← История

История · id 12007

دراسات في تاريخ العرب القديم

محمد بيومى مهران

Полный текст (645 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ويبدو أن الشرح كان محاربًا، اشترك في كثير من المعارك، ونقرأ في نقش "جلازر ١١٩" أنه غزا حمير وحضرموت وعاد بالكثير من الغنائم والأسرى، وهو ما يزال في درجة "كبير"،١ ويبدو أن الحميريين كانوا في تلك الفترة قوة فعالة في السياسة العربية الجنوبية، وأنهم كانوا لا يهتمون كثيرًا في أن يحاربوا في جانب هذا الفريق أو ذاك، وأما حضرموت فكانت تقف في جانب "شعر أوتر" ضد "الشرح يحصب"، ونقرأ في نقوش "جام ٥٧٤، ٥٧٥، ٥٩٠، ٥٩٥" عن حرب نشبت في النصف الأخير من القرن الأول قبل الميلاد، بين "الشرح يحصب" وأخيه "يازل بين" من ناحية، وبين الأحباش من ناحية أخرى، وأن الشرح يحصب وأخاه، قد انتصرا على الأحباش في "وادي سهام" و"وادي سردد" -على مبعدة ٤٠ كيلو مترًا إلى الشمال من الحديدة -وفي غير ذلك من المناطق التي كان يوجد فيها أحباش٢. وتشير نقوش "جام ٥٧٨، ٥٨٠، ٥٨١، ٥٨٩" إلى حرب دارت رحاها بين "الشرح يحصب" وأخيه، وبين "كرب إيل ذي ريدان" وحلفائه في أرض "حرمة" وفي "عروش" أو بلاد العروش -وتقع على مبعدة ٩٥ كيلوا مترًا إلى الجنوب الغربي من مأرب -وكذا في موقع يحمل نفس الاسم في منتصف المسافة بين صرواح وذمار، وغير ذلك من الأماكن، ونقرأ في نقش "جام ٥٨٦" أن الشرح يحصب قد سحق عصيانًا قامت به حمير، وأنزل بها خسائر فادحة، والأمر كذلك بالنسبة إلى قوات "كرب إيل"، ويسجل نقش "جام ٥٧٦" انتصار الشرح يحصب على ملك كندة وحلفائه من إمارة "خصصتن"، وكذا على قوات حبشية، وعلى عشائر

стр. 317

حمير بقيادة "شمر ذي ريدان"١. ويفهم من نص "Cih ٣١٤" أن "شمر ذي ريدان" من حمير -وكانت عاصمته ظفار -قد نازع الشرح يحصب عرشه، وأنه استعان في ذلك بالأحباش، إلا أنه لم يحقق نجاحًا فيما أراده٢، هذا ويشير الدكتور جواد علي إلى أن في النص إشارات إلى تدخل الحبشة في شئون العربية الجنوبية وقت ذاك، وإلى وجودهم في مواضع من الساحل، وإلى تكوينهم مستعمرات فيها، تتمون من الساحل الإفريقي المقابل، وربما كان الروم على اتفاق مع الأحباش، يوم أرسلوا حملة "إليوس جالليوس" على اليمن عام ٢٤ق. م، وربما اشترطوا أن يسهل الأحباش مهمة الحملة في العربية الجنوبية، وأن يقدموا لها المساعدات اللازمة، وأن يتعاونوا جميعًا في الأمور السياسية والاقتصادية، وفي مقابل ذلك على الروم أن يضمنوا مصالح الحبشة في العربية الجنوبية٣. ويبدو من النصوص أن الأحباش إنما كانوا يغيرون سياستهم نحو العربية الجنوبية طبقًا للظروف، فهم مرة مع الحميريين، وتارة عليهم، وهم مرة ثالثة في حلف مع "شعر أوتر"، ومرة رابعة ضده، وهم في مرة خامسة على علاقة طيبة مع "الشرح يحصب"، ثم مرة سادسة من ألد أعدائه، وهكذا كانت سياستهم قلقة غير مستقرة، بسبب الاضطرابات التي كانت تسود العربية الجنوبية، ولكنها في كل الأحوال، إنما كانت تخضع لمصالح الأحباش أولًا وأخيرًا، وتهدف إلى بسط سلطانهم على العربية الجنوبية، وتوطيد هذا السلطان٤. هذا، وهناك من يذهب إلى أن "شمر ذي ريدان"، الذي طالما خاض غمار الحرب ضد الشرح يحصب وأخيه، إنما هو الملك "شمر يهرعش"، وهذا يعني

стр. 318

أنه عاش في القرن الرابع الميلادي، ومن ثم فإنهم يتأخرون بتاريخه حوالي ٢٥٠ عامًا١، بينما يذهب فريق آخر إلى أنه إنما كان معاصرًا لامرئ القيس، صاحب نقش النمارة، وأن "مراقس" المذكور في نقش "ريكمانز ٥٣٥" هو "امرؤ القيس"٢، إلا أن غالبية الباحثين تعارض هذا الاتجاه. وعلى أي حال، فإن "ألبرت جام" يرى أن "الشرح يحصب" وأخاه "يأزل بين" قد حكما حكمًا مشتركا في الفترة "٥٠-٣٠ق. م"، ثم حكم "الشرح يحصب" بمفرده حتى حوالي عام ٢٠ق. م٣، أو بعد ذلك بقليل، إلا أن غالبية الباحثين تذهب إلى أنه كان قبل ذلك، حتى أن "جون فلبي" يذهب إلى أن حكمه إنما كان في الفترة "١٢٥-١٠٥ق. م"٤. وقد اختلف العلماء في خليفة "الشرح يحصب"، فذهب فريق إلى أنه شقيقه "يأزل بين"، ثم ولده "نشأ كرب يهأمن يهرجب"، وذهب فريق آخر إلى أنه "وتريهأمن" ولد "الشرح يحصب" وأنه كان في الفترة "٥ق. م-١٠م"، بل إن هناك من يقدم "وتريهأمن" على أخيه "نشأكرب يهأمن يهرجب"٥، وأخيرًا فهناك من يرى أن الشرح يحصب قد تبنى القيلين الجريئين "سعد شمس أسرع" وابنه "مرثد يهحمد"، وقد أصبح هذان القيلان من ملوك سبأ وذي ريدان، نتيجة لهذا التبني السياسي الذي جعلهما ينسبان نفسيهما بعبارة "سعد شمس أسرع وابنه مرثد يهحمد ملكا ذي ريدان، ابنا الشرح يحصب سبأ وذي ريدان"، وأن الرجلين قد آزرا "وتريهأمن" أخاهما بالتبني، إلا أن الأمور رغم ذلك كانت في أيدي الحميريين من بني "ذي ريدان"٦. وعلى أي حال، فرغم ما تنسبه النقوش من انتصارات إلى "الشرح يحصب" ثم

стр. 319

ابنه "نشأكرب" الذي نجح السبئيون على أيامه في الاستيلاء على ما كان عند الحضارمة من خيل وجمال وحمير، ومن كل حيوان جارح، فإن الدولة السبئية انتهت فعلا على أيام "نشأكرب" هذا، بأيدي الحميريين١. ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه في عهد "الشرح يحصب" لمع اسم "صنعاء" "صنعو"، فقد تردد اسمها في النصوص التي ترجع إلى ذلك العهد مثل نص "جام ٥٧٥"، وفي أيام الحروب التي دارت رحاها بين "الشرح يحصب" و"شمر ذي ريدان"، كما يشير إلى ذلك نقش "جام ٥٧٧" و"ريكمانز ٥٣٥"، هذا وتشير الكتابة "Cih ٤٢٩" إلى قصر غمدان "غندان" -بجانب قصر سلحين- كمقر للملوك، ولعل في هذا إشارة إلى أن الشرح يحصب إنما كان يقيم في كلا القصرين "أي في مأرب وصنعاء"، كما يشير كذلك إلى الهمداني وابن الكلبي، ربما كانا على صواب فيما ذهبا إليه من أن الشرح يحصب هو الذي بنى قصر غمدان، وأن "شعر أوتر" هو الذي بنى سور صنعاء، وإن كانت هناك رواية تذهب إلى أنه من أبناء سليمان، وعلى أي حال، فكل هذا يدل على أن قصر غمدان من القصور الملكية السبئية القديمة، وأن صنعاء بدأت تظهر بين مدن اليمن من تلك الفترة، وأن مكانتها قد زادت على مر الأيام، حتى صارت عاصمة اليمن ومقر الحكام حتى الآن٢. وبدهي أن ذلك لا يتفق وروايات الإخباريين من أنها كانت تدعى "أزال"، وأن "وهرز" القائد الفارسي هو الذي أطلق عليها اسم "صنعاء"، حين قال إبان دخوله إياها "صنعة صنعة"، يريد أن الحبشة قد أحكمت صنعها، أو أن التسمية إنما كانت نسبة إلى بانيها "صنعاء بن أزال بن عبير بني عابر بن شالخ" على رواية، و"غُمدان بن سام بن نوح" على رواية أخرى، فكانت تعرف تارة بأزال، وتارة بصنعاء، بل إن بعض الإخباريين لم يقف عند هذا الحد، فزعم أنها واحدة من مدن النار الأربع "أنطاكية والطوانة وقسطنطينية وصنعاء" في مقابل مدن الجنة الأربع

стр. 320

"مكة والمدينة وإيلياء ودمشق"١. وعلى أية حال، فلقد جاء بعد فترة لا ندري مداها على وجه التحقيق "ذمار علي بين"، ورغم أنه لم يحمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، فإن ابنه قد حمل اللقب العظيم، ومن ثم فهناك من يرى التريث في الحكم على أنه كان ملكًا، ويضعه ألبرت جام" في الفترة "٣٠-٤٥م"٢، ثم خلفه ولده "كرب إيل وتار يهنعم" الذي أشرك معه ابنه "هلك أمر" في الفترة الأولى من حكمه -والتي كانت في منتصف القرن الأول الميلادي٣- ثم ابنه الثاني "ذمار علي ذريح" الذي جاء اسمه في عدد من النصوص في الفترة الثانية، وقد حدد له "فلبي" الفترة "٧٥-٩٥م"٤. وفي أيام "يهقم" بن "ذمار علي ذريح" كثرت الفتن والاضطرابات في البلاد، ونقرأ في نقش "جام ٦٤٤" أن الثوار من قبيلة شداد "شددم" قد هاجموا قصر سلحين نفسه واستولوا عليه، إلا أن الملك سرعان ما استعان بأمير قبيلة غيمان الذي كتب له النجح في القضاء على الثوار، وطردهم من قصر سلحين، بل ومطاردتهم حتى مأرب، إلا أنهم سرعان ما نظموا صفوفهم مرة أخرى، وتحصنوا في مواضع جديدة، مما اضطر الملك إلى أن يلجأ مرة ثانية إلى عشائر "غيمان" وأن يطلب منهم مهاجمة أرض شداد، وقد نجح أبناء "غيمان" في هزيمة الثوار عند "كومنان" واستولوا منهم على غنائم كثيرة من إبل وخيل ودواب٥. وجاء بعد ذلك "كرب إيل بين" وتدل النصوص من عهده على أن العلاقة بينه وبين حضرموت لم تكن طيبة، وأن هناك حربًا دارت رحاها بين الفريقين انتهت بعقد صلح تعهد فيه ملك حضرموت بالمحافظة على حسن الجوار، وأن يكون إلى جانب ملك سبأ إذا ما حدث ما يستدعي ذلك، وأن يضع قوة من حراس "يعكران" "وهو ملك صغير من ملوك حضرموت" تحت تصرف ملك سبأ، إلا أن ملك حضرموت سرعان ما نكث بالعهد، بحجة أن ملك مأرب قد عمل ضد مصالحه، حين

стр. 321

أرسل بعض قواته إلى منطقة "هينان الحالية"، التي كان ملك حضرموت يريدها خالية من الجند -رغم أنها منطقة سبئية، وليست حضرمية- وربما كان يهدف من ذلك أن يجعلها غير قادرة على الدفاع، حتى يستطيع التدخل في شئونها، وتنفيذ مشروعاته التي كان يرمي من ورائها إلى الاستيلاء على القسم الجنوبي الشرقي من سبأ، مستغلا ضعف ملوك سبأ وقت ذاك لمصلحته١. وهكذا منع ملك حضرموت قوات ملك مأرب من أن تعسكر في المدينة السبئية "حنان" بل واتجه إلى أرض "معين" ليهدد سبأ، وسرعان ما هاجم "يثل" "المدينة المعينية القديمة" واستولى عليها، ثم ضرب الحصار على مدينتي "نشق" و"نشان"، ولم يفك الحصار عنهما إلا بعد وصول القوات السبئية، وهنا رأى ملك سبأ وذي ريدان "كرب إيل بين" أن يهاجم خصمه بنفسه، ومن ثم فقد اتجه إلى "يثل"، كما أمر قواته المعسكرة عند نشق ونشان بالهجوم عليهما، وهكذا وجد ملك حضرموت "يدع إيل" نفسه، محاصرًا من ناحيتين بقوات سبأ، مما اضطره إلى الانسحاب من "يثل"، والاتجاه إلى "حنان"، ولكنه حاول نهب مقتنيات المعبد "محرم بلقيس فيما يرى "ألبرت جام" إلا أن القوات السبئية الزاحفة من نسق تمكنت من إنقاذ المعبد من النهب٢. وفي تلك الأثناء وصلت قوات إضافية من مأرب، فواصل الملك السبئي زحفه إلى "حنان"، حيث دارت هناك معارك رهيبة بين الفريقين، كتب النصر فيها للسبئيين، ودفع ملك حضرموت ثمن هزيمته ألفين من جنوده لقوا مصرعهم في ميدان القتال، فضلا عما استولى عليه السبئيون من خيل وجمال وحمير، وكل حيوان جارح عند الحضارمة٣ -كما أشرنا آنفًا. وتمر فترة لا يستطيع المؤرخون فيها ترتيب الملوك أو معرفة فترات حكمهم، فإذا ما رجعنا إلى "ريكمانز" على سبيل المثال، لوجدنا أنه قد ترك فراغًا بعد "هلك أمر" و"ذمار علي ذريح"، إشارة إلى فترة لا يدري من حكم فيها على وجه اليقين، ثم يذكر بعد ذلك "وتريهأمن"، ثم فراغًا، دون بعده اسم "شمدر يهنعم"،

стр. 322

ثم فراغًا ثالثًا بعد اسم "الشر يحمل"، ثم فراغًا رابعًا، ثم اسم "عمدان بن يهقبض"، ثم فراغًا خامسًا يأتي بعده اسم "لعزنوفان يهصدق" ثم فراغًا سادسًا دون بعده "ياسر يهصدق"١، وإن كان "فلبي" يرى أن هذا الأخير جاء بعد "وتريهأمن" وربما كان والده، وأنه بدأ حكمه حوالي عام ٦٠ق. م٢. وأيًّا ما كان الأمر، فلدينا من عهد "ياسر يهصدق" هذا، نص "Cih ٤١" وقد دونته جماعة من قبيلة، "مهانف" "مهانفم" من "ضافط" بقاع جهران، شمال ذمار، ويذهب "فون فيسمان" إلى أنه أول نص يصل إلينا لقب فيه واحد من ملوك "حمير" بلقب "ملك سبأ وذي ريدان"، وهذا يعني أن ملوك حمير قد نافسوا ملوك سبأ، ثم نازعوهم عرشهم، بل وحملوا ألقابهم كذلك٣. ثم يذهب "فون فيسمان" بعد ذلك إلى أن الرجل قد حكم في الفترة "٧٥-٨٠م"، وأنه اتخذ من "ظفار" مقرًّا له، وأن خليفته إنما كان "الشرح"، وأنه حكم حوالي عام ٩٠،، وأن نص "Cih ١٤٠" إنما يرجع إلى أيامه٤، غير أن "جام" إنما يضع حكم "ياسر يهصدق" في الفترة "٢٠٠-٢٠٥م"٥. ونقرأ في نص "Cih ٣٦٥" أن "ذمار علي يهبر" بن "ياسر يهصدق"٦ -والذي ربما كان هو صاحب الاسم الذي جاء على بعض النقود٧- قد شن حربا ضد الأسرة السبئية المالكة، استولى فيها على حصن "ذات المخاطر"، ولعل هذا هو الذي اعتمد عليه "فون فيسمان" في أن الحميريين قد استولوا على مأرب، ولمدة عشر سنين٨.

стр. 323

وهناك عدد من النصوص جاء فيها اسم "ذمار علي يهبر" بجانب اسم أبيه، وأخرى جاء اسمه بجانب اسم ولده "ثاران يعب يهنعم"، ويفهم منها أنه أشركه معه في الحكم، كما يفهم منها كذلك أنه أعاد بناء سد ذمار١، وأما الكتابة المعروفة بـ "Rep Epig ٤٩٠٩"، فتتحدث عن وفد أرسله هذا الملك ليهنئ "العزيلط" ملك حضرموت باعتلائه العرش٢، وأن ذلك كان في حوالي عام ٢٠ق. م، على رأي٣، و٢٠٠م، على رأي آخر٤، بل إن "جام" إنما يحدد لحكم "ثاران يعب يهنعم" الفترة "٢٦٥-٢٧٥م"٥، بينما يرى "فون فيسمان" أنها في الفترة "٢٣٠-٢٤٠م"٦. وجاء "ذمار علي يهبر" الثاني، بعد أبيه "ثاران يعب يهنعم"٧، ثم جاء "شمر يهرعش"، والذي لقبه "فون فيسمان" بالأول، تمييزًا له عن "شمر يهرعش" المشهور" والذي جاء بعده بفترة طويلة٨. ويذهب "جون فلبي" إلى أن عرش سبأ وذي ريدان، إنما جلس عليه في الفترة "١١٥-٢٤٥م" ملوك من أسرة "بني بتع" من حاشد -وحاشد كما هو معروف من الهمدانيين- وأن عددهم كان اثني عشر ملكًا٩، ثم جاءت من بعدهم أسرة من "بكيل"، كان أول رجالها "العز نوفان يهصدق" الذي حكم في الفترة "٢٤٥-٢٦٥م"١٠، ثم جاء من بعده "ياسر يهنعم" والد "شمر يهرعش" الملك المشهور بين الإخباريين، وبذلك ينتقل العرش إلى أسرة جديدة، بل إلى عهد جديد،

стр. 324

عهد تسود فيه سيطرة الحميريين على بلاد العرب الجنوبية، دون غيرهم من حكام اليمن؛ ذلك لأن هذا العصر الثالث "١١٥ق. م-٣٠٠م" إنما كان النفوذ فيه لسبأ ولحمير معًا، بعكس العصر الرابع "٣٠٠-٥٢٥م" الذي تسود فيه السيادة الحميرية. ويعرف "ياسر يهنعم" في المصادر العربية باسم "ناشر النعم" أو "ياشر ينعم" أو "ياسر ينعم" أو "ياسر أنعم"١ لإنعامه عليهم "أي الحميريين" بما قوى من ملكهم وجمع من أمرهم٢، أو لإنعامه على الناس بالقيام بأمر الملك ورده بعد زواله٣، أو لأنه رد ملك حمير بعد أن انتقل إلى سليمان بن داود عليه السلام٤، وهو "عمرو بن يعفر بن حمير بن المنتاب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ"٥ أو" يعفر بن عمرو بن حمير بن السباب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ"٦، أو "عمر ذو الأدغار" أو "عمرو بن يعفر بن شرحبيل بن عمرو ذى الأدغار" أو "مالك بن عمرو بن يعفر بن عمرو بن حمير بن السباب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسكة المقعقع بن وائل بن حمير٧، إلى غير ذلك من أنساب، الخطأ فيها أكثر من الصواب. وقد ذهبت بعض المصادر العربية إلى أنه قد حكم بعد ابنة أخيه أو ابنة عمه، "بلقيس بنت الهدهاد" صاحبة سليمان٨، لأن الهدهاد قد أوصى له بالملك في عهد بلقيس وبعدها، فأجابته حمير وقدموه٩، أو أنه قد حكم بعد فترة تتراوح ما بين الثلاثين والأربعين عامًا من حكم سليمان لحمير، حيث أخذه منه وأعاده إلى حمير،

стр. 325

وبقي صاحبنا هذا على عرشه قرابة خمس وثلاثين سنة١، وهذا يعني -في نظرهم- أن "ياسر يهنعم"، والذي عاش في القرن الثالث بعد الميلاد، إنما كان معاصرًا لسليمان ملك إسرائيل في القرن العاشر قبل الميلاد٢، والفرق بينهما، كما نرى، جد شاسع، إذ أن سليمان ﵇، إنما سبق "ياسر يهنعم" بزمن قد يزيد في مداه عن اثني عشر قرنًا. وأما الرواية التي ذهبت إلى أن سليمان قد حكم حمير، فلست أدري- علم الله- من أين جاء بها أصحابها، وليس هناك نص واحد- سواء أكان هذا النص من النصوص الحميرية، أو حتى من توراة اليهود، أو غيرها من المصادر اليهودية- يمكن الاعتماد عليه لتدعيم زعم الإخباريين هذا. هذا وقد روى القرآن الكريم -وكذا التوراة٣ والإنجيل٤، قصة ملكة سبأ مع سليمان ﵇ في سورة النمل٥، ومنها نعرف أن الملكة العربية حين تأكدت أنها أمام واحد من المصطفين الأخيار، يريد لها ولقومها الهداية إلى سواء السبيل، وليس رجلا غرته قوته، فأراد أن يجعل من بلادها جزءًا من ممتلكاته، فتقرر الذهاب بنفسها إلى النبي الكريم، ويستعد سليمان لاستقبال الملكة العظيمة، فيعد لها

стр. 326

أمرًا يخرج عن قدرة البشر العاديين، ويدخل في عداد معجزات تلك الصفوة المختارة، من رسل الله وأنبيائه الكرام، فيأتي بعرشها إلى قصره، حتى إذا ما وصلت: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ، فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ ١ ثم مفاجأة أخرى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ ٢. وهنا كانت الملكة قد رأت كل ما يبعد عنها أية ريبة في أنها أمام نبي الله الكريم، سليمان ﵇، وليس، كما كانت تظن -بادئ ذى بدء- أنها أمام ملك يطمع في دولتها، أو يبغي الاستيلاء عليها، ثم يجعل من أعزة قومها أذلة، وكذلك يفعل الطامعون والمستعمرون، وهنا أراد الله لها الهداية والإرشاد، ومن ثم: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣. وليس في كل هذا ما يفيد من قريب أو بعيد، أن اليمن قد أصبحت مستعمرة لإسرائيل على أيام سليمان، أو أن بلاد العرب قد أصبحت ضمن دولة اليهود، وكذا ليس في قصة التوراة ما يفيد ذلك، ومن ثم فإذا كان ذلك قد حدث، فهو من خيال الأخباريين، طبقًا لإسرائيليات أوحى إليهم بها مسلمة أهل الكتاب، وليس من حقائق التاريخ وأخباره الصحيحة٤. وعلى أية حال، فإن الروايات العربية تنسب إلى "ياسر يهنعم" الفتوحات العظيمة، فتزعم أنه خرج إلى ما حوى آباؤه من التبابعة العظام، فوطئ من الأرض موطئًا عظيمًا، ودوخ الشام ومصر وقبض أقواتهما، ثم توجه إلى المغرب لرؤيا رآها، يريد أن يبلغ وادي الرمل الذي يسيل، وهكذا أخذ يسير حتى إذا ما بلغ البحر المحيط "ولعله هنا البحر الأبيض المتوسط"، أمر ولده "شمر يرعش" أن يركب هذا البحر حتى يعبره، ثم يرجع إليه بما رأى في وادي الرمل، ويصدع "شمر يرعش" بأمر أبيه، فينزل على صنم ذي القرنين، ثم يبعث بعساكره إلى الإفرنج والسكس والصقالبة، حيث يكتب لها النجح فيما أرادت، فتعود وقد

стр. 327

غنمت الأموال وسبت الذراري من كل أمة من جزر البحر، على رواية، وأن هذه الجيوش، والتي كانت في عشرة آلاف مركب، كانت بقيادة واحد من أهل بيت "ياسر يهنعم" -يقال له عمرو بن زيد بن أبي يعفر- وأنها ذهبت إلى وادي الرمل فلم تجد مخرجًا ولا مجازًا؛ لأن الوادي لا يسكن إلا يوم السبت فلا يجري، وهكذا ضاعت هذه الجيوش، وهنا أمر الملك بصنع تمثال من نحاس كتب عليه بالمسند "أنا الملك الحميري ياسر ينعم اليعفري، ليس وراء ما بلغته مذهب، فلا يجاوزه أحد فيعطب"، على رواية أخرى١. ولم تقتصر فتوحات "ياسر ينعم" -فيما تزعم المصادر العربية- على ذلك، وإنما امتدت إلى الحبشة وإلى بلاد الروم والترك، فضلا عن التبت والصين والهند، وأخيرًا مات في "دينور" حيث دفنه ابنه هناك، ثم جلس على عرشه من بعده٢، وإن قفزت بعض هذه المراجع، فجعلت من "تبان أب كرب أسعد" خليفة له٣، كما أبت مراجع أخرى إلا أن تنسب للرجل شعرًا فيه فخر وفيه حماسة، كما نسبت لوالده "شمر يرعش" شعرًا كذلك، يرثي فيه أباه، ولم تنس هذه القرائح أن تقدم لنا نماذج من كلامه العربي الفصيح، لترينا أنه كان -كسائر ملوك اليمن- يتكلم بلسان عربي مبين٤. وليس من شك في أن كل ما جاء في هذه الروايات عن "ياسر يهنعم"، إنما هو من أساطير "ابن منبه" وغيره من الأخباريين الذين سودوا صفحات كتبهم عن هذه المرحلة من التاريخ العربي القديم بكل غث وسمين، وإن كانت هناك روايات تاريخية عن حملات عسكرية قام بها الحميريون في وادي النيل الأوسط وشمال إفريقيا٥، وقد أشار "ده برسيفال" إلى حملة قادها أبو مالك بن شمر يرعش إلى معادن الزمرد

стр. 328

في أرض البجة، ومن المحتمل أن يكون قد لقي حتفه هو ومعظم جيشه، حوالي منتصف القرن الأول الميلادي١. وعلى أي حال، فهناك الكثير من النصوص التي تحدثت عن "ياسر يهنعم" هذا، منها نص "Cih ٤٦"، والذي عثر عليه في "يكاران" -ويرجع تاريخه إلى عام ٢٧٦م- وقد جاء فيه اسم الإله "عثتر"، واسم قبيلتي، "مهانف" و"شهر"٢، كما جاء اسمه واسم ولده "شمهريهرعش" في نص مؤرخ بعام ٢٧٦م كذلك، ولعل في هذا إشارة إلى اشتراكه معه في الحكم، حيث لُقِّبَا بملكي سبأ وذي ريدان٣. هذا ويجب الإشارة هنا إلى أن القوم وقت ذاك، إنما كانوا يؤرخون وفق تقويمين مختلفين، وأن الفرق بينهما خمسون سنة، أو خمس وسبعون سنة، ثم أهمل أحد التقويمين وبقي الآخر، وهو تقويم "مبحض بن أبحض"، وتقع بدايته فيما بين عامي ١١٨، ١١٠ق. م، وإن لم يستعملوه في الكتابة إلا في القرن الثالث الميلادي٤، ويرى "ريكمانز" أن نصوص "ياسر يهنعم" وولده "شمر يهرعش"، تختلف في تأريخها عن التأريخ السبئي المعروف، والذي يبدأ في رأيه في عام ١٠٩ق. م، ومن ثم يمكن إثابتها وفق هذا التقويم٥. ونقرأ في نقش "Cih ٣٥٣" عن ثورة حمل لواءها الحميريون ضد "ياسر يهنعم" وولده حوالي عام ٣٠٠م، في منطقة "ضهر" -والتي لا تبعد كثيرًا عن صنعاء٦- هذا فضلا عن اشتباكات جديدة بين "ياسر يهنعم" والهمدانيين، والذين تعانوا مع بني ريدان لمهاجمة مأرب، إلا أن الملك الحميري سرعان ما هاجم الهمدانيين

стр. 329

غربي صنعاء وانتصر عليهم١. ولعل مما تجدر ملاحظته أن عهد ملوك سبأ وذي ريدان من أصعب العهود في تاريخ سبأ، ورغم أن النصوص التي عثر عليها ليست بالقليلة، إلا أنها لا تفيدنا كثيرًا، ثم إن بعضها قد أصابه التلف، ومن هنا كان الاختلاف البين بين العلماء في تأريخ هذه الفترة، هذا إلى جانب فترات مظلمة تمامًا في كتابة هذا الفصل، نتيجة اضطراب المؤرحين فيه، وعدم اتفاقهم على رأي بشأنه، وليس هناك من حل إلا من مزيد من الحفائر، ثم مزيد من الحفائر، حتى يستطيع العلماء تقديم التاريخ العربي القديم في صورة متكاملة.

стр. 330

دويلات أوسان وسمعاي وأربع وجبان ومهأمر: لعل من الأفضل هنا أن نتوقف قليلا -قبل الحديث عن الدولة الحميرية- لنشير إلى بعض الدويلات التي كان لها دور في الأحداث التي جرت في تلك الفترة من تاريخ بلاد العرب الجنوبية. ١- أوسان: رغم أن أوسان دويلة صغيرة في جنوب قتبان، لم تبلغ في موازين القوى المعروفة وقت ذاك "معين وقتبان وحضرموت وسبأ" شيئًا يخشاه الآخرون، فإنها قد انتهزت فرصة الضعف التي ألمت بدولة سبأ، بسبب ظهور قبائل أخرى على المسرح السياسي، مثل همدان وخولان وريدان وغيرها، فوطدت أقدامها في جنوب غرب بلاد العرب، ثم أخذت تنافس سبأ من ناحية، وحضرموت من ناحية أخرى، وسرعان ما مدت نفوذها خارج حدودها، فحكمت "دهس وتبنو وكحد"، وبل إن هناك من يحاول أن يرى في إطلاق مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأرتيري" على المنطقة شمال "بمبا Pemba" و"زنجبار" من الساحل الإفريقي للبحر الأحمر اسم "الساحل الأوساني"، دليلا على أن الأوسانيين قد حكموا تلك المنطقة، في فترة ترجع إلى ما قبل عام ٤٠٠ق. م، ومن ثم فقد ذهب البعض إلى أن "أوسان" لا بد وأن تكون قوية وذات أرضين واسعة في العربية الجنوبية، حتى يمكنها أن تستولي على هذه المنطقة من الساحل الإفريقي١، فضلا عن أن يكون لها نشاط واسع معها في الميدان التجاري، والذي ربما كان من ميناء "عدن" الذي كان يتبع أوسان في تلك الفترة٢

стр. 331

ولعل من أشهر ملوك أوسان الملك "يصدق إل فرعم شرح عت"١ بن ود "ودم"، وقد دعا هذا اللقب بعض العلماء إلى القول بوجود فكرة تأليه الملوك في أوسان، وأن الرجل إنما كان يعتقد أنه من نسل الإله "ود"٢ ومن ثم فقد اعتمد مؤرخو الأيدان على هذه الحالة كدليل على قيام مملكة للإله في بلاد العرب الجنوبية، ونحن نعرف أن "ود" هو الإله القومي لأوسان ومعين، كما أن "عم" كان إله قتبان" و"سين" معبود حضرموت، وأما الموقاة "المقة" فهو إله سبأ٣، هذا وقد خصص الأوسانيون معبدهم الرئيسي في "وادي نعمان" للإله "ود"٤. وعلى أي حال، فهناك من يذهب إلى أن الملك "يصدق إل فرعم شرح عت" إنما كان في النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد، وحتى حوالي عام ٤٥٠ق. م معتمدين في ذلك على أن طرز اللباس التي تكسو تمثال الملك، إنما هي طرز يونانية ترجع إلى ما قبل منتصف القرن الخامس ق. م، وأنه وصل من اليونان إلى أوسان عن طريق غزة٥، إلا أن "جاكلين بيرين" قد ذهبت إلى أن أوسان كانت مملكة في أخريات القرن الأول ق. م، أو بعد الميلاد بقليل، وأن حكم الملك "يصدق إل فرعم شرح عت" بن "ودم" إنما كان حوالي عام ٢٤ق. م٦. وهناك بعض الملوك في أوسان نكاد لا نعرف عنهم غير أسمائهم، ومنهم "معد إيل سلحان بن ذي يدم" أو "زيدم" و"عم يثع غيلان لحي"، الذي وجد اسمه محفورًا على تمثال من المرمر٧. ونقرأ في نقش النصر في صرواح -كما رأينا من قبل- عن "مارتو" ملك أوسان الذي اجتاحت قوات سبأ في عهد "كرب إيل وتار" بلاده، وقتلت منهم

стр. 332

١٦ ألف رجل، وأسرت أربعين ألفًا، فضلا عن احتلالها لعدة مواضع في أوسان١ هذا ويذهب "فلبي" إلى أن حكم "مارتو" إنما كان في الفترة "٦٢٠-٦٠٠ق. م" ليكون معاصرًا لـ "كرب إيل وتار"٢، وإن رأى البعض أن "مارتو" إنما حكم حوالي عام ٤٥٠ق. م٣، وربما كان بعد ذلك بقليل، وعلى أي حال فإن دولة أوسان قد انتهت على يد "الشرح يحصب" في حوالي عام ١١٥ق. م، فيما يرى "فلبي"٤. ٢- سمعاي: وهي قبيلة همدانية سكنت المنطقة ما بين حاشد وحملان وفي الحجر٥، وهي إمارة أو مشيخة قوية انتحل سادتها لقب "ملك" وتمتعوا بشيء من الاستقلال لا ندري مداه، ولا الفترة التي حدث فيها هذا الاستقلال، ولعل أهم أمرائها "يهعان ذبيان" و"سمه افق" اللذين جاء ذكرهما في نقش "جلازر ٣٠٢"٦. ٣- أربع: وهي قبيلة كان يلقب شيوخها بلقب "ملك"، عرفنا منهم "نبط إيل" و"لحي عثت بن سلحان" و"عم أمن" والذي كان معاصرًا لملك سبأ "يثع أمر بين"، على أننا يجب ألا نفهم من لفظة ملك هنا، المعنى المعروف من الكلمة، ذلك لأن أربع لم تكن مملكة بالمعنى المفهوم، وإنما كانت قبيلة لها شيوخ يتمتعون بشيء قليل أو كثير من الاستقلال في حدود أرض قبيلتهم، وإن خلعوا على أنفسهم لقب "ملك"٧.

стр. 333

٤- جبان: يحدثنا "بلينيط عن قوم دعاهم "الجبانيين Gebbanitae" يملكون عدة مدن، لعل أهمها "نجية Nagia" و"تمنة Thamna" وأن بالأخيرة خمسة وستين معبدًا١ وأن اللبان والكندر لم يكن يسمح بتصديره إلا بواسطة هذه المملكة، وإلا بعد دفع ضرائب يحددها، وأما المر فكان الملك يأخذ منه لنفسه ربع الغلة، كما كان يحتكر بيع القرفة٢. وربما كان الجبانيون هؤلاء من قتبان، وأنهم استقلوا في فترة لا تبعد كثيرًا عن أيام "بليني" "٣٢-٧٩م"، وأن مواطنهم لا تبعد كثيرًا عن قتبان، فهي إلى الجنوب الشرقي منها على رأي، وإلى الغرب منها على رأي آخر، ويذهب بعض الباحثين إلى أنهم من "جبأ" التي وصفها الهمداني، بأنها مدينة المعافر، وأنها كورة المعافر، في فجوة بين جبل صبر وجبل ذخر في وادي الضباب٣. ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن أستاذنا الدكتور عبد العزيز صالح قد عقد مقارنة بين "الجنبتيو" "Gnbtyw" الذين ورد ذكرهم في حوليات الإمبراطور المصري العظيم "تحوتمس الثالث" "١٤٩٠-١٤٣٦ق. م"، على أنهم جاءوا يحملون هداياهم أو منتجاتهم من الكندر "البخور" وصمغ كاي "؟ "، وبين هؤلاء "الجبانيين" "Gebbanitae" والذين كانوا ينتشرون في جنوب شبه الجزيرة العربية وحتى باب المندب، ويتاجرون في الكندر، كما أن ذكر بليني لهم ولدولتهم في وقت كانت فيه هذه الدولة قد أصبحت جزءًا من دولة سبأ وحمير "أي في القرن الأول الميلادي"، يدل على أن مصدر معلوماته إنما يرجع إلى مصدر مبكر.

стр. 334

وهنا ربما يعترض البعض على أن الجبانيين لا يرجعون إلى هذه الفترة المبكرة "عصر تحوتمس الثالث"، على أساس أن أقدم سجلات مكتوبة من بلاد العرب لا ترجع إلى ما قبل القرن العاشر ق. م، غير أن هذا لا ينفي وجود القوم كجماعة في وقت أقدم بكثير من كتاباتهم ومدنهم، وقد أثبت "وليم أولبرايت" أن هجرة القبائل المسماة بالقبائل السينية من شمال بلاد العرب إلى جنوبها، إنما حدث قبل عام ١٥٠٠ق. م، أي قبل عصر تحوتمس الثالث. أما الأسباب التي دفعتهم إلى تقديم هداياهم إلى العاهل المصري، فربما كانت ترجع في الدرجة الأولى إلى الرغبة في حماية تجارتهم عبر طرق تجارة البخور التي كانت تمر في أراضي إمبراطورية تحوتمس الثالث الآسيوية الإفريقية١. ٥- مهأمر: وهي إمارة مقرها "رجمت" "رجمة"، انتحل سادتها لقب ملك، وربما جاءت أهميتها في أنها تقع على طريق القوافل التي تصل "معين" والعربية الجنوبية من ناحية، ومصر من ناحية أخرى٢، ويذهب بعض الباحثين إلى أن "رجمت" تقع الآن في أرض نجران، أو في مجاوراتها من ناحية الشمال، وربما كانت واحدة من مدن نجران، وأن نجران نفسها لم تكن في الأصل مدينة معينة، وإنما هي أرض تضم عدة مدن، ومنها "رجمت" التي تحول اسمها بمرور الزمن إلى نجران" وأن هناك الكثير من الأمثلة على ذلك في العربية الجنوبية٣. هذا ويذهب "موردتمان" إلى أن "رجمت" ربما كانت "رعمة" في التوراة، وهو الابن الرابع لكوش، يقول سفر التكوين: "وبنو كوش سبأ وحويلة وسبته ورعمة وسبتكا"، ثم يرى بعد ذلك أن المقصود "بكوش" هنا، العربية الجنوبية،

стр. 335

وأن من أولاد كوش، سبأ وديدان، وأن تجار "رعمة" قد ذكروا في سفر حزقيال مع تجار سبأ١، وبدهي أن "موردتمان" لم يفعل سوى أن ردد ما جاء في توراة اليهود٢، من إدعاء كذوب، يسلب أغلب العرب ساميتهم، فالعربية الجنوبية وبابل وآشور وكنعان ويبوس ومصر وغيرها من الشعوب العربية، إنما هم جميعًا -في نظر توراة يهود- حاميون٣.

стр. 336

الفصل الحادى عشر: عصر الدولة الحميرية مدخل ... الفصل الحادي عشر: عصر الدولة الحميرية يتميز هذا العصر من عصور التاريخ السبئي بأن الملوك قد حملوا فيه لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات"، وهذا يعني أن حضرموت قد أصبحت من هذا العصر الرابع، جزءًا لا يتجزأ من مملكة سبأ، أما "يمنات" "يمنت" فهي لفظة جديدة لم تصل إلينا من قبل، ومنها -فيما يرى البعض- ولدت كلمة "اليمن" التي توسع مدلولها في العصور الإسلامية حتى شملت أرضين واسعة لم تكن تعد من اليمن فيما قبل الإسلام١، ومن ثم فقد قيل إن حدود اليمن إنما تقع بين عمان ونجران، ثم تلتوي على بحر العرب إلى عدن إلى الشحر، حتى تجتاز عمان فتنقطع عند بينونة، وقيل حد اليمن من وراء تثليث وما سامتها إلى صنعاء، وما قاربها إلى حضرموت والشحر وعمان إلى عدن أبين، وما يلي ذلك من التهائم والنجود، واليمن يجمع ذلك كله٢. واليمن -في رأي آخر- اسم عام أطلق على السواحل الجنوبية٣، وهي -في رأي ثالث- كلمة عامة تشمل الأرضين الواقعة جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، من باب المندب وحتى حضرموت، وتتكون من عدة مخاليف، يحكمها أقيال وأذواء شبه مستقلين، إذ كانوا يخضعون لنفوذ "ظفار" أو "ميفعة"، ولعل أشهر مدنها "Oceiis" عند باب المندب "ميناء الجبانيين"، فضلا عن "عدن"

стр. 337

و"قنا" في حضرموت١، وهي -في رأي رابع- القسم الجنوبي من حضرموت، وقد كانت "ميفعة" عاصمة لها في ذلك الوقت٢. ويذهب المسعودي إلى أن اليمن، إنما سمي يمنًا لأنه على يمين الكعبة، أو ليمنهن أو لأن الناس حين تفرقت لغاتهم ببابل تيامن بعضهم يمين الشمس وهو اليمن٣، أو لأن الناس لما تكاثروا بمكة وتفرقوا عنها التأمت بنو يمن إلى اليمن، وهو أيمن الأرض، أو لأنها سميت يمنًا نسبة إلى يمن بن قحطان٤. وعلى أي حال، فإن عصر الدولة الحميرية هذا، إنما تميز كذلك بأن لقب الملوك سرعان ما تغير مرة أخرى، فأصبح الواحد منهم يلقب بلقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات، وأعرابها في المرتفعات وفي التهائم"، كما تميز كذلك بدخول اليهودية والمسيحية إلى بلاد اليمن، ومحاولة زحزحة الديانة الوثنية- والتي كانت تدور حول عبادة النجوم والكواكب والشمس- وقد بدأت المسيحية على المذهب المنوفيزي، القائل بالطبيعة الواحدة للسيد المسيح، تأخذ طريقها من الشام إلى اليمن، وكانت بيزنطة تهدف من وراء ذلك أغراضًا سياسية أكثر منها دينية، فقد شجع الحميريون اليهودية، رغبة منهم في مقاومة المسيحية، دين عدوهم السياسي والاقتصادي٥. ولعل من الأفضل هنا أن نتوقف قليلا -قبل الاستطراد في الحديث عن العصر الحميري- لنشير في اختصار إلى الحميريين أنفسهم: كانت قبيلة حمير قبيلة قوية لها نفوذ كبير في العربية الجنوبية في أخريات أيام سبأ، وقبل ظهور المسيحية، ولهذا ظل اسمها يتردد دائمًا في كتابات المؤرخين الرومان وفي كتابات العرب، وأصبح اسمها صفة لكل ما يعثر عليه في جنوب شبه

стр. 338

الجزيرة العربية، وصار اسم النقوش التي بدأ العلماء في حلها هو "النقوش الحميرية"، بل إن كلمة الحضارة الحميرية أصبحت علمًا على كل شيء في بلاد العرب قبل الإسلام١. هذا وقد أطلق الكتاب القدامى من الأغارقة والرومان على الحميريين اسم "Homeritai" "Omyritai "٢Hamiroei" "Omeritae"، هذا وقد اعتبر "بليني" الحميريين من أكثر الشعوب عددًا، وأن عاصمتهم هي مدينة "سيفار "٣Sapphar" "أي ظفار"، وقد جاءت في التوراة تحت اسم "سفار"٤، وهي مدينة في الداخل، على مبعدة مائة ميل إلى الشمال الشرقي من "المخا" وعلى الطريق إلى صنعاء، وقد احتلت في تلك الفترة مكانة "مأرب" عاصمة سبأ، و"قرناو" عاصمة معين، ولا تزال آثارها ماثلة للعيان على قمة تل مستدير بجوار بلدة "يرم" الحديثة٥ وهذا وقد عرف الحميريون عند الأحباش باسم "٦Hemet"، كما أشار "بليني" إلى مدينة دعاها "مسلة ٧Mesaia"- والتي رأى فيها "جلازر" المشالحة الحالية إلى الشرق من "مخا" -بينما ذهب "سبرنجر" على أنها "مأسل الجمع"، وأن المقصود بـ "Homeritae" هنا، جماعة أخرى دعاهم "Nomeritae" وأن التحريف إنما جاء من النساخ٨. ويذهب صاحب كتاب "الطواف حول البحر الأرتيري" إلى أن الحميريين إنما كانوا يحكمون منطقة واسعة تمتد من ساحل البحر الأحمر وساحل المحيط حتى حضرموت، فضلا عن ساحل "عزانيا" الأفريقي، وأن ملكهم، كان يسمى

стр. 339

"كرب إيل" وأن ظفار كانت عاصمة لهم ١، وأن اسمهم قد جاء في ألقاب "عيزانا" ملك أكسوم، حيث نقرأ في لقبه "ملك أكسوم وحمير وريدان وحبشة والسبئيين وصلح وتهامة٢"، ومن الغريب أن الكتاب المسيحيين والبيزنطيين إنما عدوهم من القبائل الحبشية٣. وقد شغل الحميريون في الكتب العربية صفحات، ربما كانت أكثر مما شغلته بقية دول العربية الجنوبية مجتمعة، وقد نسبوهم إلى "زيد" الذي لقبوه "حمير" ثم جعلوه ابنا لسبأ، فهو -فيما يزعمون- "حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان"٤، وأنه أول من توج بالذهب، وقد ورث أباه في عرشه- ولمدة خمسين عامًا على رأي، وخمسة وثمانين على رأي أخر- وأنه في أثناء ذلك مد حكمه إلى حدود الصين، كما أخرج ثمودًا من اليمن إلى الحجاز، وأنه عاصر الخليل ﵇ "أو على الأقل هو في درجته من النسب"، ومن ثم فهو الذي سير جرهما إلى الحرم وأرض الحجاز، حيث التقوا بهاجر وولدها إسماعيل الذي تزوج منهم، وهكذا ذهب بعض الإخباريين إلى أنه إنما كان قبل عاد وثمود بدهور طويلة، فضلا عن أنه هو الذي بنى سد مأرب، أو أكمله بعد أبيه سبأ، ثم مات بعد عمر طال إلى ثلاثة قرون كاملة، تاركًا وراءه بنين كثيرين، وإن رأى البعض أنهم ستة تفرعت منهم قبائل حمير، والتي لم يربط الود بينها، بقدر ما دقت طبول الحرب، ويضيف البعض إلى ذلك، أنه لما مات وثب أخوه "كهلان" على الملك فاغتصبه، ولكن أبناء حمير سرعان ما استردوه، ومن ثم فقد بقيت "كهلان" على الحدود، فيما يلي الصحراء٥.

стр. 340

وأما لماذا سمي باسمه هذا؟ فالجواب عند بعض الأخباريين، لأنه كان يلبس حلة حمراء، وإن وقف البعض الآخر موقفًا محايدًا إزاء هذه التفسيرات، فرأى أن هذه الأسماء مثل حمير -وكذا اسمه الآخر العرنج أو العرنجج- لا نقف لها على اشتقاق، لأنها قد بعدت قدم العهد بمن كان يعرفها١. وبدهي أن هذه الروايات لا شك أن الكثير منها، إنما هو أقرب إلى الأساطير منه إلى حقائق التاريخ، وأن حمير -إن كان هناك من يدعى حمير- لم يمد حدوده إلى الصين؛ ذلك لأن التاريخ لا يعرف أن العرب قد وصلوا إلى تلك البلاد غزاة فاتحين، طوال تلك العصور الغابرة، وإني لأظن -وليس كل الظن إثمًا- أن هؤلاء الكتاب الإخباريين إنما كانوا متأثرين بالفتوحات الإسلامية في تلك المناطق، فخيل إليهم أن للأمر سوابق خلت، فإذا كان ذلك كذلك، فتلك مأساة، إذ يصبح الإخباريون بعيدين عن تلك الروح التي تمت بها الفتوح الإسلامية، والتي لم ولن يعرف التاريخ لها مثيلا، وذلك حين خرج المسلمون من بلاد العرب ينشرون التوحيد والهداية والنور في جميع أنحاء الدنيا، لا يبغون من وراء ذلك بلادًا يستعمرونها، أو إمبراطورية يتربعون على عرشها، أو أسلابا يغنمونها، وإنما كانوا يبغون أولًا وأخيرًا، وجه الله، وهداية الناس -كل الناس- إلى الإسلام، دين الله الحنيف. والأمر كذلك بالنسبة إلى إخراج ثمود من اليمن إلى الحجاز؛ ذلك لأن الثموديين٢ -كما تدل آثارهم- إنما كانوا أصلا من شمال بلاد العرب، وليس من جنوبها، وقد انتشرت آثارهم في مناطق واسعة، امتدت من الجوف شمالا، إلى الطائف جنوبًا، ومن الأحساء شرقًا، إلى يثرب فأرض مدين غربًا، وفي المسالك المؤدية إلى العقبة والأردن وسورية، ولعل في هذا تفسيرًا لذكر القرآن الكريم لهم دون غيرهم من شعوب بلاد العرب، ممن هم كانوا أكثر منهم شهرة في مجال التجارة أو المدنية أو القوة، كالديدانيين والأنباط واللحيانيين٣، فضلا

стр. 341

عن العظة من قصة النبي الكريم سيدنا صالح ﵇، هذا إلى أن الثموديين إنما كانوا يقيمون في شمال بلاد العرب في القرن الثامن ق. م، كما تدلنا على ذلك النصوص الآشورية١، بينما نحن الآن نتحدث عن حمير في فترة تقرب من الميلاد بقليل أو كثير، وأما أنه كان في عصر إبراهيم ﵇، فتلك مبالغة، بخاصة إذا ما علمنا أن الخليل كان يعيش في الفترة "١٩٤٠-١٧٦٥ق. م"٢، والأمر كذلك بالنسبة لمن جعلوه قبل عاد وثمود، وكذا بالنسبة إلى الفترة التي عاشها في هذه الدنيا. ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى لقب "تبع" -وجمعه التبابعة- والذي ظهر في تلك الفترة، من تاريخ اليمن القديم، وهو لقب مجهول الأصل كان يطلق على الملوك٣، ومن ثم فقد أصبح المؤرخون والمفسرون في حيرة من تفسير المراد به، فهناك من يرى أن الملوك قد سموا به لأنهم إنما كانوا يتبعون بعضهم البعض الآخر في الملك وفي السيرة، وهناك من يرى أن "التبع" ملك يتبعه قومه ويسيرون تبعًا له، أو لكثرة أتباعه أو من التتابع٤، ولست أظن أنهم كانوا في ذلك يختلفون عن غيرهم من الملوك، فالملكية بطبيعتها نظام وراثي، ثم إن الملك إنما يتبعه قومه، لأنه صاحب الأمر فيهم، كما أن أتباعه لا بد وأن يكونوا من الكثرة بحيث يكونون ممكلة. وهناك من يفرق بين لقب "تبع" ولقب "ملك"، فذهب إلى أن اللقب الأول لا يلقب به إلا من يملك اليمن والشحر وحضرموت، وقيل حتى يتبعهم "بنو جشم بن عبد شمس"، فإن لم يكن كذلك فهو ملك، وليس تبعًا٥، وأن أول من حمل لقب "تبع" إنما كان "الحارث بن ذى شم" "الرائش"، وأن هذا اللقب قد استمر حتى زال سلطانهم حين استولت الحبشة على اليمن٦، ولعلهم في هذا

стр. 342

إنما يقصدون أن لقب "تبع" إنما هو أعظم من لقب "ملك"، ومن ثم فإنهم في هذا لم يجانبوا الصواب كثيرًا بالنسبة إلى تاريخ اليمن، فلقد رأينا من قبل -كما في أربع وسمعاي وغيرهما- كثيرًا من مشايخ القبائل والمشيخات الصغيرة، الذين انتحلوا لقب "ملك"، دون أن يكون لديهم شيئًا من مقومات الملكية المعروفة. على أن أسوأ ما في الأمر، مبالغة الأخباريين فيمن أرسلهم الله، ، من المصطفين الأخيار للتبابعة، فيذهب البعض منهم إلى أنهم كانوا اثني عشر ألف نبي، وإن تواضع البعض، فجعلهم ثلاثة عشر نبيًّا١، وأن واحدًا من التبابعة قد صنع "الماذيات" من الحديد، قيل إن الحديد إنما قد سخر له، شأنه في ذلك شأن داود عليه السلام٢. هذا وقد تحدث القرآن الكريم عن التبابعة، فقال : ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ٣، وقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ٤، إلا أن القرآن الكريم لم يحدد اسم هذا آل "تبع"، ومن ثم فقد اختلف المفسرون فيه، فرأى بعضهم أنه من حمير، وأنه حَيَّرَ الحيرةَ، وأتى سمرقند فهدمها، وذهب بعض آخر إلى أن "تبعًا" إنما كان رجلا صالحًا من العرب، وإنه لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك؛ لأنه فارق دينهم، وانتهى الأمر بأن تحاكموا إلى النار، فانتصر الرجل على قومه الوثنيين، ومن ثم فقد تهودت حمير، وهدم تبع "بيت رئام"٥، على أن الرواية نفسها، إنما رويت كذلك عن "تبان أسعد أب كرب"٦ وعلى أي حال فإن هناك من يروي عن مولانا وسيدنا رسول الله ﷺ

стр. 343

وسلم- أنه قال: "لا تسبوا تبعًا فإنه كان قد أسلم" ١. ومن يروي أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قال: "ما أدري أكان تبعٌ نبيًّا أم غير نبي"٢. ولعل من الغريب أن نصوص المسند لم يرد فيها ذكر لكلمة "تبع"، بمعنى "ملك"، أو حتى بمعنى آخر يفيد معنى الرياسة، وإنما كان القوم يستعملون بدلا عنها كلمة "ملك"، ومن ثم فقد ذهب بعض العلماء إلى أن كلمة "تبع"، ربما كان المقصود بها "بتع" -وهو اسم لقبيلة همدانية٣- ثم حرفت الكلمة إلى "تبع"٤، على أننا لا نستطيع أن نطمئن إلى هذا الاتجاه، فقد تكشف الحفريات عن نصوص ترد فيها هذه اللفظة بالمعنى المتعارف عليه، أو بمعنى آخر. وأما موطن الحميريين، فقد كان إلى الشرق من القسم الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية، حيث يكون جزءًا من أرض قتبان، فيقع إلى الجنوب من أرض "رشاوي" و"حبان" وإلى الغرب من حضرموت، وإلى الشرق من "ذياب" وتكون أرض "يافع" الموطن القديم للحميريين قبل هجرتهم حوالي عام ١٠٠ قبل الميلاد، إلى مواطنهم الجديدة، حيث حلوا في أرضين" "دهس" ,"رعين" مكونين حكومة "ذي ريدان"، ومتخذين من "ظفار" عاصمة لهم، وأما المصادر العربية فيفهم منها أن الحميريين إنما كانوا يقطنون منطقة "لحج" في ظفار، وفي "سرو حمير" و"نجد حمير٥". ورغم أن هناك من يرى أن الحميريين فرع من السبئيين٦، أو على الأقل يمتون إليهم بصلة قوية، وأن لغتهم ليست إلا لهجة من لغتي سبأ ومعين٧، فإن

стр. 344

العلاقات بين سبأ وحمير كان يسودها طابع العداء في أغلب الأحايين، وكثيرا ما أشارت الكتابات السبئية إلى ذلك١. وعلى أي حال، فهناك ما يشير على أن الحميريين قد استولوا على مأرب -العاصمة السبئية العتيقة-، وربما استغلوا فرصة الضعف التي سادت البلاد في أعقاب حملة "إليوس جالليوس" الفاشلة، على رأي، وفي حوالي عام ١١٠م، على رأي آخر، ومن ثم فقد غير أحد ملوكهم-مجاراة، وربما منافسة لملوك سبأ الشرعيين- لقبه من "ذي ريدان" إلى "ملك سبأ وذي ريدان"، وأعادوا إليه لقبه ونفوذه، وإن ظل الحميريون محتفظين بلقبهم الجديد، ومن ثم فقد رأينا ملكين -الواحد سبئي والآخر حميري- وكل منهما يزعم أنه "ملك سبأ وذي ريدان"٢، هذا ويذهب "فون فيسمان" -اعتمادًا على نقش جام ٦٥٣- إلى أن الحميريين قد أعادوا الكرة واستولوا على مأرب مرة أخرى، حوالي عام ٢٠٠م، أو عام ٢١٠م٣. وأما أول من حمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات" فهو "شمر يهرعش" حوالي عام ٢٩٠، ويبدو أن الرجل قد اتصل بالحكم منذ أيام أبيه "ياسر يهنعم"، كما تشير إلى ذلك نصوص كثيرة، ومنها نص يرجع إلى عام ٢٧٦م، كما تدلنا كذلك النصوص التي ترجع إلى أيام أبيه، على أنه قد شارك في الحرب التي نشبت في تلك الفترة. ويحتل "شمر يهرعش" في قصص الأخباريين مكانة قد تفوق مكانة أبيه، فهو عندهم "تبع" الذي جاء ذكره في كتاب الله الكريم، لأنه "لم يقم للعرب قائم قط أحفظ لهم منه، فكان جميع العرب -بنو قحطان وبنو عدنان- شاكرين لأيامه، وكان أعقل من رأوه من الملوك، وأعلاهم همة وأبعدهم غورًا، وأشدهم مكرًّا لمن حارب، فضربت به العرب الأمثال"٤.

стр. 345

ويزعم الأخباريون أن صاحبنا "شمر يهرعش"، علم أن الصفد والكرد وأهل نهاوند ودينور، قد هدموا قبر أبيه "ناشر النعم" فأقسم "ليرفعن ذلك القبر بجماجم الرجال حتى يعود جبلا منيفًا شامخًا كما كان"، وهكذا زحف بجيوشه إلى أرمينية وهزم الترك وهدم المدائن بدينور وسنجار، ودخل مدينة الصفد وراء جيحون وهدمها فسميت "شمركند" -أو "شمر كنداي" عند الفرس، من "شمر" أي خرب، في زعمهم- ثم عربت إلى سمرقند، أو لأن شمر هدمها، ثم أمر ببنائها فسميت به١. ويبلغ الخيال بالإخباريين، حين يزعمون أن "شمهر يهرعش"- أو شمر يرعش كما يدعونه٢، قد وصل بفتوحاته إلى الصين، وأنه ترك هناك بعضًا من جنوده، ثم ينتقلون به فجأة من الصين إلى مصر فالحبشة، ثم يعودون به مرة ثانية إلى المشرق، حيث يقيم فترة في مدينة "شداد بن عاد"، التي لا ندري عنها شيئًا، وأخيرًا يعودون به إلى اليمن، فيقيم في قصر غمدان، وبعد ذلك كله، لا يرضى له الإخباريون إلا بملك الأرض كلها، وإلا بعمر لا يقل عن ألف وستين عامًا٣. هذا إلى أن الرجل -فيما يزعمون- كان أول من أمر بصناعة "الدروع السوابغ المفاضة التي منها سواعدها وأكنها وهي الأبدان"، فضلا عن آلاف الدروع التي فرضها على الفرس والروم واليمن، وكذا على بابل وعمان والبحرين، ولم ينس الإخباريون أن يتحدثوا عن حكمته وشعره، بل إن البعض منهم قد ذهب به الخيال إلى الحد الذي رأى في أهل التبت، وكأنهم بقية من جنود شمر يهرعش، فزيهم زي العرب، وأخلاقهم أخلاق العرب، وهم معترفون بأنهم من العرب ثم من اليمن٤.

стр. 346

وبدهي أن كل هذا من اختراع، "ابن منبه" ومن نحا نحوه من الأخباريين، فليس في آثار اليمن نفسها -والتي ترجع إلى عهد شمر يهرعش- ما يدل على ذلك، كما أن الأمم الأخرى التي تحدث عنها الإخباريون، وكأنها قد خضعت له، لم يعرف تاريخها حتى اسم "شمر يهرعش" هذا، بل إن النصوص لتشير إلى أن "امرأ القيس بن عمرو" ملك الحيرة، قد هدد "شمر يهرعش في دولته ذاتها، حتى أن قواته قد وصلت إلى نجران، كما سوف نشير فيما بعد، ومع ذلك فربما كانت هذه الروايات عن فتوحاته في المشرق والمغرب، إنما هي تعبير عن أصداء فتوحاته في اليمن في سبيل توحيدها تحت سلطانه١. وعلى أي حال، فالرجل عظيم ما في ذلك من شك، وأنه أدى دورًا من أهم الأدوار في تاريخ اليمن القديم، ما في ذلك من شك كذلك، وأن الأحداث التي ترجع إلى أيامه، إنما تدل بوضوح على أنه كان كذلك، ولعل من الأفضل لنا أن نقسمها إلى قسمين، الواحد: يتصل بالفترة التي كان يلقب فيها بلقب "ملك سبأ وذي ريدان"، والآخر: يرجع إلى تلك الفترة التي حمل فيها لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات". وهناك من الفترة الأولى نقش عرف بـ "جلازر ٥٤٢"ويتصل بالتشريعات الخاصة بأهل مأرب ومجاوراتها، فيما يتصل ببيع المواشي والرقيق، فلقد حددت تلك التشريعات فترة شهر يصبح بعدها البيع نهائيًّا، كما حددت كذلك فترة تتراوح ما بين عشرة أيام وعشرين يومًا يجوز فيها رد المبيع للبائع، فإن هلك الحيوان بعد أيام سبعة من شرائه، وجب على المشتري دفع ثمنه كاملا٢. ويشير نص "شرف الدين ٤٢" أن واحدًا من قواد "شمر يهرعش" "لعله ريمان ذو حزفر"، قد غزا مناطق على ساحل الخليج العربي كانت تخضع وقت ذاك لفارس، وأعني بذلك قبائل تنخ أو تنوخ في الإحساء الحالية، وقطو، أي القطيف

стр. 347

في الوقت الحاضر١، إلا أن مكتشف النص- الزميل الأستاذ أحمد حسين شرف الدين- يذهب إلى أن الملك "شمر يهرعش" نفسه، هو الذي قاد جيشه إلى الشمال، فعبر بلاد الأزد، واجتمع مع ملكها "مالك بن الكلاع"، ثم سار إلى الشمال حتى بلغ "قط وصف" و"كوك" حاضرتي مملكة فارس وأرض تنوخ٢، وفي هذا الوقت كان "أذينه" ملك تدمر، يقوم بحملاته ضد "سابور الأول" ٢٤١-٢٧٢م" ملك فارس، وحاصر المدائن "طيسفون" التي أشير إليها في النص الآنف الذكر باسم "قط وصف"، ومن ثم فربما استعان "أذينة" -الموالي للروم- بالملك "شمر يهرعش" في محاربة الفرس الذين تغلبوا على الروم في معركة "اديسا" عام ٢٦٠م٣. وعلى أي حال، فإننا نستطيع أن نستنتج من النص عدة نتائج، منها "أولًا" أن شمر يهرعش يجب أن يكون -طبقًا لرواية الأستاذ شرف الدين- قد بدأ حكمه قبل عام ٢٦٠م٤، ومنها "ثانيًا" أنه لابد وأن يكون على علاقات طيبة بأعراب "نجد" -وبخاصة سادة كندة- ذلك لأن أعراب نجد هؤلاء كانوا يقيمون وقت ذاك في الخرج والأفلاج، كما أن الأخيرة كانت تعد من مواطن كندة منذ أيام "شعر أوتر" في حوالي عام ١٨٠م، وحتى أيام "الشرح يحصب" الثاني في حوالي عام ٢١٠م -طبقًا لتقدير فون فيسمان- كما أن "بليني" قد تحدث عن "آل ثور في عين الجبل"، و"آل ثور" هم "كندة فيما يرى الأخباريون٥، ومنها "ثالثًا" لعل هذه الأحداث ربما كانت هي السبب في أن الروايات العربية ذهبت إلى أن الرجل قد غزا فارس، وإن كانت هذه الروايات قد بالغت بدرجة غير مقبولة، حتى غدت أقرب إلى القصص منها إلى حقائق التاريخ، بخاصة وأن هناك من يعتبر الحملة إنما كانت مهمة سياسية أكثر منها حربية٦.

стр. 348

وأيًّا ما كان الأمر، فإننا نقرأ في نقش "Cih ٤٠٧" عن حرب شنها "شمر يهرعش" على قبائل تهامة في غربي اليمن، والتي شملت عسير وصبية -بين بيش ووادي سهام -وأن جيوش الملك الحميري قد انتصرت على هذه القبائل برًّا، ثم سرعان ما طاردتهم في البحر، حيث أوقعت بهم خسائر فادحة، وربما كان ذلك يشير إلى أن أولئك المهزومين إنما كانوا من الأحباش الذين كانوا يحكمون ساحل تهامة، وأن المعركة إنما دارت في البحر الأحمر١، وأن "شمر يهرعش" قد استعان بقبيلة "سردود" في قتالهم، وأن هذه المعارك ربما كانت السبب في تدخل الأكسوميين مرة أخرى في شئون العربية الجنوبية، كما يفهم من دراسة النقود، وإن كانت النقوش لا تقدم لنا عونًا في تفهم الأحداث وقت ذاك٢، وأخيرًا فهناك نصوص أخرى، ومنها "جام ٦٤٩-٩٥١-٩٥٣"، تشير إلى حروب انتصر فيها "شمر يهرعش" على المناوئين لحكمه٣. وفي النصف الثاني من عهد "شمر يهرعش" نرى أن الملك الحميري يطلق على نفسه لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات"، ويدل هذا اللقب الجديد على أن "شمر يهرعش" قد استولى على حضرموت، أو على الأقل على الجزء الأكبر منها٤، أما يمنات -فكما أشرنا من قبل- ربما كانت اسمًا عامًا أطلق على السواحل الجنوبية٥، وربما كانت الأرضون التي تكون القسم الجنوبي من مملكة حضرموت، ويعتمد "فون فيسمان" -في رأيه هذا- على وجود عاصمتين لحضرموت وقت ذاك، الواحدة "شبوة"، والأخرى "ميفعة"، مما يدل على انقسام الدولة إلى قسمين، شمالي ويدعى حضرموت، وجنوبي ويدعى "يمنات" "اليمن"٦. هذا وقد حكم "شمر يهرعش" في الفترة" ٢٧٠-٣١٠م"٧، وإن كان

стр. 349

"فون فيسمان" يذهب إلى أن النصف الثاني من عهده، إنما كان في الفترة "٢٨٥-٢٩١"، أو في الفترة "٣١٠-٣١٦م"، وأنه كان يعاصر "امرأ القيس بن عمرو" ملك الحيرة "٢٨٨-٣٢٨م" وصاحب نقش النمارة١، والذي أخضع عدة قبائل منها "مذحج ومعد وأسد ونزار"، حتى وصل إلى نجران٢. ولعل من الأفضل هنا أن نعود إلى النص نفسه، حيث نقرأ "تي نفس مر القيس بر عمرو ملك العرب كله ذو أسر التج، وملك الأسدين ونزار وملوكهم، وهرب محجو عكدي وجا بزجي في حبج نجرن مدينت شمر، وملك معدو، وبين بنيه الشعوب، ووكلهن فرسو لروم، فلم يبلغ ملك مبلغه، عكدي هلك سنت ٢٢٣ يوم ٧ بكسلول، بلسعد ذو ولده". وترجمته إلى لغة مفهومة قد تكون على النحو التالي: "هذا جسمان امرئ القيس بن عمرو ملك العرب جميعًا، الذي عقد التاج وملك قبيلتي أسد ونزار وملوكهم، وصد بني محج؟ حتى اليوم، وجاء بنجاح إلى حصار نجران عاصمة شمر، وملك قبيلة معد، وقسم على أبنائه الشعوب، وجعلها فرسانًا للروم، فلم يبلغ ملك مبلغه حتى اليوم، ومات سنة٢٢٣، يوم ٧ من شهر كسلول، السعادة لأولاده"٣. ومن أسف أن النص لا يشير إلى بقية "اسم "شمر" صاحب مدينة نجران، لنعرف من كان "شمر" هذا، وإن كان قد أشار إلى أن قتالا دار حول نجران بين قوات امرئ القيس وقوات شمر، وأن النصر كان من نصيب الأولين، فإذا كان صحيحًا ما ذهب إليه "فون فيسمان" من أن "شمر يهرعش" كان يعاصر امرئ القيس ملك الحيرة، فإن هذا يعني -فيما يرى الدكتور جواد علي- أن بلاد العرب

стр. 350

كانت في أوائل القرن الرابع الميلادي ميدانًا للتسابق بين هذين الرجلين القويين، وأن العرب قد انقسموا إلى حزبين: عرب شماليين، وعرب جنوبيين، وأن امرأ القيس، كان قد توغل في بلاد العرب حتى بلغ نجران، وأعالي العربية الجنوبية، وأخضع القبائل العربية المذكورة في النص، التي يرى النسابون أنها قبائل عدنانية في غالبيتها، وأن وصول امرئ القيس إلى حدود العربية الجنوبية من ناحية الشمال، قد جعله وجهًا لوجه أمام "شمر يهرعش"، ومن ثم فقد بدأ النزاع بين الرجلين١. وعلى أي حال، فليس بعيدًا أن يحدث صدام بين امرئ القيس وشمر يهرعش، أو بأي ملك آخر يملك نجران، ما دام الأول قد حكم قبائل معد التي تسكن الحجاز ونجد، وتتصل منازلها بتخوم نجران، وقد خضعت معد لنفوذ الحيرة، لأن نص شمعون من "بيت رشام" يذكر الأعراب الشماليين والمعديين في معسكر المنذر الثالث ملك الحيرة، والأمر كذلك بالنسبة إلى نص "مريغان"٢. هذا وقد استدل بعض الباحثين من نص "ريكمانز ٥٣٥" أن "مر القيس بن عمرو ملك خصصتين" إنما هو "امرؤ القيس البدء" ملك الحيرة، كما أن هناك من يرى أن "شمر ذي ريدان" المذكور في النص، إنما هو "شمر يهرعش"، اعتمادًا على ورود الاسمين "شمر ذي ريدان، وشمر يهرعش" في وثيقتين مدونتين في معبد الإله المقة بأوام في مأرب، ومؤرختين بسنتي "تبع كرب بن ودد إل بن حزفر"، الثالثة والسادسة، ومن ثم فإن "مالك" ملك كندة كان معاصرًا لكل من امرئ القيس وشمر يهرعش٣، وبالتالي فإن هذه النتائج تتعارض وما ذهب إليه الأستاذ "شرف الدين" من أن "شمر يهرعش" قد حكم قبل عام ٢٦٠م، وأنه ساعد "أذينة" ملك تدمر في حروبه ضد الفرس٤- كما أشرنا من قبل- وأيًّا ما كان الأمر، فإننا لا نملك دليلا على أن حربًا دارت رحاها بين امرئ القيس ملك الحيرة، وشمر يهرعش، غير أن نص "جام ٦٥٨"، فيما يرى البعض،

стр. 351

إنما يشير إلى حرب بين الرجلين دارت رحاها في "وادي عتود"١، هذا ورغم أننا لا نعرف كذلك كيف استطاع "شمر يهرعش" ضم حضرموت إلى سبأ؟ فإن هناك من يرى أن ذلك قد تم في القرن الرابع الميلادي، وقبل استيلاء الحبشة على العربية -للمرة الأولى-٢ بزمن قصير، كما أن نقش "جام ٦٥٦" قد أشار إلى حرب استعر أوارها بين حضرموت، و"شمر يهرعش" في "وادي السر" "سررن" -على مبعدة سبعة كيلو مترات من وادي شبام- وأن شمر يهرعش قد لقب في هذا النص بلقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات"، وأن نص "جام ٦٦٢" يشير إلى أن "شبوه" كانت تحت سيادة سبأ، وأن الملك السبئي قد عين عليها حاكمًا من أشراف سبأ، وأن نص "Cih ٩٤٨" يشير إلى انتصار "شمر يهرعش" على "شرح إيل" ملك حضرموت، كما أن اسم "شمر يهرعش" جاء في النص شمر يرعش، كما يكتبه الأخباريون٣. ويختلف المؤرخون فيمن خلف "شمر يهرعش"، فذهب "فلبي" إلى أنه "يرم يهرحب" وأنه حكم حوالي عام ٣١٠م، وربما كان ابنًا له٤، وأما "فون فيسمان" فالرأي عنده أنه ولده "ياسر يهنعم"، ولقبه بالثالث، تمييزًا له عن جده، وعن "ياسر يهنعم" الأول، الذي عاش قبله بفترة٥، هذا ويذهب "ريكمانز" أن "ياسر يهنعم، ولقبه بالثالث، تمييزًا له عن جده، وعن "ياسر يهنعم" هذا لم يكن ابنًا لشمر يهرعش، وإنما كان أخوه، وأنهما قد حكما معا حكمًا مشتركا، ثم انفرد "شمر يهرعش" بالعرش، وعند وفاته عاد العرش مرة ثانية إلى أبيه، فأشرك معه ابنه الآخر "ثران أيفع"، ثم ابنه الثالث "ذرأ أمر أيمن"، ويعارض "فون فيسمان" هذا الاتجاه فهو أمر لم يسبق له مثيل "أولًا"، ولأن "ياسر يهنعم" يكون قد عاش فترة طويلة، "ثانيًا"٦, وعلى أي حال، فلقد رأى "فون فيسمان" أن "ياسر يهنعم" وابنه "ثاران أيفع"

стр. 352

قد حكما في الفترة من "٣١٠-٣٢٠م" ثم خلفهما "ثاون يركب" "٣٢٠-٣٣٠م"، وأما "ألبرت جام" فقد ذهب إلى ما ذهب إليه "ريكمانز" من قبل، مع قليل من التغيير في الفترة التي تلت موت "شمر يهرعش"، وتقديم فترة اشتراك حكم "ذرأ أمر أيمن" مع أبيه، على فترة اشتراك أخيه "ثاران أيفع" مع أبيه كذلك، وأن الفترة الأولى كانت "٣٠٥-٣٢٠م" وأن الثانية كانت "٣٢٠-٣٢٥م"١. ونقرأ في نقش "جام ٦٦٥" عن حرب خاض غمارها أعراب من سبأ ومن كندة، فضلا عن أشراف من "أبعل" و"نشق" و"نشان"، بأمر من الملكين "ذرأ أمر أيمن" وأبيه "ياسر يهنعم"- اللذين جاء اسم كل منهما في النقش -في أرض حضرموت، وقد اشترك معهم ٧٥٠ من راكبي الجمال، وسبعون من الفرسان، فضلا عن المشاة، وقد تمكن قائد الحملة "سعد تالب" من إحراز النصر في عدة مواقع -في أرك ودهر ورخيت وأعين خرص٢- وربما تشير هذه الحروب إلى انفصال حضرموت وسهرت "سهرتن" عن سبأ، هذا وقد استعان الجيش، كذلك السيطرة على سواحل جنوب غرب الجزيرة العربية، كما أن رؤساء القبائل قد انتهزوا فرصة الاضطرابات هذه فأقاموا حكومات إقطاعية، مما يدل على أن هذا العهد، إنما كان من عهود الضعف في حكومة "سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات"٣. وهذا ويذهب "ألبرت جام" إلى أن "كرب إيل وتار يهنعم" قد خلف "ثاران أيفع" وحكم في الفترة "٣٢٥-٣٣٠م"، ثم جاء بعده "ثاران يركب ""٣٣٠-٣٣٥م"، ثم "ذمار علي يهبر الثاني "٣٣٥-٣٤/" ثم "ثاران يهنعم" الذي تلاه "ملكيكرب يهأمن"، ثم "أب كرب أسعد و"ذرأ أمر أيمن"٤. وأما "فون فيسمان" فقد وضع ذمار علي يهبر" بعد "ثاران يركب"، ثم عاد فوضع "ذمار علي يهبر" مع ابنه "ثاران يهنعم"، وحددها لهما فترة حكم مشترك

стр. 353

"٣٤٠-٣٥٠م"، ثم "ثاران يهنعم" مع ابنه "ملكيكرب يهأمن"، ثم "ملكيكرب يهأمن"، مع ابنيه "أب كرب أسعد"و"ذرأ أمر أيمن"، ثم انفرد "أب كرب أسعد" مع ابنه "حسن يهأمن"، حوالي عام ٤٠٠م١. ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن نصوص "جام ٦٦٩، ٦٧٠، ٦٧١"، هي آخر النصوص التي نقرأ فيها اسم الإله الموقاة، إله سبأ الكبير، وقد عثر عليها في معبده المعروف بـ "أوام" في مأرب، وترجع إلى أيام "ثاران يهنعم" وابنه "ملكيكرب يهأمن"٢، وليس من شك في أن هذا إنما يشير إلى إعراض القوم منذ ذلك العهد -وبداية عصر الديانات السماوية، بل إن الملك "ملكيكرب يهأمن" قد تجاهل المقة ولم يتقرب إليه -كما كان يفعل أسلافه- وإنما بدأ يتقرب إلى الإله "ذي سموي" "رب السماء"، مما يدل على أن عقيدة التوحيد إنما بدأت تأخذ طريقها إلى ملوك سبأ، منذ اختفاء الآلهة الوثنية، أمام رب السموات، الأمر الذي لم يحدث فجأة، وإنما كان عبارة عن تطور يتصل بالمعبود الذي كان يقدس إلى جانب "تالب"، واسمه "ذو سماوي"، وكذا "الله" سيد السموات والأرض، ثم بعد ذلك سرعان ما يظهر "الرحمن" في صورة لا تعدلها تلك الصورة التي نجدها في اليهود المتأخرة٣. وعلى أي حال، فهناك رواية تذهب إلى أن هذا التطور الخطير في الديانة، إنما حدث منذ أيام "ثاران يهنعم" اعتمادًا على رواية "Phiiostorgios" التي ذهب فيها إلى أن "ثيوفيلوس" قد نجح في تنصير الحميريين، وبناء كنائس في ظفار وعدن، وأن الإمبرطور البيزنطي "قسطنطين الثاني" "٣٥٠-٣٦١م" هو الذي أرسل الرسل إلى اليمن للدعوة إلى النصرانية، ومن ثم فإن "ثاران يهنعم" -طبقًا لهذه الرواية- هو الذي هجر دينه الوثني واعتنق النصرانية٤، اعتمادًا على أن

стр. 354

الكتابة التي جاء فيها اسم الإله "ذي سموي"، والتي عثر عليها خارج "ظفار"، إنما ترجع إلى عهد قريب من عهد "ثاران يهنعم"، أي إلى حوالي عام ٣٧٨، أو عام ٣٨٤، وبعبارة أخرى إلى عهد ابنه "ملكيكرب يهأمن"، وقد جاء فيها اسم ولديه "أب كرب أسعد"و"ذرأ أمر أيمن" كشريكين له في العرش١. وعلى أي حال، فهناك من يذهب إلى أن "ثيوفيلوس" لم يكتب له نجحا يستحق التقدير في مهمته في اليمن بسبب تدخل الفرس -أعداء الروم- في تلك الفترة في شئون اليمن، وتحريضهم اليمنيين على مقاومة نفوذ الرومان في بلادهم٢. ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن "سد مأرب" قد أصابه تصدع أدى إلى سقوط أجزاء منه، وأن المكان "ثاران يهنعم" قد قام بإصلاحه، وإعادته إلى حالته الأولى٣. هذا ونشير كذلك إلى أن اسم "ملكيكرب يهأمن" قد جاء محرفًا في المصادر العربية، فهو عند "حمزة الأصفهاني" "كلي كرب بن تبع" وقد حكم ٣٥ عامًا٤، وهو عند "ابن جرير" "ملكي كرب تبع بن زيد بن عمرو بن تبع"٥، وهو عند القلقشندي "كليكرب بن تبع الأقرن"، وقد حكم ثلاثًا وخمسين سنة أو ثلاثًا وستين سنة، بعد "شمر مرعش" "شمر يهرعش" وأن اسمه "زيد بن شمر"، وقد عرف بالأقرن لشامة كانت في قرنه٦، وهو عند ابن الأثير "ملكيكرب تبع زيد بن عمرو بن تبع"٧، وهو عند المسعودي، "كليكرب بن تبع"٨، وهو عند اليعقوبي "ملكيكرب بن تبع"٩، وهو عند نشوان الحميري "ملكي كرب" وهو الرائد بن تبع الأقرن بن شمر يرعش١٠.

стр. 355

وأيًّا ما كان الأمر، فلقد جاء بعد "ملكيكرب يهأمن" هذا، ولده "أب كرب اسعد" وربما كان هو "أسعد كامل تبع" الذي يروي الإخباريون أنه أول من تهود من التبابعة، ثم نشر اليهودية بين اليمنيين في قصة طريفة، يذهبون فيها إلى أنه كان قد قدم المدينة المنورة غازيا بعد عودته من المشرق، ربما لأن القوم قد قتلوا ولده الذي كان قد خلفه فيهم وهو في طريقه إلى المشرق، وربما لأن رجلا من بني عدي ابن النجار عدا على رجل من أصحابه فقتله، وربما لأنه جاء لنصرة الأوس والخزرج من أبناء عمومته على اليهود، وهنا جاءه "حبران من يهود بني قريظة" ينهيانه عن تدمير المدينة، لأنها سوف تكون مهاجر نبي سوف يخرج من قريش -دعوه أحمدا مرة، ومحمدا مرة أخرى- وهكذا صرف الحبران تبعا عن تدمير المدينة، فضلا عن إيمانه بدينهما، وقوله شعرًا في النبي ﷺ متمنيا فيه أن يعيش حتى يراه، فيكون له وزيرا وابن عم، فضلا عن القتال إلى جانبه، لأنه كان على علم بما سيلاقيه الرسول ﵊ من قومه من أذى، ثم أودع هذا الشعر عند أهل يثرب ودفعه إلى كبيرهم، وأن القوم كانوا يتوارثونه كابرا عن كابر إلى عهد النبوة١. ويتجه "أب كرب أسعد" صوب مكة في طريقه إلى اليمن، حتى إذا ما كان بين "عسفان" و"أمج" أتاه نفر من "هذيل" يغرونه بسلب البيت الحرام، ويستفتي "تبع" أحبار يهود فيصدقونه النصح قائلين: "ما نعلم بيتًا لله اتخذه في الأرض لنفسه غيره"، ومن ثم فإنه إن سلبه كان هلاكه فيه، ويعلم الرجل أن الصدق ما نصحا به الحيران اليهوديان، فينتقم من هذيل، ثم يمضي إلى مكة فيطوف بالبيت وينحر الذبائح، ثم يقيم بمكة ستة أيام، يرى أثناءها -فيما يرى النائم- وكأنه يكسو البيت الحرام، وتتكرر الرؤيا ثلاث ليال، ويفعل "تبع" ما أمر به في منامه، ومن ثم يصبح أول من كسا البيت، ثم يعود إلى اليمن فتتكرر قصة تهوده
следующие страницы →