إنما يشير إلى حرب بين الرجلين دارت رحاها في "وادي عتود"١، هذا ورغم أننا لا نعرف كذلك كيف استطاع "شمر يهرعش" ضم حضرموت إلى سبأ؟ فإن هناك من يرى أن ذلك قد تم في القرن الرابع الميلادي، وقبل استيلاء الحبشة على العربية -للمرة الأولى-٢ بزمن قصير، كما أن نقش "جام ٦٥٦" قد أشار إلى حرب استعر أوارها بين حضرموت، و"شمر يهرعش" في "وادي السر" "سررن" -على مبعدة سبعة كيلو مترات من وادي شبام- وأن شمر يهرعش قد لقب في هذا النص بلقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات"، وأن نص "جام ٦٦٢" يشير إلى أن "شبوه" كانت تحت سيادة سبأ، وأن الملك السبئي قد عين عليها حاكمًا من أشراف سبأ، وأن نص "Cih ٩٤٨" يشير إلى انتصار "شمر يهرعش" على "شرح إيل" ملك حضرموت، كما أن اسم "شمر يهرعش" جاء في النص شمر يرعش، كما يكتبه الأخباريون٣.
ويختلف المؤرخون فيمن خلف "شمر يهرعش"، فذهب "فلبي" إلى أنه "يرم يهرحب" وأنه حكم حوالي عام ٣١٠م، وربما كان ابنًا له٤، وأما "فون فيسمان" فالرأي عنده أنه ولده "ياسر يهنعم"، ولقبه بالثالث، تمييزًا له عن جده، وعن "ياسر يهنعم" الأول، الذي عاش قبله بفترة٥، هذا ويذهب "ريكمانز" أن "ياسر يهنعم، ولقبه بالثالث، تمييزًا له عن جده، وعن "ياسر يهنعم" هذا لم يكن ابنًا لشمر يهرعش، وإنما كان أخوه، وأنهما قد حكما معا حكمًا مشتركا، ثم انفرد "شمر يهرعش" بالعرش، وعند وفاته عاد العرش مرة ثانية إلى أبيه، فأشرك معه ابنه الآخر "ثران أيفع"، ثم ابنه الثالث "ذرأ أمر أيمن"، ويعارض "فون فيسمان" هذا الاتجاه فهو أمر لم يسبق له مثيل "أولًا"، ولأن "ياسر يهنعم" يكون قد عاش فترة طويلة، "ثانيًا"٦,
وعلى أي حال، فلقد رأى "فون فيسمان" أن "ياسر يهنعم" وابنه "ثاران أيفع"
стр. 352
قد حكما في الفترة من "٣١٠-٣٢٠م" ثم خلفهما "ثاون يركب" "٣٢٠-٣٣٠م"، وأما "ألبرت جام" فقد ذهب إلى ما ذهب إليه "ريكمانز" من قبل، مع قليل من التغيير في الفترة التي تلت موت "شمر يهرعش"، وتقديم فترة اشتراك حكم "ذرأ أمر أيمن" مع أبيه، على فترة اشتراك أخيه "ثاران أيفع" مع أبيه كذلك، وأن الفترة الأولى كانت "٣٠٥-٣٢٠م" وأن الثانية كانت "٣٢٠-٣٢٥م"١.
ونقرأ في نقش "جام ٦٦٥" عن حرب خاض غمارها أعراب من سبأ ومن كندة، فضلا عن أشراف من "أبعل" و"نشق" و"نشان"، بأمر من الملكين "ذرأ أمر أيمن" وأبيه "ياسر يهنعم"- اللذين جاء اسم كل منهما في النقش -في أرض حضرموت، وقد اشترك معهم ٧٥٠ من راكبي الجمال، وسبعون من الفرسان، فضلا عن المشاة، وقد تمكن قائد الحملة "سعد تالب" من إحراز النصر في عدة مواقع -في أرك ودهر ورخيت وأعين خرص٢- وربما تشير هذه الحروب إلى انفصال حضرموت وسهرت "سهرتن" عن سبأ، هذا وقد استعان الجيش، كذلك السيطرة على سواحل جنوب غرب الجزيرة العربية، كما أن رؤساء القبائل قد انتهزوا فرصة الاضطرابات هذه فأقاموا حكومات إقطاعية، مما يدل على أن هذا العهد، إنما كان من عهود الضعف في حكومة "سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات"٣.
وهذا ويذهب "ألبرت جام" إلى أن "كرب إيل وتار يهنعم" قد خلف "ثاران أيفع" وحكم في الفترة "٣٢٥-٣٣٠م"، ثم جاء بعده "ثاران يركب ""٣٣٠-٣٣٥م"، ثم "ذمار علي يهبر الثاني "٣٣٥-٣٤/" ثم "ثاران يهنعم" الذي تلاه "ملكيكرب يهأمن"، ثم "أب كرب أسعد و"ذرأ أمر أيمن"٤.
وأما "فون فيسمان" فقد وضع ذمار علي يهبر" بعد "ثاران يركب"، ثم عاد فوضع "ذمار علي يهبر" مع ابنه "ثاران يهنعم"، وحددها لهما فترة حكم مشترك
стр. 353
"٣٤٠-٣٥٠م"، ثم "ثاران يهنعم" مع ابنه "ملكيكرب يهأمن"، ثم "ملكيكرب يهأمن"، مع ابنيه "أب كرب أسعد"و"ذرأ أمر أيمن"، ثم انفرد "أب كرب أسعد" مع ابنه "حسن يهأمن"، حوالي عام ٤٠٠م١.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن نصوص "جام ٦٦٩، ٦٧٠، ٦٧١"، هي آخر النصوص التي نقرأ فيها اسم الإله الموقاة، إله سبأ الكبير، وقد عثر عليها في معبده المعروف بـ "أوام" في مأرب، وترجع إلى أيام "ثاران يهنعم" وابنه "ملكيكرب يهأمن"٢، وليس من شك في أن هذا إنما يشير إلى إعراض القوم منذ ذلك العهد -وبداية عصر الديانات السماوية، بل إن الملك "ملكيكرب يهأمن" قد تجاهل المقة ولم يتقرب إليه -كما كان يفعل أسلافه- وإنما بدأ يتقرب إلى الإله "ذي سموي" "رب السماء"، مما يدل على أن عقيدة التوحيد إنما بدأت تأخذ طريقها إلى ملوك سبأ، منذ اختفاء الآلهة الوثنية، أمام رب السموات، الأمر الذي لم يحدث فجأة، وإنما كان عبارة عن تطور يتصل بالمعبود الذي كان يقدس إلى جانب "تالب"، واسمه "ذو سماوي"، وكذا "الله" سيد السموات والأرض، ثم بعد ذلك سرعان ما يظهر "الرحمن" في صورة لا تعدلها تلك الصورة التي نجدها في اليهود المتأخرة٣.
وعلى أي حال، فهناك رواية تذهب إلى أن هذا التطور الخطير في الديانة، إنما حدث منذ أيام "ثاران يهنعم" اعتمادًا على رواية "Phiiostorgios" التي ذهب فيها إلى أن "ثيوفيلوس" قد نجح في تنصير الحميريين، وبناء كنائس في ظفار وعدن، وأن الإمبرطور البيزنطي "قسطنطين الثاني" "٣٥٠-٣٦١م" هو الذي أرسل الرسل إلى اليمن للدعوة إلى النصرانية، ومن ثم فإن "ثاران يهنعم" -طبقًا لهذه الرواية- هو الذي هجر دينه الوثني واعتنق النصرانية٤، اعتمادًا على أن
стр. 354
الكتابة التي جاء فيها اسم الإله "ذي سموي"، والتي عثر عليها خارج "ظفار"، إنما ترجع إلى عهد قريب من عهد "ثاران يهنعم"، أي إلى حوالي عام ٣٧٨، أو عام ٣٨٤، وبعبارة أخرى إلى عهد ابنه "ملكيكرب يهأمن"، وقد جاء فيها اسم ولديه "أب كرب أسعد"و"ذرأ أمر أيمن" كشريكين له في العرش١.
وعلى أي حال، فهناك من يذهب إلى أن "ثيوفيلوس" لم يكتب له نجحا يستحق التقدير في مهمته في اليمن بسبب تدخل الفرس -أعداء الروم- في تلك الفترة في شئون اليمن، وتحريضهم اليمنيين على مقاومة نفوذ الرومان في بلادهم٢.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن "سد مأرب" قد أصابه تصدع أدى إلى سقوط أجزاء منه، وأن المكان "ثاران يهنعم" قد قام بإصلاحه، وإعادته إلى حالته الأولى٣.
هذا ونشير كذلك إلى أن اسم "ملكيكرب يهأمن" قد جاء محرفًا في المصادر العربية، فهو عند "حمزة الأصفهاني" "كلي كرب بن تبع" وقد حكم ٣٥ عامًا٤، وهو عند "ابن جرير" "ملكي كرب تبع بن زيد بن عمرو بن تبع"٥، وهو عند القلقشندي "كليكرب بن تبع الأقرن"، وقد حكم ثلاثًا وخمسين سنة أو ثلاثًا وستين سنة، بعد "شمر مرعش" "شمر يهرعش" وأن اسمه "زيد بن شمر"، وقد عرف بالأقرن لشامة كانت في قرنه٦، وهو عند ابن الأثير "ملكيكرب تبع زيد بن عمرو بن تبع"٧، وهو عند المسعودي، "كليكرب بن تبع"٨، وهو عند اليعقوبي "ملكيكرب بن تبع"٩، وهو عند نشوان الحميري "ملكي كرب" وهو الرائد بن تبع الأقرن بن شمر يرعش١٠.
стр. 355
وأيًّا ما كان الأمر، فلقد جاء بعد "ملكيكرب يهأمن" هذا، ولده "أب كرب اسعد" وربما كان هو "أسعد كامل تبع" الذي يروي الإخباريون أنه أول من تهود من التبابعة، ثم نشر اليهودية بين اليمنيين في قصة طريفة، يذهبون فيها إلى أنه كان قد قدم المدينة المنورة غازيا بعد عودته من المشرق، ربما لأن القوم قد قتلوا ولده الذي كان قد خلفه فيهم وهو في طريقه إلى المشرق، وربما لأن رجلا من بني عدي ابن النجار عدا على رجل من أصحابه فقتله، وربما لأنه جاء لنصرة الأوس والخزرج من أبناء عمومته على اليهود، وهنا جاءه "حبران من يهود بني قريظة" ينهيانه عن تدمير المدينة، لأنها سوف تكون مهاجر نبي سوف يخرج من قريش -دعوه أحمدا مرة، ومحمدا مرة أخرى- وهكذا صرف الحبران تبعا عن تدمير المدينة، فضلا عن إيمانه بدينهما، وقوله شعرًا في النبي ﷺ متمنيا فيه أن يعيش حتى يراه، فيكون له وزيرا وابن عم، فضلا عن القتال إلى جانبه، لأنه كان على علم بما سيلاقيه الرسول ﵊ من قومه من أذى، ثم أودع هذا الشعر عند أهل يثرب ودفعه إلى كبيرهم، وأن القوم كانوا يتوارثونه كابرا عن كابر إلى عهد النبوة١.
ويتجه "أب كرب أسعد" صوب مكة في طريقه إلى اليمن، حتى إذا ما كان بين "عسفان" و"أمج" أتاه نفر من "هذيل" يغرونه بسلب البيت الحرام، ويستفتي "تبع" أحبار يهود فيصدقونه النصح قائلين: "ما نعلم بيتًا لله اتخذه في الأرض لنفسه غيره"، ومن ثم فإنه إن سلبه كان هلاكه فيه، ويعلم الرجل أن الصدق ما نصحا به الحيران اليهوديان، فينتقم من هذيل، ثم يمضي إلى مكة فيطوف بالبيت وينحر الذبائح، ثم يقيم بمكة ستة أيام، يرى أثناءها -فيما يرى النائم- وكأنه يكسو البيت الحرام، وتتكرر الرؤيا ثلاث ليال، ويفعل "تبع" ما أمر به في منامه، ومن ثم يصبح أول من كسا البيت، ثم يعود إلى اليمن فتتكرر قصة تهوده
стр. 356
مرة ثانية، وهنا يروي الأخباريون حديثا نسبوه -عن طريق أبي هريرة- إلى النبي ﷺ ، يقول فيه: "لا تسبوا أسعد الحميري، فإنه أول من كسا الكعبة"١، ثم وصفوه بعد ذلك بأنه كان ملكًا عظيمًا، شاعرا فصيحًا، عارفا بالنجوم، وهو أحد المعمرين، عمر ثلاثمائة وإحدى وخمسين سنة، وكان ملكه ثلاثمائة وستة وعشرين سنة، وكان مؤمنا بالله٢.
وليس من شك في أن رواء هذا القصص، وغيره من أساطير تمتلئ بها الكتب العربية، كعب الأحبار ووهب بن منبه، وغيرهما من مسلمة أهل الكتاب، وهنا لعل سائلا يتساءل: أكان "تبع" هذا يقول الشعر بلغة قريش، ونحن نعرف -من دراستنا للنصوص القديمة- أنها تختلف كثيرًا عن لغة حمير، حتى ذهب الأمر بعلماء العربية في الإسلام إلى إخراج الحميرية واللهجات العربية الأخرى من العربية، التي جعلوها مقصورة على العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وحتى قال بعضهم: "ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا٣.
ثم كيف عرف الحبران اليهوديان أن هناك نبيا سوف يبعث من قريش، ومبلغ علمي أن التوراة -وكذا التلمود- لم يرد فيهما نص صريح بذلك، صحيح أن هناك نصوصًا تشير إلى مبعث نبي من العرب، وأن الإرهاصات بمولد المصطفى ﷺ كثيرة، وأن البشارات بمولد النبي الاعظم ﵊ أكثر من أن تحصى، بل إن كان ما في بلاد العرب يكاد يشير بالتغيير المنتظر، على يد رسول الله وخاتم النبيين -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- ولكن صحيح كذلك أنها لم تشر إلى أنه من قريش بالذات، وأنه سوف يهاجر إلى المدينة كذلك
стр. 357
بالذات، وأما نص التوراة الذي تحدث عن البشارة بمبعث نبي من العرب، فهو "أقيم لهم نبيًّا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي، أنا أطالبه"١.
ثم أليس من المضحك المبكي، أن يكون اليهود أشد حرصًا على الحفاظ على الكعبة، وأكثر توقيرًا لها، من العرب أنفسهم، بل ألا يتأنى هؤلاء الرواة حين يجعلون من اليهود بالذات، هداة ملوك العرب إلى مكانة الكعبة المشرفة بالذات كذلك، وأن يصرحوا -كما يزعم هؤلاء الرواة- أن الله لم يتخذ له بيتًا في الأرض غيرها، فإذا كان ذلك كذلك، فلم لم يحج اليهود إليها، كما كان يفعل العرب؟ ثم ما هو موقف اليهود بالنسبة إلى هيكلهم المشهور بهيكل سليمان٢، والذي يزعمون له ما يزعمون من قداسة، ما بعدها قداسة؟.
ثم من أين عرف "تبع" هذا، أن النبي ﷺ سوف يسمى "أحمدا" كما جاء في الشعر المنسوب إليه؟ بل إنه يسميه كذلك "المصطفى"٣، على أن رواية ثالثة تسميه "محمدا"٤، ومبلغ علمي أن ذلك لم يرد في نص من النصوص العربية -التي سبقت عصر الرجل أو عاصرته- وإنما جاء ذلك في الإنجيل، كما قال في القرآن الكريم -على لسان المسيح ﵇: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٥.
стр. 358
ثم كيف آمن "تبع" برسول الإسلام الأعظم ﷺ قبل مبعثه بنحو من سبعمائة عام- كما يروي الأخباريون١- ألمجرد أن الحبرين اليهوديين قد أخبراه أن يثرب سوف تكون مهاجرًا لنبي يخرج من قريش؟ لا أظن أن ذلك سببًا كافيًا لإيمانه بنبي كان حتى تلك اللحظة ما يزال في ضمير الغيب، أضف إلى ذلك أن الفترة بين عهد "أب كرب أسعد" وبين مبعث المصطفى، ﷺ ، ليست سبعة قرون بحال من الأحوال، فإذا كان الرجل قد مات في حوالي عام ٤١٥م- أو عام ٤٢٠م، أو حتى عام ٤٣٠م- كما سوف نرى، وإذا كان الرسول ﷺ ، قد انتقل إلى الرفيق الأعلى في يونية ٦٣٢م٢، فإن الفرق بين وفاتهما لا تصل إلى أكثر من قرنين من الزمان.
ومن ثم فأكبر الظن، أن هناك -بجانب الإسرائيليات في هذه الروايات -هدفًا من ورائها، يقصد منه رفع شأن القحطانيين إبان النزاع السياسي بينهم وبين العدنانيين، ومن ثم فإن هذه الروايات جد حريصة على أن تقدم لنا "تبعًا" وقومه في صورة أفضل من صورة العدنايين بصفة عامة، والقرشيين بصفة خاصة، فهم -أي القحطانيين- كانوا "أولًا" أول من قال الشعر في مدح المصطفى ﷺ ، فعل ذلك سبأ، كما أشرنا من قبل، ويفعله الآن "تبان أب كرب أسعد" وهم "ثانيًا" كانوا على علم باسم المصطفى -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- وبعثته، بينما لم يكن العدنانيون يعرفون ذلك حتى ظهور الإسلام، وهم "ثالثًا" قوم مؤمنون، كسوا البيت وعمروه أكثر من مرة، قد قدروا مكانته قبل ظهور الإسلام بقرون، حتى إن كان اليهود هداتهم إلى ذلك.
стр. 359
وأخيرًا فإن هذا الإلحاح على أن التبابعة قوم مؤمنون بالله وبرسالة محمد، ﷺ ، ثم الإلحاح على عدم جواز سبهم، إنما قد يدل على أن هناك من كان يسب التبابعة ويلعنهم، وربما كان هذا السب وذلك اللعن، لم يكن موجها بالذات إلى التبابعة، وإنما كان موجها إلى اليمنيين بخاصة، والقحطانيين بعامة، ومن هنا كان هذا الإلحاح على عدم السب، بل ربما قد وضعت -فيما يرى الدكتور جواد علي- هذه الأحاديث على لسان النبي ﵊ للرد على هذه الحملة العدنانية ضد القحطانيين١، أضف إلى ذلك أن هذا الإلحاج ربما كان الهدف منه كذلك، إلقاء ظلال من شك على رواية تاريخية تذهب إلى أن "حسان بن عبد كلال" قد أقبل بجيش من اليمن يزيد نقل حجارة الكعبة الشريفية من مكة إلى اليمن، غير أن حملته هذه انتهت بالفشل٢ -كما سوف نشير فيما بعد- فضلا عن حملة أبرهة على مكة، والتي شاركت فيها بعض البطون اليمنية.
وأيًّا ما كان الأمر، فإن المصادر العربية إنما تذهب إلى أن "أب كرب أسعد" قد خرج من اليمن حتى وصل إلى جبلي طيئ فسار يريد الأنبار، فلما انتهى إلى موضع الحيرة تحير وكان الوقت ليلا فأقام مكانه، فسمي ذلك المكان بالحيرة، وخلف به قومًا من الأزد ولخم وجذام وعاملة وقضاعة، فبنوا وأقاموا به، ثم انتقل إليهم بعد ذلك ناس من طيئ وكلب والسكون وبلحرث بن كعب وإياد، ثم توجه إلى الموصل، ثم إلى أذربيجان، فلقي الترك فهزمهم، ثم عاد إلى اليمن، فهابته الملوك وأهدوا إليه، ومنها هدايا من الهند التي علم أنها من الصين، ومن ثم فقد غزاها٣.
وليس من شك في أن "أبا كرب أسعد" قد كتب له نجحا كبيرًا في توسيع ملكه، وأنه قد بلغ البحر الأحمر والمحيط الهندي، والأقسام الجنوبية من نجد، وربما كان قد استولى على جزء كبير من الحجاز، ومن ثم فإن في روايات الأخباريين عن فتوحاته أساسًا من الصحة٤، إلا أن عنصر المبالغة فيها إنما قد أفسدها إلى حد كبير، وإن كانت تدل في الوقت نفسه على قوة شخصيته، التي مكنته من إتمام هذه الفتوح، ومن السيطرة على الأعراب، وبالتالي فقد أضاف إلى لقبه "ملك سبأ وذي
стр. 360
ريدان وحضرموت ويمنات" جملة "وأعرابها في الجبال والتهائم"، وهكذا ترك الرجل أثرًا عميقًا في الأجيال القادمة، فأضافت إلى فتوحاته، ما شاء لها الخيال أن تضيف.
وقد اختلف العلماء في فترة حكم "أب كرب أسعد"، فذهب فريق إلى أنها إنما كانت في الفترة "٤٠٠-٤١٥ أو ٤٢٠م"١، وذهب آخرون إلى أنها في الفترة "٣٨٥-٤٢٠م"٢، على أن هناك فريقًا ثالثًا ذهب إلى إنها في الفترة "٣٧٨-٤١٥م"٣، ويتجه الدكتور جواد علي إلى أنها استمرت حتى عام "٤٣٠"م٤، ولعل السبب في ذلك أن نص "ريكمانز ٥٣٤"، والذي جاء فيه ذكر "أب كرب أسعد" وستة من أولاده، إنما يرجع إلى عام ٤٢٨م أو عام ٤٣٤م٥، وهذا يعني أن حكم "أب كرب أسعد" قد جاوز عام ٤٢٨م، وربما عام ٤٣٠م، فإذا ما تذكرنا أن الرجل قد ذكر مع والده في نص يرجع إلى عام ٣٧٨، أو عام ٣٨٤، فإن حكمه يكون عندئذ قد جاوز نصف القرن من الزمان، ولو افترضنا أنه كان شابًا في العشرين من عمره، فإن الرجل يكون قد عاش حوالي السبعين عامًا، وربما أكثر من ذلك بقليل٦.
هذا وقد أشرنا من قبل إلى أن "أبا كرب أسعد" قد أضاف إلى لقبه "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات" جملة "وأعرابها في الجبال والتهائم"، فكان بذلك أول من حمل هذا اللقب٧، ولعل السبب في ذلك إنما هو ظهور قوة الأعراب وأهميتهم، وبخاصة أعراب الهضاب وجنوب نجد وقبائل تهامة، ومن ثم فقد أصبح لهم تأثير في الشئون، الداخلية، ربما قد يصل إلى إحداث تغيير في التنظيم السياسي
стр. 361
نفسه، وهكذا أضاف "أب كرب أسعد" اسمهم إلى لقبه، دلالة على سيطرته عليهم وعلى خضوعهم له، وهو في هذا إنما يتبع سنة أسلافه في تغيير ألقابهم، كلما أخضعوا أرضًا جديدة، مضيفين إلى لقبهم ما يدل على الوضع الجديد١، ومن ثم فإن اللقب الجديد إنما يدل على أن حكم "أب كرب أسعد" قد امتد إلى التهائم -بأعرابها وقراها- وإلى قبائل "معد" التي تمتد منازلها من نجران إلى مكة ونجد٢.
وقد عثر "جون فلبي" في وادي مأسل الجمح -على الطريق بين مكة والرياض- على كتابة دونت بمناسبة إقامة حصن في هذا المكان، عرفت بـ "فلبي ٢٢٧"٣، وقد استطاع العلماء أن يستخلصوا منها نتائج عدة، منها "أولًا" أن هذا المكان من جملة الأرضين، التي تخضع للملك "أب كرب أسعد"، ومن ثم فإن نفوذه قد تجاوز اليمن حتى بلغ تلك المنطقة من "نجد"، والتي كانت تعد من منازل "معد"٤. معقلا لقوات سبئية تحمي هذا الطريق، الذي يربط اليمن بنجد وبشرق الجزيرة العربية، من هجوم القبائل التي كانت تغير على قوافل التجارة٥، ومنها "ثالثًا" أن الهمداني كان قد ذكر أن "ماسل الجمح" إنما كان من مواضع "نمير"، وهو اسم قريب من اسم قبيلة "Nomeritae" التي ذكرها بليني، ومن ثم فقد ذهب البعض إلى أن "مأسل الجمح" إنما كانت من مواضع "نمير" على أيام "بليني" "٣٢-٧٩م" وبعده٦، ومنها "رابعًا" أن النص إنما يذكر أن اسم والد "أب كرب أسعد" إنما هو "حسان ملكيكرب يهأمن"، وليس "ملكيكرب يهأمن"، ومن ثم فقد تساءل البعض: هل نحن أمام ملك واحد، أم أمام ملكين مختلفين٧؟
стр. 362
بقيت نقطة أخيرة تتصل بذلك الطريق البري، الذي يربط المناطق المرتفعة الزراعية بالمناطق الشمالية، حيث يصل إلى شمال الطائف، ويتصل بطريق الحجاز، ويعرف بـ "درب أسعد كامل" -نسبة إلى الملك أب كرب أسعد- والطريق دون شك، يعد تحولا خطيرا في الطرق البرية القديمة، التي كانت منتشرة في حافة الصحراء الشرقية المتصلة بالجوف، إذ يشير إلى تحول هذا الطريق من الأراضي السهلة إلى الهضاب التي يعيش عليها المزارعون، الذين يعيشون على الزراعة التي تعتمد على المطر، وقد شمل هذا التحول فيما شمله طريق البخور واللبان القديم١.
ويروي الأخباريون أن الذي خلف "أب كرب سعد"، إنما هو "ربيعة بن نصر اللخمي"، وأنه قد رأى رؤيا هالته فسار بأهله إلى العراق وأقام بالحيرة وحكم فيها، ومن عقبه كان "النعمان بن المنذر" ملك الحيرة٢، ثم عاد الملك إلى "حسان بن تبان بن كرب"، وهو -فيما يرى البعض- أخو زرقاء اليمامة التي صلبت على باب مدينة "جو"، والتي سميت فيما بعد "اليمامة" نسبة إليها٣، الأمر الذي ناقشناه من قبل.
على أن "جون فلبي" قد جعل العرش بعد وفاة "أب كرب أسعد" لشقيقه "ورو أمر أيمن" "٤١٥-٤٢٥م"، ثم إلى ابن أخيه "شرحبيل يعفر" والذي حكم في الفترة "٤٢٥-٤٥٥م" على رأي "فلبي"٤ وفي الفترة "٤٢٠-٤٥٥م" على رأي هومل٥. وإن كان "فلبي" عاد مرة أخرى فحدد له الفترة التي حددها "هومل"٦- ولعل من الغريب أن يتجاهل "فلبي" "حسان يهأمن" ابن "أب كرب أسعد"- رغم أنه ذكر في نص "فلبي ٢٢٧" ونعت بأنه "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات وأعرابها في الجبال وفي التهائم"٧.
стр. 363
ويروي الأخباريون أن "حسان" قد سار بأهل اليمن يريد أن يطأ أرض العرب والعجم، فلما كان بالعراق كرهب قبائل اليمن المسير معه، فكلموا أخاه عمرا في قتله وتمليكه من بعده، وهكذا قتل عمرو أخاه، غير أنه بمجرد عودته إلى اليمن قد أصيب بمرض نفسي جعله يفقد القدرة على التحكم في الأمور، مما أدى به في نهاية الأمر إلى أن يقتل كل من أشار عليه بقتل أخيه، ثم لم يلبث أن هلك١، ويزعم الإخباريون أن الحميريين قد تفرقوا بعد هلاك عمرو، فاغتصب العرش رجل من غير الأمراء، دعوه "لختيعة تنوف ذو شناتر" فقتل خيار القوم، وعبث بأعراض الناس، حتى قتله "ذو نواس"- في رواية مزرية سجلها الإخباريون في كتبهم -ثم جلس على العرش من بعده٢.
وعلى أي حال، فإذا ما عدنا مرة أخرى إلى عهد "شرحبيل" يعفر"، لوجدنا أنفسنا أمان نص خطير "جلازر ٥٥٤"، يتحدث عن تصدع سد مأرب، وما قام به الملك إزاء هذا الحادث الخطير، حيث نقر في النص أن "شرحبيل يعفر" قد قام بتجديد بناء السد وترميمه على مقربة من "رحب" وعند "عبرن"، فضلا عن إصلاح أجزاء منه حتى موضع "طمحن" "طمحان"، وحفر مسايل المياه وبناء القواعد والجدران بالحجارة وتقوية فروعه، وبناء أقسام جديدة بين "عيلان" و"مفكول" و"مفلل" وتجديد سد "يسرن"، ويذكر النص أن هذه الأعمال قد تمت في عام ٥٦٤/ ٥٦٥ من التقويم الحميري، الموافق عام ٤٤٩/ ٤٥٠ من التقويم الميلادي٣.
стр. 364
هذا ويتحدث النص كذلك عن انتشار عقيدة جديدة، فهو يشير إلى ظهور "رب السماء والأرض"، حيث نقرأ فيه "بنصر وردا إلهن بعل سمين وأرضن" أي "بنصر وبعون الإله رب السموات والأرض"، وهي عقيدة ظهرت عند أهل اليمن بعد الميلاد بتأثير اليهودية والنصرانية ولا شك١.
وينتقل العرش بعد "شرحبيل يعفر" إلى "عبد كلال" والذي حكم في الفترة "٤٤٥-٤٦٠م" علي رأي "فلبي" و"هومل"٢، وإن كان "فلبي" قد رأى أن الرجل كان كاهنًا وشيخًا لقبيلة، نجح -بمساعدة الأحباش- في اغتصاب العرش لمدة خمس سنين٣، هذا وقد ذكره الأخباريون بين ملوك حمير، وأنه كان يدين بالنصرانية سرًّا، وبالمصطفى -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- قبل مبعثه- شأنه في ذلك شأن سبأ، وأب كرب أسعد- وإن من ولده "الحارث بن عبد كلال"، وهو أحد الذين وفدوا على النبي ﷺ فأفرشهم رداءه٤، غير أنهم يرونه قد تولى العرش بعد وفاة "عمرو بن تبان أسعد"، فملك أربعًا وتسعين سنة -وهو تبع الأصغر- ثم خلفه أخوه "مرثد"، وقد ملك سبعة وثلاثين عامًا٥، وقد أدى تشابه الاسمين "عبد كلال الذي جاء في نص جلازر٧، وعبد كلال عند الأخباريين" إلى أن يرى بعض العلماء أن الاسمين لرجل واحد، وأنه كان ملكًا٦.
ويروي الهمداني أن "حسان بن عبد كلال" أقبل من اليمن، "في حمير وقبائل من اليمن عظيمة، يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن، ليجعل حج البيت عنده، وإلى بلاده"، فأقبل حتى نزل "نخلة"، فخرج إليه القرشيون بقيادة فهر بن مالك، حيث دارت بينهم معركة ضارية، انتهت بانتصار قريش، وأسر "حسان بن عبد كلال"٧، فإذا كان ذلك كذلك، فإن حملة أبرهة على مكة كانت لها سابقة يمنية من قبل، ثم إذا ما تذكرنا أن هناك من يرى -كما أشرنا
стр. 365
آنفًا- أن "عبد كلال" إنما اغتصب عرشه بعون من أكسوم، فهل هذا يعني أن الحبشة النصرانية كانت وراء تلك الحملة؟ لست أدري، فتلك أخبار لا يوثق بها كثيرًا، ثم إن الهمداني يرفض القصة من أساسها، وإن كان هناك من يتهمه بأنه يمني متعصب، لا يؤيد حربًا تنتصر فيها قريش على اليمن، ثم يضع تبعة نقل حجارة الكعبة من مكة إلى اليمن على عاتق "هذيل بن مدركه" أحد سادات مكة١، وإن لم يبين لنا لماذا فعل" ذلك؟ وما الفائدة التي تعود عليه من فعله هذا؟
وعلى أي حال، فلقد جاء بعد ذلك "شرحب إيل يكف" "٤٦٠-٤٧٠م" فولداه "معد يكرب يهنعم" و"لحيعث ينوف" "٤٧٠-٤٩٥م" على رأي هومل٢، و"نوف" "٤٧٠-٤٨٠م"، ثم "لحيعث ينوف" "٤٨٠-٥٠٠م" علي رأي فلبي٣، وربما كان الأخير هو "لختيعة تنوف ذو شناتر" عند الأخباريين، والذين رأوا أنه حكم سبعا وعشرين سنة٤، ثم جاء "مرثد ألن ينوف" "٤٩٥-٥١٥م" ثم "ذو نواس" "٥١٥-٥٢٥م"، وهو "زرعة ذو نواس بن تبان أسعد أب كرب" والذي سمي "يوسف" بعد تهوده، وإن ذهب البعض إلى أنه من غير الأسرة المالكة٥، وأن السبب في تسميته "ذي نواس" أن كانت له ذؤابتان تنوسان على عاتقه٦، وعلى أي حال، فهو الملك الذي احتل الأحباش اليمن في عهده، وبقوا فيها قرابة نصف قرن من الزمان، وإن كانت هذه ليست هي المرة الأولى التي يغزو الأحباش فيها اليمن، فذلك أمر له سوابق خلت من قبل٧- كما رأينا آنفًا-.
стр. 366
الاحتلال الحبشي لليمن:
كانت اليهودية بدأت تأخذ طريقها إلى اليمن منذ فترة طويلة، وإن ازدادت منذ تدمير بيت المقدس على يد "تيتوس" في عام ٧٠م، ومن ثم فإن أصحاب هذا الاتجاه الأخير يرون أننا لو تفحصنا أسماء اليهود المقيمين في بلاد العرب، لرأينا أن معظمهم آراميون وعرب متهودون، وليسوا من ذرية إبراهيم الخليل من ولده إسحاق، عليهما السلام١، أو منذ تهود "أب كرب أسعد" وفرضها على الحميريين -طبقًا لرواية أخرى، سبق لنا الإشارة إليها- أو منذ تهود ذي نواس، سواء أكان ذلك رغبة منه في أن يقاوم دينًا سماويًّا بدين سماويٍّ آخر، ومن ثم فهو يمثل الروح القومية في اليمن، حين رأى في النصارى من مواطنيه ما يذكره بحكم الأحباش المسيحيين البغيض٢، بخاصة وأن المسيحية قد أصبحت وقت ذاك تستند إلى قوة الدولة الرومانية الشرقية الطامعة في غزو اليمن٣، أو لأنه كان في الأصل- طبقًا لرواية ابن العربي- من أهل الحيرة، وأن أمه يهودية من "نصيبين" وقعت في الأسر فتزوجها والد يوسف فأولده منها، ومن ثم فهو يهودي وفد على اليمن من الحيرة٤، سواء أكان هذا أو ذاك، فالذي يهمنا هنا أن الفرقة الداخلية -التي ترجع في الدرجة الأولى إلى دخول اليهودية والمسيحية إلى بلاد العرب الجنوبية- بدأت تدفع البلاد في طريق الاضمحلال٥.
وهكذا فإن ظروف اليمن الداخلية كانت من أهم العوامل التي مهدت للفتح الأثيوبي لليمن، ذلك لأننا نقرأ في نقش "فلبي ٢٢٨" عن حرب داخلية استعر أوارها قبيل الغزو الحبشي "وربما في عام ٥١٦م"، واشتركت فيها قبائل سبأ وحمير ورحبة وكندة ومضر وثعلبة٦، ومن ثم فقد مهدت هذه الفتنة الطريق للأحباش بسبب الخصومات القبلية القديمة بين القبائل، والتي أدت إلى ظهور الروح القبلية،
стр. 367
التي لا تعرف طريقًا للتعاون القومي، إلا إذا كان من أجل القبيلة وفي مصلحتها، دونما أي اهتمام بما يجره ذلك على الكيان القومي للبلاد من نكبات، قد تؤدي باستقلال البلاد وخضوعها للأجنبي.
ونقرأ في نصي "ريكمانز ٥٠٧، ٥٠٨"- ويرجعان إلى عام ٥١٨م- إشارات عن حرب بين الأحباش وملك حميري، هو "يسف أسأر" "يوسف أسار"، ولعل عدم الإشارة هنا إلى اللقب الملكي الطويل، ربما يعني أن سلطان "ذي نواس" لم يكن يمتد إلى كل بلاد العرب الجنوبية، وإنما كان مقصورًا على أجزاء منها، وأن الأحباش -فضلا عن الأقيال اليمنيين- إنما كانوا يشاركونه هذا السلطان، فظفار ومجاوراتها كانت في أيدي الأحباش، كما كان الأقيال قد كونوا حكومات إقطاعية في إماراتهم، كما كانوا يثيرون الفتن والقلاقل في أنحاء البلاد، وهكذا كانت الأحوال الداخلية قلقة، مما جعل البلاد آخر الأمر لقمة سائغة في أيدي المستعمرين الأحباش١، بل إن نص "ريكمانز ٥٠٨" ليشير إلى حرب وقعت بين الملك يوسف أسار من ناحية، وبين الأحباش، ومن كل يؤيدهم من أقيال اليمن، من ناحية أخرى، وأن الملك قد هاجم "ظفار" و"مخار" واستولى على كنائسها، وإن كان أشد القتال إنما كان بينه وبين قبيلة "الأشاعر"، حيث قتل منهم ثلاثة عشر ألفًا، وأسر تسعة آلاف وخمسمائة أسير، كما استولى على ٢٨٠ ألف رأس من الإبل والبقر والماعز، ثم اتجه بعد ذلك إلى "نجران" حيث أنزل بالأحباش ومن سار في ركابهم، خسائر فادحة٢.
وعلى أي حال، فإن المؤرخين إنما يقدمون عدة أسباب لغزو الحبشة لليمن، منها أولًا" الرغبة في السيطرة على اليمن لضمان توزيع البضائع الحبشية، دون أن تتعرض لاعتداءات الحميريين٣، ومنها "ثانيًا" أن عداوة الحبش للعرب قديمة، نشأت منذ أن كان عرب اليمن يخطفون الأحباش من سواحل الحبشة ويبيعونهم أرقاء في بلاد العرب، حيث وجد الحبش في الحجاز٤، ومنها "ثالثًا"
стр. 368
أن بلاد العرب الجنوبية كانت تقوم في ذلك الوقت بنفس الدور الذي تقوم به مصر الآن بعد حفر قناة السويس، نظرا لمركزها الهام على البحر الأحمر والمحيط الهندي، وحيث يوجد مضيق باب المندب، وفي تلك الأيام كانت الإمبراطورية الرومانية الشرقية حريصة على انتزاع هذه المكانة وإعطائها لمصر، ومختلف الولايات الرومانية الشرقية الأخرى، التي تستطيع الإفادة من مركزها الجغرافي، وبخاصة فإن المسيحية كانت قد استقرت في كثير من الولايات الرومانية الشرقية، حتى اضطر "قسطنطين" "٣٠٦-٣٣٧م" في عام ٣١١م إلى السماح بانتشار المسيحية في بلاده١.
وهنا بدأ الرومان يفكرون في استغلال الدين لضم بلاد العرب الجنوبية إلى إمبراطوريتهم، فعمدوا إلى إرسال البعثات التبشيرية لتلك البلاد، لنشر المسيحية بين الحضر والبادية من جهة، ولتهيئة الأفكار والنفوس لقبول النفوذ الروماني من جهة أخرى٢. ومن ثم فلم يكن تعذيب ذي نواس للنصارى في بلاده، هو السبب الحقيقي للغزو الحبشي في اليمن، ودليلنا على ذلك أن المصادر الإغريقية -بل والحبشية نفسها- إنما تذهب إلى أن الأحباش قد أغاروا على اليمن قبل قصة التعذيب هذه بسنين، وأنهم قد انتصروا على "ذي نواس" واضطروه إلى الالتجاء إلى الجبال إلا أنه استطاع بعد فترة أن ينجح في لم شمل جنده، وأن يهاجم الأحباش وينتصر عليهم، وأن يغير على "نجران" ويتمكن من الاستيلاء عليها، بعد حصار دام سبعة أشهر٣، ثم ينتقم من أهلها شر انتقام٤، بل إن تدخل الأحباش في شئون اليمن ومحاولة غزوها، قد بدأ -كما أشرنا من قبل- منذ القرن الرابع الميلادي،
стр. 369
وبعد وفاة "شمر يهرعش" وقبله.
وهكذا اتفقت مصالح الأحباش والرومان في السيطرة على بلاد العرب الجنوبية، وكانت سياسية "ذي نواس" التي تربط بين انتشار المسيحية في اليمن، وبين ازدياد نفوذ الأحباش في البلاد، سببًا في أن يتخذ من نصارى اليمن موقفًا عدائيًّا، وكان ذلك ذريعة وجدها الرومان للقضاء على استقلال اليمن، ولكن دون التدخل المباشر، وإنما بتحريض الأحباش على غزوها، بل إن هناك من يذهب إلى أن الروم قد اشتركوا بطريقة فعلية في غزو اليمن عن طريق إرسال أسطولهم من مصر، محملا بالأسلحة والمؤن إلى الثغور اليمنية، ولعل الأمبرطور "جستين الأول" "٥١٨-٥٢٧م" قد اتخذ هذه الخطوات نتيجة لأطماع الفرس التي ازدادت في بلاد العرب حتى أنهم استقروا في سواحل الخليج العربي كالبحرين١.
وهناك رواية تذهب إلى أن السبب المباشر لغزو الحبشة لليمن، إنما كان لأن الملك الحميري "دميون" "دميانوس"، كان قد أمر بقتل التجار الروم الذين كانوا في بلاده، وبنهب أموالهم، وذلك بسبب اضطهاد اليهود وإساءة معاملتهم في بلاد الروم، مما أدى إلى أن يتجنب تجار الروم الذهاب إلى الحبشة واليمن، أو حتى المناطق القريبة من "حمير"، ومن هنا رأى البعض أن بعثة "ثيوفيلوس" التبشيرية إنما كانت لضمان حسن نية الأمراء اليمنيين إزاء تجار الروم، غير أن تلك البعثة قد فشلت في تحقيق أهدافها بسبب نفوذ الفرس في اليمن وقت ذاك، وقد أثر ذلك كله في التجارة مع الحبشة تأثيرًا سيئًا، وهنا اضطر النجاشي إلى أن يقدم عروضًا رفضها الملك الحميري، مما كان سببًا في نشوب الحرب بينهما، وتزعم الرواية أن النجاشي كان حتى تلك اللحظة لا يزال على الوثنية، ومن ثم فقد عرض عليه أن يعتنق النصرانية إن كتب له النجح على الحميريين، وحين انتهت الحرب في صالحه اعتنق المسيحية، وأرسل إلى قيصر يطلب منه إرسال عدد من رجال الدين ليعلموه العقيدة
стр. 370
الجديد، وقد تم له ما أراد١.
وعلى أي حال، فإن الكتابات العربية الجنوبية قد أشارت إلى غزو الأحباش لليمن، ذلك أن نقش حصن غراب، والمعروف بـ "Rep Epigr ٢٦٣٣" -ويرجع تاريخه إلى عام ٥٢٥م- إنما يشير إلى أن الأحباش قد استولوا على اليمن في عهد ملك لم يذكر اسمه، وأنهم قتلوا هذا الملك وأقياله٢، على أن "فنكلر" إنما يذهب إلى أن هذا الملك إنما هو "ذو نواس"، وأنه البادئ بهذه الحرب، وأن أصحاب النص "السميفع أشوع وأولاده" كانوا من أنصار الملك الحميري، على غير رغبة منهم، وأن المعارك قد انتهت بانتصار الأحباش، ومن ثم فإن "السميفع أشوع" وأولاده، قد اضطروا إلى الالتجاء إلى حصن "ماوية" حتى انتهت العاصفة، ثم عقدوا صلحًا مع السادة الجدد٣.
وقد اهتمت المصادر المسيحية المعاصرة بغزو الحبشة لليمن، ومنها "قزما" الذي كان في الحبشة إبان الاستعدادات لغزو اليمن، وقد سجل لنا قصة الغزو، ربما بعد وقوعها بخمس وعشرين سنة، وقد ذهب إلى أن الحملة إنما تمت في أوائل أيام القيصر "جستين الأول"٤، بل إن "ثيوفانس" و"سدرينوس" قد حدداها بالعام الخامس من حكم هذا القيصر، أي في عام ٥٢٣م، وأن سبب الحملة إنما كان تعذيب "ذي نواس"- الذي قتل في المعارك- لنصارى نجران، على أنهما إنما يشيران إلى غزو ثان، قام به الملك الحبشي "أداد" ضد ملك حمير "دميانيوس"ن في العام الخاسم عشر من عهد القيصر "جستنيان" ط٥٢٧-٥٦٥م"، في في عام ٥٤٢م٥.
стр. 371
ولعل من أهم الوثائق المسيحية التي تتصل بتعذيب نصارى نجران، إنما هي رسالة "مار شمعون"، أسقف بيت رشام، إلى رئيس أساقفة "دير جبلة"، وفيها يتحدث "مارشمعون" كيف عرف بنبأ تعذيب نصارى نجران من رسالة من ملك حمير إلى ملك الحيرة، يطلب منه فيها أن يفعل بنصارى مملكته، ما فعله هو بنصارى نجران، وأن شمعون قد تأكد بنفسه من الحادث عن طريق رسوله الذي أرسله إلى نجران ليتحرى الحقائق، ومن ثم فقد وجه نداء إلى كل الأساقفة الرومان، وإلى بطريق الإسكندرية وإلى أحبار طبرية، طالبا منهم بذل الجهود لإيقاف هذه المذابح البشرية، ورغم ما تفيض به الرسالة من عواطف شخصية، ومن مبالغات متعمدة لإثارة الحمية الدينية عند رجال الدين المسيحي، ورغم أن ما جاء بها على لسان ملك حمير، إنما هو من كلام مار شمعون، وليس من كلام الملك الحميري، فإن الرسالة بصفة عامة صحيحة، ومن ثم فهي وثيقة تاريخية يمكن أن ينظر إليها باهتمام١.
وهناك رواية يونانية تذهب إلى أن "ذا نواس" "Dunaas" ملك حمير، قد عذب نصارى نجران، في العام الخامس من عهد "جستين الأول" "٥١٨-٥٢٧م" ومن ثم فقد قام نجاشي الحبشة بغزو حمير، وفر "Dunass" إلى الجبال، حتى إذا ما واتته الفرصة انقض على الجيش الحبشي، فأباده واحتل نجران، مما اضطر الأحباش إلى القيام بحملة ثانية انتصرت على الملك الحميري، وعينت مكانه "٢Abrames".
على أن هناك رواية أخرى -يونانية كذلك- تذهب إلى أن الذي قضى على ذي نواس، إنما هو قيل من اليمن يدعى "إيدوج"، وذلك بسبب اضطهاد التجار المسيحيين الروم، ردا على اضطهاد الروم لليهود، مما أدى في نهاية الأمر إلى أن يمتنع جميع التجار المسيحيين من دخول اليمن، فأصيبت الأسواق التجارية اليمنية بالكساد، وساءت الأحوال الاقتصادية في البلاد، وقد أدى ذلك كله إلى أن يجمع
стр. 372
"إيدوج" الأقيال من حوله، وأن يعلن الثورة ضد ذي نواس وأن يقتله، بل ويعتنق المسيحية١.
بقي أن نشير إلى أن الروايات العربية تذهب إلى أن "ذا نواس" إنما أنهى حياته بنفسه٢، إلا أن الروايات الحبشية والإغريقية إنما تذهب إلى أنه قد وقع أسيرًا في أيدي أعدائه فقتلوه، بل إن هناك رواية عربية تذهب إلى أنه إنما قتل بيد حمير، وأن جثته لم تقبر، وإنما ألقيت إلى الحيوانات المفترسة فأكلتها، ومن ثم فإن "فون كريمر" إنما يرى أن ذا نواس لم يغرق في البحر -طبقًا للتقاليد العربية- وإنما قتل قتلا٣.
стр. 373
اليمن في العهد الحبشي:
نجح الأحباش في القضاء على ذي نواس والاستيلاء على البلاد وضمها إلى الحبشة، ولكنهم -على ما يبدو- لم يحكموها حكمًا مباشرًا، وإنما اختاروا واحدًا من الأقيال الذين عاونوهم على احتلالها، وكان هذا القيل هو "السميفع أشوع"، الذي سبق أن أشرنا إليه، والذي عينه الأحباش الآن ملكًا على حمير، على أن يدفع لهم جزية سنوية.
وهناك نص في "متحف إستنبول" نشره "ريكمانز"، يفهم منه أن "السميفع أشوع" كان ملكًا على سبأ، وكان نصرانيًّا، بدليل أن النص جاء فيه "باسم رحمنن وبنهو كرشتش غلبن" وترجمته "باسم الرحمن وابنه المسيح الغالب١"، ولعل
стр. 374
هذا النص يعضد ما ذهب إليه "بركوبيوس" من أن الذي حكم حمير بعد "ذي نواس" إنما هو "Esimiphaeus" "السميفع أشوع= سام يفع أشوع"١، على أنه لم يكن في الواقع إلا تابعًا لملك الحبشة، وأنه قد بدأ حكمه في عام ٥٢٥م٢.
وما أن تمضي سنون ستة، حتى تبدأ البقية الباقية من جنود الحبشة في اليمن الثورة "في عام ٥٣١م" على "السميفع أشوع" ثم محاصرته في إحدى القلاع، وتعيين "أبراهام" -وهو عبد نصراني كان مملوكًا لتاجر يوناني في مدينة عدولي- في مكانه، وقد حاول النجاشي أن يقضي على هذه الثورة، غير أن هزيمة قواته التي أرسلها مرة بعد أخرى، جعلته يتقبل الوضع على علاته، وما أن تنتهي حياته في هذه الدنيا، حتى يسرع "أبراهام" "أبرهة" إلى عقد صلح مع خليفته، يدفع له بمقتضاه جزية سنوية، في مقابل أن يعترف النجاشي الجديد به نائبًا للملك في اليمن٣.
وتتجه المصادر العربية اتجاهًا مغايرًا في كيفية وصول "أبرهة" إلى السلطان في اليمن، فتذهب رواية إلى أنه جاء إلى اليمن جنديًّا تحت قيادة "أرياط" الذي فتح اليمن، ولكن ما أن تمضي سنوات معدودات حتى ينازعه السلطان، ثم يغدر به ويأخذ مكانه، بينما تذهب رواية أخرى إلى أن النجاشي إنما كان قد أرسل جيشين، أحدهما تحت قيادة "أبرهة" الذي نجح في أن يصبح ملكًا على صنعاء ومخاليفها بعد مقتل "ذي نواس"، ومن ثم فقد غضب النجاشي وأرسل إليه جيشًا تحت قيادة "أرياط"، فما أن حل بساحته، حتى عرض عليه "أبرهة" أن يبارزه، فأيهما ظفر بصاحبه كان الملك له، فرضي أرياط بذلك، وتبارزا، ونجح أبرهة في أن يوقع بأرياط عن طريق غلام له -هو عتودة- الذي كافأه أبرهة بألا تدخل عروس على زوجها في اليمن، قبل أن يصيبها قبله، مما كان سببًا في أن يدفع حياته
стр. 375
ثمنا لرغبته اللئيمة هذه١.
وهكذا أصبح "أبرهة" "أبراهام" حاكمًا على اليمن٢، وإن اعترف اسميًّا بأنه "عزلي ملكن أجعزين" أي "نائب ملك الأجاعزة" على اليمن، وليس هناك من دليل على أن أبرهة لم يكن الحاكم المطلق على اليمن، ولم يترك لنجاشي أكسوم غير الاسم، حتى أنه دعاه في نص "جلازر ٦١٨" وفي نص "Cih ٥٤١" "بملك الجعز" فحسب، بينما أطلق على نفسه في نفس النص "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات وأعرابها في الجبال والتهائم"، وهو ما يزال بعد -من الناحية الاسمية على الأقل- "نائب ملك الجعز"٣.
وعلى أي حال، فإن النص المذكور يشير إلى تهدم "سد سبأ" وترميمه في عام ٥٤٢م٤- الأمر الذي ناقشناه في الجزء الأول من كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني"- غير أن الذي يهمنا هنا تلك الثورة التي شبت بقيادة "يزيد بن كبشة"، والذي عينه "أبرهة" "Abramios= Abraham" نائبا عنه في قبيلة كندة، وسرعان ما انضم إليه "معد يكرب" بن "السميفع أشوع "وبعض الزعماء اليمنيين، ومن ثم فقد بدأت الثورة تنتشر في أجزاء كثيرة من اليمن، حتى شملت حضر موت وحريب وذو جدن وحباب عند صرواح، إلا أن أبرهة سرعان ما انتصر على الثوار وبطش بهم، بمساعدة قبائل يمنية قوية، ومن ثم فقد انصرف إلى إصلاح ما أفسدته الثورة في سد
стр. 376
مأرب١، وقد تم هذا الإصلاح الثاني في عام ٥٤٣م.
وتقرأ في نقش "ريكمانز ٥٠٦"- والذي يرجع تاريخه إلى عام ٥٣٥م، أو عام ٥٤٧م٢- عن حرب أشعلها أبرهة ضد قبيلة "معد"، وعن العلاقات بين ملوك الحيرة وحكام اليمن من الأحباش، وعن نفوذ الأخيرين على قبائل مثل معد، ولعل هذا يؤيد ما ذهب إليه الكتاب العرب من أن لليمن نفوذًا على قبائل معد، وأن تبابعة اليمن كانوا ينصبون الملوك والحكام على هذه القبائل٣.
ويبدأ أبرهة نصه هذا بقوله: "بخيل رحمنن ومسحهو" أي "بحول الرحمن ومسيحه" ثم يسبغ على نفسه الألقاب الملكية المعروفة لملوك سبأ، ثم يتحدث بعد ذلك عن الحرب التي أشعلها ضد معد عند "حلبان"، كما أمر رؤساء قبائل "كندة وعل وسعد" بالقضاء على ثورة "بني عامر"، هذا ويشير النص كذلك إلى أن أبرهة قد انتصر على قبيلة معد، ثم أخذ الرهائن منها، اتقاء لثورة أخرى قد تقوم بها، كما قبل أن يبقى "عمرو بن المنذر"- الذي عينه أبوه "المنذر" أميرًا على معد- في مكانه٤.
وقد ذهب بعض الباحثين مذاهب شتى في تفسيرهم لهذا النص، فذهب البعض إلى أنه إنما يشير إلى حملة أبرهة على مكة في عام الفيل٥، وذهب آخرون إلى أنه إنما يشير إلى غزوة قام بها أبرهة تمهيدًا لحملة كبيرة كان ينوي القيام به إلى أعلى شبه الجزيرة العربية، ولكنه توقف عند مكة٦، بينما رفض فريق ثالث أن يربط بين الحملتين، لأنهم يرون أن هذه الحملة إنما تمت في عام ٥٤٧م، بينما كانت الأخرى
стр. 377
في عام ٥٦٣م١، وأخيرًا فإن هناك فريقًا رابعًا يرى أن النص إنما يتحدث عن معركتين، الواحدة قادها أبرهة عند "حلبان"، والأخرى قامت بها مجموعة قبائل من "تربة"٢ في بلاد بني عامر -وربما على مبعدة ثمانين ميلا إلى الجنوب الشرقي من الطائف٣.
وبعد أن فرغ أبرهة من القضاء على الثورات التي هبت ضده، وبعد أن انتهى من ترميم سد مأرب، انصرف إلى نشر المسيحية ومحاربة الأديان الأخرى في بلاد العرب، فقوى ساعد مسيحي بلاد العرب الجنوبية، واتخذ من "نجران" مركزًا رئيسيًّا لحملته الدينية، فنجد جماعة مسيحية في صحراء اليمامة -في منتصف الطريق بين اليمن والحيرة- وفي يثرب، وعلى امتداد الطريق التجاري إلى فلسطين وسورية٤ وتبع ذلك إنشاء الكنائس في أنحاء مختلفة من اليمن، لعل أهمها مأرب ونجران وصنعاء، وفي هذه الأخيرة بنى كنيسته المشهورة "القليس" بغية أن يصرف الحجيج من مكة إلى صنعاء، فيكسب من ذلك فوائد مادية وسياسية وأدبية، وبالتالي فقد كان ذلك سببًا في حملته المشهورة على مكة في العام المعروف بعام الفيل٥- الأمر الذي
стр. 378
ناقشناه في الفصل الحادي عشر، من الجزء الأول من كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني".
ويبالغ الأخباريون كثيرًا في وصف "كنيسة القليس" "وهي محرفة عن كلمة أكليسيا بمعنى كنيسة"، حتى أنهم يروون أن أبرهة لما أتم بناءها كتب إلى النجاشي يقول: "إني قد بنيت لك بصنعاء بيتًا لم تبن العرب ولا العجم مثله"١ أو "إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب"٢.
وتذهب الروايات العربية إلى أن القليس إنما بنيت بجوار قصر غمدان، وبحجارة من قصر بلقيس بمأرب، وأن أبرهة قد كتب إلى قيصر الروم يطلب منه الرخام والفسيفساء ومهرة الصناع، كما أنه قد استعمل في بنائها طبقات من حجر ذي ألوان مختلفة، لها بريق، وأنه نقشها بالذهب والفضة والفسيفساء وألوان الأصباغ وصنوف الجواهر، وطعموا بابها بالذهب واللؤلؤ، ورشوا حوائطها بالمسك، وأقاموا فيها صلبانا منقوشة بالذهب والفضة والفسيفساء، وفيها رخامة مما يلي مطلع الشمس من البلق مربعة، عشر أذرع في عشر، تغشى عين من ينظر إليها من بطن القبة، تؤدي ضوء الشمس والقمر إلى داخل القبة، وكان تحت القبة منبر من شجر اللبخ- وهو عندهم الأبنوس- مفصد بالعاج الأبيض، ودرج المنبر من خشب الساج ملبسة ذهبًا وفضة، وكان في القبة سلاسل فضية٣.
وفي الواقع، فإنه رغم ما في وصف الإخباريين للقليس من مبالغات، فإن العصر كان حقًّا، عصر بناء الكنائس الضخمة التي أنشئت في العالم المسيحي، وأهمها: كنيسة "أيا صوفيا" في القسطنطينية، و"كنيسة المهد" في "بيت لحم"، واللتان تعودان إلى عهد الإمبراطور "جستنيان" "٥٢٧-٥٦٥م"، وقد تأثرت جميعها
стр. 379
بالفن البيزنطي، وإن جمعت كنيسة القليس بين الفن العربي القديم، والفن البيزنطي النصراني في بناء الكنائس١.
هذا وقد لجأ أبرهة في بناء "القليس" إلى السخرة، فضلا عن القسوة الشديدة التي كانت تصل إلى حد قطع يد العامل، إن تهاون أو تكاسل في عمله، ويروي "ياقوت الحموي" أن أبرهة استذل أهل اليمن في بناء هذه الكنيسة وجشمهم فيها أنواعًا من السخرة، وكان ينقل إليها أدوات البناء كالرخام والحجارة المنقوشة بالذهب من قصر بلقيس، صاحبة سليمان ﵇، وكان من موضع هذه الكنيسة على فراسخ، وكان فيه بقايا من آثار ملكهم، فاستعان بذلك على ما أراده من بناء هذه الكنيسة وبهجتها وبهائها٢.
وأيًّا ما كان الأمر ففي عام ٥٧٠م، أو ٥٧١م، مات أبرهة بعد فشله الذريع في حملته المنكودة على مكة المكرمة، وخلفه ابنه "يكسوم" لفترة لا ندري مداها على وجه التحقيق٣، ويبدو أنه مارس الحكم منذ أيام أبيه، حين اختاره- فيما يرى جلازر- حاكمًا على أرض معاهر٤، وعلى أي حال، فلقد كان "يكسوم" هذا شرًّا من أبيه، كما كان أخوه وخليفته "مسروق" شرًّا من الاثنين، ويرى الأخباريون أنه حكم ثلاث سنين انتهت بقتله، وبخروج الأحباش من اليمن٥، بعد حكم دام نحو مائتي سنة على رأي، واثنتين وسبعين على رأي آخر٦، وإن كان الصحيح -فيما يرى العلماء المحدثون- أنه لم يدم أكثر من سبع وأربعين سنة "٥٢٥-٥٧٢م"، على رأي، وقرابة نصف قرن "٥٢٥-٥٧٥م" على رأي آخر٧؛ وذلك لأن هؤلاء الباحثين إنما يرون أن حملة أبرهة على مكة المكرمة "عام الفيل" إنما كانت في عام ٥٥٢م على رأي٨، وعام ٥٦٣ على رأي آخر٩، وكلاهما يخالف المعهود من أن الحملة إنما كانت في عام ٥٧٠م، أو عام ٥٧١م.
стр. 380
حركة التحرير والسيطرة الفارسية:
مرت الأيام ثقيلة كئيبة على أحرار اليمن، ولم تكن للسياسة الاستبدادية التي خطها أبرهة -وسار على منوالها خليفتاه من بعده- من نتيجة، سوى نفور اليمنيين من حكم الأحباش، والرغبة في التخلص من احتلالهم البغيض، وزاد الطين بلة أن الأزمة الاقتصادية قد استحكمت في ظل الاحتلال الأثيوبي، فبينما كان الحكام المسيحيون يبنون الكنائس ويحاولون الاندفاع نحو الشمال -كما فعل أبرهة- كانت البلاد تزداد اضمحلالا، لخمود النشاط التجاري الذي كان يتوقف عليه بقاؤها إلى حد كبير، ذلك لأن الحياة الاقتصادية في بلاد العرب الجنوبية، إنما كانت تقوم على التجارة الدولية -فضلا عن مواردها الزراعية- حيث أن هذه البلاد العربية الجنوبية، إنما كانت مركزًا أساسيًّا لتبادل السلع، وكانت مرسى المحيط الهندي للتجارة مع البحر المتوسط، كما أتاحت القواعد التجارية التي أقامها العرب الجنوبيون على سواحل الهند والصومال لهم احتكار تجارة الذهب والبخور والمر وأخشاب الزينة، التي تصدرها تلك المناطق إلى الشمال١.
غير أنه في فترة الاحتلال الحبشي هذه، ازداد استعمال الطرق البحرية التي سيطر عليها الرومان والمصريون والهنود، فكانت هذه المنافسة الجديدة كارثة على تجارة القوافل بين العربية الجنوبية، وبين أرض الرافدين وفلسطين، وأخيرًا أدى انهيار سد مأرب في عام ٥٤٣م، إلى خراب أراضي الري اليانعة، وسدد ضربة الموت إلى ازدهار البلاد٢، محولا إياها إلى مناطق مقفرة، إلا القليل من أرضها التي ترويه الأمطار الصيفية أو تنساب فيه بعض السيول أو الجداول٣.
ومن ثم فقد كانت الثورات تقوم الواحدة تلو الأخرى، حتى جاءت الفرصة المنتظرة في شخص زعيم وطني من "حمير" يدعى "سيف بن ذي يزن" ويكنى "أبا مرة"، وهو معد يكرب بن أبي مرة"، والذي فر أبوه "أبو مرة بن ذي
стр. 381
يزن" إلى الحيرة والتجأ إلى ملكها "عمرو بن هند" بعد أن انتزع منه أبرهة زوجه "ريحانة بنت علقمة" وأم ولده "سيف" هذا، ثم أولدها أبرهة ولده "مسروق" وابنته "بسباسة"١.
وتذهب بعض الروايات إلى أن "سيفًا" هذا، إنما قد توجه أول الأمر إلى "بيزنطة"، وحاول عبثًا إقناع قيصرها إرسال حملة تقاتل إلى جانب اليمنيين، الذين يبغون تحرير بلادهم من سيطرة الأحباش، وفي التقاليد المنقولة أن سيفًا إنما أخفق في الحصول على عون من القسطنطينية ضد الحبشة، لما يربط القيصر بحلفائه الأحباش من علاقات سياسية واقتصادية، فضلا عن الروابط الدينية، حتى أن المسعودي ليروي أنه رده قائلا: "أنتم يهود، والحبشة نصارى، وليس في الديانة أن ننصر المخالف على الموافق"، ثم إن مناصرة العناصر الوطنية في اليمن لن تزيد القيصر على ما كان يلقاه من امتيازات في اليمن، امتيازات أخرى٢.
وهكذا فشل "سيف بن ذي يزن" في أن يحصل على أي عون من الإمبراطورية الرومانية، ومن ثم فقد اتجه إلى فارس لتشد أزره، أسوة بمناصرة الروم للأحباش، ويبدو أنه لجأ إلى النعمان بن المنذر حاكم الحيرة حتى يقدمه إلى "كسرى أنوشروان" "٥٣١-٥٨٩م"، على رواية، أو أنه اتصل به مباشرة بناء على وعد سابق لأبيه بالمساعدة، على رواية أخرى، وأيًّا ما كان الأمر، فإن كسرى قد شق عليه أن يضحي بأبناء فارس، ويطعمهم لرمال الصحراء القاسية، ومن ثم فقد قال له: "بعدت بلادك عنا وقل خيرها، والمسلك إليها وعر، ولست أغرر بجيشي"، وأمر له بمال، فخرج "سيف" وجعل ينثر الدراهم فانتهبها الناس فسمع كسرى، وعندئذ سأله عما حمله على ذلك، فقال: لم آتك للمال، وإنم جئتك للرجال، ولتمنعني من الذل والهوان، وإن جبال بلادي ذهب وفضة"، فأعجب كسرى بقوله، وقال: "يظن المسكين أنه أعرف ببلاده مني"٣.
стр. 382
وسواء أصحت هذه الروايات، أم أنها من نوع أساطير الأخباريين، فالذي لا شك فيه أن الأحباش قد أصبحوا أصحاب الكلمة العليا في سياسة العربية الجنوبية، منذ اختفاء ذي نواس من المسرح السياسي في اليمن، ومن ثم فقد عملوا على تدعيم المسيحية، وإتاحة الفرصة للنفوذ الروماني من أن يقوى ويشتد، الأمر الذي أزعج الفرس إلى حد بعيد، فعملوا على بث النفور في نفوس اليمنيين ضد الأحباش والرومان على السواء، ومن هنا نرى الهمداني يحدثنا عن نقش وجده في بلاد الحميريين- وإن ذهب البكري إلى أن قريشًا إنما وجدته في أساس الكعبة عند إعادة بنائها قبل البعثة -على حجر مكتوب بالمسند١، جاء فيه "لمن ملك ذمار؟ لحمير الأخيار، لمن ملك ذمار؟ للحبشة الأشرار، لمن ملك ذمار؟ لفارس الأحرار لمن ملك ذمار؟ لقريش التجار"٢.
وأيًّا ما كان الأمر، فإن الرواية تذهب بعد ذلك إلى أن "كسرى أنوشروان" "٥٣١-٥٨٩م" قد استشار وزراءه في الأمر، وتمت الموافقة على مساعدة "سيف بن ذي يزن"، ربما تحقيقًا لحلم فارس في السيطرة على طريق التجارة عبر البحر الأحمر، فضلا عن القضاء على النفوذ الروماني -السياسي والاقتصادي والديني- في اليمن، وأن تكون الحملة على اليمن من نزلاء السجون الفارسية، وأن يتراوح عددها بين ثمانمائة أو أكثر- وإن كانت هناك رواية جعلتهم سبعة آلاف وخمسمائة فارس- وأن تكون تحت قيادة الضابط الفارسي "وهريز"، وأن يتزوج الفرس من نساء اليمن، وأن لا يتزوج اليمنيون من النساء الفارسيات، فضلا عن خراج سنوي يحمله "سيف بن ذي يزن" إلى فارس٣، وهكذا وجدت فارس في طلب يهود العرب ووثنيهم مؤازرتها ضد الدولة النصرانية، وسيلة للتوسع في بلاد العرب، ومن ثم فإن بادية الشام في الشمال، وإن حالت دون توسع القوى الكبرى
стр. 383
في تلك الفترة من التاريخ في شبه الجزيرة العربية، فقد أصبحت أرض الجنوب مدخلا لتلك الدول توصلها إلى قلب البلاد١.
وتبحر الحملة إلى اليمن في ثماني سفائن، غرقت منها سفينتان، ووصل إلى ساحل عدن ست سفائن، وهنا يروي الإخباريون رواية، تكررت من قبل مع "أرياط"، إذ يزعمون أن "وهريز" قد أمر بأن تحرق السفائن جميعًا، ليعلم جنوده أنه ليس أمامهم، سوى النصر أو الموت، وأنه سأل "سيفًا" عما عنده، فأجابه: "ما شئت من رجل عربي وسيف عربي، ثم اجعل رجلي مع رجلك، حتى نموت جميعًا أو نظفر جميعًا"٢، وعلى أي حال، فإن الحملة ما أن بلغت اليمن حتى انضم إليها الكثير من أتباع سيف، وفي نفس الوقت سار إليها "مسروق" في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب- طبقًا لبعض الروايات- إلا أن المعركة سرعان ما انتهت باندحار الأحباش وأتباعهم، ولقى "مسروق" حتفه فيها، ودخل "وهريز" صنعاء، وملك اليمن، ونفى عنها الحبشة، ثم تركها -بأمر من كسى أنوشروان- لسيف بن ذي يزن، الذي رضي بدفع جزية وخراج يؤديه كل عام٣.
وهكذا نجح العرب اليمنيون في تحرير بلادهم من ربقة الاستعمار الحبشي، وقنع الفرس -على ما يبدو- بإقامة حكم وطني في اليمن يدين بالتبعية لهم، ومن ثم فقد أصبح "سيف بن ذي يزن" ملكًا على اليمن، في حوالي عام ٥٧٥م، فيما يرى المؤرخون المحدثون، وإن كان حكمه لم يشمل كل أنحاء البلاد، بل يبدو أن هناك رجالا من الفرس كانوا يحكمون في اليمن، منذ حوالي عام ٥٩٨م،
стр. 384
وأنهم كانوا يحملون لقب "وال ستراب"١، وعلى رأسهم من لقبه العرب بـ "الإصبهبذ"٢، وهذا يدل على أن الفرس قد استمرءوا المرعى فأقاموا في البلاد، وكأني بالعرب الجنوبيين وقد استبدلوا استعمارًا باستعمار٣.
وعلى أي حال، فإن خلاص اليمن من نير الاحتلال الحبشي كان له رنة فرح هائلة في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية، ووفدت العرب من الحجاز وغيرها على "سيف بن ذي يزن" يهنئونه بتحرير البلاد وعودة الملك إليه، ومن هذه الوفود وفد إمارة مكة برياسة سيدها وكبيرها "عبد المطلب بن هاشم"- جد النبي ﷺ ومعه أمية بن عبد شمس، وعبد الله بن جدعان، وأسد بن خويلد بن عبد العزى، في ناس من أشراف قريش، فأعظمهم سيف وأجلهم، ووصلهم بذهب وفضة، وإبل وجوار وعبيد، وقيل أنه أعطى عبد المطلب أضعاف ما أعطى غيره من الوفد، وهنا لم يرض أصحابنا الأخباريون أن يكون "سيف بن ذي يزن" أقل من غيره من ملوك اليمن العظام، الذين بشروا بمبعث رسول الله ﷺ ومن ثم فقد جعلوه يبشر عبد المطلب بمولد مولانا وسيدنا رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- ويخبره بما يعلم عنه٤.
ويرى الدكتور جواد علي أننا إذا أخذنا برواية المسعودي وغيره عن وفد مكة، وبما يذكره أهل الأخبار من أن فترة الاحتلال الحبشي لليمن كانت اثنتين وسبعين سنة، فإن الوفد المكي يجب أن يكون قد ذهب إلى صنعاء في عام ٥٩٧م، الأمر الذي يتناقض ووفاة عبد المطلب في العام الثامن من حملة الفيل -أي حوالي عام ٥٧٨ أو ٥٧٩م- وفي المؤرخين المحدثين، والذين ذهبوا إلى أن طرد الأحباش من اليمن، إنما كان في عام ٥٧٥م، ومن ثم تصبح زيارة وفد مكة برياسة "عبد المطلب
стр. 385
لليمن، أمرًا مقبولا١.
وإذا ما عدنا مرة أخرى إلى "سيف بن ذي يزن"، لوجدناه يتخذ سياسة في منتهى العنف بالنسبة إلى البقية الباقية من الحبش، فقتل البعض، واتخذ من البعض الآخر عبيدًا يسعون بين يديه بالحراب، ويبدو أن هذه المعاملة القاسية قد أثرت في نفوسهم، حتى أنهم انتهزوا أول فرصة، فوثبوا عليه وقتلوه٢.
ويعلم "كسرى" بالأمر، فيرسل، "وهريز" في أربعة آلاف من الفرس، ويأمره ألا يترك باليمن أسود، ولا ولد عربية من أسود، إلا قتله، صغيرًا كان أم كبيرًا، ولا يدع رجلا جعدًا قططًا قد شرك فيه السواد، إلا قتله"، ويفعل "وهريز" ما أمر به كسرى، فيستأصل البقية الباقية من الأحباش في اليمن٣.
ويبدو أن الفرس -الذين كانوا قد توسعوا في شبه الجزيرة العربية- قد طمعوا في اليمن، لأهميتها التجارية والسياسية "أولًا"، وليمنعوا بيزنطة من الاستيلاء عليها "ثانيًا"، ويبدوا كذلك أن "سيف بن ذي يزن" كان قد أحس بتدخلهم في كل شئون بلاده، ومن ثم فقد بدأ يعد العدة للتخلص منهم، كما تخلص من الأحباش من قبل، إلا أن الفرس كانوا قد فطنوا إلى خطته، ومن ثم فقد تآمروا عليه ودبروا أمر قتله، وربما كان بعض الأحباش وسيلتهم إلى ذلك، حتى تصبح اليمن واحدة من ولايات الإمبراطورية الساسانية٤.
وأيًّا ما كان الأمر، فلقد أصبح أمر اليمن بيد "وهريز" من قبل كسرى، ثم جاء من بعده ولده "المزربان" ثم حفيده "البينجان" ثم "خرخرة" بن "البينجان" وأخيرًا "باذان" الذي قدر له شرف الدخول في الإسلام٥، وهنا لعل من الأهمية
стр. 386
بمكان الإشارة إلى أن حكم الفرس لليمن، إنما كان يكاد يكون مقصورًا على العاصمة "صنعاء" ومجاوراتها، وأن قبائل اليمن إنما كانت تتمتع أبدًا بحريتها١، وأن الحكم فيها إنما ترك لأبناء الملوك من الأسر المالكة القديمة، وللأقيال والأذواء، وهم الذين عرفوا عند الإخباريين بملوك الطوائف٢، وأن القبائل اليمنية أصبحت تعيش كبقية قبائل شبه الجزيرة العربية في صراع فيما بينها، كما أصبح لها أسواق، تشبه أسواق بقية عرب داخل شبه الجزيرة، تأمن فيها على دمائها وأموالها٣.
ومع ذلك فليس هناك من شك في أن الفرس قد كسبوا الكثير من احتلالهم لليمن، فقد أصبحوا يسيطرون سيطرة فعلية على الطريق البحري التجاري إلى الهند عبر البحر الأحمر، كما سيطروا كذلك على الطريق البحري التجاري إلى الهند عبر البحر الأحمر، كما سيطروا كذلك على الطريق البري- طريق الحجاز- ولم يلبث الفرس أن توجوا جهودهم بفتح الشام ومصر، وأدرك هرقل "٦١٠-٦٤١م" أن الفرس قد أصبحوا أصحاب السلطان الفعلي على سواحل البحر المتوسط والبحر الأحمر، وأنهم خنقوا دولة أكسوم الحبشية -حليفة الروم- ولكن هذا الوضع سرعان ما تغير سريعا، إذ تمكن هرقل من استرداد سلطانه على الشام ومصر بعد حملة بحرية واحدة٤.
أما اليمن فكان الأمر فيها مختلفًا إلى حد كبير، ففي السنة السادسة من هجرة مولانا وسيدنا رسول الله ﷺ دخل "باذان" في الإسلام، ومن ثم فقد قضى على اليهودية والنصرانية والوثنية في اليمن، فضلا عن الحكم الأجنبي -حبشيًّا كان أم فارسيًّا٥- في الفترة ما بين عامي ٦٢٨، ٦٣٠م٦، وإن كانت رواية الطبري يفهم، منها أن "باذان" إنما أسلم في عام ٦٢٨م، حيث تذكر أنه أسلم بعد أن جاءته الأخبار من فارس بقتل "كسرى أبرويز" "٥٩٠-٦٢٨م" وتولية "شيرويه" بعده، والذي لم يبق على العرش أكثر من ثمانية شهور٧.
стр. 387
الفصل الثاني عشر: مكة المكرمة .
١- مكة: نشأتها وتطورها .
ليس من شك في أن مكة المكرمة أهم مواضع الحضر في الحجاز على الإطلاق، وأنها ربما ترجع في نشأتها الأولى إلى عهد الخليل وولده إسماعيل، ﵉، وأن سكانها من الإسماعيليين، إلى جانب قبائل عربية، لم يذكر لنا المؤرخون عنها معلومات دقيقة، كالعماليق وجرهم وخزاعة١، وأن الإسماعيليين -أو العدنايين كما يسميهم المؤرخون المسلمون- كانوا يتكلمون اللغة العربية التي لم تصلنا بها نقوش مكتوبة، ربما بسبب عدم وجود خط متميز لهم قبل الإسلام -كخط المسند في الجنوب- وربما لأن طبيعة السكان في الحجاز لم تكن تميل إلى الكتابة٢، وإن وجدت كتابات لغير الإسماعيليين في الحجاز.
ويختلف المؤرخون في اشتقاق كلمة "مكة"، فذهب فريق إلى أنها إنما سميت كذلك، لأنها تمك الجبارين، أي تذهب نخوتهم، وذهب فريق ثان إلى أنها إنما تقع بين جبلين مرتفعين عليها، وهي في هبطة بمنزلة المكوك، وذهب فريق ثالث إلى أن الكلمة مشتقة من "أمتك" من قولهم: أمتك الفصيل ضرع أمه، إذا مصه مصا شديدا، ولما كانت مكة مكانا مقدسا للعبادة فقد أمتكت الناس، أي جذبتهم من
стр. 388
جميع الأطراف١، إلى غير ذلك من التفسيرات المألوفة عند الأخباريين في تفسير الأسماء القديمة التي لا علم لهم بها.
غير أن اسم مكة لما كان سابقا لتفسيرات الأخباريين هذه، ولما كان الجنوبيون قد سكنوا مكة مع الإسماعيليين، فإن هناك من يرجح أن الاسم إنما أخذ من لغة الجنوب، مستندا إلى البيت الحرام، فمكة أو "مكرب" -في رأي هذا الفريق من العلماء- كلمة يمنية مكونة من "مك" و "رب"، ومك بمعنى بيت، فتكون "مكرب" بمعنى "بيت الرب" أو "بيت الإله"، ومن هذه الكلمة أخذت مكة -أو بكة بقلب الميم باء على عادة أهل الجنوب- ويرى "بروكلمان" أنها مأخوذة من كلمة "مقرب" العربية الجنوبية، ومعناها "الهيكل"٢.
ويطلق القرآن الكريم على مكة عدة أسماء، منها "بكة" لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِين﴾ ٣، وهنا يحاول الأخباريون أن يفرقوا بين مكة، وبكة، فالأولى هي القرية كلها، والثانية إنما المراد بها موضع البيت الحرام، أو أن "بكة" هي موضع البيت، ومكة ما سوى ذلك٤.
ومنها "أم القرى" لقوله تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٥، ولعل هذه التسمية إنما تشير إلى أن مكة هي أعظم مدن الحجاز؛ ولأنها تضم بيت الله، أول
стр. 389
بيت وضع للناس، فيه هدى وفيه البركة، وفيه الخير الكثير، جعله الله مثابة أمن للناس١، وللأحياء جميعًا، ومنه خرجت الدعوة العامة لأهل الأرض، ولم تكن هناك دعوة عامة من قبل، وإليه يحج المؤمنون بهذه الدعوة من كل الأجناس٢، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق﴾ ٣.
ومن أسماء مكة كذلك "البلد" لقوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ ٤، ومنها: "البلد الأمين"٥ لقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ، وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِين ِ﴾ ٦.
وأما أقدم ذكر للبلد الحرام في النصوص القديمة، فإنما يرجع إلى القرن الثاني الميلادي، إذ يحدثنا الجغرافي اليوناني بطليموس "١٣٨-١٦٥م" عن مدينة دعاها
стр. 390
"ماكورابا" "مكربة" "Macoraba"، رأى العلماء أنها مكة المكرمة١، هذا ويذهب "أوجست ميلر" وغيره، إلى أن المعبد الذي ذكره "ديودور الصقلي"- "من القرن الأول الميلادي" في أرض قبيلة عربية دعاها "Bizomeni"، إنما يعني به "بيت مكة"، أمر غير مقبول، فهو يقع بعيدًا عن مكة في "حسمي" في مكان دعاه "ألويس موسل" باسم "عوافة"، حيث بنت قبيلة ثمود، فيما بين عام ١٦٦، وبداية عام ١٦٩م معبدا هناك٢، وربما كان هذا المعبد هو الذي أشار إليه "ديودور" على أنه المعبد الذي يقدسه العرب٣.
على أن تاريخ المدينة إنما يعود إلى ما قبل عصر بطليموس بكثير، فهناك من يرى أنها سابقة لكتابة أسفار العهد القديم "التوراة"٤، فإنما هي "ميشا" المشار إليها في سفر التكوين٥، وهي "ميشا" التي يقول الرحالة "برتون" أنها كانت بيتًا مقصودا لعبادة أناس من الهند، ويقول الرحالة الشرقيون أنها كانت كذلك بيتًا مقصودا للصابئين، الذين أقاموا في جنوب العراق قبل الميلاد بأكثر من عشرة قرون٦.
على أنه من الغريب أن بعض المؤرخين العرب إنما يذهب إلى أن تأسيس المدينة المقدسة، إنما كان في منتصف القرن الخامس الميلادي٧، ومن ثم فإنه يتأخر بتاريخها حوالي ثلاثة وعشرين قرنًا، لسبب لا أدريه، وإن كان يخيل إلي أنه اعتبر تاريخ مكة لا يبدأ إلا بقصي بن كلاب، الذي حدد له القرن الخامس