كانت الحرب الضروس بين الفريقين، مما أدى إلى خراب المدينة، وإعلان "يعد إل بين" نفسه ملكًا على حضرموت، وذهب رأي ثالث إلى أن الحرب إنما كانت بين الحضارمة أنفسهم، وأن "يدع إل بين" كان ثائرًا على الملك الشرعي في حضرموت -وليس في سبأ- وأن الحرب قد انتهت بزوال الأسرة الملكية السابقة، وتتويج "يدع إل بين" ملكًا على حضرموت، وإن كتب على المدينة أن تلاقي الأمرين في هذه الحرب الأهلية، وأن يدمر معبدها فيها، وأما تاريخ هذا النص فهو القرن الثاني الميلادي، على رأي "أولبرايت"، وبعد عام ٢٠٠م، على رأي ريكمانز١.
على أن "هومل" إنما يرى أن "يدع إل بين" إنما كان آخر ملوك حضرموت، وأن دولته قد دالت حوالي عام٣٠٠م، وأن السبئيين قد ورثوها على أيام "شمر يهرعش"٢، غير أن "فلبي" قد اعترض على ذلك، محتجًّا بأنه قد عثر في عام ١٩٣٦م عند "العقلة" على نقش جاء فيه ذكر هذا الملك، كمؤسس لأسرة ظلت تحكم أجيالا، وكذلك كمؤسس لمدينة "شبوة" التي كانت من المدن المشهورة على أيام "سترابو" "٦٦ق. م -٢٤م" و"بليني" "٣٢-٧٩م"، هذا وقد عثر "هارولد إنجرامز" عام ١٩٣٩م، على نقش عند أول وادي "عرمة"، ربما يرجع إلى ما قبل تأسيس شبوة -"وإن كان من المحتمل أن يكون لغير هذا الملك رغم تشابه الأسماء" -ومن ثم فإن تاريخ شبوه وقيام هذه الأسرة بحكم حضرموت، إنما يرجع إلى القرن الثاني ق. م، بخاصة وأن الظروف وقت ذاك، كانت تتطلب أسرة حضرمية جديدة، تبادر إلى تأسيس عاصمة جديدة، وتهيمن على طرق مواصلات تجارة البخور، بعد أن بدأت عوامل الضعف تدب في مملكة سبأ منذ القرن الثالث قبل الميلاد٣.