← История

История · id 12007

دراسات في تاريخ العرب القديم

محمد بيومى مهران

Полный текст (645 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بمكان الإشارة إلى أن حكم الفرس لليمن، إنما كان يكاد يكون مقصورًا على العاصمة "صنعاء" ومجاوراتها، وأن قبائل اليمن إنما كانت تتمتع أبدًا بحريتها١، وأن الحكم فيها إنما ترك لأبناء الملوك من الأسر المالكة القديمة، وللأقيال والأذواء، وهم الذين عرفوا عند الإخباريين بملوك الطوائف٢، وأن القبائل اليمنية أصبحت تعيش كبقية قبائل شبه الجزيرة العربية في صراع فيما بينها، كما أصبح لها أسواق، تشبه أسواق بقية عرب داخل شبه الجزيرة، تأمن فيها على دمائها وأموالها٣. ومع ذلك فليس هناك من شك في أن الفرس قد كسبوا الكثير من احتلالهم لليمن، فقد أصبحوا يسيطرون سيطرة فعلية على الطريق البحري التجاري إلى الهند عبر البحر الأحمر، كما سيطروا كذلك على الطريق البحري التجاري إلى الهند عبر البحر الأحمر، كما سيطروا كذلك على الطريق البري- طريق الحجاز- ولم يلبث الفرس أن توجوا جهودهم بفتح الشام ومصر، وأدرك هرقل "٦١٠-٦٤١م" أن الفرس قد أصبحوا أصحاب السلطان الفعلي على سواحل البحر المتوسط والبحر الأحمر، وأنهم خنقوا دولة أكسوم الحبشية -حليفة الروم- ولكن هذا الوضع سرعان ما تغير سريعا، إذ تمكن هرقل من استرداد سلطانه على الشام ومصر بعد حملة بحرية واحدة٤. أما اليمن فكان الأمر فيها مختلفًا إلى حد كبير، ففي السنة السادسة من هجرة مولانا وسيدنا رسول الله ﷺ دخل "باذان" في الإسلام، ومن ثم فقد قضى على اليهودية والنصرانية والوثنية في اليمن، فضلا عن الحكم الأجنبي -حبشيًّا كان أم فارسيًّا٥- في الفترة ما بين عامي ٦٢٨، ٦٣٠م٦، وإن كانت رواية الطبري يفهم، منها أن "باذان" إنما أسلم في عام ٦٢٨م، حيث تذكر أنه أسلم بعد أن جاءته الأخبار من فارس بقتل "كسرى أبرويز" "٥٩٠-٦٢٨م" وتولية "شيرويه" بعده، والذي لم يبق على العرش أكثر من ثمانية شهور٧.

стр. 387

الفصل الثاني عشر: مكة المكرمة . ١- مكة: نشأتها وتطورها . ليس من شك في أن مكة المكرمة أهم مواضع الحضر في الحجاز على الإطلاق، وأنها ربما ترجع في نشأتها الأولى إلى عهد الخليل وولده إسماعيل، ﵉، وأن سكانها من الإسماعيليين، إلى جانب قبائل عربية، لم يذكر لنا المؤرخون عنها معلومات دقيقة، كالعماليق وجرهم وخزاعة١، وأن الإسماعيليين -أو العدنايين كما يسميهم المؤرخون المسلمون- كانوا يتكلمون اللغة العربية التي لم تصلنا بها نقوش مكتوبة، ربما بسبب عدم وجود خط متميز لهم قبل الإسلام -كخط المسند في الجنوب- وربما لأن طبيعة السكان في الحجاز لم تكن تميل إلى الكتابة٢، وإن وجدت كتابات لغير الإسماعيليين في الحجاز. ويختلف المؤرخون في اشتقاق كلمة "مكة"، فذهب فريق إلى أنها إنما سميت كذلك، لأنها تمك الجبارين، أي تذهب نخوتهم، وذهب فريق ثان إلى أنها إنما تقع بين جبلين مرتفعين عليها، وهي في هبطة بمنزلة المكوك، وذهب فريق ثالث إلى أن الكلمة مشتقة من "أمتك" من قولهم: أمتك الفصيل ضرع أمه، إذا مصه مصا شديدا، ولما كانت مكة مكانا مقدسا للعبادة فقد أمتكت الناس، أي جذبتهم من

стр. 388

جميع الأطراف١، إلى غير ذلك من التفسيرات المألوفة عند الأخباريين في تفسير الأسماء القديمة التي لا علم لهم بها. غير أن اسم مكة لما كان سابقا لتفسيرات الأخباريين هذه، ولما كان الجنوبيون قد سكنوا مكة مع الإسماعيليين، فإن هناك من يرجح أن الاسم إنما أخذ من لغة الجنوب، مستندا إلى البيت الحرام، فمكة أو "مكرب" -في رأي هذا الفريق من العلماء- كلمة يمنية مكونة من "مك" و "رب"، ومك بمعنى بيت، فتكون "مكرب" بمعنى "بيت الرب" أو "بيت الإله"، ومن هذه الكلمة أخذت مكة -أو بكة بقلب الميم باء على عادة أهل الجنوب- ويرى "بروكلمان" أنها مأخوذة من كلمة "مقرب" العربية الجنوبية، ومعناها "الهيكل"٢. ويطلق القرآن الكريم على مكة عدة أسماء، منها "بكة" لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِين﴾ ٣، وهنا يحاول الأخباريون أن يفرقوا بين مكة، وبكة، فالأولى هي القرية كلها، والثانية إنما المراد بها موضع البيت الحرام، أو أن "بكة" هي موضع البيت، ومكة ما سوى ذلك٤. ومنها "أم القرى" لقوله تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٥، ولعل هذه التسمية إنما تشير إلى أن مكة هي أعظم مدن الحجاز؛ ولأنها تضم بيت الله، أول

стр. 389

بيت وضع للناس، فيه هدى وفيه البركة، وفيه الخير الكثير، جعله الله مثابة أمن للناس١، وللأحياء جميعًا، ومنه خرجت الدعوة العامة لأهل الأرض، ولم تكن هناك دعوة عامة من قبل، وإليه يحج المؤمنون بهذه الدعوة من كل الأجناس٢، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق﴾ ٣. ومن أسماء مكة كذلك "البلد" لقوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ ٤، ومنها: "البلد الأمين"٥ لقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ، وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِين ِ﴾ ٦. وأما أقدم ذكر للبلد الحرام في النصوص القديمة، فإنما يرجع إلى القرن الثاني الميلادي، إذ يحدثنا الجغرافي اليوناني بطليموس "١٣٨-١٦٥م" عن مدينة دعاها

стр. 390

"ماكورابا" "مكربة" "Macoraba"، رأى العلماء أنها مكة المكرمة١، هذا ويذهب "أوجست ميلر" وغيره، إلى أن المعبد الذي ذكره "ديودور الصقلي"- "من القرن الأول الميلادي" في أرض قبيلة عربية دعاها "Bizomeni"، إنما يعني به "بيت مكة"، أمر غير مقبول، فهو يقع بعيدًا عن مكة في "حسمي" في مكان دعاه "ألويس موسل" باسم "عوافة"، حيث بنت قبيلة ثمود، فيما بين عام ١٦٦، وبداية عام ١٦٩م معبدا هناك٢، وربما كان هذا المعبد هو الذي أشار إليه "ديودور" على أنه المعبد الذي يقدسه العرب٣. على أن تاريخ المدينة إنما يعود إلى ما قبل عصر بطليموس بكثير، فهناك من يرى أنها سابقة لكتابة أسفار العهد القديم "التوراة"٤، فإنما هي "ميشا" المشار إليها في سفر التكوين٥، وهي "ميشا" التي يقول الرحالة "برتون" أنها كانت بيتًا مقصودا لعبادة أناس من الهند، ويقول الرحالة الشرقيون أنها كانت كذلك بيتًا مقصودا للصابئين، الذين أقاموا في جنوب العراق قبل الميلاد بأكثر من عشرة قرون٦. على أنه من الغريب أن بعض المؤرخين العرب إنما يذهب إلى أن تأسيس المدينة المقدسة، إنما كان في منتصف القرن الخامس الميلادي٧، ومن ثم فإنه يتأخر بتاريخها حوالي ثلاثة وعشرين قرنًا، لسبب لا أدريه، وإن كان يخيل إلي أنه اعتبر تاريخ مكة لا يبدأ إلا بقصي بن كلاب، الذي حدد له القرن الخامس

стр. 391

الميلادي١، وطبقًا لرواية الأخباريين التي ذهبت إلى أن مكة لم يكن بها بناء غير الكعبة إلى أن تولى أمرها "قصي بن كلاب"، ذلك لأن جرهم وخزاعة- فيما يزعمون- لم يكونوا براغبين في إقامة بيوت بجوار بيت الله الحرام٢، وكأنما يريد هؤلاء الإخباريون أن يقولوا لنا أن مكة ظلت على بداوتها، منذ أن أقام بها إسماعيل، ﵇، في القرن التاسع عشر ق. م، وحتى أصبح أمرها بيد "قصي بن كلاب" في القرن الخامس الميلادي، وتلك مبالغة -فيما أظن- غير مقبولة. هذا وقد ذهبت آراء أخرى إلى أن تأريخ مكة، إنما يرجع إلى القرن الأول ق. م، اعتمادًا على رواية "ديودور الصقلي" -الآنفة الذكر- ورغم أن ديودور لم يذكر تاريخ واسم المعبد، إلا أن أصحاب هذا الاتجاه إنما رأوا أن وصف ديودور للمعبد بأنه كان محجة للعرب جميعًا، لا ينطبق إلا على الكعبة المشرفة٣، ولكن "ديودور" لم يحدد لنا بدء سكنى المدينة المقدسة، فضلا عن تحديد تاريخ بناء المعبد نفسه، ومن ثم فربما اعتمد المؤرخون في تحديدهم للقرن الأول ق. م، كبداية لسكني مكة، على أنه العصر الذي عاش بعده ديودور الصقلي. ويذهب "دوزي" إلى أن تاريخ مكة إنما يرجع إلى أيام داود ﵇، حيث أقام بني شمعون بن يعقوب -والذين يسميهم الأخباريون جرهم- الكعبة٤، في القرن العاشر ق. م٥، وتلك أكذوبة كبرى لأسباب، منها "أولًا" أن قبيلة شمعون الإسرائيلية لم تهاجر أبدًا إلى مكة، وإنما كل ما جاء عنها -وطبقًا لرواية التوراة نفسها٦- أنها هاجرت على أيام حزقيا ملك يهوذا "٧١٥-٦٨٧ق. م" إلى الجنوب الغربي من واحة معان، ثم تابعت سيرها حتى نهاية الجنوب الغربي لجبل سعير، حيث قضوا على بقايا ضعيفة، أو جيوب صغيرة للعماليق هناك٧، ومنها

стр. 392

"ثانيًا" أن قبيلة شمعون هذه كانت أضعف القبائل الإسرائيلية حتى عشية موت سليمان، ﵇، في عام ٩٢٢ق. م، وانقسام الدولة بعد ذلك مباشرة، إلى يهوذا وإسرائيل، ويكاد يجمع المؤرخون اليهود أنفسهم على أن قبيلة شمعون إنما كانت دائمًا وأبدا تعيش على هامش القبائل الإسرائيلية، وأنها أبدًا لم تحتل المكانة التي تجعلها تقوم بدور مستقل في العصر التاريخي الإسرائيل١، فضلا عن أن تقوم بهجوم ساحق على بلاد العرب وتستولي على مكة. ومنها "ثالثًا" أن التوراة نفسها تكاد تتجاهل سبط شمعون، دون غيره من أسباط إسرائيل، ربما لضآلة شأنه، حتى إنها لا تكاد تتعرض لذكر هذا السبط، إلا عند دخول بني إسرائيل أرض كنعان٢، وإلا بعد طلب يهوذا٣، ثم مرة أخرى، عند رحيله من جنوب يهوذا إلى واحة معان، في أخريات القرن الثامن وأوائل القرن السابع ق. م، كما أشرنا من قبل، مما دفع بعض الباحثين إلى أن يذهبوا بعيدًا، فيرون أن سبط شمعون لم يكن له وجود في عالم الحقيقة٤. ومنها "رابعًا" أن هذا الرأي إنما يؤمن بغير حدود بما ذهب إليه بعض المستشرقين من أن الخليل ﵇، لم يذهب إلى الحجاز، وبالتالي لم يقم مع ولده إسماعيل ببناء الكعبة، وهو زعم لا يعتمد إلا على التعصب ضد العرب، وعلى معارضة الحقائق التاريخية، فضلا عما جاء في القرآن الكريم بشأن هذه الأحداث الثابتة٥، ومنها "خامسًا" أنه يتأخر بتاريخ مكة المكرمة، قرابة قرون تسعة. وهناك رواية إخبارية يزعم أصحابها أن العماليق إنما كانو يعيشون في مكة والمدينة وبقية مدن الحجاز، وأنهم قد عاثوا في الأرض فسادا، ومن ثم فقد أرسل إليهم، موسى، ﵇، جيشا قضى عليهم، وسكن اليهود المنطقة بدلا عنهم٦

стр. 393

ولا ريب في أن هذا زعم مكذوب من أساسه -الأمر الذي سوف نناقشه بالتفصيل عند الحديث عن المدينة المنورة- وعلى أي حال، فإن موسى إنما كان يعيش في القرن الثالث عشر ق. م، وأنه خرج بالإسرائيليين من مصر حوالي عام ١٢١٤ق. م، كما حددنا ذلك في كتابنا إسرائيل١. والرأي عندي أن تاريخ مكة إنما يرجع إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر قبل الميلاد، ذلك أننا نعرف -تاريخيًّا ودينيا- أن الخليل ﵇، قد أتى بولده إسماعيل وزوجه هاجر من فلسطين، وأسكنهما هناك في هذه البقعة المباركة٢، طبقًا لصريح القرآن الكريم، حيث يقول ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ ٣ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ ٤، وإذا ما تذكرنا أن الخليل ﵇، كان يعيش في الفترة "١٩٤٠-١٧٦٥ق. م"٥، وأنه قد رزق بولده إسماعيل، وهو في السادسة والثمانين من عمره٦، فإن إسماعيل يكون قد ولد حوالي عام ١٨٥٤ق. م، ولما كان قد عاش ١٣٧ عامًا٧، فإنه يكون قد انتقل إلى جوار ربه الكريم، حوالي عام ١٧١٧ق. م، ومن ثم فإنه قد عاش في الفترة "١٨٥٤-١٧١٧ق. م" وإذا كان صحيحًا ما ذهب إليه بعض المؤرخين من أنه قد شارك أباه

стр. 394

في بناء الكعبة، وهو في الثلاثين من عمره١، تصديقا لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ ٢، فإن بناء الكعبة حينئذ يكون حوالي عام ١٨٢٤ق. م، وهذا يعني أن مكة قد عمرت منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر ق. م، وهو تاريخ يجعلها واحدة من أقدم مدن بلاد العرب الجنوبية والشمالية سواء بسواء. وعلى أي حال، فلقد عاش إسماعيل بجوار بيت الله الحرام، وتزوج من امرأة مصرية على رواية التوراة٣، ومن يمنية على رواية الأخباريين٤، وقد أنجب من زوجته المصرية أو اليمنية، لست أدري على وجه التأكيد، أولاده الاثني عشر، وهم -طبقًا لرواية التوراة٥- "بنايوت وقيدار وأدبئيل ومبسام ومشماع ودومه ومسا وحدار ويطور ونافيش وقدمه" وقد نقلهم الأخباريون في كتبهم بشيء قليل أو كثير من التحريف٦. وأيا ما كان الأمر، فإن إسماعيل قد ظل -بعد إبراهيم- يدعو الناس إلى عبادة الله في مكة ومجاوراتها، حتى إذا ما انتقل إلى جوار ربه الكريم، قام بنوه من بعده على السلطة الزمنية في مكة، وعلى خدمة البيت الحرام، غير أن "جرهم"- طبقا لرواية الإخباريين -سرعان ما تولت أمر البيت، وأبناء إسماعيل مع أخوالهم لا يرون أن ينازعوهم الأمر، لخوؤلتهم وقرابتهم، وإعظاما للحرمة أن يكون بها

стр. 395

بغي أو قتال، إلى أن قدمت قبائل "الأزد" مهاجرة من اليمن، في فترة لا نستطيع تحديدها على وجه اليقين، ونازعت واحدة من هذه القبائل "خزاعة" جرهم أمر البيت، حتى استولت عليه وطردت جرهم من مكة، ولم يلبث أبناء إسماعيل أن انتشروا في أنحاء الجزيرة العربية، وخاصة في شمالها، وليست أسماء القبائل التي تنسب إلى إسماعيل، إلا أسماء أبنائه أو أحفادهم١. وتاريخ بني إسماعيل من هذه الفترة، وحتى عهد قصي، غامض غموضا شديدا، ولا يعرف حنى المؤرخون العرب كيف يملئون فراغ هذه القرون المتطاولة، ولا تبزغ شمسهم -مشبعة بالغيوم- فوق أفق التاريخ الحقيقي، إلا من عهد قصي في منتصف القرن الخامس الميلادي، على أن هذا لا يمنعنا أن نذكر -طبقًا لروايات الإخباريين- أنهم هم الذين قاموا على الحكومة والبيت في مكة، ثم تلاهم الجراهمة، فالخزاعيون، ثم ردت إليهم بضاعتهم من جديد، على أيام قصي بن كلاب٢.

стр. 396

٢- مكة في عصر قصي: لعل أهم ما يميز ذلك العصر، أنه العصر الذي بدأت به السيادة القرشية على مكة، بقيادة رجلها العظيم "قصي بن كلاب" -الجد الرابع للمصطفى صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- الذي جمع أمر مكة في يديه، ثم ورثه لأبنائه من بعده، بعد أن أزاح الخزاعيين عنها في حوالي منتصف القرن الخامس الميلادي، مما اضطرهم إلى الرحيل عن مكة، والنزول في بطن مر "وادي فاطمة"، وهكذا أصبح قصي رئيسًا للحكومة المكية وزعيما لديانتها، ومن ثم فقد اجتمعت له السقاية والحجابة والرفادة واللواء ودار الندوة، وهي أمور لم تجتمع لرجل من قبله١.

стр. 397

ويجمع المؤرخون على أن قصيا هذا من ولد إسماعيل، فهو "قصي١ بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد"، وإن كانوا يختلفون في أسماء الفترة حتى إسماعيل، ولعل أرجح سلسلة الأنساب هي التي تقول إن عدنان هو "ابن أدد بن زيد بن ثري بن أعراق الثري"، وأما "ثري" فهو نبت أو نبايوت، وأما "أعراق الثري" فهو إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليهما السلام٢، وإلى هذا يشير الحديث الشريف: "اختار الله من ولد إسماعيل كنانة، واختار قريشًا من كنانة، واختار بني هاشم من قريش، واختارني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار " ٣. ويروي الأخباريون أن "فاطمة بنت سعد" قد تزوجت بعد وفاة "كلاب" برجل من "بني عذرة" فحملها معه إلى موطن قبيلته على مشارف الشام، فأخذت معها ولدها زيد، والذي لقب بقصي لبعده عن ديار أبيه، ولما بلغ قصي مبلغ الرجال وعرف حقيقة نسبه، وأنه قرشي -وليس عذريا- عاد إلى مكة، ثم تزوج من ابنة خليل الخزاعي، غير أن الرجل لم يلبث إلا قليلا حتى هلك، وهنا يعلن قصي حقه في ولاية البيت الحرام -إرثا من جده إسماعيل- فتقوم الحرب بين خزاعة وحلفائها من جانب، وبين قصي ومن ناصره من كنانة وإخواته من بني عذرة من جانب آخر، ويكتب في نهايتها لقصي نجاحا بعيد المدى في هزيمة خزاعة ومن والاها من بكر، وفي أن يجليها عن المدينة المقدسة، وفي أن يصبح سيد مكة دون منازع٤.

стр. 398

وتذهب بعض المراجع إلى أن القيصر إنما قد أعان قصيا على خزاعة١، فإذا كان ذلك كذلك، فربما كان الغساسنة هم وسيلة قيصر إلى ذلك، وربما كانت قبيلة عذرة -التي تربى فيها قصي- هي التي قامت بهذا الدور، بخاصة وأنها من القبائل المتنصرة، التي كانت تعيش على مقربة من النفوذ الروماني في الشام، والذي ربما كان يمتد إليها كذلك، وهنا فلعل أقرب الفروض إلى الصواب، أن تكون المساعدة الرومية لقصي عن طريق واحد من حكام الولايات الجنوبية، ولعلها "بصرى" في شكل مساعدة مالية، أو بإيعاز إلى إحدى القبائل الظاعنة حول الحدود الفلسطينية، بمساعدة قصي٢، وإذا كان صحيحًا ما ذهبت إليه المراجع العربية، من أن إخوة قصي من عذرة قد ساعدوه في القضاء على خزاعة٣، كما أشرنا من قبل، فإن قبيلة عذرة هي التي قامت بهذا الدور. وأيا ما كان الأمر، فلقد نجح قصي في القضاء على نفوذ خزاعة ومن والاها من بكر، وفي أن يجليهم عن مكة، وفي أن يصبح هو سيد المدينة المقدسة، وصاحب ولاية البيت الحرام، وأن يفرض نفوذه على بطون كنانة التي كانت تلي بعض مناسك الحج، وأن ينزل قريشًا مكة، وكان بعضًا من بطونها مقيما في الشعاب ورءوس الجبال، ثم يقسمها أرباعا بينهم، ومن ثم فقد سمي "مجمعا"، وهكذا تزعم قصي قومه فملكوه عليهم، فكان أول ولد كعب بن لؤي أصاب ملكًا وأطاع له به قومه، وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، فحاز شرف قريش كله٤.

стр. 399

ولعل هذه الأحداث هي التي كانت سببًا في أن يذهب بعض المستشرقين الذين اعتادوا الشك في كل رواية عربية أو إسلامية، إلى أن قصيا إنما هو شخصية خيالية، ابتدعها خيال الإسلاميين على زعم، وشخصية حربية جاءت من الشمال من السهول المحيطة بسورية على زعم آخر، ويبلغ الخيال أشده بهؤلاء المؤرخين الأوربيين حين يزعمون أن قريشًا نفسها -تلك القبيلة التي نجحت في أن تحكم مكة وأن تنقلها من مرحلة البداوة إلى زعامة شبه الجزيرة العربية، وأن تنشئ لنفسها من التنظيم السياسي والاقتصادي والديني ما يكفل لها هذا التقدم، وما يدل على معرفة كبيرة بشئون الحكم والاستقرار- لا يمكن أن تكون من هذه القبائل المتبدية في تهامة والحجاز، ومن ثم فلا بد أن تكون -فيما يزعمون- قد قدمت من الشمال، أو من وديان العراق، وربما كانت من بقايا الأنباط الذين قضى الرومان على دولتهم في أوائل القرن الثاني الميلادي، خاصة وأن قريشًا قد برعت في التجارة التي برع الأنباط فيها من قبل، كما أن لغتها التي سادت بلاد العرب، إنما هي لغة شمالية أكثر منها جنوبية١. ولا ريب في أن هذا الزعم قد جانبه الصواب إلى حد كبير، وذلك لأسباب منها "أولًا" أن قصيا إنما هو شخصية حقيقية قد عاشت في فترة لا تبعد كثيرًا عن الإسلام، ومن ثم فلا يمكن القول أن الخيال قد اختلط بالتاريخ فيما يدور حولها من أحداث، ومنها "ثانيًا" أن القرشيين أنفسهم قد سبقوا هؤلاء المتشككين من المستشرقين إلى القول، بأنهم إنما يرتبطون بالأنباط بصلات القربي حتى أن "ابن عباس" قد أعلن منذ ما يقرب من أربعة عشر قرنًا "نحن معاشر قريش من النبط"، فضلا عن أن لغة الحجاز لم تتطور من اليمنية مباشرة، وإنما جاء التطور

стр. 400

من العربية القديمة إلى الآشورية إلى الآرامية إلى النبطية إلى القرشية١، ومن ثم فإن القرابة بين الأنباط والقرشيين أمر معروف، وما أتى المستشرقون بجديد فيها، الأمر الذي سنشير إليه عند الحديث عن الأنباط، ومنها "ثالثًا" أن هناك في المراجع العربية ما يشير إلى أن قريشًا عندما طردت خزاعة من مكة، فإن بعضًا من رجال خزاعة قد وهب مسكنه، ومنهم من باعه، ومنهم من أسكنه، مما يدل على أن مكة إنما كانت عشية تسلم قصي زمام السلطة فيها مأهولة بسكانها من الخزاعيين، فما فعل قصي إلا أن أحل قريشًا مكان خزاعة، بعد أن كان بعض منها يسكن الشعاب ورءوس الجبال -كما أشرنا من قبل- ويؤيد هذه الحقيقة أن القرآن الكريم إنما يسمي مكة "أم القرى"، حيث يقول : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٢، ويقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ ٣، وبدهي أن ذلك إنما يعني أن مكة كانت عاصمة المنطقة وقت ذاك، وأن أهل المنطقة إنما كانوا يعرفون هذه التسمية التي أطلقها القرآن الكريم على مكة، كما أن مكة هذه لن توجد بين عشية وضحاها، أو أن العمران يتطور فيها إلى أن تصبح عاصمة للحجاز، فيما بين عهد قصي والبعثة النبوية الشريفة، وهي فترة لا تزيد كثيرًا عن قرن ونصف قرن من الزمان.

стр. 401

ومنها "رابعًا" أن مكة إنما تقع على طريق القوافل بين جنوب بلاد العرب وشمالها، فضلا عن أنها قريبة من البحر الأحمر، ومن ثم فمن غير المقبول أن نتصور مكة، ولها مثل هذا الموقع الجغرافي الممتاز، دون أن تتصل بالعالم الخارجي، وتأخذ عنه بأسباب الحضارة، وقد فعلت مكة ذلك منذ أيام خزاعة على الأقل، على أن ما أقرته مكة في عهد قصي من نوع الحكم، إنما هو في جوهره تنظيم قبلي موجود في تشكيل القبيلة العربية١. وأخيرًا منها "خامسًا" فإن هناك من آثار قصي، وأعني به دار الندوة، وما بقي حتى أيام الأمويين والعباسيين من بعدهم، ويحدثنا التاريخ أن معاوية بن أبي سفيان "٤١-٦٠هـ-٦٦١-٦٨٠م" قد اشترى دار الندوة من صاحبها بمائة ألف درهم، وجعلها دارا للإمارة في مكة، وأن الخليفة العباسي المعتضد بالله قد أمر بهدمها وإدخالها في المسجد الحرام٢. وأيا ما كان الأمر، فإن قصيا إنما هو أول رئيس من رؤساء مكة يمكننا الحديث عنه، دون أن يخالجنا ريب فيما نقول، فالرجل قد خلد ذكراه في التاريخ بأعماله العظيمة في مكة، رغم ريب المرتابين، والرجل قد أوجد من النظم في تنظيم الحج إلى بيت الله الحرام، ما بقي بعده مئات السنين، والرجل هو الذي جعل البلد الحرام خالصا لأهله من بني كنانة من ولد إسماعيل، ﵇، بعد أن أبعد عنه المغتصبين من خزاعة. وقد قام قصي بعدة إصلاحات في مكة، فبعد أن جمع القرشيين المبعثرين في نواحي متعددة إلى وادي مكة، جعل لكل بطن حيا خاصًا به على مقربة من الكعبة، حتى تكون منازل القوم بجوار البيت الحرام، فيتعهدونه بالصيانة، ويدفعون عنه الخطر، ومن ثم فإنه لم يترك بين الكعبة والبيوت التي بنتها بطون قريش، إلا بمقدار ما يسمح للناس بالطواف، وإن كان أهم أعماله إنما هو إنشاؤه "دار الندوة"، حيث كان يدار فيها -تحت رياسته- كل أمر قريش وما أرادوه من حرب

стр. 402

أو تجارة أو مشورة أو نكاح، فما كان لرجل ولا لامرأة أن يتزوج إلا فيها، وما كان لفتاة من قريش أن لا تدرع إلا فيها، ومن ثم فقد كان على صاحب الدار أن يشق درعها بيده، وكان القوم يفعلون ذلك ببناتهم إذا بلغن الحلم، وربما كان الغرض من ذلك التعريف بالبالغين من قريش -ذكورا كانوا أم إناثا- وأما أعضاء دار الندوة هذه، فكانوا جميع ولد قصي، وبعضا من غيرهم، على شريطة أن يكون الواحد منهم قد بلغ الأربعين من عمره، أو كان من ذوي القدرات الخاصة١، وهكذا كانت دار الندوة بمثابة دار مشورة ودار حكومة في آن واحد، يديرها الملأ من القوم -الذين كانوا يشبهون إلى حد ما أعضاء مجلس الشيوخ الآثيني٢- ويتكونون من رؤساء العشائر وأصحاب الرأي والحكمة فيهم، للنظر فيما يعترض القوم من صعاب٣. وكان قصي شديد العناية بعمارة البيت الحرام، الذي يزعم البعض أنه أعاد بناءه، ومن ثم فهو أول من جدد بناء الكعبة من قريش، ثم سقفها بخشب الدوم وجريد النخل، كما كان أول من أظهر الحجر الأسود بعد أن دفنته "إياد" في جبال مكة، ثم أوكل أمره من بعده إلى جماعة من قريش، حتى أعاد القوم بناء الكعبة في عام ٦٠٦م "٣٥ق. م" فوضعوه في ركن البيت بإزاء باب الكعبة في آخر الركن الشرقي، ويحدثنا التاريخ أن القوم كادوا يقتتلون على من يحوز شرف إعادة الحجر الأسود إلى مكانه، لولا حكمة سيد الأولين والآخرين -محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وذلك بأن وضع الحجر في ثوب، ثم أمر بأن تأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم رفعوه جميعًا، فلما بلغوا موضعه، وضعه بيده الشريفة، ثم بنى عليه٤.

стр. 403

ولعل من أهم أعمال قصي أنه جعل وظيفة "سدانة الكعبة" -وهي خدمة البيت الحرام- من أهم الوظائف في عهده، والأمر كذلك بالنسبة إلى وظيفة "السقاية"، بخاصة في بلد شحت مياهه في وقت كان يستقبل فيه أكثر مما يطيق من الحجيج، ومن ثم فقد كان على صاحب السقاية توفير المياه لزوار بيت الله الحرام، حتى ييسر لهم مهمة الحج، ويجعل الإقبال عليه كبيرا، ومن ثم يذهب الأخباريون إلى أن قصيا قد حفر بئرًا سماها "العجول"، وكانت "الرفادة" -وهي خرج تدفعه قريش من أموالها إلى قصي ليصنع منه طعامًا للحجاج ممن لم يكونوا على ميسرة- من الوظائف الهامة التي ظهرت في مكة على أيام قصي، وتروي المصادر العربية أن قصيا قال لقومه: "إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم، وأن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعامًا وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم"، ففعلوا فكانوا يخرجون من أموالهم فيصنع به الطعام أيام "منى"، فجرى الامر على ذلك في الجاهلية والإسلام، وأخيرًا كان من أعمال قصي "اللواء" وهو رياسة الجيش في الحروب، ويسند لمن بيده اللواء، يسلمونه إليه عند قيام الحرب١، وتجمع المصادر الإسلامية على أن مولانا وسيدنا رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- قد ألغى هذه المناصب جميعًا يوم فتح مكة، إلا سقاية الحاج وسدانة الكعبة٢. ويجمع المؤرخون على أن قصيا إنما ظل يمسك بهذه الوظائف جميعًا حتى وفاته، كما ظل كذلك الرجل الوقور المطاع في قومه، لا يخالف، ولا يرد عليه شيء أقره، ولعله في جمعه لرياسة دار الندوة وعقده اللواء وجمعه الرفادة، يقابل في اصطلاحاتنا الحديثة، رياسة السلطات التشريعية والحربية والمالية، إن جاز هذا التعبير٣-

стр. 404

ولعل هذا هو الذي دفع "الأب هنري لامانس" إلى القول بأن مكة إنما كانت جمهورية بالمعنى الكامل للجمهورية، وقد يكون لشخصية "قصي" الفذة تأثير في ذلك، إلا أن تنظيمات قريش لم تكن في واقع الأمر، إلا تنظيما قبليا في جوهره، وإن بدا في ظاهره تنظيما جمهوريا، لأن الزعيم لم يكن يحمل لقبًا معينا، فضلا عن أن هناك من الأدلة ما يشير إلى أن العشيرة إنما كانت تتمتع بحرية كاملة، ولا تخضع لسلطان غيرها في كثير من الأحايين، بل إن كثيرًا من الأفراد إنما كانوا يخرجون على رأي العشيرة نفسها، ومن النوع الأول عدم مشاركة بني زهرة لقريش في موقعة بدر، رغم موافقتها على القتال وخروجها إليه، بل إن بني عدي لم يخرجوا للقتال أصلا، ومن النوع الثاني خروج أبي لهب على رأي بني هاشم، وانضمامه إلى بقية بطون قريش في مقاطعتها لبني هاشم، وبقاء العباس على علاقاته الودية ببطون قريش، رغم تضامنه مع بني هاشم، هذا إلى أن العشيرة إنما كانت تخرج أحيانًا على مجلس القبيلة، ومثال ذلك اجتماع بني هاشم والمطلب على حماية المصطفى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ومواجهة قريش١. ويرى الدكتور طه حسين -يرحمه الله- أنه من العسير أن نحدد لمكة نظاما من نظم الحكم التي يعرفها الناس، فلم يكن ملك، ولم تكن جمهورية أرستقراطية بالمعنى المألوف لهذ العبارة، ولم تكن جمهورية ديمقراطية بالمعنى المألوف لهذه العبارة أيضًا، ولم يكن لها طاغية يدير أمورها على رغمها، وإنما كانت قبيلة عربية احتفظت بكثير من خصاص القبائل البادية، فهي منقسمة إلى أحياء وبطون وفصائل، والتنافس بين هذه جميعًا قد يشتد حينا ويلين آخر، ولكنه لا يصل إلى الخصومات الدامية، كما هو الحال في البادية وأمور الحكم، تجري كما تجري في البادية، وكل ما وصلت إليه قريش من التطور في شؤون الحكم هو أنها لم يكن لها سيد أو شيخ يرجع إليه فيما يشكل من الأمر، وإنما كان لها سادة أوشيوخ يلتئم منهم مجلس في المسجد الحرام، أو في دار الندوة٢.

стр. 405

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن قريشًا هذه -كما يرجح المؤرخون الإسلاميون- إنما هي من نسل رجل واحد، هو "فهر بن مالك بن النضر بن كنانة" من ولد إسماعيل ﵇، وأن اسم قريش لم يعرف إلا منذ أيام "فهر"، ومن ثم فقريش هم "فهر" ومن تحدر من صلبه من سكان مكة وظواهرها١. وأما أقدم ذكر لقريش في النصوص العربية الجنوبية القديمة، فربما كان -كما أشرنا من قبل -يرجع إلى أيام الملك الحضرمي "العزيلط"، والذي حكم في القرن الأول قبل الميلاد على رأي، وفي القرن الثالث الميلادي على رأي آخر٢، فهناك ما يشير إلى أن عشر نساء قرشيات رافقن الملك "العزيلط" إلى حصن "أنو"، فإذا كان النص يعني حقًّا بقريش، قريش صاحبة مكة، فإننا نكون قد وقفنا لأول مرة على اسم قريش في وثيقة مدونة من عصر هذا الملك٣. وأيا ما كان الأمر، فلقد أنجب قصي ثلاثة أبناء -عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى- ورغم أن عبد الدار كان أكبر إخوته، إلا أن عبد مناف كان أكثر شهرة، وأرفع شأنا، وأعظم مهابة، ومن ثم فقد رأى قصي أن يعوض عبد الدار عما فقده من مقومات الزعامة، فأسند إليه كثيرًا من الوظائف ليقاوم شخصية أخيه القوية، وتمضي الأيام ويرث الأبناء الآباء، ويقوم النزاع بينهم، حتى ينتهي آخر الأمر، بأن يتولى عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة "مفاتيح الكعبة" واللواء ورياسة دار الندوة لبني عبد الدار٤.

стр. 406

ويتولى هاشم السقاية والرفادة بعد أبيه عبد مناف، ويروي المؤرخون أنه كان غياث قومه في عام المجاعة، فرحل إلى فلسطين حيث اشترى كميات من الدقيق وقدم بها إلى مكة، فبذل طعامه لكل نازل بالبلد المقدس أو وارد عليه، وسمي بالهاشم من ذلك اليوم لهشمه الثريد ودعوة الجياع إلى قصاعه، بدلا من اسمه الأصلي عمرو، ومما يروى عنه كذلك أنه أول من سن الرحلتين لقريش، رحلة الشتاء والصيف، وحقيقة ذلك فيما يخلص لنا من سوابق الرحلات أنه كان يحمي تلك الرحلات وينظمها، فنسب إليه أنه أول من سنها١. هذا بالإضافة إلى أن الرجل العظيم قد عقد بنفسه مع الإمبراطورية الرومانية، ومع أمير غسان، معاهدة حسن جوار ومودة، وحصل من الإمبراطور الروماني على الإذن لقريش بأن تجوب الشام في أمن وطمأنينة، كما عقد نوفل والمطلب حلقا مع فارس، ومعاهدة تجارية مع الحميريين في اليمن٢. ويذهب الأخباريون إلى أن هاشما وعبد شمس توأمان، وأن أحدهما ولد قبل الآخر وأصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه، فنحيت فسال الدم، فقيل يكون بينهما دم، ومن ثم فإنهم يرون أن أمية بن عبد شمس قد حسد هاشما على رياسته وإطعامه، فتكلف أن يصنع مثله، ولكنه قد عجز، ومن ثم فقد شمت به ناس من قريش، وتنافر هو وهاشم، وانتهى الأمر بجلاء أمية عن مكة عشر سنين، فكان ذلك أول خلاف بين بني هاشم وبني أمية٣.

стр. 407

وفي الواقع -وكما يقول الأستاذ العقاد- فلقد كان بنو هاشم أصحاب عقيدة وأريحية ووسامة، وكان بنو أمية أصحاب عمل وحيلة ومظهر مشنوء، وينعقد الإجماع -أو ما يشبه الإجماع- على أخبار الجاهلية التي تنم على هذه الخصال في الأسرتين، وبقي الكثير منها إلى ما بعد قيام الدولة الأموية فلم يفندوه١. وورث عبد المطلب زعامة أبيه هاشم، فأصبح سيد قريش، وإن لم يكن أغناها، وهكذا تولى السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقامها للناس، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم، وشرف في قومه شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه، وعظم خطره فيهم، وفي الواقع فإن عبد المطلب لم يكن عظيمًا عند قريش فحسب، وإنما كان عظيمًا كذلك في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية، ومن ثم فإن المؤرخين يرون أنه قد ذهب إلى اليمن مهنئًا بالملك، عندما تولى "معديكرب" سيف بن ذي يزن" عرش اليمن، بعد أن -نجح بمساعدة الفرس- في طرد الأحباش من اليمن٢، مما يدل على أن الرجل كان ذا مكانة عند ملوك العرب، تعطيه الحق في الاتصال بهم، ثم تهنئتهم بعروشهم، كما يدل في الوقت نفسه على مكانته عند قريش، حتى أنه كان رئيسًا لوفدها في هذه المهمات العظيمة، والتي ربما كان من نتائجها أن يأخذ إيلافا لقومه من ملوك اليمن، ومن ثم فقد أصبحت قريش تنظم عيرا إلى اليمن في كل عام٣. هذا وتذهب المصادر العربية إلى أن عبد المطلب قد لقي الكثير من المتاعب في توفير المياه للحجيج عندما تولى أمر السقاية والرفادة، وذلك بسبب دفن زمزم، ربما منذ أيام جرهم، وزاد الأمر صعوبة أن مكة كانت آن ذاك تمر بفترة قاسية ندرت فيها الأمطار، وجفت مياه الآبار -أو كادت- في وقت كان موسم الحج قد بدت طلائعه، وهنا رأى عبد المطلب -فيما يرى النائم- أنه يؤمر بحفر طيبة،

стр. 408

وحين يسأل عنها لا يتلقى جوابا، غير أن الرؤية تتكرر أياما ثلاثة، يؤمر فيها عبد المطلب بحفر "برة" ثم "المضنونة" ثم "زمزم"، وحين يسأل عبد المطلب عن "زمزم" يجيبه الهاتف "تراث من أبيك الأعظم، لا تنزف أبدًا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل"، وينجح عبد المطلب في حفر زمزم، غير أن قريشًا سرعان ما تطالب بحقها في زمزم، على أساس أنها بئر أبيهم إسماعيل، وإن انتهت الأمور إلى جانب عبد المطلب١. وعلي أي حال، فلقد تميز عبد المطلب -جد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بأريحة لا نستطيع أن نسميها إلا "بالمطلبية"، أريحية فريدة في نوعها، لا تدل إلا عليه ولا تصدر إلا منه، وكانت كلها مزيجا من الأنفة والكرم، والرصانة والاستقلال، ومواجهة الغيب على ثقة وصبر وأناة، وهناك طائفة من أخباره لا تفتقد في واحدة منها تلك المناقب المطلبية التي تعز على خيال المتخيل، ما لم يكن وراءها أصل تحكيه وترجع إليه، فعلى سبيل المثال يروي المؤرخون في حادث فداء ولده عبد الله، أن القداح بعد أن خرجت على الإبل -التي بلغ عددها مائة على رواية، وثلاثمائة على رواية أخرى- فإذا بعبد المطلب يأمر بذبحها، وحين تنحر تترك في الفضاء لا يمنع من لحمها إنس ولا وحش ولا طير، إلا أن يكون ذلك عبد المطلب وولده٢. وهناك ما يشير إلى أن المنافرات بين البيتين -الهاشمي والأموي- قد استمرت، وذلك أمر لا غرابة فيه، فالبيتان -فيما نظن- على طرفي نقيض، وربما خفي

стр. 409

السبب الذي يرجع إليه هذا الفارق بين الأسرتين فقد يرى بعضهم أنه يرجع إلى النسب المدخول، وقد رمي الأمويون الأوائل بشبهات كثيرة في عمود النسب، وعرض لهم بذلك أناس من ذوي قرباهم في صدر الإسلام، وأشهر ما اشتهر من هذه الشبهات قصة "ذكوان" الذي يقولون أنه من آبائهم، ويقول النسابون أنه عبد مستلحق على غير سنة العرب في الجاهلية، وعلى أي حال، وأيا ما كان سر هذا الفارق البين، فلقد كان بنو هاشم -أسرة النبي ﷺ أصحاب رئاسة، وكانت لهم أخلاق رئاسة، عرفوا بالنبل والكرم والهمة والوفاء والعفة، وبرزت كل خليقة من هذه الخلائق في حادثة مأثورة مذكورة، فلم تكن خلائقهم هذه من مناقب الأماديح التي يتبرع بها الشعراء، أو من الكلمات التي ترسل إرسالا على الألسنة ولا يراد بها معناها. ويبلغ هذا التنافر بين الأسرتين شأوًا بعيدًا، فيما بين عبد المطلب وحرب بن أمية، إذ كان كلاهما نمطا في بابه، ويروي المؤرخون أن حربا نافر عبد المطلب إلى نفيل جد عمر بن الخطاب، وإن رأى البعض أن المنافرة إنما كانت مع هاشم، وأن نفيلا قد قضى فيها لعبد المطلب، وأنه خاطب حربا قائلا: "أتنافر رجلا هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقل منك لامة، وأكثر منك ولدا، وأجزل منك صفدا، وأطول منك مذودا"١. وأما في الإسلام، فقد كان بنو أمية حجر عثرة في سبيل الدعوة الإسلامية وناصبوها العداء الشديد، إلا قليلا منهم ممن هداهم الله للإسلام، وبعد هجرة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إلى المدينة المنورة واشتباك المسلمين مع مشركي قريش، كان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس قائد الجيش في غزوة بدر، وكان أبو سفيان قائد العير، وفي غزوتي أحد والأحزاب، كان أبو سفيان قائدا للجيش، بل إن أبا سفيان، حتى بعد إسلامه يوم فتح مكة، فقد كان -وكذا ولده معاوية- من المؤلفة قلوبهم، فضلا عن أنه هو القائل بعد اضطراب المسلمين في غزوة حنين والأزلام في كنانته "لا تنتهي هزيمتهم دون البحر"، تعبيرا عما في نفسه من

стр. 410

الضغن على الإسلام ورسول الإسلام١. وعلى أي حال، فلقد تم في عهد عبد المطلب إعادة حفر زمزم، كما حدث في عهده أخطر الأحداث في تاريخ مكة القريب من الإسلام، وأعني به حملة أبرهة الحبشي -الأمر الذي ناقشناه بالتفصيل في كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني"- على أن أهم الأحداث من عهده دون منازع، ليس في تاريخ مكة فحسب، وإنما في تاريخ البشرية جمعاء، إنما كان مولد جدنا ومولانا وسيدنا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وبذا كتب للرجل العظيم أن يكون جد المصطفى، ﷺ .

стр. 411

٣- مكانة مكة: أصبحت مكة منذ آل أمرها إلى قريش على أيام قصي مركزًا للحياة الدينية في شبه الجزيرة العربية، تشد إليه الرحال، وتشخص إليه الأبصار، وفيها أكثر من كل جهة سواها، كانت ترعى الأشهر الحرم، بسبب وجود الكعبة المشرفة هناك، لذلك كله، ولمركزها الممتاز في تجارة العرب، كانت تعتبر وكأنها عاصمة شبه الجزيرة العربية. وفي الواقع أنه رغم وجود "البيوت الحرام" في بلاد العرب، كبيت الأقيصر وبيت ذي الخلصة وبيت صنعاء وبيت نجران، وغيرها من البيوت الحرام١، فإن واحدًا منها لم يجتمع له ما اجتمع لبيت مكة، ذلك لأن مكة إنما كانت ملتقى القوافل بين الجنوب والشمال، وبين الشرق والغرب، وكانت لازمة لمن يحمل تجارة اليمن إلى الشام، ولمن يعود من الشام بتجارة يحملها إلى شواطئ الجنوب، وكانت القبائل تلوذ منها بمثابة مطروقة تتردد عليها، ولم تكن فيها سيادة قاهرة على تلك القبائل في باديتها أو في رحلاتها، فليست في مكة دولة كدولة التبابعة في اليمن، أو المناذرة في الحيرة، أو الغساسنة في الشام، وليس من وراء أصحاب الرئاسة فيها سلطان، كسلطان الروم أو الفرس أو الأحباش، وراء الإمارات العربية المتفرقة على الشواطئ أو بين بوادي الصحراء، وإنما كانت مكة بمثابة عبادة وتجارة، وليست حوزة ملك يستبد بها صاحب العرش فيها ولا يبالي من عداه وهي وإن لم تكن كذلك من أقدم زمانها، فقد صارت إلى هذه الحالة بعد عهد جرهم والعماليق، الذين روى عنهم الرواة أنهم كانوا يعشرون كل ما دخلها من تجارة٢. وزاد من قيمة مكة أن اليمن -بعد الاحتلال الحبشي في عام ٥٢٥م- لم تنجح في سد الفراغ الذي تركته البحرية الرومية، ربما لظروف جغرافية أكثر منها سياسية، ومن ثم فقد أصبح الطريق البري -عبر تهامة والحجاز- هو الطريق الوحيد المفتوح

стр. 412

أما التجارة، فكان لا بد -بعد زوال النشاط اليمني- أن يوجد من يسد هذا الفراغ ويقوم بدور الوسيط المحايد بين المتنازعين، لنقل التجارة، وقد وجد هذا الوسيط ممثلا في مكة١، التي حظيت منذ منتصف القرن الخامس الميلادي بمكانة ممتازة بين عرب الشمال، فضلا عن طرفي الصراع الدولي "الفرس والروم" وقت زامن وساعد على ذلك رغبة الفريقين المتنافسين في وجود مثل هذا الوسيط المحايد من ناحية، وبعد مكة وصعوبة الوصول إليها ما ناحية أخرى٢. وهكذا كان موقع مكة الجغرافي سببًا في أن يجعل من المدينة المقدسة عقدة تتجمع فيها القوافل، التي تدر من العربية الجنوبية تريد الشام، أو القادمة من الشام تريد اليمن، حتى إذا ما كان القرن السادس الميلادي نجح القرشيون في احتكار التجارة في بلاد العرب، فضلا عن السيطرة على طرق القوافل التي تربط اليمن بالشام من ناحية، وبالعراق من ناحية أخرى٣. وقد بلغت شهرة القرشيين في التجارة ومهارتهم فيها، إلى أن يذهب البعض إلى القول بأن "قريشًا" إنما سميت كذلك لاحترافها التجارة، لأن التقرش إنما هو التجارة والاكتساب٤، وإلى أن تذكر رحلاتهم التجارية في القرآن الكريم، حيث يقول "لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"٥.

стр. 413

على حمايتها جيش خاص دعوه "الأحابيش"١ لعلهم من العرب أو السودان، فكانت مكة أشبه ببنك كبير، فلم تكن القوافل ملكًا لشخص واحد، وإنما كانت هناك طريقة لجمع المال من عدة أسر معروفة، كهاشم وأمية ومخزوم ونوفل٢، وقد أدى ذلك إلى تضخم أموال قريش، حتى بلغت قوافلهم التجارية في عهد غزوة بدر٣ ألف بعير، مضافا إليها خمسون ألف دينار منقولة بين أثقالهم، بل إن رجلا واحدًا -هو سعيد بن العاص "أبو أحيحة"- استطاع أن يسهم في رأس مالها بثلاثين ألف دينار، كما بلغت قوافلهم في بعض المرات ألفين وخمسمائة بعير، وهي نسبة ما قيمتها المادية، إذا قيست بالثروات في عهدها، هذا وقد بلغ ثراء قريش إلى أنها قد استطاعت في غزوة بدر أن تفتدي أسراها من المكيين بأربعة آلاف درهم للرجل، إلى ألف درهم، إلا من عفا عنهم النبي ﷺ من المعدمين٤. وعلى أي حال، فإن ظروف مكة السياسية والاقتصادية والجغرافية قد جعلت منها مدينة عربية لجميع العرب، فلم تكن كسروية أو قيصرية، ولا تبعية أو نجاشية، كما عساها أن تكون لو استقرت على مشارف الشام، أو عند تخوم الجنوب، ولهذا تمت لها الخصائص التي كانت لازمة لمن يقصدونها، ويجدون فيها من يبادلهم ويبادلونه على حكم المنفعة المشتركة، لا على حكم القهر والإكراه٥.

стр. 414

وقد عملت قريش على توفير الأمن في منطقة مكة، وهو أمر ضروري في بيئة تغلي بالغارات وطلب الثأر، حتى يكون البيت الحرام ملاذا للناس وأمنًا، وحتى يجد فيها من تضيق به الحياة، ويتعرض لطلب الثأر، الأمن والحماية، ولعل هذا هو السبب في أن تسن قريش الأشهر الحرم في موسم الحج، حتى يأمن الناس فيه على أنفسهم وأموالهم، هذا فضلا عن حركة إصلاح أخرى قامت بها قريش، مؤداها ألا تقر بمكة ظلما، سواء أكان من أهلها أم من سائر الناس، فعقدت مع قبائلها ومع القبائل الأخرى المجاورة حلفا عرف "بحلف الفضول"، يروي المؤرخون أن قبائل من قريش تداعت إلى حلف، فاجتمع في دار "عبد الله بن جدعان" بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أسد وبنو زهرة وبنو تيم، وتعاهدوا على أن لا يظلم بمكة غريب ولا قريب، ولا حر ولا عبد، وإلا كانوا معه حتى يأخذوا له بحقه من أنفسهم ومن غيرهم، وعمدوا إلى ماء زمزم فجعلوه في جفنة وبعثوا به إلى البيت الحرام، فغسلت به أركانه وشربوه، ومن عجب أن الأمويين وبني عبد شمس قد أبوا على أحد منهم أن يدخل هذا الحلف، وقد روي عن رسول الله -صلى الله وعلى آله وسلم- أنه قال: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت " ١. ولم تكتف قريش بذلك، وإنما عملت على توفير الماء والطعام للحجيج في منطقة يشح فيها الماء ويقل الطعام، ومن ثم فقد قامت بحفر الآبار في منطقة مكة وأنشأت فيها أماكن للسقاية، ثم أوكلت سقاية الحاج إلى البطون القوية منها، وهكذا غدت سقاية الحاج -بجانب عمارة البيت وسدانته- عملا يراه القوم في قمة مفاخرهم وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢.

стр. 415

وكان أمر ضيافة الحجيج عملا لا يقل عن سقايتهم، وقد أسندتها قريش إلى الأغنياء من رجالاتها؛ لأن قدوم الحجاج من أماكن بعيدة من شبه الجزيرة العربية، يصعب معه حمل الزاد، ومن ثم فقد كانت الرفادة تكلف أصحابها الكثير من أموالهم، بجانب ما تقدمه قريش لهم، إلا أن هذا الأمر في الوقت نفسه قد أفاد قريشًا كثيرًا، إذ كانت المؤاكلة في نظر العرب، إنما عقد حلف وجوار، فضلا عن أن الضيافة في ذاتها من أكبر ما يحمد الرجل عليه، وهكذا كانت قريش بعملها هذا، وكأنها تعقد حلفا مع كل القبائل العربية، تحمي به تجارتها، وتسبغ على رجالاتها نوعًا من التقدير والاحترام عن العرب، لا يتوفر لغيرهم١. وخطت قريش خطوة أخرى في اجتذاب القبائل العربية، فنصبت أصنام جميع القبائل عند الكعبة٢، فكان لكل قبيلة أوثانها تأتي في الموسم لزيارتها وتقديم القرابين لها، وهكذا أخذ عدد الأصنام يزداد عند الكعبة بمرور الزمن، حتى جاء وقت زاد عددها على ثلاثمائة، كان منها الكبير ومنها الصغير، ومنها ما هو على هيئة الآدميين أو على هيئة بعض الحيوانات أو النباتات، وإن كان أكبرها جميعًا إنما هو "هبل" الذي جعله القوم على هيئة إنسان من عقيق أحمر٣. ويبدو أن الأساس الذي قامت عليه مكانة الكعبة، أن البيت الحرام بجملته كان هو المقصود بالقداسة، غير منظور، إلى الأوثان والأصنام التي اشتمل عليها، وربما

стр. 416

اشتمل على الوثن المعظم تقدسه بعض القبائل، وتزدريه قبائل أخرى، فلا يغض ذلك من مكانة البيت عند المعظمين والمزدرين، واختلفت الشعائر والدعاوى التي يدعيها كل فريق لصنمه ووثنه، ولم تختلف شعائر البيت -كما يتولاها سدنته المقيمون إلى جواره والمتكلفون بخدمته- فكانت قداسة البيت هي القداسة التي لا خلاف عليها بين أهل مكة وأهل البادية، وجاز عندهم -من ثم- أن يحكموا بالضلالة على أتباع صنم معلوم، ويعطوا البيت غاية حقه من الرعاية والتقدير١. وانطلاقًا من هذا كله، فقد كان يتفق في موسم الحج أن يجتمع حول البيت أناس من العرب، يأخذون بأشتات متفرقة من المجوسية واليهودية والمسيحية وعبادات الأمم المختلفة، ولا يجتمع منها دين واحد يؤمن به متعبدان على نحو واحد، وما من كلمة من كلمات الفرائض لم تعرف بين عرب الجاهلة بلفظها وجملة معناها، كالصلاة والصوم والزكاة والطهارة، ومناطها كلها أنها حسنة عند رب البيت أو عند الله٢. وهكذا تمضي الأيام، وتزداد مكانة الكعبة عند العرب، حتى تصبح آخر الأمر المفخرة القومية والحرم الإلهي عندهم، ثم تغدو بعد حين من الدهر، الجوار الوحيد الذي يشعر العرب عنده بشعور العروبة الموحدة، عالية الرأس، غير مستكينة لأجنبي، كائنا من كان، ذلك لأنهم كانوا يحسون أنهم من رعايا الروم في الشام، ومن رعايا الفرس في الحيرة، وأتباع للفرس أو الأحباش في اليمن، ولكنهم هنا، في مكة، عند بيت الله في حرم الله يقدسونه جميعًا؛ لأنه لهم جميعًا يضمهم إليه كما يضم أصنامهم وأوثانهم وأربابهم، يلوذون به ويأوون إليه، فكلهم من معبود أو عابد في حماية الكعبة بيت الله، وشعورهم هنا بأنهم "عرب" لم يماثله شعور قط في أنحاء شبه الجزيرة العربية، وقد أوشك أن يشمل شعب اليمن وجمهرة أقوامه، على الرغم من سادته وحكامه، فما كان هؤلاء الحكام لينفسوا على الكعبة مكانتها، ويقيموا لها نظيرا في أرضهم، لو كان شعب اليمن منصرفا عنها غير معتز بها كاعتزاز البادية والصحراء٣.

стр. 417

ولعل هذه المكانة الفريدة للكعبة هي التي دفعت بأصحاب القوة في تلك الأيام إلى محاولة هدمها، أو على الأقل انضوائها تحت لوائهم، فعل ذلك "حسان بن عبد كلال" ولكن أمره انتهى بفشل ذريع، وبأن يصبح أسيرا في مكة سنوات ثلاث١، وفعل ذلك أبرهة الحبشي، ولكن الله : ﴿أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ٢، وفي هذا العصف المأكول كان أبرهة نفسه٣، وقد ناقشنا ذلك كله بالتفصيل في الجزء الأول من كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني". وتمضي السنون، ويغير الرومان بمرور الزمن من سياستهم نحو العرب، ويرون أن الوسائل غير المباشرة ربما كانت أجدى في السيطرة على شبه الجزيرة العربية، ومن ثم فقد كانوا من وراء حملة أبرهة على مكة، وحين تفشل هذه، ويطرد الأحباش من اليمن، يعملون على تمليك سيد من العرب على مكة يدين بالولاء لهم، ومن ثم فقد ارتضى قيصر أن يكون "عثمان بن الحويرث" ملكًا على مكة من قبله، وإن باءت محاولته هذه بالفشل كذلك٤. وليس من شك في أن هذه المحاولة السياسية، إنما غرضها غرض تلك المحاولة العسكرية، وأن المحاولتين قد فشلتا، وبقيت مكة -كما أراد الله، ولحكمة لا

стр. 418

يعلمها إلا هو -حرما آمنا للعرب وغير العرب، وبذلت قريش في المحاولتين جهدا لإخفاق الواحدة تلو الأخرى، وليس من شك في أن الأولى كانت أشد خطرا، وإن دفعت في الثانية ببعض رجالها، يقضون في سجون القيصر فترة لا ندري مداها على وجه التحقيق، ثم سرعان ما عادت الأمور إلى سيرتها الأولى١. وبدهي أن هذه المحاولات -السياسية والعسكرية- إنما تثبت قيام كعبة الحجاز على كره من ذوي السلطان، في الجنوب والشمال، وفي كل الحالات استطاعت الكعبة أن تحتفظ بمكانتها، على الرغم من خلو مكة من العروش الغالبة على أنحاء الجزيرة بجميع أطرافها، بل لقد استطاعت ذلك لخلوها من تلك العروش، وقيام الأمر فيها على التعميم دون التخصيص، وعلى تمثيل جملة العرب بمأثوراتهم ومعبوداتهم، دون أن يسخرهم المسخرون، أو يستبد فيهم فريق يسخرهم تسخير السادة للأتباع المكرهين على الطاعة وبذل الإتاوة٢. وهكذا كان المكيون يشعرون بمكانة الكعبة عند العرب عامة، ومن ثم فقد كانوا يرون لأنفسهم ميزة لا يتطاول إليها غيرهم من العرب، لأنها تتصل بكرامة البيت الحرام وحرمته، فهم أولياؤه، وهم سدنته والقائمون بالأمر فيه، يسقون الحجيج ويطعمونهم، ويوفرون لهم الأمن والراحة، ومن ثم فقد نشأ عندهم ما يسمى بنظام "الحمس"٣، ويعنون به ابن البلد، وابن الحرم، والوطني المقيم، والذي ينتمي إلى الكعبة والمقام، فهو امتياز لأبناء الوطن وأهل الحرمة وولاة البيت، وقطان مكة وساكنيها٤، ومن ثم فقد نادوا بين الناس، "نحن بنو إبراهيم وأهل

стр. 419

الحرمة وولاة البيت وقاطنو مكة وساكنوها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا"١. وكانوا إذا بلغت الفتاة سن الزواج ألبسوها ما يزينها وخرجوا بها سافرة إلى المطاف ثم أعادوها إلى بيتها لتبقى حبيسة فيه لا تخرج إلا إلى بيت من تزوجها، وهم يريدون بطوافها ذلك عرضها سافرة على أعين الخاطبين، ولعلهم اختاروا المطاف، ليأمنوا في جوار البيت نظرات الفاسقين، هذا وقد كان الحمس يختنون أولادهم ويغتسلون من الجنابة، وقد تباعدوا في المناكح من البنت وبنت البنت والأخت وبنت الأخت، كما كانوا يتزوجون بالصداق والشهود ويطلقون ثلاثا، وإذا ما تزوجت امرأة منهم بغريب عنهم، اشترطوا أن يكون أبناؤهم منهم. هذا وقد جعل الحمس لأنفسهم علامة، وهي ألا يعظم الأحمس شيئًا من الحل، أي الأرض التي وراء الحرم، كما يعظم الحرم وقالوا: "إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم"، ولذا فقد تركوا الوقوف بعرفة -لأنه خارج الحرم- والإفاضة منها، مع إقرارهم بأنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها، وأما هم فقد جعلوا موقفهم في طرف الحرم من "نمرة" يقفون به عشية "عرفة"، ويظلون به يوم عرفة في الإراك من نمرة، ويفيضون منه إلى "المزدلفة"، فإذا عممت الشمس رءوس الجبال دفعوا، وكانوا يقولون: "نحن قطين الله، فأظهروا بذلك تعصبهم لبقعة من الأرض وترفعوا أن يخرجوا عنها، ولو كان في خروجهم إتمام لمشاعر الحج٢، وبقي الأمر كذلك حتى بعث الله محمدا

стр. 420

-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فأنزل الله عليه حين أحكم له دينه، وشرع له سنن حجه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ ١. هذا وقد بلغ من تشدد الحمس أن الرجل منهم إذا ما أحرم بالحج أو العمرة لا يدخل دارا أو حائطا، وقد تعرض له الحاجة فلا يدخل بيته، بل ينقب نقبا في ظهره وينادي بأهله ليخرجوا له ما أراد، وكان بعض منهم إذا أرادوا بعض أطعمتهم وأمتعتهم تسوروا من ظهر بيوتهم وأدبارها حتى يظهروا على السطح، ثم ينزلون في حجراتهم، ويحرمون على أنفسهم أن يمروا تحت عتبة الباب. وكانوا بعد الإحرام يحرمون على أنفسهم السمن واللبن والزبد ولبس الوبر، كما كانوا لا يدخلون بيتًا من الشعر، ولا يستظلون -إن استظلوا- إلا في بيوت الأدم، فهم إذن يحرمون على أنفسهم أشياء لم تكن العرب تحرمها، كما أنهم اختصوا أنفسهم بالقباب الحمر- وهي علامة الشرف والرياسة- تضرب لهم في الأشهر الحرم، كما فرضوا على العرب ألا يأكلوا من طعام جاءوا به من الحل إلى الحرم، إذا جاءوا حجاجا أو عمارا، ولا يطوفون بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثيات الحمس، فإن لم يجدوا طافوا بالبيت عراة، فإن تكرم منهم متكرم من رجل وامرأة، ولم يجد ثياب الحمس فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل، ألقاها إذا فرغ من طوافه ثم لم ينتفع بها، ولم يمسها هو ولا أحد غيره أبدًا، وكانت العرب تسمى تلك الثياب "اللقي"٢، وبقي الأمر كذلك حتى أنزل الله قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، ْ

стр. 421

قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون َ﴾ ١، فوضع الله تعالى أمر الحمس -وما كانت قريش ابتدعت منه على الناس- بالإسلام حين بعث الله به رسوله ﷺ -٢. وكان من مناسك الحمس أن يطوف الحجاج في صفوف وهم يعجون بالأناشيد ويصفرون وكأنهم يتعبدون، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُون﴾ ٣، هذا وقد كان الحمس كذلك يدخلون الكعبة لابسي أحذيتهم، حتى سن لهم "الوليد بن المغيرة" خلعها، وكانت الحوائض من نسائهم لا يدنين من الكعبة ولا يتمسحن بأصنامها، بل يقفن بعيدًا عنها، وكان الطائف منهم يبدأ بإساف فيستلمه، ثم يستلم الركن الأسود، ثم يجعل الكعبة على يمينه فيطوف بها، فإذا ختم طوافه سبعا استلم الركن ثم استلم نائلة٤.

стр. 422

الفصل الثالث عشر: المدينة المنورة مدخل ... الفصل الثالث عشر: المدينة المنورة المدينة المنورة، ثاني مدن الحجاز بعد مكة دون ريب، ودار الهجرة التي نصرت الإسلام، وأعزت كلمة المسلمين، فاستحقت التكريم والتخليد حتى يقوم الناس لرب العالمين، ثم شاءت إرادة الكريم المنان ذي الفضل العظيم-أن تعطي المدينة ما لم تعطه لغيرها من المدائن، وأن تخصها بميزة لا تتطاول إليها واحدة من مدن الدنيا، حيث شرفت بأن تضم في ثراها جثمان سيد الأولين والآخرين، جدنا ومولانا وسيدنا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. هذا إلى أن بالمدينة المنورة ثاني الحرمين الشريفين، فضلا عن أنها البلد الذي اختاره الله، ليكون أول عاصمة إسلامية في التاريخ، تخرج منها جيوش النور، تحمل راية الإسلام، وهداية القرآن، إلى جميع أنحاء المعمورة، فتنشر التوحيد والحب والعدل والإخاء والمساواة، ومن ثم فقد كانت وما زالت -وسوف تظل أبد الدهر إن شاء الله- قلوب المؤمنين في كل أنحاء الدنيا تنبض بحب المدينة، وتهفو إلى زيارتها، وتتعبد إلى الله في مسجدها، وتنعم بالصلاة في روضته الشريفة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وما عليها. هذا وقد حبت الطبيعة المدينة المقدسة١ بمزايا لم تعرفها مكة المكرمة، من طيب الهواء وجودة التربة، كما أنها لم تكن على طريق القوافل التي تحمل الطيوب بين اليمن والشام فحسب، بل كانت واحة حقيقية ذات تربة صالحة لزراعة النخيل، وهو كثير فيها، ومن ثم فقد أصبحت المدينة واحدة من أمهات المراكز الزراعية في بلاد العرب٢.

стр. 423

والمدينة المنورة لم تكن تعرف بهذا الاسم قبل نصرتها للإسلام، وهجرة المصطفى، ﷺ ، إليها في عام ٦٢٢م، وإنما كانت تسمى "يثرب"، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ ١، وقد ذكرت يثرب في الكتابات المعينية، ربما بسبب وجود جالية معينية كانت تقيم هناك خلفتها أخرى سبئية، بعد أن ورث السبئيون دولة معين في اليمن، ومستعمراتها في شمال غرب شبه الجزيرة العربية، ولعل هذا هو السبب الذي دفع بالنسابين من بعد أن يروا في سكان يثرب من العرب، أزدا من قحطان٢. ولعل أقدم إشارة إلى "يثرب" في النصوص البابلية، إنما ترجع إلى القرن السادس ق. م، إذ تحدثنا كتابة عثر عليها في "حران" عام ١٩٥٦م، تتحدث عن أعمال الملك البابلي "نبونيد" "٥٥٥-٥٣٩ق. م" في بلاد العرب، فتروي أن ذلك الملك المثقف الذي اشتهر بحبه للآثار٣، قد قام بحملة في العام الثالث من حكمه إلى شمال غرب شبه الجزيرة العربية، احتل فيها تيماء وديدان وخيبر ويثرب، والتي جاءت تحت اسم "أتريبو"، وكانت آخر موضع وصل إليه العاهل البابلي في بلاد العرب، وربما كان السبب في هذه الحملة، إنما كان مهاجمة العرب لمناطق خاضعة للبابليين، وربما كان رغبة البابليين في السيطرة على الطريق التجاري البري بين الشام وجنوب بلاد العرب٤. وأيا ما كان السبب، فإن العاهل البابلي قد استقر في "تيماء" فترة تقرب من

стр. 424

سنوات عشر، بعيدًا عن عاصمته "بابل" التي لم يعد إليها إلا بسبب التهديدات الفارسية لها، فضلا عن بلاد العرب نفسها، وإلا بعد دعوة رعاياه الذين كانوا على خلاف معه طوال تلك الفترة١. هذا وقد جاء اسم "يثرب" كذلك في جغرافية بطليموس، وعند "إصطفيانوس البيزنطي" تحت اسم "يثربة ٢Jathripa"، أما الأخباريون فيعرفونها باسم "أثرب" و"يثرب"٣، وأن يثرب -في رأيهم- إنما هي "أم قرى المدينة، التي حددوا امتدادها من طرف وادي قناة شرقًا، إلى طرف الجرف غربًا، ومن زبالة الزج جنوبًا، إلى البساتين التي كانت تعرف بالمال شمالا، وأما وادي قناة فيقع في الناحية الشمالية من المدينة، ويبعد عنها بأربعة كيلو مترات ونصف، ويقع في شمال جبل أحد، الذي يبعد عنه بنحو كيلو متر واحد تقريبًا، وأما المال فهو بعض بساتين العيون في الشمال الغربي، وأما زبالة الزج فهي قرية من قرى المدينة كانت بشمالي "سلع" إلى قرب وادي قناة، اندثرت آثارها فلم تعد معروفة، وذلك اعتمادًا على رواية السمهودي عن "زبالة الزج" بأن "كان لأهلها أطمان"، على روايته، وكان بالمدينة في الجاهلية سوق بزبالة من الناحية التي تدعى يثرب، ومن ثم فإن حدود المدينة المنورة٤ -طبقا لرواية السمهودي- إنما كانت تتمثل في الأرض كثيرة النخل غربي مشهد سيدنا حمزة، ﵁، وشرقي البركة التي هي مصرف عين الأزرق، قريبًا من مسجد قباء٥.

стр. 425

وعلى أي حال، فلم ينس أصحابنا الأخباريون أن يختلقوا تعليلا للاسم، فهي "يثرب" نسبة إلى "يثرب بن قانية بن مهلائيل من ولد سام بن نوح" أو "يثرب بن قائد بن عبيل بن مهلائيل"، هو أول من نزل بها عند تفرق ذرية نوح، على زعم، وهي من الثرب بمعنى الفساد، أو الترثيب أي المؤاخذة بالذنب، على زعم آخر، هي نسبة إلى رئيس العماليق الذين نزلوا بها بعد أن طردوا منها بني عيبل، من ولد سام كذلك، على زعم ثالث، بل إن هناك رواية رابعة -تنسب إلى ابن عباس- وتذهب إلى أن يثرب في الأصل إنما كان اسما لابن عبيل، الذي هو أول من نزل المدينة١. وأما اسم المدينة، والذي جاء في القرآن الكريم، حيث يقول : ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ ٢ ويقول: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِه﴾ ٣ ويقول: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَة﴾ ٤، فهو اسم شرفها به المصطفى -صلى الله عليه وعلي آله وسلم- حتى وإن رأى البعض أن الاسم مأخوذ
следующие страницы →