كان لذلك صلة بالمعنى العبري للكلمة "دار الموت" والذي نقله مسلمة أهل الكتاب، كما نقلوا غيره إلى المصادر العربية١، ومن ثم فقد قيل اسم حضرموت في التوراة "حاضرميت"، وإن قيل كذلك، إنما سميت حضرموت نسبة إلى "حضرموت ابن يقطن بن عابر بن شالح٢".
على أن "ياقوت الحموي" إنما يقدم لنا تعليلا آخر -توراتيًّا كذلك- يجعل حضرموت اسما لرجل، هو "عامر بن قحطان" وأنه كان إذا حضر حربًا أكثر فيها من القتل، ومن ثم فقد سمي بحضر موت٣، أو أنها على اسم "حضرموت ابن قحطان" الذي نزل هذا المكان فسمي به، فهو اسم موضع، واسم قبيلة٤.
وأيًّا ما كان الصواب في هذه التعليلات، فمما لا شك فيه أن هناك دولة قامت في جنوب بلاد العرب تحمل اسم "حضرموت"، وأنها كانت تعاصر معين وقتبان وسبأ، إلا أن العلماء ما يزالون مختلفين على عصر هذه الدولة، فذهب نفر منهم إلى أنها إنما كانت في الفترة "٤٥٠ق. م-٢٩٠م"٥، بينما ذهب فريق آخر إلى أنها إنما كانت في الفترة "٤٥٠ق. م- القرن الثاني الميلادي"٦. هذا وقد قدمت لنا الاكتشافات الحديثة الكثير من أسماء ملوك حضرموت، وإن كان العلماء لم يتفقوا بعد على ترتيبهم ترتيبًا تاريخيًّا٧.
وعلى أي حال، فما تزال البعثات العلمية توالي العمل هناك، وآخرها تلك البعثة الأمريكية التي قامت في عام "١٩٦١/ ١٩٦٢" بمسح أثري للوادي، واكتشفت هناك عدة قرى ومواقع أثرية، وأطلال معابد وفخار، فضلا عن ١٢٠٠ نقش، منها ١٨ نقشًا ثموديًّا، لعل أهمها نقوش قرية "سنا" حيث يقوم هناك معبد للإله
стр. 247
القمر "سين" ونقوش "العقلة" التي تتضمن أسماء ملوك حضرموت وسبأ١، وإن كان معظمها قد صوره من قبل "فلبي" وكتب عنه.
وتدلنا النقوش التي تركها الحكام الحضارمة على مدى عنايتهم بالإصلاحات الداخلية، فضلا عن علاقتهم بالدويلات المجاورة، ومن ذلك الكتابة التي تركها لنا "شكم سلحان بن رضوان"، أحد كبار موظفي حكومة حضرموت، ربما في عهد "يشكر إيل يهرعش بن أبيع"، وفيها يتحدث الرجل عن بناء سور وباب وتحصينات لحصن" "قلت"- ويشرف على واد تقطعه الطريق بين مدينة "حجر" وميناء "قنا" -فضلا عن إنشاء جدار وحواجز في ممرات الوادي الرئيسية، وذلك لحماية منطقة حجر من أي غزو أجنبي، ولا سيما غزو الحميريين الذين كانوا يهددون حضرموت، ويتدخلون في شئونها، وأن ذلك العمل قد تم في خلال ثلاثة أشهر تقريبًا، كما أنشأ استحكامات ساحلية لحماية البر من أي هجوم بحري، ومن ثم فقد أقام على ما يبدو حصونًا على لسانين بارزين في البحر لحماية الخليج الذي كان بينهما، كما حصّن المنفذ المؤدي إلى "ابنة" وإلى مدينة "ميفعة" حيث بنى سورًا قويًّا، فضلا عن برجين وباب وأماكن للجنود لاستخدامها إبان الدفاع عن المدينة٢.
هذا ويرى نفر من الباحثين أن الكتابة التي دونها صاحبنا "شكم شلجان" هذا، إنما هي أقدم كتابة حضرمية وصلت إلينا حتى الآن، وأنها ترجع إلى القرن الخامس أو أوائل القرن الرابع قبل الميلاد٣.
ويبدو أن حضرموت كانت تعاني في تلك الأيام من هجمات الحميريين المتتالية عليها، ومن ثم فقد لجأت إلى سد الأودية بجدر حصينة قوية، حتى يمكنها التحكم في المرور في الوادي، وبالتالي تستطيع منع الحميريين من غزوها، وكانوا في تلك الفترة يقيمون في جنوب وجنوب شرق لبنة وميفعة، قبل أن يتحولوا إلى الأماكن التي عرفت باسمهم قبيل القرن الثاني ق. م٤.
стр. 248
ويرى "فون فيسمان" أن حمير قد استولت على ميناء "قنا" "Cana" في أيام الملك "يشكر إيل يهرعش بن أبيع"، وقد كان ميناء قنا هو الميناء الوحيد الصالح للملاحة، ومن ثم فإن حركة الملاحة بين حضرموت من ناحية، والهند وإفريقيا من ناحية أخرى، قد تركزت فيه١.
وهناك كتابة عثر عليها "فلبي" "عرفت بفلبي ١٠٣" تتحدث عن إنشاء طريق على أيام الملك "علهان بن يرعش" في ممر "Hamtaban" شرقي شبوة، لتسهيل وصول القوافل إلى العاصمة، فضلا عن تسهيل وصول الجيش إلى مقر الملك للدفاع عنه٢.
وهناك كتابة أخرى "فلبي ٨٢" ترجع إلى أيام الملك "العزيلط" ملك حضرموت دونها شريفان من حمير بعث بهما ملك سبأ وذي ريدان، للمشاركة في الاحتفال بتتويج ملك حضرموت في حصن أنود، وأخرى دونها الملك الحضرمي نفسه، وفيها يقول "العزيلط ملك حضرموت، ابن عم ذخر، سار إلى حصن أنود، ليتلقب بلقبه ... "٣.
وفي الواقع أننا نستطيع أن نستنتج من هذه النصوص عدة نتائج منها "أولًا" أن العلاقات بين حضرموت وسبأ كانت في تلك الأيام ودية، ومن ثم فإننا نرى ملك سبأ يشارك -عن طريق مبعوثيه- في الاحتفال بتتويج الملك الحضرمي، ولكن من ناحية أخرى، ربما كان وجود المبعوثين السبئيين إشارة إلى أن ملك حضرموت، إنما كان يتولى سلطانه برضى من ملك سبأ، بخاصة وأن الكتابة إنما دونها مبعوثا ملك سبأ٤، ومنها "ثانيًا" أن القوم في حضرموت قد اعتادوا عند تنصيب ملك جديد، أو إضافة لقب جديد إلى ألقاب الملك القديمة، أن يتم ذلك عند حصن "أنود"٥،
стр. 249
وإن كنا لا ندري متى بدأ هذا التقليد، وعلى أي حال، فلقد استمر ذلك حتى القرن الثاني الميلادي، فيما يرى "أولبرايت"، أو بالتحديد إلى عام ٢٠٠م، فيما يرى "ريكمانز"١، ومنها "ثالثًا" أن هذا المكان ربما كان من الأماكن المقدسة عند القوم، أو على الأقل ذا مكانة خاصة جرت العادة على أن يتوج الملوك فيه٢.
وهناك نصوص تفيد أن "العزيلط" "وربما كان العزيلط الثاني" قد استقبل وفودًا من الهند ومن تدمر ومن الآراميين، بل إن الكتابة المعروفة ب"جام٩١٩" تتحدث عن مرافقة عشر نساء قرشيات له إلى حصن أنود، مما يدل على أن ملك حضرموت كانت له علاقات ودية -وربما تجارية في الدرجة الأولى- مع الهند وتدمر والآراميين، كما أن ذكر قريش هنا- إن كان المقصود بها قريش المعروفة صاحبة مكة- يعد أقدم ذكر لها في وثيقة مدونة، وإن كنا لا ندري ما هي صفة هؤلاء النسوة القرشيات٣.
وإنه لمن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن نقش "فلبي٨٤" ذي الأهمية الخاصة بالعاصمة "شبوة"، حيث يتحدث فيه صاحبه "يدع إل بين بن رب شمس" بأنه من أحرار يهبأر -أي من صرحاء القبيلة- وأنه قد عمر مدينة شبوة وأقام بها، وبنى معبدها من الحجارة بعد الخراب الذي حل بها، وأنه -احتفالا بهذه المناسبة- قد أمر بتقديم القرابين في حصن أنود، فذبح "٣٥ ثورًا، ٨٢ خروفًا، ٢٥ غزالًا، ٨ فهود"٤.
ومن أسف أن الملك الحضرمي لم يحدثنا عن سبب هذه المأساة التي حلت بشبوة، ومن ثم فقد تضاربت آراء الباحثين حوله، فذهب نفر منهم إلى أن ذلك إنما كان لأن سبأ قد استولت عليها، وأن قتالا ضاريًّا قد وقع بين الفريقين، بذل فيه "يدع إل بين" كل ما استطاع حتى لا تقع المدينة في أيدي الغزاة، ومن ثم فقد كان خراب المدينة وتدمير معبد الإله "سين" بها.
стр. 250
وذهب فريق آخر إلى أن "يدع إل بين" كان ثائرًا حضرميًّا ساءه أن تحتل سبأ عاصمة بلاده، ومن ثم فقد كانت الحرب الضروس بين الفريقين، مما أدى إلى خراب المدينة، وإعلان "يعد إل بين" نفسه ملكًا على حضرموت، وذهب رأي ثالث إلى أن الحرب إنما كانت بين الحضارمة أنفسهم، وأن "يدع إل بين" كان ثائرًا على الملك الشرعي في حضرموت -وليس في سبأ- وأن الحرب قد انتهت بزوال الأسرة الملكية السابقة، وتتويج "يدع إل بين" ملكًا على حضرموت، وإن كتب على المدينة أن تلاقي الأمرين في هذه الحرب الأهلية، وأن يدمر معبدها فيها، وأما تاريخ هذا النص فهو القرن الثاني الميلادي، على رأي "أولبرايت"، وبعد عام ٢٠٠م، على رأي ريكمانز١.
على أن "هومل" إنما يرى أن "يدع إل بين" إنما كان آخر ملوك حضرموت، وأن دولته قد دالت حوالي عام٣٠٠م، وأن السبئيين قد ورثوها على أيام "شمر يهرعش"٢، غير أن "فلبي" قد اعترض على ذلك، محتجًّا بأنه قد عثر في عام ١٩٣٦م عند "العقلة" على نقش جاء فيه ذكر هذا الملك، كمؤسس لأسرة ظلت تحكم أجيالا، وكذلك كمؤسس لمدينة "شبوة" التي كانت من المدن المشهورة على أيام "سترابو" "٦٦ق. م -٢٤م" و"بليني" "٣٢-٧٩م"، هذا وقد عثر "هارولد إنجرامز" عام ١٩٣٩م، على نقش عند أول وادي "عرمة"، ربما يرجع إلى ما قبل تأسيس شبوة -"وإن كان من المحتمل أن يكون لغير هذا الملك رغم تشابه الأسماء" -ومن ثم فإن تاريخ شبوه وقيام هذه الأسرة بحكم حضرموت، إنما يرجع إلى القرن الثاني ق. م، بخاصة وأن الظروف وقت ذاك، كانت تتطلب أسرة حضرمية جديدة، تبادر إلى تأسيس عاصمة جديدة، وتهيمن على طرق مواصلات تجارة البخور، بعد أن بدأت عوامل الضعف تدب في مملكة سبأ منذ القرن الثالث قبل الميلاد٣.
стр. 251
وأما متى انتهت دولة حضرموت، وكيف أصبحت جزءًا من مملكة سبأ وذي ريدان، فذلك موضع خلاف بين الباحثين، فهناك من يرى أن ذلك إنما كان في عام ٢٩٠، بينما يرى آخرون أنه كان على أيام "شمر يهرعش"، وبعد عام ٣٠٠م، وأخيرًا فهناك فريق ثالث يذهب إلى أن سقراط حضرموت، إنما كان في القرن الرابع الميلادي، وقبل احتلال الحبشة الأول للعربية الجنوبية "الذي يرونه فيما بين عامي ٣٣٥، ٣٧٠م" بقليل١.
стр. 252
أهم مدن حضرموت:
لا ريب في أن "شبوه" العاصمة هي أهم مدن حضرموت، وقد ذكرها الكتاب القدامى من الأغارقة والرومان تحت اسم "١Sabota Sabotha Sabbatha"، وهي "Sabtah" عند "مونتجمري٢" و"Sawa" عند "هوجارث"٣، وقد ذكرها الهمداني من بين حصون حضرموت ومحافدها٤، وذهب "ياقوت" إلى أنها من حصون اليمن في جبل ريمة، وقال "ابن الحائك": شبوه مدينة الحمير، وأحد جبلي "الثلج بها، والثاني لأهل مأرب٥، هذا وقد خلط بعض المستشرقين بينها وبين "شبام"٦ التي تقع على مقربة من صنعاء٧.
ويرجع السبق في اكتشاف آثار شبوه إلى "جون فلبي"، والتي من أهمها بقايا المعابد والقصور، فضلا عن بقايا السدود التي كانت مقامة على وادي شبوه لحصر
стр. 253
مياه الأمطار، والإفادة منها في إرواء المناطق الخصبة١، ولا يزال يشاهد في وادي "أنصاص"، وفي خرائب شبوه، بقايا سدود وقنوات للإفادة من المياه عند الحاجة إليها٢، على أن شبوه كانت كذلك أرض اللبان والمر، وقد كانا يصدران من ميناء "قنا"٣.
وهناك كذلك مدينة "ميفعة"، العاصمة القديمة لحضرموت، وهي نفسها "Mapharitis" التي أشار إليها صاحب كتاب "الطواف حول البحر الأرتيري"٤ على رأي بعض الباحثين٥، وهي "Maiph Metropoiis" عند بطليموس الجغرافي "١٣٨-١٦٥م"٦.
وهناك الكثير من النصوص التي تتحدث عن تحصين "ميفعة" وعن تسويرها بالحجارة وبالصخر المقدد وبالخشب، فضلا عن الأبراج التي أقيمت حول السور لصد الغزاة، ومنها نص يشير إلى أن "هبسل بن شجب" قد بنى سور المدينة وأبوابها، وأنه قد أقام فيها بيوتًا ومعابد، وأن ابنه "صدق يد" قد زاد في أسوراها وأحكم بناءها، على أن الخراب سرعان ما حل بها في القرن الرابع الميلادي، ثم حل مكانها موضع عرف بـ "Sessani Adrumetorum" أي عيزان٧.
وهناك مدينة "قنا" ميناء حضرموت الرئيسي -حيث كان يجمع اللبان والبخور، ثم يصدر منها برًّا وبحرًا، وأما موقع "قنا" فهو إلى الشرق من "عدن"، وقد ذهب نفر من الباحثين إلى أنه في مكان "حصن الغراب" الحالي، وكان يعرف
стр. 254
قديمًا باسم "عرموت"١، على أن نقش "Cih٧ ٢٨" والذي عثر عليه الضابط الإنجليزي "جيمس ولستد" في حصن الغراب عام ١٨٣٤م -جاء فيه أن "صيد أبرد بن مشن" كان مسئولا عن "بدش" وعن "قنا"، وأن ذلك قد كتب على "عرموية" "عرماوية= حصن ماوية"، فأما "قنا" فهو اسم الميناء المشهور، وأما الحصن الباقي أثره حتى اليوم فهو "حصن ماوية"، وأما "بدش"، "باداش" فما يزال معروفًا حتى اليوم بشيء من التحريف، حيث يعيش قوم رعاة يعرفون باسم "مشايخ باداس"، ومن ثم فحصن غراب هو "عرمويت" وهو حصن مدينة قنا٢.
وهناك مدينة "مذب" أو مذاب"، وقد اشتهرت بمعبدها المكرس لعبادة إله القمر "سين" وتقع بقاياه اليوم في الموقع المعروف باسم "الحريضة"، وقد قامت ثلاث رحالات أوربيات "ج. كاتون طومسون، أ. جاردنر، ف. شترك" في عام ١٩٣٧م، برحلة إلى حضرموت، وهناك في وادي عمد، مقابل حريضة، كشفن عن معبد إله القمر "سين"، كما عثرن على عدد من الكتابات تبين أن بعضها سبئية، فضلا عن العثور على بعض القبور والأواني الفخارية والخزفية، التي يظن أنها ترجع إلى القرن السابع أو الخامس قبل الميلاد٣، إلا أن البعثة لم تتوصل إلى تاريخ بناء المعبد بصورة نهائية، وإن كانت بعض واجهات المعبد تعود إلى الفترة بين أواسط القرن الخامس، وحتى القرن الرابع ق. م، فضلا عن أن بعض أجزاء المعبد، إنما تعود إلى العهد السلوقي٤، وأخيرًا فإن هناك من يرى أن مدينة "مذاب" ومعبدها، إنما يعودان إلى الفترة ما بين القرن الخامس والثالث قبل الميلاد٥.
стр. 255
وهناك في حضرموت أماكن قديمة "حضرمية وسبئية"، ينسبها القوم إلى عاد وثمود، فقرية "سنا" يرون أن بها قبر هود ﵇، وفي موضع "غيبون" خرائب يظنها القوم من آثار عاد، بينما يرى الأثريون فيها بقايا مدينة حميرية، وعند ملتقى وادي "منوة" بوادي "ثقبة" صخور مهيمنة على الوادي، نقرها أصحابها لتكون مأوى للجنود، تمكنهم من مهاجمة أعدائهم على غرة، وعلى مقربة من "تريم" خرائب قديمة، لعلها في أغلب الظن من آثار معبد قديم، هذا فضلا عن مواقع أثرية أخرى مثل حصن "عر" و"حدبة الغصن" و"المكنون" و"ثوبة" وغيرها، مما يدل على أن حضرموت قد حصنت حدودها، وأقامت عليها الحاميات العسكرية لحماية نفسها من أي طامع فيها، أو ثائر من داخلها، وأن هذه الحصون قد أقيمت في مواقع منيعة على التلال وقمم الجبال والمرتفعات، حتى تستطيع بسهولة الإشراف على السهول ومضايق الأودية١.
стр. 256
الفصل التاسع: دولة قتبان
تقع دولة قتبان -كما يروي سترابو، نقلا عن إيراتوسثينيس -في الأقسام الغربية من العربية الجنوبية، وفي جنوب السبئيين وجنوبهم الغربي، وقد امتدت منازلهم حتى بلغت باب المندب١، إلا أن قتبان كانت مبتعدة عن الساحل الهندي إلى الداخل، حيث كانت تقوم بينها وبين البحر مملكة "أوسان" الصغيرة، وأهم بلادها "شقرة" على ساحل المحيط الهندي، ثم تنتهي إلى إمارة عدن٢.
وعلى أي حال، فلقد تحدثت المصادر الكلاسيكية عن القتبانيين، فذكرهم "ثيوفراست"٣ و"سترابو"٤ و"بليني"٥ وغيرهم، وأما المصادر العربية، فليس فيها شيء يستحق الذكر عن قتبان، سوى أنها موضع من نواحي عدن٦، وأنها بطن من رعين من حمير٧، ولعل السبب في ذلك هو ضعف قتبان وانضوائها تحت لواء حكومة سبأ، وذي ريدان -وهي الحكومة التي يطلق عليها المؤرخون العرب اسم "حمير" -ولأن قبيلة حمير هذه كانت أقوى القبائل اليمنية عشية ظهور الإسلام، فضلا عن أنها هي التي قاومت الأحباش، وهي التي تركت أثرًا في القصص العربي، وفي قصته أصحاب الأخدود٨، حتى أصبحت الحضارة الحميرية علمًا على كل شيء في بلاد اليمن قبل الإسلام، بحيث تلاشت الحضارات الصغرى
стр. 257
التي ظهرت في اليمن في العصر الجاهلي١.
وقد اختلف المؤرخون في بداية الدولة القتبانية ونهايتها، ورغم الدراسات التي قدمها العلماء المتخصصون في الدراسات العربية القديمة -ومنهم فريتز هومل٢ ونيكولوس رود كناكيس٣ وديتلف نلسن٤ ووليم أولبرايت٥ وأدولف جرومان٦ وهاري سان جون بريدجر فلبي٧ ومارتن هارتمان٨ وجاكلين بيرين٩ -فإن الخلاف ما زال قائمًا على تحديد الفترة التي حكمت فيها دولة قتبان، بخاصة وأنها قد عاصرت -كما جاء في الكتابات المعينية والسبئية- دولة معين ودولة سبأ، ومن ثم فإن تاريخ هذه الدول جميعًا مرتبط بعضها بالبعض الآخر، ومرتبط كذلك بالأبحاث والدراسات اللغوية، وكل تلك أمور لم يتفق العلماء عليها حتى الآن.
ومن هنا رأينا بعض الباحثين يرجع تاريخ قتبان إلى القرن العاشر، أو الحادي عشر ق. م، وهو التاريخ الذي قد يرجع إليه النقش المخربش الذي حل رموزه "ألبرت جام"، وهو يعتبر أقدم نص جاءنا من بلاد العرب الجنوبية، كما أن عصر هذا النقش كان فترة انتقال في تاريخ قتبان، إذ سرعان ما يظهر بعده عصر المكاربة الذين حكموا قتبان عدة قرون، وقد وصلنا أسماء عدد منهم في فترة حكمهم التي كانت فيما بين القرنين السابع والخامس قبل الميلاد.
стр. 258
على أن هناك من يرى أن دولة قتبان، إنما كانت فيما قبل عام ١٠٠٠ق. م، وحتى القرن الثاني ق. م١، ومن يرى أنها كانت في الفترة من "٨٦٥-٥٤٠ق. م"٢، ومن يرى أنها كانت فيما بين عام ٦٤٥ق. م، والقرن الثالث ق. م٣، ومن يرى أنها كانت فيما بين القرن السادس ق. م، وعام ٥٠ق. م٤، ومن يرى أنها في الفترة "٤٠٠-٥٠ق. م"٥، ومن يرى أنها فيما بين القرن الرابع ق. م، والأول الميلادي٦.
هذا ويذهب بعض الباحثين إلى أن نهاية دولة قتبان وتخريب عاصمتها "تمنا" "تمنع" إنما كان بين عامي ٢٠٠، ٢٤ق. م٧، بينما يذهب فريق آخر إلى أن ذلك إنما كان بعد الميلاد وليس قبله، فالأب "ريكمانز" يرى أنها كانت عام ٢٠٧م أو ٢١٠م، بينما يرى "فون فسمان" أن ذلك إنما كان حوالي عام ١٤٠م أو ١٤٦م،٨ وأما عن أسماء ملوك قتبان، فهناك كثير من القوائم التي قدمها العلماء ومنها قوائم فريتز هومل ورود كناكيس وكليمانت هوارت وفلبي أولبرايت٩.
ويحاول بعض الباحثين أن يقسم تاريخ قتبان إلى ثلاث فترات، تختلف الواحدة منها عن الأخرى، ولعل أهم حكام الفترة الأولى "يدع أب ذبيان" بن "شهر"، وقد حكم في الفترة "٧٥٠-٧٣٥ق. م" على رأي فلبي، وفي نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، على رأي أولبرايت، وكان -في رأي الكثيرين- أول من حمل لقب "ملك" بجانب لقب "مكرب"١٠، ولعل في هذا ما يشير إلى أنه كان في بادئ
стр. 259
الأمر كاهنًا، ثم حمل لقب ملك، ثم اللقبين معًا، وإن اقتصر في الفترة الأخيرة من حكمه على لقب "ملك"، على أساس أنه اللقب الرسمي لحكام قتبان١.
وهناك من يرجح أن "يدع أب ذبيان" هو الذي شيد المدخل الجنوبي لمدينة "تمنع"٢، وطبقًا لنص "جلازر١٦٠٠" فهو "مكرب قتبان وجميع أبناء "عم" "الإله الرسمي لقتبان" و"أوسان وكحد ودهس وتبنو"، هذا ويشير النص إلى إنشاء طريق في الجبل، أو بعبارة أخرى، ثغرة ليمر منها الطريق المار بالجبل من مكان إلى آخر، فضلا عن تجديد بيت "ود وعثتر"، إلى جانب بعض الأعمال الإنشائية الأخرى٣.
وهناك نص آخر يصف الملك -إلى جانب الألقاب السابقة- "بمكرب "يرفأ" أو "يرفع" وأبناء الجنوب والشمال"، وإن كنا لا ندري شيئًا عن صلة هذه القبائل، غير القتبانية، بالملك القتباني، أكانوا تابعين له في تلك الأيام؟ ومن ثم فقد اشتركوا في إنشاء الطريق الجبلي الآنف الذكر -الذي ربما كان للنص به صلة- أم أن هذه القبائل كانت ذات مصلحة فيه، ومن ثم فقد شاركت في إنشائه، إن الإجابة عن واحد من هذه الأسئلة لا تزال في ضمير الغيب، وعلى أي حال، فإننا أمام عمل هندسي يستحق التقدير، كما يدل على فن هندسي راق عند القتبانيين٤.
هذا ويرجح بعض الباحثين أن "يدع أب ذبيان" قد شن عدة حروب كتب له فيها نصرًا مؤزرًا، ومن ثم فقد مد حدوده إلى أوسان ومراد، وحتى حدود سبأ، ولعل هذا يفسر لنا اهتمامه بإنشاء الطرق التي تربط بين أطراف مملكته، ومن أشهرها الطريق المعروف باسم "مبلقة"٥، ولم تكن هذه الطرق في الأرض السهلة، وإنما كانت في المرتفعات والجبال، ولعل الذي دفعه إلى ذلك عدة عوامل، منها "أولًا" أن الطرق الممتدة في السهول هدف سهل للأعداء، وأن جنوده قد يجدون صعوبة
стр. 260
في الدفاع عن أنفسهم، إذا ما هاجمتهم قوات غازية، ومنها "ثانيًا" أن الطرق الجبلية وإن كانت صعبة فهي أقصر من طرق السهول، ثم إن الدفاع عنها، لا شك أسهل من الأخرى، فهي إذًا أكثر أمنًا، كما أنها في أرضين تابعة له١.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هناك وثيقة على جانب كبير من الأهمية ترجع إلى عهد هذا الملك "يدع أب ذبيان" لأنها تتصل بأصول التشريع وكيفية إصدار القوانين عند العرب الجنوبيين في العصور القديمة، فمنها نعرف أن الملك وحده هو الذي يملك حق إصدار القوانين ونشرها، ثم الأمر بتنفيذها، وأن مجلس الشعب "ويدعونه المزود" -ويتكون من رؤساء المدن والقبائل والشعاب -هو الذي يقترح القوانين ويضع مسودات اللوائح، ثم يعرضها على الملك لإقرارها والأمر بتنفيذها٢.
ولعلنا نستطيع أن نستنتج من ذلك كله، أن قتبان قد عرفت نظامًا يتكون من مجالس تمثل الشعب تمثيلا نيابيًّا، فقد كان يوجد مجلس قبلي، إلى جانب العرش، كما كانت هذه المجالس تمثل القبائل المختلفة في الهيئات التشريعية المتعددة، كما كانت إدارة البلاد بيدها، وربما كان المجلس يعقد جلساته مرتين في العام، وفي عاصمة الدولة، وبدعوة من الملك، ثم تصدر القوانين بعد ذلك باسم الملك، ويبدو أن هذه المجالس كانت تجتمع عندما يظهر في الجو أسباب سياسية تتصل بسياسة البلاد الخارجية، أو عند الرغبة في إدخال تغيير شامل على النظام الاقتصادي للدولة.
هذا وهناك نوع آخر من المجالس، هو المجلس الاستشاري، ويتكون من الملك ومن الأشراف أصحاب الأملاك "مسود أو مزود"، ومن طائفتين أخريين لا يمكن تحديدهما بالضبط، وقد يمثلان أصحاب الأملاك أو الموظفين، ولهذا المجلس الاستشاري حق إصدار القوانين باسم الملك، فضلا عن العمل بالقوانين القديمة، وتنظيم استخدامها، كما كان من حقه أن يحل مجلس القبائل، وأن يصدر أوامر العفو -كليًّا أو جزئيًّا- عن المحكوم عليهم.
ولعل هذا كله يدل على أن الملك والمجلس الاستشاري ومجلس القبائل، تكون جميعها الحكومة، وأنه ليست هناك هيئة خاصة بالتشريع، وأخرى للإدارة،
стр. 261
وثالثة للقضاة، مستقلة عن بعضها -على الأقل فيما يتصل بالأمور المالية للدولة- أما فيما يتعلق بمعرفة الفترة التي كان هذا النظام مستعملا فيها، أو الحالات العديدة التي كان يطبق فيها، فهذا ما لا نعرفه، ولا نستطيع الحكم عليه من النصوص التي تحت أيدينا١.
وأما الفترة الثانية من تاريخ قتبان، والتي استمرت زهاء قرن من الزمان "٣٥٠-٢٥٠ق. م" فقد كان أول ملوكها "أب شبم" ثم ابنه "شهر غيلان"، الذي ترك لنا كثيرًا من النصوص، وجد بعضها في المدخل الثاني لمدينة "تمنع" هذا إلى جانب كتابة أخرى دونت عند تجديد إحدى العمارات وإنشاء برج٢، فضلا عن الكتابة المعروفة بـ "جلازر ١٦٠١" والتي تتحدث عن جمع ضرائب من قبيلة "كحد" النازلة في "دتنه"، وقد جاء فيها أن رئيس القبيلة هو المسؤل عن جمع الضرائب، والتي تساوي "عشر كل ربح صافي، وكل ربح من التزام أو من بيع أو من إرث"، كما تتحدث عن توريدها لخزانة الدولة في نهاية كل عام، فضلا عن ضرائب المعابد، والتي تسمى "عصم"، وهي لفظة -يروى رود كناكيس- أنها تطلق على كل ما يسمى للآلهة أو المعابد من ضريبة مقررة، أو نذر، أو صدقة٣.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن إدارة المعابد، إنما كانت تتركز في العاصمة القتبانية، وأنها قد تركت أثرًا بعيدًا في استغلال أراضي الدولة، وفي الحصول على جزء من دخلها، وأن الدولة نفسها قد منحت إدارة المعابد هذا الحق، مجاملة منها لهذه المراكز الدينية التي انتشرت كذلك في خارج العاصمة، وقد كانت القبائل مطالبة بأن تدفع للمعابد عشر الدخل والميراث والمشتريات، إلى جانب ضريبة أخرى كانت تقدم للمعبد كهبة.
هذا وقد كان أفراد طائفة المعبد يسمون "المطعمون على يد عم" "وعم هو كبير آلهة قتبان" بسبب اتصالهم بكبار رجال الدين في قتبان، وهم الذين كان القوم يعتقدون أن الله قد فوضهم في إدارة أراضيه الدنيوية، وهكذا قامت الجماعة المعروفة باسم
стр. 262
"المطعَمُون من الله"، وهي جماعة خاصة بالمعبد، وتعيش على نفقة الدولة، مما جعلها في مركز يساعدها على المطالبة بالأراضي للمعبد ودخلها، بدعوى أن هذا الدخل لله سيد الأرض١.
هذا وقد نال "معبد بيجان" عناية خاصة من "شهر غيلان"، ومن ثم نراه يأمر بتجديد أقسامه القديمة، وبناء أقسام جديدة فيه٢، ونعرف من نقش "ريكمانز ٢١٦" أن "شهر غيلان" قد انتصر على حضرموت، وأنه تخليدًا لذكرى هذا النصر فقد أقام معبدًا للإله "عثثر" في "ذبحان" "بيجان القصب الحالية، عند جبل ريدان، حيث ما تزال حتى الآن توجد خرائب واسعة تدل على أنها كانت مدينة، أو على الأقل قرية كبيرة، وأما زمن "شهر غيلان" هذا، فقد كان في أخريات القرن الرابع ق. م، فيما يرى "فيسمان"، وفي القرن السادس ق. م، فيما يرى "جون فلبي"٣.
ولعل من أشهر ملوك هذه الفترة "شهر يجيل"، وقد جاء اسمه في نقش "جلازر ١٦٠٢"، وهو عبارة عن مرسوم ملكي يحدد كيفية جمع الضرائب من "طائفة معبد الإله عم في أرض لبخ"، ويظهر من هذا المصطلح أن العرب الجنوبيين كانوا يؤلفون طوائف تنتمي إلى إله من الآلهة تتسمى به وتقيم حول معبده، وربما كانت تتعاون فيما بينها في استغلال الأرض لخير الطائفة بأسرها، وكانت الطائفة تقدم حقوق الحكومة إلى الجباة الذين يجبون تلك الحقوق، فيقدمونها إلى "الكبير" "أي نائب الملك"، ليقدمها بدوره إلى الملك٤.
ويرى "أولبرايت" أن "شهر يجيل" قد حكم حوالي عام ٣٠٠ق. م، وأنه قد تغلب على دولة معين، وأخضعها لسلطانه٥، ثم خلفه أخوه "شهر هلل يهنعم" وهو
стр. 263
الذي أقام المسلة التي عثر عليها في مدينة "تمنع"، وبوفاته انتهت الأسرة القتبانية الثانية، وتناوب عرش البلاد عدد من الملوك لم نستطع حتى الآن تعيين أزمنتهم أو ترتيبهم بصفة نهائية، وكان آخرهم "يدع أب غيلان"، وقد بنى في عهده "بيت يفش"، كما أنشئت، أو على الأقل جددت، مدينة دغيلان "غيلان" عند معبد "عم ذى لبخ" في موضع "ذغيلم"، وأن هناك اتجاهًا يرجح أن ذلك إنما كان في القرن الثاني ق. م١.
وأما الفترة الثالثة "١٥٠-٢٥ق. م" فأول ملوكها "هوف عم يهنعم" والذي حكم حوالي عام ١٥٠ق. م، على رأي أولبرايت، ثم جاء من بعده "شهر يجل يهرجب" الذي أعاد بناء المدخل الجنوبي لمدينة "تمنع"، كما جدد كذلك بناء "بيت يفش"، وقد حكم بعد عام ١٥٠ق. م، بقليل، على رأي أولبرايت اعتمادًا على تمثالين لأسدين عثر عليهما في خرائب "تمنع"، وعليهما كتابة قتبانية، جاء فيها اسم صانعهما "ثويبم"، الذي ذكر في كتابة أخرى من نفس العهد، وقد استنتج "أولبرايت" أن التمثالين من عهد "شهر يجل يهرجب"، وأنهما صنعا على الطرز اليونانية٢ في فترة لا تبعد كثيرًا عن القرن الثاني ق. م، ومن ثم فإن هذا الملك قد حكم حوالي عام ١٥٠ق. م٣.
وهناك ما يشير إلى أن قتبان في عهد "شهر يجل يهرجب" كان لها نفوذ من نوع ما على "معين"، وإن كان العلماء مختلفين على طبيعية هذا النفوذ، أهو خضوع من جانب معين لقتبان؟ أم أنه نوع من التحالف بين الدولتين، كانت فيه قتبان صاحبة اليد العليا٤؟
стр. 264
وأما ابنه "وروإل غيلان يهنعم"، فقد نسب إليه أنه أول من صك نقودًا ذهبية عثر عليها مضروبة في مدينة "حريب"١ كما أن هناك ما يشير إلى أنه ساعد قبيلة "ذو هربت" في مدينة "شوم" على بناء حصن "يخضر"٢.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هناك نصًّا، يرجع إلى عهد الملك هذا، صاحبته امرأة تدعى "برت" تذكر فيه أنها قدمت إلى "ذات حميم عثتر بعل" تمثالا من ذهب في صورة امرأة، تقربًا إلى الآلهة ووفاء لما في ذمتها للإله "عم ذربحو" ويبدو أن المرأة كانت كاهنة لمعبد الإله "عم" في "ريمت"، فإذا كان ذلك كذلك، فنحن أمام امرأة كاهنة، ومن ثم فإننا نستطيع القول أن المرأة في تلك الفترة من تاريخ قتبان قد وصلت إلى منصب الكهانة٣.
وهناك نقش عثر عليه في "تمنع" "تمنا-تمنة" جاء فيه اسم ملك يدعى "شهر هلال بن ذر أكرب"، يرى فيه بعض الباحثين "شهر هلال يهقبض" بن "ذر أكرب" الذي حدد "أولبرايت" مكانه في نهاية الأسرة، وأما النص فيقول "قانون أصدره شهر هلال بن ذر أكرب ملك قتبان، لشعب قتبان وذي علش ومعين وذي عثم أصحاب أرض شدو"، وقد نظم هذا القانون واجبات هذه الشعوب الأربعة في كيفية استغلال الأراضي، وعين الأعمال المترتبة عليها، وأنذر المخالفين بأشد العقوبات، فضلا عن الإشارة إلى الموظف الموكل إليه تنفيذ هذا القانون، ولعل هذا كله يفيد أن هذه الشعوب الأربعة التي جاء ذكرها في القانون، إنما كانت خاضعة لقتبان٤.
ويرى "رود كناكيس" أن هذا النقش إنما يدل على أن معين إنما كانت خاضعة وقت ذاك لقتبان، كما كانت كذلك على أيام "شهر يجل يهرجب"، وإن كان ذلك لا يعني أن معين قد فقدت استقلالها تمامًا، كما يذهب "رود كناكيس" كذلك
стр. 265
إلى أن هذا النص إنما هو أقدم من نص "هاليفي ٥٠٤"، ومن ثم فإن "شهر هلال" هذا أقدم من "شهر يجل يهرجب١".
والواقع أن ما ذهب إليه "رود كناكيس" ربما كان أقرب إلى الصواب مما ذهب إليه "أولبرايت"، بخاصة وأن الأخير قد ختم قائمة ملوك قتبان بالملك "شهر هلال"، مشيرًا إلى الدمار الذي حل بالعاصمة، وإلى سقوط حكومة قتبان، وليس من المقبول أن يكون ملكًا له كل هذا النفوذ على شعوب أخرى، ثم تسقط دولته فجأة، ذلك لأن سقوط الدول إنما هو دليل على ضعفها وانهيارها، وليس في هذا النص إشارة إلى شيء من ذلك٢.
وعلى أي حال، فهناك من يميل إلى أن عصر قتبان الذهبي إنما كان في الفترة "٣٥٠-٥٠ق. م"، إذ تشير نصوص هذا العصر إلى أن قتبان كانت وقت ذاك أهم دول العربية الجنوبية، وأنها قد أخضعت لسلطانها كلا من معين وسبأ، لكن حدث قبيل الميلاد أن غزا شعبٌ غير معروف على وجه التأكيد عاصمة قتبان وأحرقها، ثم ظهرت بعد ذلك مملكة سبأ وذي ريدان، على أنقاض كل من قتبان وسبأ ومعين٣.
وهكذا يميل الباحثون إلى أن السبئيين هم الذين قضوا على دولة قتبان، وإن اختلفوا في الوقت الذي حدث فيه ذلك، فبينما يرى "فلبي" أن ذلك كان في عام ٥٤٠ق. م٤، يذهب "أولبرايت" إلى أنه كان في عام ٥٠ق. م٥، على أن آخرين يرونه في عام ١٠م٦، بل إن هناك فريقًا رابعًا يراه فيما بين عامي ١٠٠، ١٠٦م٧.
على أن الشيء الجدير بالملاحظة هنا أن دولة "سبأ وذي ريدان"، لم تكن الوريثة الوحية لقتبان، فقد شاركتها في الغنيمة "حضرموت" التي ضمت إليها جزءًا من قتبان، وبذا استطاعت حضرموت منافسة "سبأ وذي ريدان" فترة امتدت حتى
стр. 266
أخريات القرن الأول الميلادي، هذا ويجب الإشارة هنا إلى أن قتبان لم تفقد استقلالها نهائيًّا، كما أن الشعب القتباني لم يزل من الوجود أو يختفي اسمه تمامًا، ذلك لأننا نرى "بطليموس الجغرافي" يذكرهم بين الشعوب التي تقطن بلاد العرب، وقد دعاهم "١Kattabanoi= Kottabani".
هذا وقد عثرت البعثة الأمريكية في مأرب على نقش جاء فيه أن الملك "نبط" ملك قتبان، كان معاصرًا لملك سبأ، ويضعه "أولبرايت" في القرن الأول الميلادي، والملك "نبط" هذا هو نفسه الملك "نبط بن شهر هلال" الذي جاء ذكره مع ابنه "مرثد" كملك لقتبان في نقش عثر عليه في "هجر بن حميد" عام ١٩٥١م، ويبدو أن ملوكا، قتبانيين استطاعوا الحفاظ على الجزء الغربي من قتبان بعد سقوط "تمنع"، متخذين من "حريب" مقرًّا لهم، بينما اكتفى الحضارمة بالاستيلاء على جزء من شرقي البلاد، وأن ذلك قد حدث فيما بين عامي ٢٥ق. م، والعام الأول الميلادي٢.
ويرى "فون فيسمان" أن نقش "جام ٦٢٩" والذي يتحدث عن حرب وقعت على مقربة من "وعلان" واشتركت فيها عدة أطراف، إنما قد حدثت في عهد الملك "نبط عم" ملك قتبان، وأن أصحاب هذا النقش إنما يذكرون أنهم قد حاربوا ضد ملك حضرموت وجيشها، وضد "نبطم" ملك قتبان وآخرين، وأن النصر كان حليفهم، ويحاول "فون فيسمان" أن يستنتج من عدم وجود كلمة "هجرن" بمعنى مدينة قبل اسم "تمنع" من أنها لم تكن وقت ذاك عاصمة قتبان، وإنما كانت موضعًا صغيرًا، أو اسم أرض فحسب، كما أن "نبط عم" وإن كان قد لقب هنا بملك قتبان، إلا أنه لم يكن في الواقع إلا تابعًا لملك حضرموت، وأخيرًا فإنه يؤرخ لهذه الحرب بالفترة ما بين عامي ١٢٠-١٤٠م٣.
وليس من شك في أن "تمنع" "تمنا=تمنة" هي أهم مدن قتبان، وقد عرفت في كتابات الكتاب القدامى من الأغارقة والرومان باسم "٤Thumna Thomna, Tamna"
стр. 267
كما أن "أوليري" يذهب إلى أن المدينة التي جاءت في جغرافية بطليموس تحت اسم "Thouma" إنما هي "تمنة"١، وقد وصف "بليني" مدينة "Thomna" بأنها من أكبر المدن في العربية الجنوبية، وأن بها "٦٥ معبدًا"، وأن المسافة بينها وبين "غزة" ٤٤٣٦ ميلا، تقطعها الإبل في ٦٥ يومًا على وجه التقريب، وليست هذه المدينة سوى "تمنة" قتبان٢.
وتقع "تمنع" في وادي بيجان في منطقة تدل آثار الري فيها على أنها كانت خصبة كثيرة المياه والبساتين، وقد أثبتت أعمال الحفر التي قامت بها البعثة الأمريكية، تحت رياسة "وندل فيلبس"، أن موقع "تمنة" القديم، إنما هو في مكان خرائب كحلان "هجر كحلان الحالية" وأن المدينة قد خربت بسبب حريق هائل، ربما أتى على المدينة، كلها، وأن هذا الحريق ربما كان بأيدي السبئيين إبان الحروب التي استعر أوارها بينهم وبين القتبانيين، كما أثبتت الحفائر أن "تمنة" قد جددت عدة مرات، وأن مقابرها كثيرًا ما انتهكت حرماتها، سواء أكان ذلك في الأيام الغابرة، أو في العصر الحديث٣، وأخيرًا فقد كشفت الحفائر في منطقة "تمنع" عن شبكة كاملة من السدود تتصل بها قنوات وصهاريج لتوفير مياه الري لرقعة واسعة من البلاد٤.
ومن مدن قتبان الهامة كذلك "شور"، "شوم" و"يرم"، وكذا "حريب" التي ذكرها الهمداني٥، والتي اشتهرت بالنقود التي ضربت فيها، وحملها اسمها، كما أنها كانت عاصمة قتبان في أخريات أيامها٦.
стр. 268
الفصل العاشر: دولة سبأ
١- سبأ:
تذهب الروايات العربية إلى أن "سبأ" إنما هو "عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان"١، وأن سبب تسميته بسبأ أن الرجل كان أول من سبى من العرب٢، بل ويذهب "ابن منبه" إلى أنه غزا بابل وأرمينية ومصر والمغرب، وأنه قتل من الأمم وسبى من الذراري والعيال الكثير، ومن ثم فقد سمي سبأ٣، وأنه كان يسمى كذلك "الرائش" لأنه كان يعطي الناس الأموال من متاعه، ويزعم البعض أنه كان أول من توج، كما يزعم آخرون أنه كان مسلمًا، وله شعر بَشَّرَ فيه بمبعث المصطفى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤- وأن الرجل قد حكم ٤٨٤ عامًا، ثم جاء من بعده ولده "حمير"، وأما أهم منشآته، فقد كانت -طبقًا لمزاعم الأخباريين- بناء مدينة سبأ وسدّ مأرب في اليمن، أما في مصر، فقد كانت مدينة "عين شمس" التي خلفه عليها ولده "بابليون"٥.
стр. 269
أما أن سبأ هو "عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان"، فقد جاء ذلك في كتابة حفرت على نحاس في مجموعة "P Lamare"، وإن كان العلماء لم يقولوا حتى الآن الكلمة النهائية في نوع الكتابة وزمانها١، وأما سبب التسمية كثرة الغزو والسبي حتى وصلت غزواته إلى بابل وأرمينية في آسيا، ومصر والمغرب في أفريقيا، فإن ذلك لم يحدث إلا في خيال "ابن منبه" ومن دعوا بدعوته، فضلا عن أن تاريخ تلك البلاد لم يعرف سبأ هذا، ولم يشر إليه، حتى مجرد إشارة، في النصوص التي ملأت آثار تلك البلاد، وإن كان أصحاب تلك البلاد قد عرفوا السبئيين في فترات متأخرة من حضارتهم، على أنهم من تجار البخور واللبان وغيرهما من مستلزمات المعابد القديمة، وليس غزاة يحتلون البلاد ويبنون المدن.
وأما الدعوى بأن سبأ كان مسلمًا، وأنه بشر بمبعث المصطفى، ﷺ ، فليست إلا من هذا النوع من الخيال الذي سوف يجعل "سيف بن ذي يزن" يبشر بعد ذلك بمبعث المصطفى، ﷺ ، وإن كنت لا أدري- ولا أظن أن الذين كتبوا ذلك كله يدرون- على أي ملة كان إسلام "سبأ" هذا؟
صحيح أننا نعرف أن الإسلام، في لغة القرآن الكريم٢، ليس اسما لدين خاص وإنما هو اسم للدين المشترك الذي هتف به كل الأنبياء، وانتسب إليه كل أتباع الأنبياء٣، ومن ثم فإن الإسلام شعار عام يدور في القرآن على ألسنة الأنبياء وأتباعهم منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصر البعثة المحمدية٤.
وسؤال البداهة الآن: هل كان سبأ يعي كل هذا؟ حتى يصبح مسلمًا -كما يقدم القرآن الإسلام -ثم كيف عرف سبأ ببعثة مولانا وسيدنا رسول الله، ﷺ ، حتى يتنبأ بها قبل حدوثها بمئات السنين، ثم يقول فيها شعرًا، وهل عرف رواة الشعر، أن عربية الجنوب تختلف كثيرًا عن عربية الشمال٥.
стр. 270
-عربية القرآن الكريم- وأن شعرهم المزعوم هذا، إنما هو بعربية الشمال، وليس الجنوب، على أن العجب قد يزول، إذا عرفنا أن هؤلاء الذين ينسبون الآن إلى سبأ شعرًا، إنما قد نسبوا إلى آدم وإبليس -بل وحتى الجن- شعرًا عربيًّا فصيحًا كذلك.
أما أن سبأ قد بنى سبأ وسد مأرب، فيكذبه أن التاريخ لا يعرف حتى الآن مدينة باسم سبأ، وأما بناء سد مأرب١، فتلك دعوى عريضة، وإن كانت تفتقر إلى الصواب تمامًا -الأمر الذي ناقشناه بالتفصيل في الجزء الأول من كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني".
وأما النصوص العربية الجنوبية، فليس فيها شيء عن سبأ أو عن لقبه المزعوم، وكل ما فيها إنما يتحدث عن شعب يدعى "سبأ" له دولة، وله حكام، وله آلهة، كغيره من شعوب العربية الجنوبية، وإن كان مما لا ريب فيه أن المصادر التاريخية قد تحدثت عن دولة سبأ، أكثر من غيرها من دول العربية الجنوبية.
стр. 271
السبئيون والآراء التي دارت حول موطنهم الأصلي:
هناك نص سومري يرجع إلى عهد "أرادننار" من أسرة لجش الثانية -والتي تعاصر أسرة أرو الثالثة التي حكمت في النصف الثاني من الألف الثالثة قبل الميلاد١- جاء فيه كلمة "Sabu" وتعني "سبأ"٢، ويذهب "هومل"٣، إلى أن هذه
стр. 272
الكلمة "Sabum" التي وردت في النصوص السومرية إنما تعني "سبأ" التي وردت في التوراة، فإذا كان ذلك كذلك، فإن تاريخ سبأ يعود إلى الألف الثالثة ق. م١، ويرى "مونتمجري" أن قوم سبأ الذين تحدثت عنهم النصوص السومرية، إنما كانوا من العربية الصحراوية، أي من البادية، ثم هاجروا إلى اليمن، في وقت لا نستطيع تحديده على وجه اليقين، وإن ذهبت بعض الآراء إلى أن ذلك إنما كان في القرن الحادي عشر ق. م، وبعد مئات من السنين من هجرة المعينيين والقتبانيين إلى اليمن٢.
على أن رأيًا آخر إنما يذهب إلى أن هجرة أهل معين وقتبان وحضرموت إلى اليمن، إنما كانت حوالي عام ١٥٠٠ق. م، بينما كانت هجرة السبئيين حوالي عام ١٢٠٠ق. م، وأن الأخيرين كانت لهم قوافل تجارية تصل إلى فلسطين قبل عام ٩٢٢ق. م، كما يفهم من بعض نصوص العهد القديم٣.
ويذهب "هومل" إلى أن السبئيين إنما هم أصلا من العربية الشمالية، وأنهم كانوا يعيشون، فيما يعرف عند الآشوريين بـ "أريبي" و"عريبي"، وفي التوراة بـ "يرب" و"يارب"، وفي القرن الثامن ق. م، هاجروا إلى اليمن حيث استقروا في "صرواح" و"مأرب" التي جاء اسمها من "يارب"، و"يرب" ويعتمد "هومل" في ذلك على أدلة، منها "أولًا" ما جاء في نقش "جلازر ١١٥٥" من أن السبئيين قد تعرضوا لقافلة معينية في مكان ما بين "معان" و"رجمت" على مقربة من نجران، ومن ثم فإن السبئيين إنما كانوا يقيمون في منطقة تقع إلى الشمال من دولة معين إبان ازدهارها الأخير، ومنها "ثانيًا" اختلاف لهجة السبئيين عن بقية الشعوب العربية الجنوبية، مما يدل على أن السبئيين شماليون هاجروا إلى الجنوب٤.
على أن هناك وجهًا آخر للنظر، يذهب إلى أن السبئيين إنما كانوا أسبق من
стр. 273
المعينيين، ذلك لأن النصوص القديمة التي ورد فيها اسمهم في التوراة وعند الآشوريين صريحة في الكلام عنهم، كمجتمع منظم سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، بينما لم يرد ذكر "معين" بصراحة وتحديد في نفس الفترة، ومهما يكن من أمر الوثائق المكتوبة، فإن الملاحظ من الناحية الأثرية هو أن الكتابات التي وردت بالخط المسند من ممالك اليمن المختلفة تبدأ بالكتابات السبئية، ثم إن الآثار غير المكتوبة تبين لنا أن كل هذه التواريخ متأخرة بالنسبة لقيام الحضارة في اليمن، فهناك بالتأكيد آثار ترجع إلى نهاية الألف الثاني ق. م١.
وهناك وجه ثالث للنظر، يذهب إلى أن الحفائر الأثرية وتطبيق "العملية" الراديو كربونية "Radiocarbon Process" تشير إلى تعاصر السبئيين والمعينيين٢، ومن ثم فمن المحتمل أن تكون المملكتان قد قامتا في آن واحد، أو في وقتين متقاربين جدًّا، معين في الشمال، وسبأ في الجنوب٣.
هذا ونستطيع أن نستنتج من قصة ملكة سبأ مع سليمان ﵇ -كما جاءت في الكتب المقدسة- أنه كانت هناك حكومة قوية ومنظمة في سبأ في القرن العاشر قبل الميلاد، ذلك لأن سليمان إنما حكم في الفترة "٩٦٠-٩٢٢ق. م"٤، وتلك في الواقع حقيقة يجب الانتباه إليها، ذلك لأن القرآن الكريم٥- والتوراة٦
стр. 274
والإنجيل١ من قبل -قد تحدثت عن قصة سليمان مع ملكة سبأ، وإن اختلفت الكتب المقدسة الثلاثة في سردها للقصة، تبعًا للغرض من السرد نفسه، ولكنها اتفقت جميعًا على وجود مملكة في سبأ، على رأسها ملكة ٢، وليس من العلم، فضلا عن الإيمان بكتب السماء، أن نشك في أمر أجمعت عليه هذه الكتب المقدسة، ومن ثم فإن وجود ملكة سبئية، شمالية أو جنوبية، في عهد سليمان- أي في القرن العاشر قبل الميلاد- حقيقة ترقى فوق كل شك، وبالتالي فإن وجود السبئيين كقوة منظمة وقوية على رأسها ملكة في القرن العاشر ق. م، حقيقة تاريخية.
على أن التوراة مضطربة في أصل السبئيين، فهم مرة من الحاميين، أبناء كوش ابن حام٣، وهم مرة أخرى من الساميين٤، وفرق كبير بين الحاميين والساميين، كما هو معروف، ثم إن سبأ "أو شبأ" تقدمه التوراة -وفي سفر التكوين بالذات- مرة على أنه من ولد يقطان٥، ولكنه مرة ثانية من ولد يقشان٦، والمعروف أن "يقطان" من ولد عابر، ولكن "يقشان" من أولاد الخليل ﵇ من زوجه قطورة الكنعانية٧، وفرق بين الاثنين كبير.
ولعل هذا الاضطراب في نصوص التوراة بشأن السبئيين، هو الذي جعل بعض الباحثين يذهب إلى أن ما جاء في التوراة بشأنهم، إنما هو من مصادر غير أصيلة لا يمكن الاعتماد عليها، فضلا عن الثقة بها، فهي مادة كدرة، ليس لها نصيب كبير من الصواب٨، على أننا نرى في نفس الوقت فريقًا من المتخصصين في الدراسات التوراتية يرون في هذا الاضطراب، دليلا على انتشار السبئيين في آسيا وأفريقية، فهناك جاليات قد استقرت في أرتيريا والحبشة، ومن ثم فقد جعلتهم التوراة
стр. 275
من أبناء كوش، بينما جعلت المستوطنين منهم في آسيا على فريقين، الواحد ينتمي إلى يقطان والآخر إلى يقشان، ومن ثم فقد صار السبئيون فرقًا ثلاث، طبقًا لأماكن استقرارهم١.
ولست أدري كيف قبل هذا الفريق من العلماء هذا التقسيم لشعب واحد، إلا أن يكون الإيمان بحرفية ما جاء في التوراة هو السبب، حتى إن كان الذي جاء فيها يخالف المنطق، فضلا عن حقائق التاريخ وعلم الأجناس، وإلا فخبرني بربك، كيف قبل هذا الفريق من علماء التوراة، أن يكون السبئيون حاميين وساميين في نفس الوقت، وأن يكونوا من ولد يقشان ويقطان في الوقت نفسه مرة أخرى. ثم ألم يرجع سفر التكوين نفسه الكنعانيين إلى حام، وذلك حين تعمد اليهود في توراتهم -كما يقول كارل بروكلمان -إقصاء الكنعانيين عن الانتساب إلى سام بن نوح، لأسباب سياسية ودينية، مع أنهم كانوا يعلمون ما بينهم وبين الكنعانيين من صلات عنصرية ولغوية٢، والأمر كذلك بالنسبة إلى المصريين الذين جعلوهم من الحاميين "بنو حام كوش ومصرايم وفوط وكنعان"٣.
إذن: فالأمر متعمد سببه العداء التقليدي الذي يكنه اليهود للمصريين بخاصة، والعرب بعامة٤، وليس أدل على ذلك من أن سكان واحة ديدان، والذين كانوا يتألفون من طائفتين، أولاهما من أهل البلاد الأصليين، والثانية هي الجالية السبئية التي هاجرت من جنوب بلاد العرب٥، تنظر إليهم التوراة مرة على أنهم من الكوشيين من جنوب بلاد العرب٦، ومرة أخرى من السلالة السامية من ولد إبراهيم من زوجة قطوره٧، مما يدل على الإصرار- فضلا عن الاضطراب- على أن السبئيين من كوش من ولد حام.
стр. 276
وأما ما جاء في النصوص الآشورية بشأن السبئيين من عهد "تجلات بلاسر الثالث" "٧٤٥-٧٢٧ق. م" و"سرجون الثاني" "٧٢٢-٧٠٧ق. م" و"سنحريب" "٧٠٥-٦٨١ق. م" بشأن الجزية التي تلقاها هؤلاء الملوك من الملكات العربيات: زبيبة وشمسي وغيرهن١، والملكين السبئيين "يثع أمر" "أتعمارا" و"كرب إيلو"٢، ربما لم تكن جزية، بقدر ما كانت هدايا، وأن السبئيين إنما كانوا ينظرون إلى أنفسهم كأنداد لملوك آشور، أو حلفاء لهم، وربما كان هناك تحالف بين الفريقين ضد غارات البدو الجامحين في الشمال٣.
على أن الذي لا شك فيه أن سبأ كان لها نفوذ واسع يمتد إلى نجد وإلى شمال الحجاز، وكانت تسيطر على الطريق التجاري الرئيسي الذي يربط جنوب غرب شبه الجزيرة العربية بسورية ومصر، وأن هناك حكامًا سبئيين معتمدين في الواحات الشمالية التي تقع على هذا الطريق، فضلا عن الحامية العسكرية التي تضمن بقاءه تحت النفوذ السبئي، وكانت واحة ديدان "العلا" المركز الرئيسي الذي تمارس فيه دولة سبأ نفوذها في شمال بلاد العرب، إلى جانب تيماء ومعان، وإن كانت ديدان هي المقر الرسمي للحاكم السبئي المقيم٤.
стр. 277
أدوار التاريخ السبئي الأربعة الرئيسية
مدخل
...
أدوار التاريخ السبئي الأربعة الرئيسية:
يقسم المؤرخون تاريخ سبأ إلى عصور أربعة، معتمدين في ذلك على أن لقب حكام سبأ لم يكن لقبًا ثابتًا، إنما كان يتغير من عصر لآخر، طبقًا لظروف الدولة نفسها، وأما هذه العصور الأربعة فهي:
١- العصر الأول:
ويمتد من حوالي عام ٨٠٠ق. م إلى عام ٦٥٠ق. م١، وفيه كان حكام سبأ يحملون لقب "مكرب" ذلك اللقب الذي تغلب عليه الصبغة الدينية، وتقابله في العربية الفصحى "مقرب"، وهو أمير كان يقوم بذبح القرابين للآلهة٢، كما كان يقوم كذلك بدور الوساطة بين الآلهة والناس، وربما كانت وظيفة "المكرب" هذه تشبه إلى حد كبير وظيفة المزواد" عند المعينيين٣، والقضاة عند بني إسرائيل٤، وربما لقب "إيشاكو" عند السومريين، وكل هذه الألقاب إنما تعطي أصحابها صفة دينية في حكم بلادهم، أو على الأقل إشارة إلى القداسة التي يرتكزون إليها في ممارسة هذا الحكم، سواء أكان ذلك من الناحية الدينية أو المدنية.
٢- العصر الثاني:
ويمتد من حوالي عام ٦٥٠ق. م، وحتى عام ١١٥ق. م "أو عام ١٠٩ق. م"، وفيه حمل حكام سبأ لقب "ملك" كما اتخذوا من "مأرب" عاصمة لهم، بدلا من "صرواح" عاصمة الدولة في العصر الأول، وقد بدأ هذا العصر بـ"كرب إيل وتر"، الذي كان آخر من حمل لقب "مكرب"، وأول من حمل لقب "ملك".
стр. 278
٣- العصر الثالث:
ويمتد من حوالي عام ١١٥ق. م، وحتى عام ٣٠٠م، وفيه حمل حكام سبأ لقب "ملك سبأ وذي ريدان" إشارة إلى ضم "ريدان" إلى التاج السبئي، وربما يشير كذلك إلى دولة قتبان أو حمير فيما يرى بعض الباحثين١، ومن هنا رأينا بعض المراجع تطلق عليه تجاوزًا اسم "عصر الدولة الحميرية الأولى".
٤- العصر الرابع:
ويمتد من حوالي عام ٣٠٠م، وحتى عام ٥٢٥م، وفيه حمل حكام سبأ لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في المرتفعات وفي التهائم"، "عصر الدولة الحميرية"، وهو آخر دور من أدوار الحكم في سبأ وخاتمة الأدوار، حيث تبدأ البلاد بعد ذلك تقاسي الأمرين من الحكم الأجنبي "الحبشي والفارسي" إلى أن يظهر نور الإسلام في مكة المكرمة، وتنضوي اليمن تحت لوائه في عام ٦٢٨م، وبذا ينتهي التاريخ اليمني القديم.
والمفروض -بناء على تطور هذه الألقاب- أن يكون السبئيون قد بدءوا أمراء صغارًا ممن يسميهم الكتاب العرب "الأذواء" وهم يقصدون بذلك جمع "ذو" أي صاحب، التي يضاف إليها اسم المكان، من حصن أو محفد، مثل غمدان وصاحبه "ذو غمدان"، وريدان، وصاحبه "ذو ريدان"، ثم تحولوا إلى أمراء لعدد من الحصون أو المحافد ممن يسميهم الكتاب العرب "الأقيال"، ومفردها قيل، وهم في الطريق إلى أن يسيروا ملوكًا أو أباطرة على البلاد٢.
стр. 279
أولًا: عصر المكاربة
يرى بعض الباحثين، كما أشرنا آنفًا، أن هذا العصر يقع فيما بين عامي ٨٠٠، ٦٥٠ق. م، بينما حدد له آخرون الفترة من "٧٥٠-٤٥٠ق. م"١، هذا إلى جانب فريق ثالث -وهذا ما نرجحه ونميل إلى الأخذ به- ذهب إلى أنه قد بدأ في القرن العاشر ق. م، وربما في القرن التاسع ق. م٢، وكانت عاصمة الدولة وقت ذاك مدينة "صرواح"، كما أن ملكة سبأ المشهورة في تاريخ سليمان بن داود، إنما تنتمي إلى هذه الفترة من الناحية الزمنية.
وأما أول المكاربة فهو "سمه علي"٣، وقد حدد له "فلبي" الفترة "٨٠٠-٧٨٠ق. م"٤، ثم عاد بعد عامين فحدد له عام ٨٢٠ق. م، كبداية لحكمه٥، ويذهب بعض الباحثين إلى أن نقش "جلازر١١٤٧" إنما يرجع إلى عهد هذا المكرب، فضلا عن نقش "جلازر ٩٢٦" الذي وردت فيه أسماء سبأ ومأرب وفيشان، وكذا أسماء الآلهة "عثتر والمقة وذات حميم" ثم اسم المكرب طبقًا للعادة المألوفة في التيمن بذكر اسم الحاكم من مكرب أو ملك٦.
ولعل من المفيد هنا الإشارة إلى أن السبئيين إنما كانوا يعبدون "عتثر" "عشتر" الإله العربي الجنوبي على أنه إله ذكر، ويرمزون له بنجم الزهرة، بينما نظائره في جميع الأديان السامية البشرية الأخرى إلهة مؤنثة، كعشتار عند البابليين والآشوريين،
стр. 280
وعشتارت عند الكنعانيين، كما أن عبادة "عثتر" هذا لم تكن مقصورة على السبئيين، وإنما كانت منتشرة كذلك بين المعينيين والقتبانيين١، أضف إلى ذلك أن النصوص إنما تذكر عادة الآلهة "عثتر وهوبس والمقة" في صيغ التوسل كوحدة متكاملة، فثلاثتها تأتي بعد "ياء" واحدة، وربما تعني بحق "أي بحق عثتر وهوبس والمقة"، بينما تأتي بقية الآلهة، وكل منها له "ياؤه" الخاصة به- أي كل واحد تسبقه بكلمة بحق- أما الإلهة "ذات حمى" "ذات حميم" فمظم الباحثين يرونها -وكذا ذات بعدن -اسمًا للإلهة الشمس، وأن "ذات حمى" ربما كانت بمعنى ذات حرارة، على أساس أن حمى تعني الحرارة٢.
وهناك نقش -ربما كان هو الذي الذي أشرنا إليه آنفًا -يتحدث عن تقديم المكرب "سمه علي" البخور والمر للإله القومي "المقه" "الموقاة"، مما يشير إلى أن المكرب كان يقدم البخور باسمه، ونيابة عن قبيلته التي قادها من الفيافي والقفار إلى الأرض السعيدة التي تفيض لبنًا وعسلا٣.
وجاء بعد "سمه علي" ولده "يدع إيل ذريح" الذي يرى "فلبي" أنه حكم حوالي عام ٨٠٠ق. م٤، بينما يرى "فون فيسمان" أنه حكم حوالي القرن الثامن ق. م٥ ويضعه "أولبرايت" في النصف الثاني من القرن السابع ق. م "في فترة مبكرة منه أو في أواسطه"٦، وأخيرًا فهناك من يحدد ذلك بعام ٧٥٠ق. م٧.
وقد قدمت لنا الحفائر عدة نقوش ترجع إلى أيام "يدع إيل ذريح"، منها ذلك النقش الطويل الموجود على الجدار الخارجي لمعبد "صرواح"، وقد جاء فيه أن هذا المكرب هو الذي بنى هذا الجدار، كما يذكر النقش كذلك الإله المقة وعثتر، والإلهة "ذات حميم" والذين يكونون معًا "ثالوث المدينة القديمة"، هذا ويرى
стр. 281
الدكتور أحمد فخري١ أن هذا المعبد "معبد صرواح"- والذي يرجع إلى القرن الثامن قبل الميلاد- إنما هو أقدم المعابد السبئية التي ظلت قائمة حتى اليوم.
وهناك نقش عثر عليه في "محرم بلقيس" عرف بنقش "جلازر ٤٨٤" يتحدث عن بناء "يدع إيل ذريح" لجدار في معبد الإله المقة في أوام، وتقديم القرابين للإله "عثتر"٢، كما أن هناك في منطقة المساجد بمأرب آثار معبد مستطيل الشكل يحمل نقشين من عهد "يدع إيل ذريح" يتضمنان نصًا ينسب إليه بناء هذا المعبد المعروف بمعبد "محرم بلقيس" والمخصص لإله سبأ الرئيسي "المقة"٣.
وجاء بعد "يدع إيل ذريح" ولده "يثع أمر وتر"، وقد جاء في النقش "Coh ٤٩٠" أنه أنشأ معبد الإله القمر الذي أطلق عليه السبئيون لفظ "هوبس" في قرية "دبير" -في منتصف المسافة بين مأرب والمدن المعينية في الجوف- وإن كان "هومل" يرى أن "دبير" هذه ليست قرية، وإنما قبيلة بنت معبدًا باسمها، وأن "يثع أمر" إنما قام بتجديد هذا المعبد، وسواء أكان هذا أو ذاك، فإنه يعني على أي حال، أن المكرب السبئي بدأ يتدخل في شئون معين منذ تلك الفترة المبكرة، التي ترجع إلى القرن الثامن قبل الميلاد٤.
وجاء بعده -فيما يرى هومل-٥ ولده "يدع إيل بين"، وهناك ما يشير إلى أنه قام بتحصين مدينة "نشق"- التي عرفها الرومان باسم "نسكا Nesca"، وتعرف الآن باسم "خربة البيضاء" الواقعة في الجوف- وربما قد يتبادر إلى الذهن أنه قد حصنها بعد نصر أحرزه على سكانها، غير أن المؤرخين لا يعرفون متى تم هذا النصر- أفي عهده أم في عهد أبيه- وإن رأى "هومل" أنه إنما كان على يد "سمه
стр. 282
علي ينف"، الذي جاء ذكره على بعض النقوش التي عثر عليها في تلك المنطقة، وإن لم يكن هناك من دليل يؤيد وجهة النظر هذه١.
وعلى أي حال، فيبدو أن السبئيين إنما كانوا يحاولون الاستيلاء على معين على مراحل، وقد رأينا من قبل أنهم استولوا على "دبير" ثم اتخذوا منها مركزًا للإغارة على المعينيين، غير أن هناك ما يشير إلى أن "دبير" قد انفصلت عن سبأ، ثم عادت مرة أخرى إلى النفوذ السبئي على أيام "كرب إيل وتر"٢.
وجاء بعد ذلك المكرب "يثع أمر"، والذي يرى فيه "هومل" ابنًا لسلفه أو شقيقًا له٣، وأما "فلبي" فقد ذهب مرة إلى أنه أحد أبناء "سمه على ينف٤" وذهب مرة أخرى إلى أنه شقيق أو ابن شقيق سلفه٥، وأنه المعاصر للملك الآشوري سرجون الثاني "٧٢٢-٧٠٥ق. م"٦ وأنه قدم إليه الهدايا، بل إن هناك ما يشير إلى أن "تجلات بلاسر الثالث" "٧٤٥-٧٢٦ق. م" قد أخذ الجزية من تيماء وغيرها من الواحات العربية، فضلا عن "سبأ" والتي ربما تعني الجالية السبئية التي خلفت المعينيين في ديدان، ومن هنا فإنها ترد في النص بعد تيماء مباشرة٧.
وعلى أي حال، فهناك ما يشير إلى أن "يثع أمر" كان يحكم كذلك في شمال بلاد العرب، على مقربة من البادية "إما في أعالي الحجاز أو نجد، وإما في المناطق الجنوبية من الأردن"٨، إلا أن عثور بعثة ألمانية على نقش يفيد تقديم هدايا للملك الآشوري "سنحريب" "٧٠٥-٦٨١ق. م" من "كرب إيلو" السبئي، جعل العلماء يرون أن الملكين اللذين قدما الهدايا للآشوريين، إنما هما المكربان "يثع أمر" و"كرب إيلو"٩، وأن "يثع أمر" إنما قدم هداياه حوالي عام ٧١٥ق. م"١٠ ذلك لأننا
стр. 283
نعرف أنه في حوالي عام ٢٧٠ق. م، وربما عام ٧١٥ق. م، قد انتشرت القلاقل والاضطرابات في سورية وفلسطين ضد الآشوريين بدرجة كبيرة، وأن معظم سكان الولايات المختلفة هناك قد ساهموا فيها بدرجة كبيرة أو صغيرة، وطبقًا لرواية التوراة١، فقد أتى الإمبراطور الآشوري بقوم آخرين من "كوت وبابل وعوا وحماة وسفروايم"، وأسكنهم في هذه الأقاليم، وليس من شك في أن الآشوريين كانوا يهدفون من سياستهم هذه كسر التحالفات القديمة، بإدخال أجانب في البلاد "وربما كانوا في بعض الحالات من الآشوريين أنفسهم"، وبداية لظروف جديدة أكثر ملاءمة للإمبراطورية الآشورية الطموح٢.
ونقرأ في حوليات سرجون الثاني من هذه الفترة، أنه في السنة السابعة من حكمه، وفي حوالي عام ٧١٥ق. م، "وطبقًا لوحي صادق من آشور إلهي، قضيت على قبائل تامود وإيباديدي ومرسيمانو وجبايا٣ والعرب الذين يعيشون بعيدًا في الصحراء والذين لا يعترفون برؤساء أو موظفين، والذين لم يكونوا قد جاءوا بجزهم لأي ملك، سبيت الأحياء منهم ونقلتهم إلى السامرة، من بيرعو ملك مصرو، ومن شمسي ملكة العرب، ومن "أتعمارا" "يثع أمر" السبئي"٤، ومن ثم فربما كان "فلبي" مصيبًا في رأيه حين حدد الفترة "٧٢٠-٧٠٠ق. م" لحكم "يثع أمر" هذا٥، وعلى أي حال، فهناك من يرى أن نفوذ العاهل الآشوري إنما وصل إلى سبأ نفسها، ومن ثم فقد أسرع ملكها بحمل الجزية إلى سرجون، حتى لا تقع بلاده آخر الأمر ضمن أملاك الآشوريين٦.
وجاء بعد "يثع أمر" ولده "كرب إيل بين"، وطبقًا للنقش "Cih ٦٣٩" فإن الرجل قد وسع أطراف مدينة "نشق" ربما لأغراض سياسية واقتصادية، هذا ونقرأ في حوليات "سنحريب" أنه تسلم هدايا من "كرب إيلو" ملك السبئيين.
стр. 284
أما الهدايا فقد كانت من الأحجار الكريمة والعطور، وأما "كرب إيلو" فهو المكرب "كرب إيل بين"، وإن كان الآشوريون قد أطلقوا عليه لقب "ملك"، فليس لذلك من تعليل سوى أنهم كانوا يجهلون ألقاب حكام سبأ في تلك الفترة١.
وجاء بعد "كرب إيل بين" ولده "ذمار علي وتار"، ونقرأ في نقش "هاليفي ٣٤٩" أنه أمر بتوسيع مدينة "نشق" فيما وراء الحدود التي اختطها أبوه، كما أمر بتحسين وسائل الري وباستصلاح الأراضي المحيطة بها واستغلالها في الزراعة، وإن جعل ذلك مقصورًا على السبئيين، على أن الاهتمام بمدينة "نشق" "المعينية الأصل" إنما يدل على مدى اهتمام حكام سبأ باستصلاح الأراضي البور فيها، ثم توزيعها على السبئيين من أتباعهم، وبالتالي تحويلها إلى مدينة سبئية بمرور الوقت٢.
وهناك على مقربة من "مأرب" توجد فتحة لتنظيم تصريف المياه التي كانت تسير في القناة اليمنى "إحدى القناتين اللتين كانتا تخرجان من سد مأرب" وما زالت بقايا جداريها المشيدين بالحجر، باقية حتى الآن في الجهة الجنوبية من المدينة، وهي أمام الباب الرئيسي من السور الذي كان يواجه معبد "أوام" أو محرم بقليس، وعلى الجدار الشمالي من ذلك الأثر النقش رقم "١-٤٤" وقد جاء فيه أن مكرب سبأ "ذمار علي وتار" بن "كرب إيل" "الذي عاش في القرن السابع قبل الميلاد" هو الذي بنى هذه الفتحة، أمام هيكل الإله "عتثر"٣.
وجاء بعد "ذمار علي وتار" ولده "سه علي ينوف" الذي ينسب إليه أنه صاحب فكرة ومنفذ أكبر مشروع للري عرفته بلاد العرب، وذلك بالرغم من أن سكان "مأرب" كانوا ذوي خبرة بشئون الري، إلا أن سدودهم كانت بدائية، حتى جاء "سمه علي ينوف"، وأحدث تطورًا في وسائل الري، وذلك حين شيد "سد رحب" للسيطرة على مياه الأمطار والإفادة من السيول، وهكذا بدأ المشروع العظيم، والذي عرف في التاريخ باسم "سد مأرب" والذي نما على مر الأيام حتى اكتمل في نهاية القرن الثالث الميلادي على أيام "شمر يهرعش"، فنظم وسائل الري
стр. 285
وأضاف مساحات كبيرة للأراضي الزراعية١.
ونعرف من نقش "جلازر٥١٤" أن "سمه علي ينوف" قد ثقب حاجرًا في الحجر وفتح ثغرة فيه لمرور المياه إلى سد "رحب"، ثم إلى منطقة "يسرن" التي كانت تغذيها مسايل وقنوات عديدة تأتي بالمياه من حوض السد٢، وتبتلع مياهها من مسيل "ذنة" فتغذي أرضًا كانت، وما تزال، خصبة، يمكن للقوم الإفادة منها إذا ما استعملوا الآلات الحديثة لإيجاد المياه٣.
وليس هناك من شك في أن عهد "سمه علي ينوف" من أهم عهود مكاربة سبأ، فيما يتصل بالتأريخ لسد مأرب، وأن أقدم ما لدينا من وثائق عنه، إنما يرجع إلى عهد هذا المكرب، ربما إلى حوالي عام ٧٥٠ق. م، على رأي٤، وحوالي عام ٧٠٠ق. م، على رأي آخر٥.
وسار ولده وخليفته "يثع أمر بين" على سنته، ويبدو أن سد "رحب" لم يف بجميع احتياجات الأراضي الصالحة للزراعة، ومن ثم فقد عمل، "يثع أمر بين" على إدخال التحسينات على هذا السد، وإنشاء فروع له، ومنها فتح ثغرة في منطقة صخرية حتى تصل المياه إلى أرض "يسرن"، هذا إلى جانب تعلية "سد رحب" وتقويته، أضف إلى ذلك بناء سد "هباذ"، وهو أكبر من سد رحب، والذي كان على الأرجح البوابة الأخرى على اليسار٦، كما أقام سد الجبار المعروف باسم "سد حبابض" الذي مكن الأرض من الإفادة بأكبر كمية من المياه كانت تجري عبثًا، فلا تفيد زرعًا ولا ضرعًا٧.
ولعل هذا كله هو الذي دفع بعض الباحثين إلى اعتبار "يثع أمر" وأبيه "سمه