الدكتور أحمد فخري١ أن هذا المعبد "معبد صرواح"- والذي يرجع إلى القرن الثامن قبل الميلاد- إنما هو أقدم المعابد السبئية التي ظلت قائمة حتى اليوم.
وهناك نقش عثر عليه في "محرم بلقيس" عرف بنقش "جلازر ٤٨٤" يتحدث عن بناء "يدع إيل ذريح" لجدار في معبد الإله المقة في أوام، وتقديم القرابين للإله "عثتر"٢، كما أن هناك في منطقة المساجد بمأرب آثار معبد مستطيل الشكل يحمل نقشين من عهد "يدع إيل ذريح" يتضمنان نصًا ينسب إليه بناء هذا المعبد المعروف بمعبد "محرم بلقيس" والمخصص لإله سبأ الرئيسي "المقة"٣.
وجاء بعد "يدع إيل ذريح" ولده "يثع أمر وتر"، وقد جاء في النقش "Coh ٤٩٠" أنه أنشأ معبد الإله القمر الذي أطلق عليه السبئيون لفظ "هوبس" في قرية "دبير" -في منتصف المسافة بين مأرب والمدن المعينية في الجوف- وإن كان "هومل" يرى أن "دبير" هذه ليست قرية، وإنما قبيلة بنت معبدًا باسمها، وأن "يثع أمر" إنما قام بتجديد هذا المعبد، وسواء أكان هذا أو ذاك، فإنه يعني على أي حال، أن المكرب السبئي بدأ يتدخل في شئون معين منذ تلك الفترة المبكرة، التي ترجع إلى القرن الثامن قبل الميلاد٤.
وجاء بعده -فيما يرى هومل-٥ ولده "يدع إيل بين"، وهناك ما يشير إلى أنه قام بتحصين مدينة "نشق"- التي عرفها الرومان باسم "نسكا Nesca"، وتعرف الآن باسم "خربة البيضاء" الواقعة في الجوف- وربما قد يتبادر إلى الذهن أنه قد حصنها بعد نصر أحرزه على سكانها، غير أن المؤرخين لا يعرفون متى تم هذا النصر- أفي عهده أم في عهد أبيه- وإن رأى "هومل" أنه إنما كان على يد "سمه
стр. 282
علي ينف"، الذي جاء ذكره على بعض النقوش التي عثر عليها في تلك المنطقة، وإن لم يكن هناك من دليل يؤيد وجهة النظر هذه١.
وعلى أي حال، فيبدو أن السبئيين إنما كانوا يحاولون الاستيلاء على معين على مراحل، وقد رأينا من قبل أنهم استولوا على "دبير" ثم اتخذوا منها مركزًا للإغارة على المعينيين، غير أن هناك ما يشير إلى أن "دبير" قد انفصلت عن سبأ، ثم عادت مرة أخرى إلى النفوذ السبئي على أيام "كرب إيل وتر"٢.
وجاء بعد ذلك المكرب "يثع أمر"، والذي يرى فيه "هومل" ابنًا لسلفه أو شقيقًا له٣، وأما "فلبي" فقد ذهب مرة إلى أنه أحد أبناء "سمه على ينف٤" وذهب مرة أخرى إلى أنه شقيق أو ابن شقيق سلفه٥، وأنه المعاصر للملك الآشوري سرجون الثاني "٧٢٢-٧٠٥ق. م"٦ وأنه قدم إليه الهدايا، بل إن هناك ما يشير إلى أن "تجلات بلاسر الثالث" "٧٤٥-٧٢٦ق. م" قد أخذ الجزية من تيماء وغيرها من الواحات العربية، فضلا عن "سبأ" والتي ربما تعني الجالية السبئية التي خلفت المعينيين في ديدان، ومن هنا فإنها ترد في النص بعد تيماء مباشرة٧.
وعلى أي حال، فهناك ما يشير إلى أن "يثع أمر" كان يحكم كذلك في شمال بلاد العرب، على مقربة من البادية "إما في أعالي الحجاز أو نجد، وإما في المناطق الجنوبية من الأردن"٨، إلا أن عثور بعثة ألمانية على نقش يفيد تقديم هدايا للملك الآشوري "سنحريب" "٧٠٥-٦٨١ق. م" من "كرب إيلو" السبئي، جعل العلماء يرون أن الملكين اللذين قدما الهدايا للآشوريين، إنما هما المكربان "يثع أمر" و"كرب إيلو"٩، وأن "يثع أمر" إنما قدم هداياه حوالي عام ٧١٥ق. م"١٠ ذلك لأننا
стр. 283
نعرف أنه في حوالي عام ٢٧٠ق. م، وربما عام ٧١٥ق. م، قد انتشرت القلاقل والاضطرابات في سورية وفلسطين ضد الآشوريين بدرجة كبيرة، وأن معظم سكان الولايات المختلفة هناك قد ساهموا فيها بدرجة كبيرة أو صغيرة، وطبقًا لرواية التوراة١، فقد أتى الإمبراطور الآشوري بقوم آخرين من "كوت وبابل وعوا وحماة وسفروايم"، وأسكنهم في هذه الأقاليم، وليس من شك في أن الآشوريين كانوا يهدفون من سياستهم هذه كسر التحالفات القديمة، بإدخال أجانب في البلاد "وربما كانوا في بعض الحالات من الآشوريين أنفسهم"، وبداية لظروف جديدة أكثر ملاءمة للإمبراطورية الآشورية الطموح٢.
ونقرأ في حوليات سرجون الثاني من هذه الفترة، أنه في السنة السابعة من حكمه، وفي حوالي عام ٧١٥ق. م، "وطبقًا لوحي صادق من آشور إلهي، قضيت على قبائل تامود وإيباديدي ومرسيمانو وجبايا٣ والعرب الذين يعيشون بعيدًا في الصحراء والذين لا يعترفون برؤساء أو موظفين، والذين لم يكونوا قد جاءوا بجزهم لأي ملك، سبيت الأحياء منهم ونقلتهم إلى السامرة، من بيرعو ملك مصرو، ومن شمسي ملكة العرب، ومن "أتعمارا" "يثع أمر" السبئي"٤، ومن ثم فربما كان "فلبي" مصيبًا في رأيه حين حدد الفترة "٧٢٠-٧٠٠ق. م" لحكم "يثع أمر" هذا٥، وعلى أي حال، فهناك من يرى أن نفوذ العاهل الآشوري إنما وصل إلى سبأ نفسها، ومن ثم فقد أسرع ملكها بحمل الجزية إلى سرجون، حتى لا تقع بلاده آخر الأمر ضمن أملاك الآشوريين٦.
وجاء بعد "يثع أمر" ولده "كرب إيل بين"، وطبقًا للنقش "Cih ٦٣٩" فإن الرجل قد وسع أطراف مدينة "نشق" ربما لأغراض سياسية واقتصادية، هذا ونقرأ في حوليات "سنحريب" أنه تسلم هدايا من "كرب إيلو" ملك السبئيين.
стр. 284
أما الهدايا فقد كانت من الأحجار الكريمة والعطور، وأما "كرب إيلو" فهو المكرب "كرب إيل بين"، وإن كان الآشوريون قد أطلقوا عليه لقب "ملك"، فليس لذلك من تعليل سوى أنهم كانوا يجهلون ألقاب حكام سبأ في تلك الفترة١.
وجاء بعد "كرب إيل بين" ولده "ذمار علي وتار"، ونقرأ في نقش "هاليفي ٣٤٩" أنه أمر بتوسيع مدينة "نشق" فيما وراء الحدود التي اختطها أبوه، كما أمر بتحسين وسائل الري وباستصلاح الأراضي المحيطة بها واستغلالها في الزراعة، وإن جعل ذلك مقصورًا على السبئيين، على أن الاهتمام بمدينة "نشق" "المعينية الأصل" إنما يدل على مدى اهتمام حكام سبأ باستصلاح الأراضي البور فيها، ثم توزيعها على السبئيين من أتباعهم، وبالتالي تحويلها إلى مدينة سبئية بمرور الوقت٢.
وهناك على مقربة من "مأرب" توجد فتحة لتنظيم تصريف المياه التي كانت تسير في القناة اليمنى "إحدى القناتين اللتين كانتا تخرجان من سد مأرب" وما زالت بقايا جداريها المشيدين بالحجر، باقية حتى الآن في الجهة الجنوبية من المدينة، وهي أمام الباب الرئيسي من السور الذي كان يواجه معبد "أوام" أو محرم بقليس، وعلى الجدار الشمالي من ذلك الأثر النقش رقم "١-٤٤" وقد جاء فيه أن مكرب سبأ "ذمار علي وتار" بن "كرب إيل" "الذي عاش في القرن السابع قبل الميلاد" هو الذي بنى هذه الفتحة، أمام هيكل الإله "عتثر"٣.
وجاء بعد "ذمار علي وتار" ولده "سه علي ينوف" الذي ينسب إليه أنه صاحب فكرة ومنفذ أكبر مشروع للري عرفته بلاد العرب، وذلك بالرغم من أن سكان "مأرب" كانوا ذوي خبرة بشئون الري، إلا أن سدودهم كانت بدائية، حتى جاء "سمه علي ينوف"، وأحدث تطورًا في وسائل الري، وذلك حين شيد "سد رحب" للسيطرة على مياه الأمطار والإفادة من السيول، وهكذا بدأ المشروع العظيم، والذي عرف في التاريخ باسم "سد مأرب" والذي نما على مر الأيام حتى اكتمل في نهاية القرن الثالث الميلادي على أيام "شمر يهرعش"، فنظم وسائل الري
стр. 285
وأضاف مساحات كبيرة للأراضي الزراعية١.
ونعرف من نقش "جلازر٥١٤" أن "سمه علي ينوف" قد ثقب حاجرًا في الحجر وفتح ثغرة فيه لمرور المياه إلى سد "رحب"، ثم إلى منطقة "يسرن" التي كانت تغذيها مسايل وقنوات عديدة تأتي بالمياه من حوض السد٢، وتبتلع مياهها من مسيل "ذنة" فتغذي أرضًا كانت، وما تزال، خصبة، يمكن للقوم الإفادة منها إذا ما استعملوا الآلات الحديثة لإيجاد المياه٣.
وليس هناك من شك في أن عهد "سمه علي ينوف" من أهم عهود مكاربة سبأ، فيما يتصل بالتأريخ لسد مأرب، وأن أقدم ما لدينا من وثائق عنه، إنما يرجع إلى عهد هذا المكرب، ربما إلى حوالي عام ٧٥٠ق. م، على رأي٤، وحوالي عام ٧٠٠ق. م، على رأي آخر٥.
وسار ولده وخليفته "يثع أمر بين" على سنته، ويبدو أن سد "رحب" لم يف بجميع احتياجات الأراضي الصالحة للزراعة، ومن ثم فقد عمل، "يثع أمر بين" على إدخال التحسينات على هذا السد، وإنشاء فروع له، ومنها فتح ثغرة في منطقة صخرية حتى تصل المياه إلى أرض "يسرن"، هذا إلى جانب تعلية "سد رحب" وتقويته، أضف إلى ذلك بناء سد "هباذ"، وهو أكبر من سد رحب، والذي كان على الأرجح البوابة الأخرى على اليسار٦، كما أقام سد الجبار المعروف باسم "سد حبابض" الذي مكن الأرض من الإفادة بأكبر كمية من المياه كانت تجري عبثًا، فلا تفيد زرعًا ولا ضرعًا٧.
ولعل هذا كله هو الذي دفع بعض الباحثين إلى اعتبار "يثع أمر" وأبيه "سمه
стр. 286
علي ينوف" المؤسسين الحقيقيين لسد مأرب، والذي يعتبر أكبر عمل هندسي شهدته بلاد العرب في تاريخها القديم، وقد تم هذا العمل في القرن السابع ق. م "فيما بين عامي ٦٥٠، ٦٣٠ق. م"، هذا وقد كان من أثر الاهتمام بإنشاء السدود وتنظيم الري، أن زادت مساحة الأراضي الزراعية، وخاصة حول مأرب، مما كان سببًا في الإعلاء من شأنها وزيادة سكانها، ولما كان الرخاء الاقتصادي في سبأ يعتمد على الحياة النباتية -وليس الحيوانية- فإن الاهتمام بتنظيم الري إنما كان سببًا في الرخاء الذي ساد البلاد، إبان الفترة، وجعل من مأرب مدينة مزدهرة، وبالتالي فقد أوجد الصورة الرومانتيكية لبلاد العرب في عقول المؤلفين الكلاسيكيين، فأطلقوا عليها "بلاد العرب السعيدة، وهكذا أصبحت مأرب تنازع صرواح مكانتها أول الأمر، ثم احتلال هذه المكانة بعد حين من الدهر، فغدت عاصمة "سبأ"، وصاحبة معبد الإله الموقاه، إله سبأ الكبير١.
هذا ولم يكن نشاط "يثع أمر" مقصورًا على النواحي الاقتصادية فحسب، وإنما تعداه إلى النواحي الحربية، ومن ثم فإننا نقرأ في نقش "فلبي ٧٧" أنه سَوَّرَ "حريب" وحَصَّنَ قلعتها٢، وأنه قام بحملات عسكرية ضد القبائل والدويلات المجاورة، التي بدأ الضعف يتسرب إلى كيانها، وأخذت حكوماتها تسير نحو الزوال بخطى حثيثة، فطبقًا للنقوش التي عثر عليها في مأرب، فإن "يثع أمر" قد هاجم قتبان على أيام ملكها "سم وتر"، وقتل منها قرابة أربعة آلاف رجل، ولم يكن حظ معين بأفضل من حظ قتبان، وإن كنا لا نعلم عدد الضحايا من أبنائها، إلا أننا نعرف أنه قد تابع انتصاره عليها بنصر آخر أحرزه على القبائل والمدن التي لم تكن قد خضعت بعد لحكومته، حتى وصل إلى نجران، وهناك وعلى مقربة من نجران دارت رحى الحرب بينه وبين "مهأمرم"، "مهامرم" و"أمرم" حتى قتل من أعدائه ٤٥ ألفًا، وأسر ٦٣ ألفًا من الرجال، وغنم ٣١ ألفًا من الماشية، ودمر عددًا من المدن والقرى، الواقعة بين رجمت ونجران٣.
стр. 287
وأما النشاط الديني، فقد أسهم فيه ببناء "معبد نسور" و"معبد علم" و"معبد في ريدان"، هذا فضلا عن معبد للإلهة "ذات حميم" في "حنن"، وعدة أبنية بإزاء معبد "دهب"، كما أقام مذبحًا عند باب "نوم" للاحتفال بموسم "صيد عثتر" الذي لا نعرف عنه شيئًا، وإن كان يبدو أن مكاربة سبأ إنما كانوا يحتفلون بالصيد في مواسم معينة، ثم يعقدون صلة بين هذه المواسم وبين الآلهة، ربما ابتغاء مرضاة هذه الآلهة، ورغبة منهم في أن تمنحهم صيدًا وفيرًا١.
وجاء بعد "يثع أمر"، "كرب إيل وتار" والذي يعد عهده من العهود الحاسمة في تاريخ سبأ، فهو خاتمة لعهود المكربين، وفاتحة لعهود ملوك سبأ، أو بمعنى آخر، الانتقال من حكومة دينية إلى حكومة مدنية، حيث بدأ الحكام السبئيون يخلعون لقب "مكرب" -والذي ربما كان يعني أمير كاهن أو الكاهن الأكبر٢، وربما الملك الكاهن، مما يشير إلى الأساس الـ"ثيو قراطي" الذي قامت عليه الدولة٣- وعلى أي حال، ففي أخريات عهد هذا الحاكم السبئي "كرب إيل وتار" بدأت الدولة تتحول إلى حكومة دنيوية، وأصبح رئيسها يحمل لقب "ملك".
ويرى "فلبي" أن "كرب إيل وتار" قد حكم في الفترة "٦٢٠-٦٠٠ق. م" وأنه غير لقبه من مكرب إلى ملك حوالي عام ٦١٠ق. م٤، بينما يرى آخرون أنه حكم في حوالي نهاية القرن الخامس ق. م٥، ويعد "نقش النصر" في صرواح، والذي يغطي وجهي جدار مشيد من المرمر قائم في بهو المعبد، من أهم مصادر التاريخ اليمني، ذلك لأن صاحبه "كرب إيل وتار" قد دون فيه كل أعماله الحربية والدينية.
ويبدأ النص: الذي تعد دراسة "نيكلولوس رود كناكيس"٦ أهم دراسة له، بتوجيه الملك السبئي الشكر للآلهة السبئية التي أغدقت نعمائها عليه، فوحدت
стр. 288
صفوف قومه، وباركت أرضه، ووهبتها أمطارًا سالت في الأودية وساعدته على إنشاء السدود وحفر القنوات، لري الأرضين التي لم تصلها المياه، ومن ثم فقد نحر الذبائح وقدم القرابين للآلهة -الموقاة وعتثر وهوبس-.
وينتقل النص بعد ذلك إلى مجال السياسة والحروب، فيحدثنا كيف أن "كرب إيل وتار" قام بفتوحات كثيرة في البلاد المجاورة وانتصر على "سأد" و"نقبة"، وأحرق جميع مدن "معافر" وقهر "ضبر" و"ضلم" و"أروى" وأحرق مدنهم وقتل منهم ثلاثة آلاف وأسر ثمانية، وضاعف عليهم الجزية التي يدفعونها -ومن بينها البقر والماعز -هذا فضلا عن انتصاره على "ذبحان ذو قشر" وعلى "شرجب" وإحراق مدنهما، كما استولى على جبل "عسمة: و"وادي صير"، وجعلهما وقفًا للإله الموقاة، ولبني قومه من السبئيين١.
ولعل من أهم حروبه تلك التي استعر أوارها بينه وبين "أوسكان" "أوزان"، والتي كان من جرائها قتل ١٦ ألفًا، وأسر ٣٠ ألفًا من أوسان -وهي دويلة صغيرة قامت في جنوب بلاد العرب، ثم سرعان ما بدأت تنافس سبأ نفسها من ناحية، وحضرموت من ناحية أخرى، بعد أن ضمت إليها عددًا من الحلفاء مثل سعد ومعافر، وإقليم دثينة ودهس وتبنو، وسائر القبائل النازلة هناك شرقًا حتى حضرموت -وأما سبب تلك الحروب بين سبأ وأوسان، فيرجع إلى أن حضرموت وقتبان كانتا حليفتين لسبأ، فتقدم ملك أوسان واستولى عليهما، ومن ثم فقد وجد "كرب إيل وتار" نفسه مضطرًا لمناصرة حلفائه، وهكذا اتجه إلى أوسان وأعمل السيف فيها حتى أخضعها، والأمر كذلك بالنسبة إلى دهس وتبنو، حيث قتل منهم ألفًا وأسر خمسة آلاف، وأحرق كثيرًا من مدنهم، ثم ضمها إلى سبأ، ثم أعاد إلى الحضارمة والقتبانيين ما كان لهم من أملاك في أوسان٢.
واتجه "كرب إيل وتار" بعد ذلك إلى "معين"، وطبقًا لما جاء في "نقش صرواح"، فإن مدينة "نشان" "خربة السوداء" قد عارضت "كرب إيل وتار"
стр. 289
وناصبته العداء، ومن ثم أرسل إليها جيشًا نجح في إيقاع الهزيمة بها، كما نهب "عشر" و"بيجان" ومجاوراتها، إلا أن نشان سرعان ما أعلنت الثورة من جديد، غير أن ثورتها هذه لم يكتب لها نصيب من نجاح، فضرب الحصار على "نشق" قرابة أعوام ثلاثة، انتهت بضمها إلى سبأ، وسقط ألف قتيل من "نشان"، فضلا عن الاستيلاء على أراضيها الزراعية والسدود التي نظم الري فيها، إلى جانب إسكان السبئيين فيها، وبناء معبد للموقاة١.
ويتحدث نقش النصر بعد ذلك عن مدن "سبل" و"هرم" و"فنن"، وأن الملك "كرب إيل وتار" قد أرسل إليها جيشًا كتب له نصر مؤزر عليها، وأن ملوكها قد قتلوا في المعارك التي دارت رحاها بين جيشه وأهل تلك المدائن، كما سقط منهم ثلاثة آلاف قتيل، وأسر خمسة آلاف، وغنم السبئيون ٥٠ ألف رأس من الماشية، وفرضوا الجزية على أعدائهم، فضلا عن وضعهم تحت الحماية السبئية٢.
ويشير آخر النقش إلى حملة "كرب إيل وتار" على "نجران" فيحدثنا عن أهل "مه أمر"، "مهامر" و"مه أمرم" و"عوهب"، وكيف أن الملك السبئي قد هزمهم، وقتل منهم خمسة آلاف، كما أسر اثني عشر ألف طفل، وغنم اثني عشر رأس من الماشية، وأن "مه أمرم" قد أحرقت وصودرت مياهها، وفرضت الجزية على البقية من سكانها٣.
وأما الوجه الآخر من النقش، فيقدم لنا بيانًا بأعمال التحصينات التي قام بها "كرب إيل وتار" لتحصين مدن مملكته، كما يتحدث كذلك عن ممتلكات الملوك الذين دانوا لطاعته، وعن خزانات المياه التي أصلحها أو شيدها، وحدائق النخيل التي قام بغرسها.
وهكذا كانت حروب "كرب إيل وتار" فاتحة عهد جديد في تاريخ اليمن القديم، وأصبح مكرب ملكًا على اليمن بأكملها، بما في ذلك حضرموت ونجران،
стр. 290
وما كان يسمى بالمحميات، واستمر ذلك الملك الواسع الكبير لسبأ عدة قرون١ إلا أن هذه الحروب من ناحية أخرى قد أضرت كثيرًا بمدن اليمن، فقد أحرق فيها "كرب إيل وتار" الكثير من المدن، كما قتل الكثير من أبنائها، مما أدى إلى تدهور الأحوال في اليمن، وفي بقية العربية الجنوبية، وإلى اندثار الكثير من الأماكن بسبب إحراقها، واهلاك سكانها٢.
بقيت كلمة أخيرة تتصل بمدينة "صرواح" -مقر الإله الموقاة، وعاصمة سبأ في تلك الفترة- وواحدة من أهم المدن السبئية لعدة قرون بعد ذلك- وتقع الآن في موضع "الخربة" و"صرواح الخريبة"، ما بين صنعاء ومأرب، هذا وقد تردد ذكرها في أشعار العرب، ويصفها الهمداني بأنها لا يقارن بها شيء من المحافد المختلفة، كما جمع الكثير من الشعر الجاهلي والإسلامي الذي ورد فيه اسمها٣، وفي هذا كله دلالة على أهمية تلك المدينة القديمة، وعلى تأثيرها في نفوس الناس تأثيرًا لم يستطع الزمن أن يمحوه بالرغم من أفول نجمها قبل الإسلام.
ويروي الأخباريون أنها حصن باليمن، وأن الجن قد بنوه لبلقيس ملكة سبأ بناء على أمر من سليمان عليه السلام٤، ولا ريب في أن هذا من نوع الأساطير التي لعب الخيال فيها دورًا كبيرًا، فضلا عن جهل فاضح بالتاريخ، إلى جانب أثر الإسرائيليات في إرجاع أي أثر لا يعرفون صاحبه إلى سليمان وإلى جن سليمان.
وتوجد المناطق الأثرية في صرواح في ثلاثة مناطق متقاربة، واحدة منها هي منطقة البناء "مكان السد القديم"، والثانية هي منطقة "القصر- وهي قرية حديثة البناء استخدموا في تشييد بعض منازلها أحجارًا من المعابد -أما الآثار الباقية المهمة
стр. 291
ففي منطقة "الخريبة"١، على أن أهم آثار صرواح إنما هي المعبد الكبير، معبد إله القمر "الموقاة" الذي استدرات إحدى ناحيتيه، فجعلت منه بناء نصف بيضي الشكل، ولا يمكن معرفة التصميم الأصلي للبناء الذي يبلغ ارتفاع جدرانه أكثر من عشرة أمتار، إلا بعد عمل الحفائر حوله وتنظيف داخله، لأنه قد استخدم خلال قرون طويلة كحصن في العصور الوسطى، وفتحوا فيه بعض المداخل، كما سدوا بعض أبوابه القديمة، واستخدموا كثيرًا من الأحجار الكبيرة في تلك الترميمات، هذا وقد زار أستاذنا الدكتور أحمد فخري أنقاض معبد الموقاة، وصور عددًا كبيرًا من النقوش التي ترجم بعضها الأستاذ "ريكمانز"٢، هذا، وإلى جانب معبد الموقاة، توجد بقايا عدة مبان أخرى، نقشت بعض أعمدتها بالكتابات، فهناك دار بلقيس، ومعبد يفعان، الذي نال حظوة كبيرة لدى المكاربة٣.
стр. 292
ثانيًا: عصر ملوك سبأ
لعل أهم ما يميز هذا العصر أمران: الأول: انتقال العاصمة من صرواح إلى مأرب، واتخاذ قصر "سلحين" الشهير قاعدة للعرش السبئي، والآخر: أن حكام سبأ بدءوا يتخلون عن لقب "مكرب"، ويتخذون بدلا عنه لقب "ملك"، وأما توقيت هذا العصر فموضع خلاف، فبينما يذهب "هومل" إلى أنه إنما كان في الفترة "٦٥٠-١١٥ق. م" -أو حتى عام ١٠٩ق. م، فيما يرى ريكمانز١- يذهب "فلبي" إلى أنه بدأ في عام ٦١٠ق. م، وأن "كرب إيل وتار" إنما كان في الفترة "٦٢٠-٦١٠ق. م" مكربًا لسبأ، وليس ملكًا لها٢، ويتجه "أولبرايت" إلى أن ذلك إنما كان بعد قرنين، وأن "كرب إيل وتار" قد حكم كملك في حوالي عام ٤٥٠ق. م، وبالتالي فإن عهد ملوك سبأ إنما يبدأ في تلك السنة٣.
وأيًّا ما كان الأمر، فالذي لا شك فيه أن "كرب إيل وتار" هو أول ملوك هذه الفترة، ومن الثابت تاريخيًّا أن هذا الأمير القوي الذي نستطيع أن نقول عنه إنه المؤسس الحقيقي للملكية السبئية كان يحتفظ كذلك بلقب "مكرب" المقدس، -كما احتفظ به الذين جاءوا من بعده- وربم كان لقب مكرب السبئي هذا أصلا لقب أمير قتبان٤.
وكان "سمه علي ذريح" هو الملك الثاني٥، وقد ذهب "فلبي" إلى أنه ربما كان ابنًا لسلفه، وأن حكمه قد بدأ حوالي عام ٦٠٠ق. م٦، ثم جاء من بعده ولده "الشرح"، ونقرأ في نص "Cih٣٧٤" أنه أقام جدار معبد الإله الموقاة في محرم بلقيس في مأرب، ورمم أبراجه، وأدى ما كان قد نذره للموقاة ولعثتر وهوبس وذات حميم، وأنه أقام هذا النقش تخليدًا لذكرى والده "سمه علي ذريح"
стр. 293
هذا وقد سجل هذا الملك اسم شقيقه "كرب إيل"، الذي لا نعرف عنه شيئًا، وإن كان "هومل" -وفلبي من بعده- إنما جعلاه خليفة لوالده، بينما جعلا "الشرح" خليفة له، كما بدأ "فلبي" حكم "كرب إبل" هذا، بعام ٥٨٠ق. م١.
وانتقل حكم سبأ بعد ذلك إلى "يدع إيل بين" الذي يرى بعض الباحثين أنه إنما حكم في أوائل القرن الرابع قبل الميلاد، معتمدين في ذلك على ذكر اسمه- وكذا حصن "إلو"- في نقش "جلازر ١٠٥" الذي يرون أنه يرجع إلى هذه الفترة٢، وإن كان "فلبي" يرى أنه حكم في الفترة "٥٦٠-٥٤٠ق. م"٣، فإذا كان ذلك كذلك، فإن سبأ لا بد وأن تكون قد فقدت نفوذها في شمال بلاد العرب في تلك الفترة من القرن السادس قبل الميلاد، لأننا نعرف أن "نبونيد" "٥٥٥-٥٣٩ق. م"- ذلك الملك المثقف الذي اشتهر في التاريخ القديم بحبه للآثار وعنايته بها -قد قضى عشر سنوات في تيماء في شمال بلاد العرب٤، بعد أن قام بحملته المشهورة التي أخضع فيها تيماء وديدان وخيبر وأتريبو "يثرب- المدينة المنورة" وكبد فيها العرب خسائر فادحة٥، ثم أقام قصرًا في تيماء بقي فيه حينًا من الدهر، حتى أصبحت تيماء وكأنها قد غدت خليفة لبابل٦، ولم يعد من تيماء إلا في عام ٥٤٦ق. م، عندما دعاه رعاياه الذين كان على خلاف معهم طوال تلك الفترة التي قضاها في تيماء، وربما كانت عودته من هناك بسبب التهديدات الفارسية لبابل٧.
وعلى أي حال، فلقد جاء بعد "يدع إيل بين" ولده "يكرب ملك وتار"، ولدينا من عهده نقش "هاليفي٥١"، وهو عبارة عن وثيقة موافقته على قانون
стр. 294
صدر أيام أبيه يبيح لشعب سبأ -وكذا لقبيلة "يهبلح"- حق استغلال أرض زراعية في مقابل ضريبة معينة تدفع للدولة، فضلا عن واجباتهما تجاه الخدمة العسكرية، في أيام السلم والحرب سواء بسواء، كما أشار القانون إلى وضع قبيلة "أربعان" التي كانت تتمتع بالحكم الذاتي، ولها رؤساء يحملون لقب "ملك"١.
وجاء بعد ذلك "يثع أمر بين"، وقد جاء اسمه في عدة كتابات تتصل بتقديم قرابين للإله "بعل أوام" والإله "عثتر"، وإن كانت الكتابة التي سجلها "تبع كرب" كاهن الإلهة "ذات غضرن" تتحدث عن ثلاثة ملوك "يدع إيل بين، يكرب ملك، يثع أمر بين"، وعلى أي حال، فإن الكتابة إنما تروي قصة الدور الذي قام به صاحبها "تبع كرب"، كقائد عسكري، في الحروب التي أشعلت نيرانها قتبان ضد سبأ، إلا أن هذا القائد الكاهن نجح في أن يصد هجوم القتبانيين، وأن يسترد الأرضين التي استولوا عليها، وأن يضع شروطًا للصلح بين سبأ وقتبان، ثم يرسلها إلى "يثع أمر بين" في مأرب، حيث تمت الموافقة عليها، وأخيرًا يسجل هذا النص، ثم يضعه في معبد الإله الموقاة، المعروف عند السبئيين "بمعبد أوام بيت الموقاة" تمجيدًا لإله سبأ الكبير، وتخليدًا لذكرى عمله الجليل هذا٢.
ثم جاء "كرب إيل وتار" ولدينا من عهده عدة كتابات، منها ما يتصل بطريقة جمع الضرائب -وهو أمر قد أوكل القيام به إلى رؤساء القبائل- ومنها ما يتصل بالأعمال الزراعية من بناء للسدود وحفر للقنوات، كما ورد اسم الملك مع اسم "سمه علي" في النص المعروف بـ"٣Rep Epig".
وهناك كتابة ترجع إلى أيام "ذمار علي" بن "يدع إيل وتار" -وكذا اسم ابنه الذي ضاعت حروفه- وفيها ذكر لآلهة سبأ ومعين في نفس الوقت، فإذا ما تذكرنا أن الرجل من "ريمان" "وهي عشيرة من سبأ" له بيت في "نمران" "بيت نمران الحالية"، ومن ثم اختلط هؤلاء بالمعينيين، مما كان سببًا في ذكر آلهة
стр. 295
معين مع آلهة سبأ، وربما كان ملك سبأ هو الذي أسكن هذه الجماعة من الريمانيين عند "نشق" لحماية معين، وللدفاع عنها بعد أن خضعت لسبأ١.
وجاء بعد ذلك عدة ملوك منهم "الكرب يهنعم" و"كرب إبل وتار" ثم "أنمار يهأمن"، "أنمار يهنعم"، والذي حدد له "فلبي" الفترة "٢٩٠-٢٧٠ق. م"٢، وإن ذهب "فون فيسمان" إلى أنه حكم في القرن الأول قبل الميلاد "حوالي عام ٦٠ق. م"٣، ثم جاء من بعده ولده "ذمار علي ذريح".
وانتقل العرش إلى "نشأ كرب يهأمن"، "نشأ كرب يهنعم"، وهناك ما يدل على أن تماثيل الإله "عثتر ذي ذب"، قد أصابها بعض التلف، وأنها قد رممت، وأن الرجل قد قدم إلى "تنف ربة غضران" أربعة وعشرين وثنًا، بغية أن تبعد الضرَّ عنه وعن أهل بيته، "بحق عثتر والموقاة، وبحق شمس تنف ربة ذي غضران"، وفي هذا دلالة على أن المعبد الذي قدمت فيه هذه الأصنام، إنما كان في "ذي غضران" وأنه قد خصص للإلهة "الشمس الفائقة" وأن كلمة "تنف" إنما هي صفة لها٤.
وهناك نقش يشير إلى أن أعرابًا قد أغاروا على جماعة من السبئيين، وربما أرض سبأ نفسها، وأن الملك قد أرسل قوة من الجيش ومن الأهلين، إلى أرض هؤلاء الأعراب، نجحت في استرداد ما غنموه من أسلاب وأسرى، وأن صاحب النقش "أبو كرب بن أسلم" قد قدم تمثالين من البرونز للموقاة تخليدًا لذكرى هذا الحادث، وشكرًا للإله على نجاته، ويعد هذا النقش من أقدم نصوص المسند التي تشير إلى الأعراب وإلى غاراتهم على السبئيين وقوافلهم، وإن كنا لا ندري أين كانت مساكن هؤلاء الأعراب، ذلك لأن الأعراب موجودون في كل مكان في
стр. 296
شبه الجزيرة العربية، ومنها اليمن١.
هذا ويتجه بعض الباحثين إلى اعتبار "نشأ كرب يهأمن" من قبيلة "همدان" معتمدين في ذلك على أن اسمه من الأسماء الهمدانية المعروفة، بينما يرى آخرون أنه من "بني جرت" من قبيلة "سمهر" "سمهرام"، ويعارضون في أنه آخر الأسرة السبئية الحاكمة، بل ونراهم كذلك في ريب من أن أباه كان ملكًا فعليًّا في سبأ٢.
هذا وتبين لنا النصوص أن الملك كان يقيم في "قصر سلحين" بمأرب، وأنه حكم في الفترة "١٧٥-١٦٠ق. م" -فيما يرى جام- وأنه كان يتقرب إلى "شمس تنف ربة غضران" حتى إبان إقامته في مأرب في قصر سلحين، مما يدل على أنه لم ينس آلهة قبيلته "بني جرت" وعلى رأسها الإلهة الشمس، ومن ثم فقد قدمها على الآلهة الأخرى بل وذكرها مع "الموقاة" إله سبأ الخاص٣.
وجاءت بعد "نشأ كرب يهأمن" فترة ظلام، يرى "فلبي" أنها ثلاثون عامًا "٢٣٠-٢٠٠ق. م"٤، جاء بعدها "نصرم يهنعم" على رأس طائفة جديدة من الملوك، وقد ذهب "فلبي" إلى أن "نصرم يهنعم" هذا، قد حكم حوالي عام ٢٠٠ق. م٥ وعلى أي حال، فهناك نصوص جاء فيها اسم الرجل بدون لقب "ملك"، كما أشار بعضها إلى "تالب ريام" رب معبد "حدثان" الذي ينتسب إليه الهمدانيون، وربما كان عدم وجود لقب ملك بعد اسم "نصرم يهنعم" "ناصر يهأمن"، دلالة على أنه لم يكن ملكًا، وإنما كان أميرًا، ومن ثم فإن الدكتور جواد علي يرى أن الرجل -وكذا أخيه"صدقي يهب"- لم يكونا ملكين، وإنما كانا سيدين من سادات همدان، لهما سلطان واسع على قبيلتهما وفي سبأ، وربما كان "ناصر يهأمن" أميرًا على همدان، والأمر كذلك بالنسبة إلى أخيه، وأن السبب في تقديم "ناصر يهأمن" إنما كان لأنه
стр. 297
أكبر سنًا١، وأن الرجلين قد عاصرا "نشأ كرب يهأمن"، وبقيا حتى عصر "وهب إيل ويحز" ومن ثم فإن "نصر يهأمن" قد عاش فيما بين عامي ١٧٥، ١٥٠ق. م، على أساس أن "نشأ كرب يهأمن" قد عاش في الفترة "١٧٥-١٦٠ق. م" وأن حكم "وهب إيل يحز" كان فيما بين عامي ١٦٠، ١٤٥ق. م، فيما يرى "ألبرت جام"٢.
وأيًّا ما كان الأمر، فإننا الآن أمام ظاهرة جديدة، تبدو واضحة من النصوص التي يتحدث فيها "ناصر يهأمن" وشقيقه "صدق يهب" بصراحة على أنهما من "همدان"، مما يشير إلى أن قبيلة همدان أصبح لها المكانة الأولى بين القبائل، حتى أن أمراءها أصبحوا يلقبون أنفسهم بلقب "ملك" متحدين بذلك سلطة ملوك سبأ الشرعيين٣.
ويرجع الإخباريون نسب قبيلة همدان إلى "أوسلة بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة الخيار بن زيد بن كهلان" على رأي، وإلى همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان" على رأي آخر٤، وترجع بطون همدان إلى حاشد وبكيل، فأما "حاشد" فتقع مواطنها في الأرض الغربية من همدان، وأما "بكيل" فإنما تسكن المنطقة الشرقية منها، وأن الاثنين "حاشد وبكيل" من نسل "جشم بن خيران بن نوف بن همدان"٥، وقد اتخذت همدان من "تالب ريام" إلهًا لها، وسرعان ما ارتفع نجمه بارتفاع نجم همدان،
стр. 298
واغتصابها لعرش سبأ، ومن ثم فقد أصبح الناس يتعبدون له، كما يتعبدون للموقاة إله سبأ، إلا أن الهمدانيين سرعان ما تنكروا لإلههم هذا، ومن ثم نراهم- كما يقول ابن الكلبي١- يتعبدون وقت ظهور الإسلام لصنم هو "يعوق" كان له بيت في "خيوان"، ويجعلون "تالب ريام" بشرًا زعموا أنه جد همدان، وأن أباه هو "شهران الملك"، ثم زوجوه من "ترعة بنت يازل بن شرحبيل بن سار بن أبي شرح يحصب بن الصوار"، وجعلوا له أولادًا منهم "يطاع" و"يارم"٢، وهكذا لعب الخيال دورًا قد يرضي أهل الأخبار، ولكنه لا يتفق وحقائق التاريخ.
وعلى أي حال، وأيًّا ما كان نسب همدان، فإن "هومل" يقدم لنا "وهب إيل يحز" بعد "ناصر يهأمن"، وقد تابعه في ذلك "فلبي" الذي رأى أن حكمه كان حوالي عام ١٨٠ق. م، ونقرأ في نقش "جلازر ١٢٢٨" إشارات عن حرب دارت رحاها بين "وهب إيل يحز"، وبين الريدانيين بقيادة "ذمار علي" بغية انتزاع عرش سبأ٣، ولعل مما تجدر ملاحظته أن نص "جلازر ١٢٢٨" هذا، إنما يشير، ولأول مرة، إلى مدينة "صنعاء" "صنعو"، والتي سوف يرد اسمها بعد ذلك في نقشي "جام ٦٢٩، ٦٤٤"، ويبدو أنها كانت ضمن أراضي قبيلة "جرت" وعلى مسافة قريبة جدًّا من حدود أرض قبيلة "بتع"٤.
ومن عجب، رغم أن هناك العديد من النصوص التي تشير إلى "وهب إيل يحز"، وإلى حروبه ضد الريدانيين، إلا أنه ليس هناك نص واحد يشير إلى أبيه، مما جعل البعض يذهب إلى أن أباه لم يكن ملكًا من الملوك -أو حتى قيلا من الأقيال البارزين- وإنما كان في غالب الظن واحدًا من عامة الناس، وأن ابنه "وهب إيل يحز" إنما نال ما ناله من قوة وسلطان عن طريق السيف، فربما كان واحدًا من
стр. 299
الثائرين على ملوك سبأ في زمن لا ندريه على وجه التحقيق، ثم كتب له نجح بعيد المدى في مسعاه، فانتزع العرش من أصحابه، ثم لقب نفسه بألقاب الملوك، بل وجعل والده واحدًا منهم، على أن الأمر لم يكن كذلك، إذ لو كان والده ملكًا لما غفلت النصوص عنه، إلا أن يكون ذلك ما يزال في باطن الأرض، ولعل الاكتشافات تأتي لنا بما يؤيد مزاعم "وهب إيل يحز"١.
وأيًّا ما كان الأمر، فلقد خلف "وهب إيل يحز" ولده "أنماريهأمن" الذي حدد له "جام" الفترة "١٤٥-١٣٠ق. م"، غير أن غالبية المؤرخين لم تشر إليهن ووضعت مكانة "كرب إيل وتار يهنعم"٢، الذي ورد في النصوص اسم إله جديد من عهده لم يكن معروفًا من قبل، وهو الإله "ذو سماوي" أو "ذو سماي" أي صاحب السماء أو رب السماء٣.
ونقرأ في نقش "جام ٥٦٤" إشارات عن ثورة قامت في مأرب، ذلك لأن صاحب النص "أنمار" "من غيمان" كان- وكذا "رثد" "من مازن"- يحكمان من قصر سلحين في مأرب، بتفويض من الملك وبأمر منه، وأن هناك اضطرابًا وقع في المدينة ولمدة خمسة شهور، وأن الحاكمَين لم يستطيعا أن يعيدا الأمور إلى نصابها، إلا بعد الاستعانة بقوات من الجيش، هذا ورغم أن النص لم يشر إلى سبب هذه الاضطرابات التي ألحقت بالمدينة أكبر الأضرار، فربما كان السبب تعيين رجل من "غيمان" حاكمًا على العاصمة التي كان أهلها يكنون لهم أشد البغض، منذ وقعت الحروب بينهم وبين "غيمان" على أيام "أنمار يهأمن" شقيق "كرب إيل وتار يهنعم"، ومن ثم فربما ثارت العاصمة السبئية بسبب تعيين "أنمار" الغيماني، مطالبة بخلعه، وأن الملك قد رفض أن يجيب القوم إلى سؤلهم، ومن ثم فقد اشتدت نيران الثورة اشتعالا، ولم تستطع قوات الأمن القضاء عليها لمدة خمسة أشهر، مما اضطر الملك إلى أن يأمر بتدخل الجيش الذي أنهى الثورة٤.
стр. 300
هذا، ويرى "ألبرت جام" أن حكم "كرب إيل وتار يهنعم" إنما كان في الفترة "١٣٠-١١٥ق. م" أو في الفترة "١١٥-١٠٠ق. م"، ومن ثم فإن حكم "وهب إيل يحز" وحكم ابنيه "أنمار يهأمن" و"كرب إيل وتار يهنعم" قد امتد فيما بين عامي ١٦٠، ١١٥ق. م، أو "١٦٠-١٠٠ق. م"١.
بقيت كلمة أخيرة تتصل بمدينة "مأرب" عاصمة الدولة في هذه الفترة، وهي نفس المدينة التي جاءت في الآداب اليونانية والرومانية تحت اسم "ماريوبا" أو "مريابا٢ "Mariaba"، ويرى البعض أن لفظة "مأرب" مأخوذة من "يارب" و"يرب" اللتين وردتا في التوراة، أو أنها آرامية الأصل مركبة من كلمتين "ماء"راب"، أي الماء الكثير أو السيل الكبير٣، وقد توهم "ياقوت" -وتابعه كثيرون- أن سبأ هي مأرب، على أن الصحيح غير ذلك، فسبأ اسم البلاد والأمة، ولم تكن بلدًا أبدًا، كما توهموا أنها اسم لقصر كان للأزد باليمن، أو أنها اسم لكل ملك كان يلي سبأ، كما أن "تبعًا" اسم لكل من ولي اليمن والشحر وحضرموت٤.
وتقع مأرب على مبعدة مائة كيلو متر على الشرق من صنعاء الحالية، وعلى ارتفاع ٣٩٠٠ قدم فوق سطح البحر، وتقوم بلدة مأرب الحالية فوق جزء مرتفع من كوم أثري كبير هو خرائب المدينة ذات الشهرة الذائعة الصيت في التاريخ، وقد قدم لنا "جوزيف توما أرنو" رسمًا تخطيطيًّا للمدينة القديمة، وذكر أنها مستديرة وبها ثمانية أبواب، إلا أن وصف "أرنو" إنما يحتاج إلى تعديل، فالمدينة مستطيلة -وليست دائرية- وأركانها مستديرة، وربما لم يكن في أسوراها إلا أربعة أبواب فقط، بوابة في وسط كل سور٥.
على أن هناك من يرى أن مأرب -شأنها في ذلك شأن صرواح- إنما كانت في الأصل مدينة ذات بابين فقط٦، ويبدو أن هناك أماكن كثيرة مكسورة في
стр. 301
الجدران، اعتبرها "أرنو" أبوابًا، وسماها بالأسماء التي كان يطلقها عليها الأهالي في أيامه، أما الباب الرئيسي في المدينة فقد كان في السور الغربي، وهو الذي يسمى الآن باب المدينة، وما زالت بقاياه موجودة، وعلى كل من جانبيه آثار برج من الحجر، وفي السور البحري باب آخر، وهو الذي يستخدمه أهالي مأرب عند الخروج لدفن موتاهم، في الجبانة الواقعة في الناحية البحرية من الخرائب، ولهذا سموه باسمها، أي باب المجبنة١.
ومدينة مأرب- شأنها في ذلك شأن أغلب المدن الكبيرة في اليمن القديم- مدينة مسورة بسور قوي حصين له أبراج، تمكن القوم من الدفاع عن مدينتهم، وأن السور -طبقًا لما جاء في النقوش- قد بني من حجر البلق، وهو حجر صلد قُدَّ من الصخر، فوقه صخور من جرانيت، ومن أسف أننا لا نعرف حتى الآن من النقوش التي تم الكشف عنها في مدينة مأرب اسم الملك الذي أسسها، وربما كانت بعض أجزاء السور الحالي من السور القديم الذي بناه مكربو سبأ القدامى، ونعرف من نقوش كثيرة أن واحدًا منهم "ابن سمه علي ينوف" قد بنى حائطًا حول مأرب، كما نعرف من نقشي "جلازر ٤١٨، ٤١٩" أن "كرب إيل وتار" "من القرن السابع ق. م" قد أضاف بعض الأجزاء إلى سور مأرب، كما بنى بوابتين وبعض الأبراج٢.
ويروي الأخباريون أن مؤسس مدينة مأرب إنما هو "سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان"٣، كما أشرنا من قبل، ويروي الهمداني في الإكليل أنه كان بمأرب ثلاثة قصور "سلحين والهجر والقشيب" وأهم تلك القصور وأشهرها هو قصر "سلحين"، الذي تردد ذكره كثيرًا في كتب الأدب العربي على أنه قصر الملكة بلقيس، وكثيرًا ما أشاروا إلى أعمدته القائمة وقالوا إنها تحمل العرش، وإن قواعدها تحت الأرض مثل ارتفاعها فوقها، وهي ٢٩ ذراعًا٤، وأما خارج بلاد
стр. 302
العرب فقد جاء اسم قصر سلحين في ألقاب ملوك السيادة التي اتخذها ملوك أكسوم في نقوشهم، ومنها لقب "عيزانا" الذي اعتلى العرش حوالي عام ٣٢٥م١.
ورغم أن هناك من يذهب إلى أن قصر سلحين إنما كان في الخرائب الواسعة في غربي المدينة، فمن الصعب علينا- اعتمادًا على أقوال الشعراء ومبالغات الكتاب العرب -تحديد هذا القصر الذي يسميه الكتاب العرب "قصر بلقيس"؛ ذلك لأن اليمنيين إنما اعتادوا أن يطلقوا اسم بلقيس على كثير من المعابد في "صرواح"، كما اعتادوا أن يطلقوا كذلك اسم "بلقيس" على معبد يبعد عن خرائب مدينة مأرب، بل إن اسم بلقيس كان يطلق أيضًا على آثار أخرى بعيدة عن منطقة أرض سبأ، مثل ما جاء في "معجم ياقوت" من أن عرش بلقيس اسم لمكان على مسيرة يوم من "ذمار"، حيث تقوم فيه ستة أعمدة من الرخام، ومن المرجح أنه يشير هنا إلى أحد المعابد التي كانت في مدينة "ظفار" عاصمة الحميريين٢.
وهناك، وعلى مبعدة أربعة كيلو مترات إلى الجنوب الشرقي من مأرب الحالية، تقع خرائب معبد الإله الموقاة رب أوام، والمعروف "بحرم أو محرم بلقيس"، وقد زار هذا المعبد "أرنو وجلازر ونزيه العظم وأحمد فخري"، كما قامت بعثة المؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان بالحفر في هذه المنطقة بالذات، ومن ثم فقد تم نقل كثير من النقوش، فضلا عما اكتشفته البعثة الأمريكية من بقايا معمارية هامة، هذا ويرى بعض الباحثين أن هذا المعبد -مثله في ذلك مثل معبد الموقاة في صرواح، ومعبد المساجد ببلاد مراد، والذي يقع على مبعدة ١٧ كيلو مترًا من مأرب- إنما تم بناؤه في القرن الثامن ق. م٣.
وعلى أي حال، فطبقًا لأقدم نقوش الجدار الخارجي للمعبد٤، فإن "يدع
стр. 303
إيل ذريح" بن "سمه علي" ثاني مكاربة سبأ، هو الذي بنى سور هذا المعبد المسمى "معبد أوام"، وأنه قد كرسه لإله القمر الموقاة، كما يسجل نقش آخر في الناحية الغربية من السور أن "إيل شريح" بن "سمه علي ذريح" ملك سبأ، الذي حكم في القرن السادس ق. م" "حوالي عام ٥٧٠ق. م"، و"يثع أمر بين" بن "يكرب ملك وتار" الذي حكم حوالي عام ٥٢٠ق. م، قد أتما بناء المعبد، هذا وهناك نقوش أخرى من عصور أحدث لملوك قاموا بأعمال خاصة في ذلك المعبد١.
على أن النقوش التي كشفت عنها البعثة الأمريكية في عام ١٩٥٢م، على مقربة من باب المعبد، إنما ترجع إلى عصور متأخرة، وبعضها يرجع إلى القرنين الثالث والرابع بعد الميلاد، أي أن هذا المعبد ظل يؤدي وظيفته في عبادة الإله الموقاة في مأرب قرابة ألف من الأعوام٢.
ولعل مما تجدر الإشارة إليه، أن هناك من يرى أن بقايا المعابد التي عثر عليها في روديسيا وفي أوغندة، إنما هي من المعابد المتأثرة بطراز معبد أوام "محرم بلقيس"، فإن بين هذه المعابد جميعًا شبهًا كبيرًا في طراز البناء وفي المساحة وفي الأبعاد كذلك٣.
وهناك على مبعدة ١٤٠٠م إلى الشمال الغربي من "محرم بلقيس"، وفي المنطقة المعروفة باسم "العمايد" نرى خمسة أعمدة قائمة، ارتفاع الواحد منها خمسة أمتار عن سطح الأرض، ومقاييس كل منها ٨٢ × ٦٣ سم، وقد أحاطت بها الخرائب من كل جانب، وطبقًا لما جاء في حجر مكتوب رآه "أرنو" عام ١٨٤٣م، نعرف أن اسم معبد العمايد هو "باران"، وأنه -طبقًا لما جاء في نقش "جلازر ٤٧٩"- قد شيد للإله الموقاة، وإن كانت الأعمدة الباقية- وكذا ما حولها من نقوش- لا تساعدنا على معرفة الملك الذي قام ببناء المعبد، أو حنى تحديد عصره بوجه عام، وليس أمامنا إلا الانتظار حتى تجري حفائر جديدة، قد نعرف منها ما هو في ضمير الغيب الآن٤.
стр. 304
ثالثًا: ملوك سبأ وذو ريدان
يتميز هذا العصر الثالث من تاريخ سبأ، والذي يطلق عليه أحيانًا "عصر الدولة الحميرية الأولى"، بأن الملوك قد حملوا فيه لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، ولعله يعني -كما أشرنا من قبل- إشارة إلى ضم ريدان إلى سبأ، وربما يشير إلى دولة قتبان أو حمير١، غير أن أستاذنا الدكتور سعد زغلول إنما يرى أن الريدانيين هم الذين حققوا الوحدة بعد انتصارهم على السبئيين، والقرينة على ذلك انتقال مركز الحكم إلى مدينتهم "ظفار" عاصمة الدولة المتحدة٢.
وعلى أي حال، فإن المؤرخين مختلفون في بداية هذه الفترة، فهناك من يذهب إلى أن بدايتها إنما كانت في حوالي عام ١١٨ق. م أو عام ١١٥ق. م، وربما في عام ١٠٩ق. م٣، بينما يرى آخرون أن "الشرح يحصب" أول من حمل هذا اللقب من السبئيين، إنما حكم في أخريات القرن الأول قبل الميلاد، إبان حملة "إليوس جالليوس" الروماني على اليمن في عام ٢٤ق. م٤، ومن ثم فإن لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، إنما كان في أخريات القرن الأول ق. م، وليس في أخريات القرن الثاني ق. م٥، وبالتالي فإن عام ١١٥ق. م أو عام ١٠٩ق. م الذي يرى البعض أن الحميريين قد اتخذوه تقويمًا ثابتًا يؤرخون به، لأنه العام الذي قامت فيه الدولة الحميرية٦، أمر يحتاج إلى إعادة نظر، فقد يكون له صلة بحادث ما غير قيام الدولة، وأن هذا الحادث كان من الأهمية بحيث جعله القوم مبدأ تقويم يؤرخون
стр. 305
به، ولهذا رأينا بعض الآراء تذهب إلى أنه ربما كان تاريخ سقوط معين تحت سيادة سبأ بينما رأى آخرون أن هذا العام "عام١١٥ق. م، أو ١٠٩ق. م" هو عام انتصار سبأ على قتبان، وضمها إلى حكومة سبأ، وأن "ريدان" هنا إنما هو قصر ملوك سبأ ومقر حكمهم، ونظرًا لأهمية هذا العام، فقد اتخذه القوم مبدأ تأريخ وبداية تقويم، على أننا لو أخذنا بهذا التفسير، لكان ظهور لقب ملوك سبأ وذي ريدان" في حوالي عام ٣٠ق. م، ففي هذا العام -فيما يرى البعض- كان حكم "الشرح يحصب" و"شعر أوتار"١.
وهنا علينا أن نعود مرة أخرى إلى عهد "وهب إيل يحز" وولديه "أنماريهأمن" و"كرب إيل وتار يهنعم" حيث نجد أن الحكم إنما ينتقل إلى ملك آخر من همدان هو "يريم أمين، ونقرأ في نقشي "جلازر ١٣٥٩، ١٣٦٠" أن "يريم أيمن" إنما يقدم ولاءه للإله "تالب ريام"، على توفيقه في المهمة التي كلف بها من قبل "كرب إيل وتار يهنعم"، في التوفيق بين ملوك سبأ وذى ريان وحضرموت وقتبان، وذلك بعد الحروب التي استعر أوارها بينهم، مما يدل على أن حربًا ضروسًا قد قامت في العربية الجنوبية في هذه الفترة، وأن "يريم أيمن" قد كتب له نجحًا بعيد المدى في إطفاء نيران هذه الحرب، وهو لا يعدو أن يكون "قيلا" من الأقيال، ومن ثم فقد نال حظوة لدى العامة، وهيبة لدى الحكومات، مما مهد الطريق أمامه لينازع ملك سبأ عرشه، بعد حين من الدهر٢. ونقرأ في نقش دونه أحد أقيال قبيلة "سمعي" عرف بـ "Wien ٦٦٩" ويتصل بنذر للإله "تالب ريام" يطلب فيه- بجانب البركة لقومه وسلامة حصن ريمان- أن يبارك في "يرم أيمن" و"كرب إيل وتار" ملكي سبأ، وأن يهلك أعداءهما، وأن ينزل سخطه على من يريد بهما شرًّا٣.
ويرى "فون فيسمان" أن "يرم أيمن" كان معاصرًا لـ "أنمار يهأمن" و"كرب إيل وتار يهنعم"، وأن الأخيرين كانا معاصرين لـ "شمر يهرعش" الأول من ملوك
стр. 306
حمير أصحاب ظفار، كما يرى أن "كرب إيل وتار يهنعم" معاصرًا "لكرب إيل بين" ملك سبأ الشرعي في مأرب، وأن "يرم أيمن" كان معاصرًا لـ"مرثد يهقبض" من "جرت ومرثد" الذي ذكر بعد "نبط يهنعم" آخر ملوك قتبان، ولـ "يدع إيل بين" ملك حضرموت، وأخيرًا فإنه يرى أن حكم "يرم أمين" إنما كان في الفترة "١٣٠-١٤٠م"١.
وأيًّا ما كان الأمر فلسنا ندري على وجه التحقيق، متى أعلن يرم أيمن نفسه ملكًا على سبأ؟ وربما كان ذلك في عهد "كرب إيل وتار يهنعم" وأنه استمر يحمل اللقب حتى وفاته، فخلفه ولده "علهان نفهان" الذي عاصر، كرب إيل وتار يهنعم وابنه "فرعب ينهب٢، هذا ويفرق "نشوان الحميري" بين "علهان" و"يهفان" ويرى أنهما أخوان ولدا "ذى بتع بن يحصب الصوار"٣.
وعلى أي حال، فإن المؤرخين مختلفون في فترة حكم "علهان نهفان" هذا، فبينما ذهب "فلبي" إلى أنها كانت حوالي عام ١٣٥ق. م٤، يذهب "ألبرت جام" إلى أنها كانت في الفترة "٨٥-٦٥ق. م"٥، هذا إلى أن آخرين يرون أنها كانت في النصف الأول من القرن الأول ق. م٦، بل إن "وليم أولبرايت" إنما يحددها بعام ٦٠ق. م٧، وأخيرًا فإن "فون فيسمان" يذهب بعيدًا عن الآخرين، فيرى أنها كانت في حوالي عام ١٦٠م٨، والأمر كذلك إلى "أدولف جرومان" الذي جعل حكم ابنه "شعر أوتر" في حوالي عام ٥٠ أو ٦٠م، وهذا يعني أن "علهان" إنما كان يحكم في القرن الأول الميلادي٩.
стр. 307
وأيًّا ما كان الأمر، فإن "علهان" قد نجح في أن ينتحل لقب "ملك سبأ"، وإن كانت النصوص التي تشير إلى ذلك لا ندري شيئًا عن تأريخها، كما أننا لا ندري متى أشرك "علهان" ولده "شعر أوتر" معه في الحكم، فهناك من النصوص ما يشير إلى أن الرجلين قد حملا لقب "ملك سبأ"، وربما كانت القلاقل التي كانت تمر بها البلاد، والخصومات التي كانت تسود العلاقات بين حكام سبأ وحضرموت وحمير والحبشة، هي السبب في ذلك١.
وعلى أي حال، فلقد نجح "علهان" في أن يضم إلى جانبه "يدع أب غيلان" ملك حضرموت، ومن ثم فقد وجه جهده ضد الحميريين حتى انتصر عليهم في "ذات العرم"٢، ثم اتجه بعد وفاة "يدع أب غيلان" إلى عقد معاهدة مع "جدرة" ملك الحبشة، والذي كان فيما يرى فون فيسمان -يسيطر على ساحل البحر الأحمر الشرقي من ينبع حتى عسير، فضلا عن باب المندب٣.
وانفرد "شعر أوتر" بالحكم، وهناك ما يشير إلى أنه حمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، وإن كانت بعثة "وندل فيلبس" قد عثرت على كتابة ترجع إلى أوائل عهده، نشرها الدكتور خليل يحيى نامي، بدأت بجملة "شعر أوتر ملك سبأ بن علهان نهفان ملك سبأ"، وفيها إشارة إلى حرب ربما امتدت إلى أرض حمير، وقد انتصر فيها، ومع ذلك كله فإن نص "جلازر ١٣٧١" يشير إلى أن كلا من "علهان نهفان" وولده "شعر أوتر" قد حمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، مما يدل على أن اللقب قد ظهر على أيام "علهان"، وليس على أيام ابنه "شعر أوتر"٤.
ونقرأ في نص "Ch ٣٣٤" إشارات عن حرب شنها "شعر أوتر" ضد ملك
стр. 308
حضرموت وانتصر فيها١، ويرى الدكتور جواد علي أن "شعر أوتر" قد وجه جيشًا من السبئيين والحميريين، ومن قبائل أخرى إلى حضرموت للقضاء عليها، وقد نجح في أن ينزل خسائر فادحة بقوات "العز" ملك حضرموت بعد معركة مريرة دارت رحاها في "ذات غيل"، وحين أعاد الملك الحضرمي الكرة أصيب بهزيمة أخرى، وهنا قام الردمانيون بهجوء مفاجئ على قوات "شعر أوتر" ولكنهم لم يفلحوا في إيقاع الهزيمة بها٢.
ونعرف من نصي "جام ٦٣٦، ٦٣٧" أن "شعر أوتر" قد انتصر على الحضارمة واستولى على عاصمتهم "شبوه"، ومن ثم فقد قدم لمعبد" أوام" تمثالا، تعبيرًا عن شكره له، واعترافًا بفضلهن هذا ونعرف كذلك من نص "جام ٦٣٢" أن جيش "شعر أوتر" قد استولى على "شبوه"- وكذا على "قنا" ميناء حضرموت الرئيسي- بل إن هناك ما يشير إلى أن الهجوم على حضرموت قد تم عن طريق البر والبحر معًا، وأن مدينة "قنا" إنما هوجمت عن طريق البحر٣.
ونقرأ في نص "Geukens" أن الردمانيين -كما أشرنا آنفًا- قد اهتبلوا فرصة انشغال "شعر أوتر" بمحاربة الحضارمة وانقضوا عليه من المؤخرة، وأنهم، وإن لم ينجحوا في إيقاع الهزيمة به، فقد كبدوه خسائر ليست بالقليلة، وفي نفس الوقت أغار الأحباش -وربما باتفاق مع بني ردمان- على جيش شعر أوتر كذلك، فضلا عن الإغارة على أرضين تابعة له، وألحقوا بهما أضرارًا بالغة٤، وطبقًا لما جاء في نقش "جام ٦٣١" فإن "شعر أوتر" قد أوكل إلى قائده "قطبان أوكان" أمر الانتقام من الأحباش، ومن ثم فإن هذا القائد سرعان ما توجه إلى "بني ردمان" وأنزل بهم من العقاب ما يستحقون، جزاء وفاقًا لما ارتكبوه من خيانة للملك "شعر أوتر"، ثم اتجه بعد ذلك إلى الأحباش، وبمساعدة من قوات سبئية جاءت تعينه على مهمته هذه، نجح في حصارهم، ثم في مهاجمتهم على غرة، ثم أعمل السيف فيهم،
стр. 309
حتى اضطرهم آخر الأمر إلى أن يتركوا منطقة ظفار، وأن يتجهوا إلى المعاهر "معهرتن"، ثم سجل ذلك كله شكرًا للموقاة، داعيًا إياه أن يحفظ سيده "لحيعثت يرخم" ملك سبأ وذي ريدان وأن يمد في عمره، وأن يقهر أعداءه، وأن يبارك له ولأهله١.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أمور عدة في هذا النص، منها "أولًا" أن الملك إنما أمر قائده أن يسير على رأس قوة إلى أرض الحبشة هنا؟ يحارب فيها "جدرة" ملك الحبشة وأكسوم، فماذا يعني النص بأرض الحبشة هنا؟ أهي الأرض الإفريقية المعروفة؟ أم موضعًا في العربية الجنوبية؟ إن الدكتور جواد علي يرى أنها أرض الحبشة في إفريقيا، وذلك لأن "جدرة" لم يكن يقيم في بلاد العرب، وإنما في إفريقيا، هذا فضلا عن أن الأحباش الذين كانوا في بلاد العرب إنما كانوا تحت قيادة "بيجث" ولد النجاشي، وليس النجاشي نفسه، ثم يفترض بعد ذلك أن "قطبان أوكان"، ربما أبحر من "الحديدة" إلى السواحل الإفريقية، وباغت القوم هناك بغزو غير متوقع، ثم جمع ما استطاع الاستيلاء عليه، وعاد سريعا ليشترك في المعارك التي دارت رحاها ضد "بيجت" ومن معه من قوات٢، وفي الواقع أن هذا الرأي قد يبدو مقبولا في ظاهره، إلا أن التكتيك العسكري قد يرفضه، ذلك لأنه من الخطورة بمكان أن يجازف جيش "شعر أوتر" بهذه المغامرة غير المأمونة العواقب، في وقت تدق الحرب طبولها في اليمن نفسها، ثم كيف أمكن تحديد الإبحار من "الحديدة" بالذات، وأخيرًا فإننا لا نملك دليلا تاريخيًّا يؤكد زعم الدكتور جواد علي هذا، بخاصة وأن هناك من يشك في أن "جدارة" كان ملكًا أفريقية، بل ربما كان زعيما لفرقة من الأحباش كانت تقيم في بلاد العرب نفسها٣.
ومنها "ثانيًا" أن "فون فيسمان"٤ قد استدل من عدم ذكر اسم الملك "شعر أوتر" في نهاية النص، فضلا عن وجود اسم لحيعثت يرخم "كملك لسبأ وذى
стр. 310
ريدان" على أن "شعر أوتر" قد مات في أثناء تدوين النص، وأن "لحيعثت يرخم" قد خلفه على العرش.
ومنها "ثالثًا" أن النص لم يقل لنا شيئًا عن مصير "بيجت" ابن ملك الحبشة وأكسوم، بعد هزيمته في ظفار وفي أرض معافر، فربما بقي في أرض المعاهر، وأن الجيش السبئي لم يكتب له نجحا في تطهير هذه الأرض من الأحباش، ومن ثم فقد بقوا فيها بعد انتهاء المعارك، بل إن نقش "جام٦٣٥" ليحدثنا عن معارك دارت رحى الحرب فيها خلف "مدينة نجران" بين جيش "شعر أوتر" والأحباش، وربما كان في ذلك إشارة إلى أن "نجران" إنما كانت في أيدي الأحباش في تلك الأونة١.
هذا ويشير نفس النقش "جام٦٣٥" إلى أن "شعر أوتر" قد كلف "أبا كرب أحرس" بقياة جيش من "خولان حضل" وبعض أهل نجران وبعض الأعراب، لمحاربة المنشقين من بني يونم "بني يوان" ومن أهل قريتم "قرية لبني كهل" وأن الرجل قد نجح في مهمته إلى حد كبير، ويرى بعض العلماء أن "بني يونم" إنما هم قوم من اليونان استوطنوا بلاد العرب، وقد جاء ذكرهم في نص "جلازر ٩٦٧" وأنهم كانوا يحالفون "قرية" بني كهل هذه، ومن ثم فقد هبوا لمساعدتهم ضد "شعر أوتر"٢.
وأيًّا ما كان الأمر، فليس من شك في أن "شعر أوتر" قد نجح في السيطرة على غالبية الحكومات والأقيال في العربية الجنوبية، إلا أن الأمر لم يكن كذلك في العربية الغربية، والتي تطل على سواحل البحر الأحمر، حيث كان الأحباش أصحاب النفوذ فيها٣، وأما فترة حكمه، فقد كانت- فيما يرى "ألبرت جام"- في الفترة "٦٥-٥٥ق. م"، كما كان شقيقه "حيوعثتر يضع" في الفترة "٥٥-٥٠ق. م" ثم يبدأ السلطان ينتقل من أسرة "يرم أيمن" إلى أسرة "فرعم ينهب"، والتي بدأت
стр. 311
حكمها في مجاورات "صنعاء"، ثم سرعان ما أصبحت صاحبة سبأ وذي ريدان١.
وليس من شك في أن النص "Cih ٣٩٨" من النصوص الهامة في تاريخ سبأ، ذلك لأنه يتحدث عن "شعر أوتر" كملك لسبأ وذي ريدان، وفي الوقت نفسه يتحدث عن "الشرح يحصب" وأخيه "يأزل بين"، بصفتهما ملكي سبأ وذي ريدان، وهذا يعني ببساطة أن الملوك الثلاثة، إنما كانوا يحملون في آن واحد لقب "ملك سبأ وذي ريدان"٢.
وقد أثار هذا النص جدلا طويلا بين العلماء، فذهبت آراؤهم فيه مذاهب شتى، وكذا في معاصرة "علهان نهفان" لـ "فرعم ينهب"، فضلا عن حكم "شعر أوتر"و"لشرح يحصب" وشقيقه، وبدهي ألا يكون مقبولا أن تكون "مأرب" عاصمة لـ "شعر أوتر" و"الشرح يحصب" وشقيقه في نفس الوقت، وأن يكون الثلاثة قد حكموا حكمًا مشتركًا، رغم ما بين أسرتيهما من تنافس قديم، فضلا عن أن يحمل الجميع لقب "ملك سبأ وذي ريدان" برضى من الثلاثة.
وقد ذهب فريق من الباحثين إلى أن النص لا يشير إلى أن الثلاثة قد حكموا في آن واحد، إنما يشير إلى أن "الشرح يحصب" وأخاه، قد حكما بعد "شعر أوتر"، وهنا فالأمر لا غرابة فيه، وذهب فريق ثان إلى أن حكم الأخوين إنما كان مستقلا عن "شعر أوتر"، وأنهما كانا يعتبران نفسيهما خلفين شرعيين لأبيهما "فرعم ينهب"، وذهب فريق ثالث إلى أن "فرعم ينهب" قد اتخذ من منطقة تقع إلى الغرب من "مأرب" مركزًا لنفوذه، وأن ولديه قد خلفاه عليها، وحين سنحت الفرصة لهما اتخذا لقب، "ملك سبأ وذي ريدان" بعد اختفاء "شعر أوتر" وأخيه "حيو عثتر يضع" -الذي شاركه في حمل اللقب- من مسرح الأحداث، وإن كان ملكهما إنما كان مقصورًا على جزء من المملكة٣.
стр. 312
على أن هذه الألقاب الملكية التي كان يحملها "شعر أوتر" و"الشرح يحصب" وأخيه "يأزل بين"، فضلا عن "لعززم يهنف يصدق"، والذي رأى فيه بعض الباحثين ملك "ظفار" ومجاوراتها، هذا إلى جانب ملك خامس يدعى، "لحيعثت يرخم"، كل ذلك يدل على أن واحدًا لم يستطع أن يحمل اللقب بمفرده، وأن هناك آخرين ينازعونه سلطانه، وربما استطاعوا آخر الأمر انتزاع العرش نهائيًّا، كما فعل "الشرح يحصب" وأخوه١.
أضف إلى ذلك أن النصوص من تلك الفترة، إنما تدل على أن البلاد كانت تمر بفترة اضطراب وقلق، وأن الحرب ما تكاد تضعب أوزراها في مكان، حتى تدق طبولها في مكان آخر، ثم تشتعل نيرانها في مكان ثالث، وفي أغلب الأحايين كانت سجالا بين المتحاربين، وأن المغلوب منهم، سرعان ما يعود بعد حين، فيقف على قدميه ويحمل سيفه من جديد، على أن الخاسر الوحيد فيها دائمًا، إنما كان هو الشعب، يدفع ثمنها من دمه وماله، حيث تساق العامة منه إلى ميدان القتال فتسمع وتطيع، وإلا صب عليها من العذاب ألوانًا، أشد قسوة من أهوال الحروب، وفي كل ذلك لا هدف يرجي إلا إشباع شهوات الحكام، وإرضاء رغباتهم في تحقيق أمجاد شخصية، سرعان ما تزول بعد رحيلهم عن هذه الدنيا، وربما في أحايين كثيرة قبل أن يرحلوا إلى عالم الآخرة.
وإلى هذه الفترة العصيبة من تاريخ اليمن، ترجع -فيما يرى كثير من الباحثين- حملة الرومان على العربية الجنوبية، فإذا كان ذلك كذلك، فإن ملوك سبأ وذي ريدان ما كانوا بقادرين على صدها، فالفرقة من ناحية، وضعف الإمكانيات من ناحية أخرى إنما يقفان حجر عثرة في سبيل ذلك.
ويحدثنا التاريخ أن الرومان بعد أن استولوا على أرض الكنانة، بعون من الأنباط، استطاع به "يوليوس قيصر" أن يقبض على ناصية الأمور في الإسكندرية عام ٤٧ق. م٢، بدأ الرومان في نفس الشيء بالنسبة إلى بلاد العرب، وهكذا كان مشروع حملة "إليوس جالليوس" عام ٢٤ق. م، للاستيلاء على اليمن، لكثرة
стр. 313
خيراتها، ولاحتكارها طرق النقل التجاري بين العالم، ولجعل البحر الأحمر، بحرًا رومانيًّا، وللقضاء على المنافسة العربية الخطيرة، والتي كان الملاحون الروم يعملون لها ألف حساب عند اجتيازهم باب المندب، أو عندما ترسو سفنهم على بعض المواني في تلك المناطق١. ولو تم المشروع على نحو ما حلم به "أغسطس" "٣١ق. م-١٤م" لكان حكم روما قد بلغ العربية الجنوبية، وربما سواحل أفريقية كذلك، إلا أن سوء تقدير الرومان له، واستهانتهم بطبيعة بلاد العرب وعدم إدخالهم في حسابهم قساوة الطبيعة هناك، وعدم تمكن الجيوش الرومانية النظامية من المجابهة فيها، وتحمل العطش والحرارة الشديدة، كل هذه الأمور أدت إلى خيبة المشروع منذ اللحظة الأولى، فكانت انتكاسة شديدة في هيبة روما، وفي مشاريعها التي أرادت تنفيذها في شبه الجزيرة العربية٢.
على أن "سترابو" مؤرخ الحملة، إنما يرجع فشلها إلى خيانة "صالح" -الوزير النبطي الذي صاحب الحملة كدليل لها-، بأن أقنع قائدها بتعذر الوصول إلى اليمن برًّا، لعدم وجود عدد كاف من الجمال، مما عرض الحملة لمخاطر جسيمة عند عبورها البحر الأحمر، فضلا عن عدم طرق برية لمرور الجيش الروماني، وكان صالح -فيما يرى سترابو- يهدف من ذلك إلى إضعاف الروم وإذلالهم، فضلا عن إضعاف القبائل العربية نفسها، ليكون سيد الموقف يتصرف فيه كيف يشاء ومتى شاء٣، وهكذا عمل صالح "سيلئيوس" إلى السير بالحملة في طريق مقفر، وفي أرضين لا زرع فيها ولا ماء، مما أدى في نهاية الأمر إلى فشل الحملة، وإلى أن يحكم الروم على صالح بالإعدام٤.
وأيًّا ما كانت الأسباب في فشل الحملة، التي تعد أول -بل وآخر- غارة ذات بالٍ، قصدت بها دولة أوربية اكتساح داخل الجزيرة العربية، فإن
стр. 314
الحملة استطاعت أن تحدث بعض الخراب والدمار في نجران ونشق وكمناء ومأرب ولوق، وربما حريب، وهي أبعد مدينة وصلتها الحملة١.
ومن الغريب أن المصادر العربية الجنوبية، قد التزمت الصمت التام إزاء هذه الحملة، وقد تساءل "إدوارد جلازر" عن سبب سكوت هذه المصادر عن حملة لا بد وأنها قد تركت أثرًا بعيد المدى في نفوس السبئيين -بل وفي غيرهم من قبائل اليمن والحجاز -ثم رأى بعد ذلك أن نص "هاليفي ٥٣٥" إنما يتحدث عن حرب دارت رحاها بين "ذ شمت" و"ديمنت"، وربما كان المراد بالأولين الرومان، وبالآخرين السبئيين، ومن ثم فإن النص إنما يتحدث عن حملت "إليوس جالليوس" هذه، على أن الدكتور جواد علي إنما يستبعد هذا الرأي، ويرى أن سر الحملة ربما كان لا يزال تحت التراب، وإن كانت الحفريات قد فشلت حتى الآن في العصور على شيء يتصل بها، كما فشل هاليفي وفلبي في العصور على شيء يميط اللثام عنها٢.
وأيًّا ما كان الأمر، فإن الروم بعد أن فشلت حملتهم هذه، بدءوا يغيرون سياستهم نحو العربية الجنوبية، فتخلوا نهائيًّا عن السيطرة العسكرية، وإن اتجهوا في الوقت نفسه نحو تقوية أسطولهم في البحر الأحمر، ويقول سترابو أنهم كانوا يرسلون سنويًّا ما لا يقل عن ١٢٠ سفينة إلى الهند، وهو عدد لم يتعودوا إرساله فيما مضى، كما عثر في الهند على نقود رومانية، أضف على ذلك أن وجود معبد لأغسطس في "موزيريس" بساحل "مالابار" يدل على أن عددًا غير قليل من التجار اليونان والرومان كان يقيم هناك٣.
هذا وقد عمل الروم في نفس الوقت على تقوية علاقاتهم بالعربية الجنوبية، فاحتلوا ميناء عدن إبان حكم "كلاوديوس" "٤١-٥٤م"، أو قبله، وهكذا كان
стр. 315
التحالف مع أمير ظفار، مقرونًا بوجود حامية رومانية في "عدن"، أمرًا لا شك في أنه كان ضمانًا كافيًا لسلوك العرب الجنوبيين مسلكًا طيبًا، يضمن للروم نفوذًا تجاريًّا في عدن١. وإن كان الرومان -دون شك- لم يحتلوا جنوب شبه الجزيرة العربية في يوم من الأيام٢.
وأيًّا ما كان الأمر، فإن عهد ملوك سبأ وذي ريدان، إنما يبدأ حقيقة إبان النزاع بين "الشرح يحصب" وأخيه "يازل بين" من ناحية، وبين "شعر أوتر" من ناحية أخرى، وليس من شك في أن المصادر الإسلامية إنما تحدثت عن "الشرح يحصب" أكثر من غيره من ملوك تلك الفترة، أو التي سبقتها، فصاحب الإكليل يسميه "إلى شرح يحصب" وينسب إليه بناء قصر غمدان، وأن "بقليس" ابنته، فضلا عما ينسبه إليه من شعر مزعوم كالعادة٣، وأما "ياقوت الحموي"، فيدعوه "ليشرح بن يحصب"، كما ينسب إليه كذلك -نقلا عن ابن الكلبي- بناء قصر غمدان٤، ولم يفت "ابن جرير" أن ينسب إليه بلقيس، وإن كان "حمزة الأصفهاني" قد جعلها حفيدته؛ لأنها فيما يزعم- "بنت هداد بن شراحيل"٥، والذي يعني به "الشرح يحصب".
ولا ريب في أن القول بأن "الشرح يحصب"، كان أبًا لبلقيس التي عاصرت سليمان، أمر غير مقبول، فالأخير قد عاش في القرن العاشر ق. م، وأن الشرح يحصب -طبقًا لأعلى التقديرات- إنما كان في القرن الثاني ق. م، وإن تأخر البعض به إلى القرن الرابع الميلادي، هذا فضلا عن أن القرن العاشر قبل الميلاد، إنما هو تاريخ متقدم جدًّا -في نظر بعض الباحثين- لقيام دولة سبأ نفسها، حتى على أيام المكاربة، وليس الملوك، فضلا عن أن يكون ذلك على عهد "ملوك سبأ وذي ريدان" الذي ينتمي إليهم "الشرح يحصب".
стр. 316
ويبدو أن الشرح كان محاربًا، اشترك في كثير من المعارك، ونقرأ في نقش "جلازر ١١٩" أنه غزا حمير وحضرموت وعاد بالكثير من الغنائم والأسرى، وهو ما يزال في درجة "كبير"،١ ويبدو أن الحميريين كانوا في تلك الفترة قوة فعالة في السياسة العربية الجنوبية، وأنهم كانوا لا يهتمون كثيرًا في أن يحاربوا في جانب هذا الفريق أو ذاك، وأما حضرموت فكانت تقف في جانب "شعر أوتر" ضد "الشرح يحصب"، ونقرأ في نقوش "جام ٥٧٤، ٥٧٥، ٥٩٠، ٥٩٥" عن حرب نشبت في النصف الأخير من القرن الأول قبل الميلاد، بين "الشرح يحصب" وأخيه "يازل بين" من ناحية، وبين الأحباش من ناحية أخرى، وأن الشرح يحصب وأخاه، قد انتصرا على الأحباش في "وادي سهام" و"وادي سردد" -على مبعدة ٤٠ كيلو مترًا إلى الشمال من الحديدة -وفي غير ذلك من المناطق التي كان يوجد فيها أحباش٢.
وتشير نقوش "جام ٥٧٨، ٥٨٠، ٥٨١، ٥٨٩" إلى حرب دارت رحاها بين "الشرح يحصب" وأخيه، وبين "كرب إيل ذي ريدان" وحلفائه في أرض "حرمة" وفي "عروش" أو بلاد العروش -وتقع على مبعدة ٩٥ كيلوا مترًا إلى الجنوب الغربي من مأرب -وكذا في موقع يحمل نفس الاسم في منتصف المسافة بين صرواح وذمار، وغير ذلك من الأماكن، ونقرأ في نقش "جام ٥٨٦" أن الشرح يحصب قد سحق عصيانًا قامت به حمير، وأنزل بها خسائر فادحة، والأمر كذلك بالنسبة إلى قوات "كرب إيل"، ويسجل نقش "جام ٥٧٦" انتصار الشرح يحصب على ملك كندة وحلفائه من إمارة "خصصتن"، وكذا على قوات حبشية، وعلى عشائر
стр. 317
حمير بقيادة "شمر ذي ريدان"١.
ويفهم من نص "Cih ٣١٤" أن "شمر ذي ريدان" من حمير -وكانت عاصمته ظفار -قد نازع الشرح يحصب عرشه، وأنه استعان في ذلك بالأحباش، إلا أنه لم يحقق نجاحًا فيما أراده٢، هذا ويشير الدكتور جواد علي إلى أن في النص إشارات إلى تدخل الحبشة في شئون العربية الجنوبية وقت ذاك، وإلى وجودهم في مواضع من الساحل، وإلى تكوينهم مستعمرات فيها، تتمون من الساحل الإفريقي المقابل، وربما كان الروم على اتفاق مع الأحباش، يوم أرسلوا حملة "إليوس جالليوس" على اليمن عام ٢٤ق. م، وربما اشترطوا أن يسهل الأحباش مهمة الحملة في العربية الجنوبية، وأن يقدموا لها المساعدات اللازمة، وأن يتعاونوا جميعًا في الأمور السياسية والاقتصادية، وفي مقابل ذلك على الروم أن يضمنوا مصالح الحبشة في العربية الجنوبية٣.
ويبدو من النصوص أن الأحباش إنما كانوا يغيرون سياستهم نحو العربية الجنوبية طبقًا للظروف، فهم مرة مع الحميريين، وتارة عليهم، وهم مرة ثالثة في حلف مع "شعر أوتر"، ومرة رابعة ضده، وهم في مرة خامسة على علاقة طيبة مع "الشرح يحصب"، ثم مرة سادسة من ألد أعدائه، وهكذا كانت سياستهم قلقة غير مستقرة، بسبب الاضطرابات التي كانت تسود العربية الجنوبية، ولكنها في كل الأحوال، إنما كانت تخضع لمصالح الأحباش أولًا وأخيرًا، وتهدف إلى بسط سلطانهم على العربية الجنوبية، وتوطيد هذا السلطان٤.
هذا، وهناك من يذهب إلى أن "شمر ذي ريدان"، الذي طالما خاض غمار الحرب ضد الشرح يحصب وأخيه، إنما هو الملك "شمر يهرعش"، وهذا يعني
стр. 318
أنه عاش في القرن الرابع الميلادي، ومن ثم فإنهم يتأخرون بتاريخه حوالي ٢٥٠ عامًا١، بينما يذهب فريق آخر إلى أنه إنما كان معاصرًا لامرئ القيس، صاحب نقش النمارة، وأن "مراقس" المذكور في نقش "ريكمانز ٥٣٥" هو "امرؤ القيس"٢، إلا أن غالبية الباحثين تعارض هذا الاتجاه.
وعلى أي حال، فإن "ألبرت جام" يرى أن "الشرح يحصب" وأخاه "يأزل بين" قد حكما حكمًا مشتركا في الفترة "٥٠-٣٠ق. م"، ثم حكم "الشرح يحصب" بمفرده حتى حوالي عام ٢٠ق. م٣، أو بعد ذلك بقليل، إلا أن غالبية الباحثين تذهب إلى أنه كان قبل ذلك، حتى أن "جون فلبي" يذهب إلى أن حكمه إنما كان في الفترة "١٢٥-١٠٥ق. م"٤.
وقد اختلف العلماء في خليفة "الشرح يحصب"، فذهب فريق إلى أنه شقيقه "يأزل بين"، ثم ولده "نشأ كرب يهأمن يهرجب"، وذهب فريق آخر إلى أنه "وتريهأمن" ولد "الشرح يحصب" وأنه كان في الفترة "٥ق. م-١٠م"، بل إن هناك من يقدم "وتريهأمن" على أخيه "نشأكرب يهأمن يهرجب"٥، وأخيرًا فهناك من يرى أن الشرح يحصب قد تبنى القيلين الجريئين "سعد شمس أسرع" وابنه "مرثد يهحمد"، وقد أصبح هذان القيلان من ملوك سبأ وذي ريدان، نتيجة لهذا التبني السياسي الذي جعلهما ينسبان نفسيهما بعبارة "سعد شمس أسرع وابنه مرثد يهحمد ملكا ذي ريدان، ابنا الشرح يحصب سبأ وذي ريدان"، وأن الرجلين قد آزرا "وتريهأمن" أخاهما بالتبني، إلا أن الأمور رغم ذلك كانت في أيدي الحميريين من بني "ذي ريدان"٦.
وعلى أي حال، فرغم ما تنسبه النقوش من انتصارات إلى "الشرح يحصب" ثم
стр. 319
ابنه "نشأكرب" الذي نجح السبئيون على أيامه في الاستيلاء على ما كان عند الحضارمة من خيل وجمال وحمير، ومن كل حيوان جارح، فإن الدولة السبئية انتهت فعلا على أيام "نشأكرب" هذا، بأيدي الحميريين١.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه في عهد "الشرح يحصب" لمع اسم "صنعاء" "صنعو"، فقد تردد اسمها في النصوص التي ترجع إلى ذلك العهد مثل نص "جام ٥٧٥"، وفي أيام الحروب التي دارت رحاها بين "الشرح يحصب" و"شمر ذي ريدان"، كما يشير إلى ذلك نقش "جام ٥٧٧" و"ريكمانز ٥٣٥"، هذا وتشير الكتابة "Cih ٤٢٩" إلى قصر غمدان "غندان" -بجانب قصر سلحين- كمقر للملوك، ولعل في هذا إشارة إلى أن الشرح يحصب إنما كان يقيم في كلا القصرين "أي في مأرب وصنعاء"، كما يشير كذلك إلى الهمداني وابن الكلبي، ربما كانا على صواب فيما ذهبا إليه من أن الشرح يحصب هو الذي بنى قصر غمدان، وأن "شعر أوتر" هو الذي بنى سور صنعاء، وإن كانت هناك رواية تذهب إلى أنه من أبناء سليمان، وعلى أي حال، فكل هذا يدل على أن قصر غمدان من القصور الملكية السبئية القديمة، وأن صنعاء بدأت تظهر بين مدن اليمن من تلك الفترة، وأن مكانتها قد زادت على مر الأيام، حتى صارت عاصمة اليمن ومقر الحكام حتى الآن٢.
وبدهي أن ذلك لا يتفق وروايات الإخباريين من أنها كانت تدعى "أزال"، وأن "وهرز" القائد الفارسي هو الذي أطلق عليها اسم "صنعاء"، حين قال إبان دخوله إياها "صنعة صنعة"، يريد أن الحبشة قد أحكمت صنعها، أو أن التسمية إنما كانت نسبة إلى بانيها "صنعاء بن أزال بن عبير بني عابر بن شالخ" على رواية، و"غُمدان بن سام بن نوح" على رواية أخرى، فكانت تعرف تارة بأزال، وتارة بصنعاء، بل إن بعض الإخباريين لم يقف عند هذا الحد، فزعم أنها واحدة من مدن النار الأربع "أنطاكية والطوانة وقسطنطينية وصنعاء" في مقابل مدن الجنة الأربع
стр. 320
"مكة والمدينة وإيلياء ودمشق"١.
وعلى أية حال، فلقد جاء بعد فترة لا ندري مداها على وجه التحقيق "ذمار علي بين"، ورغم أنه لم يحمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، فإن ابنه قد حمل اللقب العظيم، ومن ثم فهناك من يرى التريث في الحكم على أنه كان ملكًا، ويضعه ألبرت جام" في الفترة "٣٠-٤٥م"٢، ثم خلفه ولده "كرب إيل وتار يهنعم" الذي أشرك معه ابنه "هلك أمر" في الفترة الأولى من حكمه -والتي كانت في منتصف القرن الأول الميلادي٣- ثم ابنه الثاني "ذمار علي ذريح" الذي جاء اسمه في عدد من النصوص في الفترة الثانية، وقد حدد له "فلبي" الفترة "٧٥-٩٥م"٤.
وفي أيام "يهقم" بن "ذمار علي ذريح" كثرت الفتن والاضطرابات في البلاد، ونقرأ في نقش "جام ٦٤٤" أن الثوار من قبيلة شداد "شددم" قد هاجموا قصر سلحين نفسه واستولوا عليه، إلا أن الملك سرعان ما استعان بأمير قبيلة غيمان الذي كتب له النجح في القضاء على الثوار، وطردهم من قصر سلحين، بل ومطاردتهم حتى مأرب، إلا أنهم سرعان ما نظموا صفوفهم مرة أخرى، وتحصنوا في مواضع جديدة، مما اضطر الملك إلى أن يلجأ مرة ثانية إلى عشائر "غيمان" وأن يطلب منهم مهاجمة أرض شداد، وقد نجح أبناء "غيمان" في هزيمة الثوار عند "كومنان" واستولوا منهم على غنائم كثيرة من إبل وخيل ودواب٥.
وجاء بعد ذلك "كرب إيل بين" وتدل النصوص من عهده على أن العلاقة بينه وبين حضرموت لم تكن طيبة، وأن هناك حربًا دارت رحاها بين الفريقين انتهت بعقد صلح تعهد فيه ملك حضرموت بالمحافظة على حسن الجوار، وأن يكون إلى جانب ملك سبأ إذا ما حدث ما يستدعي ذلك، وأن يضع قوة من حراس "يعكران" "وهو ملك صغير من ملوك حضرموت" تحت تصرف ملك سبأ، إلا أن ملك حضرموت سرعان ما نكث بالعهد، بحجة أن ملك مأرب قد عمل ضد مصالحه، حين