← История

История · id 12007

دراسات في تاريخ العرب القديم

محمد بيومى مهران

Полный текст (645 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون َ﴾ ١، فوضع الله تعالى أمر الحمس -وما كانت قريش ابتدعت منه على الناس- بالإسلام حين بعث الله به رسوله ﷺ -٢. وكان من مناسك الحمس أن يطوف الحجاج في صفوف وهم يعجون بالأناشيد ويصفرون وكأنهم يتعبدون، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُون﴾ ٣، هذا وقد كان الحمس كذلك يدخلون الكعبة لابسي أحذيتهم، حتى سن لهم "الوليد بن المغيرة" خلعها، وكانت الحوائض من نسائهم لا يدنين من الكعبة ولا يتمسحن بأصنامها، بل يقفن بعيدًا عنها، وكان الطائف منهم يبدأ بإساف فيستلمه، ثم يستلم الركن الأسود، ثم يجعل الكعبة على يمينه فيطوف بها، فإذا ختم طوافه سبعا استلم الركن ثم استلم نائلة٤.

стр. 422

الفصل الثالث عشر: المدينة المنورة مدخل ... الفصل الثالث عشر: المدينة المنورة المدينة المنورة، ثاني مدن الحجاز بعد مكة دون ريب، ودار الهجرة التي نصرت الإسلام، وأعزت كلمة المسلمين، فاستحقت التكريم والتخليد حتى يقوم الناس لرب العالمين، ثم شاءت إرادة الكريم المنان ذي الفضل العظيم-أن تعطي المدينة ما لم تعطه لغيرها من المدائن، وأن تخصها بميزة لا تتطاول إليها واحدة من مدن الدنيا، حيث شرفت بأن تضم في ثراها جثمان سيد الأولين والآخرين، جدنا ومولانا وسيدنا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. هذا إلى أن بالمدينة المنورة ثاني الحرمين الشريفين، فضلا عن أنها البلد الذي اختاره الله، ليكون أول عاصمة إسلامية في التاريخ، تخرج منها جيوش النور، تحمل راية الإسلام، وهداية القرآن، إلى جميع أنحاء المعمورة، فتنشر التوحيد والحب والعدل والإخاء والمساواة، ومن ثم فقد كانت وما زالت -وسوف تظل أبد الدهر إن شاء الله- قلوب المؤمنين في كل أنحاء الدنيا تنبض بحب المدينة، وتهفو إلى زيارتها، وتتعبد إلى الله في مسجدها، وتنعم بالصلاة في روضته الشريفة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وما عليها. هذا وقد حبت الطبيعة المدينة المقدسة١ بمزايا لم تعرفها مكة المكرمة، من طيب الهواء وجودة التربة، كما أنها لم تكن على طريق القوافل التي تحمل الطيوب بين اليمن والشام فحسب، بل كانت واحة حقيقية ذات تربة صالحة لزراعة النخيل، وهو كثير فيها، ومن ثم فقد أصبحت المدينة واحدة من أمهات المراكز الزراعية في بلاد العرب٢.

стр. 423

والمدينة المنورة لم تكن تعرف بهذا الاسم قبل نصرتها للإسلام، وهجرة المصطفى، ﷺ ، إليها في عام ٦٢٢م، وإنما كانت تسمى "يثرب"، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ ١، وقد ذكرت يثرب في الكتابات المعينية، ربما بسبب وجود جالية معينية كانت تقيم هناك خلفتها أخرى سبئية، بعد أن ورث السبئيون دولة معين في اليمن، ومستعمراتها في شمال غرب شبه الجزيرة العربية، ولعل هذا هو السبب الذي دفع بالنسابين من بعد أن يروا في سكان يثرب من العرب، أزدا من قحطان٢. ولعل أقدم إشارة إلى "يثرب" في النصوص البابلية، إنما ترجع إلى القرن السادس ق. م، إذ تحدثنا كتابة عثر عليها في "حران" عام ١٩٥٦م، تتحدث عن أعمال الملك البابلي "نبونيد" "٥٥٥-٥٣٩ق. م" في بلاد العرب، فتروي أن ذلك الملك المثقف الذي اشتهر بحبه للآثار٣، قد قام بحملة في العام الثالث من حكمه إلى شمال غرب شبه الجزيرة العربية، احتل فيها تيماء وديدان وخيبر ويثرب، والتي جاءت تحت اسم "أتريبو"، وكانت آخر موضع وصل إليه العاهل البابلي في بلاد العرب، وربما كان السبب في هذه الحملة، إنما كان مهاجمة العرب لمناطق خاضعة للبابليين، وربما كان رغبة البابليين في السيطرة على الطريق التجاري البري بين الشام وجنوب بلاد العرب٤. وأيا ما كان السبب، فإن العاهل البابلي قد استقر في "تيماء" فترة تقرب من

стр. 424

سنوات عشر، بعيدًا عن عاصمته "بابل" التي لم يعد إليها إلا بسبب التهديدات الفارسية لها، فضلا عن بلاد العرب نفسها، وإلا بعد دعوة رعاياه الذين كانوا على خلاف معه طوال تلك الفترة١. هذا وقد جاء اسم "يثرب" كذلك في جغرافية بطليموس، وعند "إصطفيانوس البيزنطي" تحت اسم "يثربة ٢Jathripa"، أما الأخباريون فيعرفونها باسم "أثرب" و"يثرب"٣، وأن يثرب -في رأيهم- إنما هي "أم قرى المدينة، التي حددوا امتدادها من طرف وادي قناة شرقًا، إلى طرف الجرف غربًا، ومن زبالة الزج جنوبًا، إلى البساتين التي كانت تعرف بالمال شمالا، وأما وادي قناة فيقع في الناحية الشمالية من المدينة، ويبعد عنها بأربعة كيلو مترات ونصف، ويقع في شمال جبل أحد، الذي يبعد عنه بنحو كيلو متر واحد تقريبًا، وأما المال فهو بعض بساتين العيون في الشمال الغربي، وأما زبالة الزج فهي قرية من قرى المدينة كانت بشمالي "سلع" إلى قرب وادي قناة، اندثرت آثارها فلم تعد معروفة، وذلك اعتمادًا على رواية السمهودي عن "زبالة الزج" بأن "كان لأهلها أطمان"، على روايته، وكان بالمدينة في الجاهلية سوق بزبالة من الناحية التي تدعى يثرب، ومن ثم فإن حدود المدينة المنورة٤ -طبقا لرواية السمهودي- إنما كانت تتمثل في الأرض كثيرة النخل غربي مشهد سيدنا حمزة، ﵁، وشرقي البركة التي هي مصرف عين الأزرق، قريبًا من مسجد قباء٥.

стр. 425

وعلى أي حال، فلم ينس أصحابنا الأخباريون أن يختلقوا تعليلا للاسم، فهي "يثرب" نسبة إلى "يثرب بن قانية بن مهلائيل من ولد سام بن نوح" أو "يثرب بن قائد بن عبيل بن مهلائيل"، هو أول من نزل بها عند تفرق ذرية نوح، على زعم، وهي من الثرب بمعنى الفساد، أو الترثيب أي المؤاخذة بالذنب، على زعم آخر، هي نسبة إلى رئيس العماليق الذين نزلوا بها بعد أن طردوا منها بني عيبل، من ولد سام كذلك، على زعم ثالث، بل إن هناك رواية رابعة -تنسب إلى ابن عباس- وتذهب إلى أن يثرب في الأصل إنما كان اسما لابن عبيل، الذي هو أول من نزل المدينة١. وأما اسم المدينة، والذي جاء في القرآن الكريم، حيث يقول : ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ ٢ ويقول: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِه﴾ ٣ ويقول: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَة﴾ ٤، فهو اسم شرفها به المصطفى -صلى الله عليه وعلي آله وسلم- حتى وإن رأى البعض أن الاسم مأخوذ

стр. 426

من الكلمة الأرامية "مدينتا" "Medinto Mcdinta" بمعنى "الحمى" أي المدينة، على رأي من يرى أن اليهود المتأثرين بالثقافة الآرامية، أو بعض المتهودة من بني إرم الذين نزلوا يثرب، هم الذين دعوها "مدينتا"، وأنها ربما عرفت بمدينة يثرب -كما جاء في اصطيفان البيزنطي- ثم اختصرت إلى "مدينتا أي المدينة"، ثم عرفت بمدينة الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، بعد هجرته إليها١. هذا ويرى "البتنوني" -طبقًا لرواية سوف نناقشها فيما بعد وتتصل بغزو إسرائيلي للمدينة بأمر من الكليم ﵇ أن الجنود الإسرائيليين هم الذين أطلقوا عليها اسم "يثرب"، تحريفًا لكلمة مصرية هي "اتريبس"، كما أن اسم طيبة الذي استعمل اسما للمدينة مأخوذ عن طيبة المصرية٢. على أن هذا الرأي يحتاج "أولًا" أن تكون قصة الغزو المزعومة حقيقية، وهو أمر تقوم كل الأدلة التاريخية على نقيضه، ثم هو يحتاج "ثانيًا" إلى إيجاد اسم آخر ليثرب قبل هذا الاسم، على أيام العماليق الذين تزعم قصة الغزو المزعومة أنهم كانوا يسكنونها، الأمر الذي لم يشر إليه صاحب هذا الرأي، وأخيرًا "ثالثًا" إذا كان صحيحًا أن الجنود الإسرائيليين هم الذين أطلقوا على المدينة اسم "يثرب"، لكان من الأولى أن يطلقوا عليها واحدًا من أسماء المدن التي كانت في المنطقة التي كانوا يعيشون فيها في مصر -هناك على أطراف الدلتا الشرقية- مثل "بي رعمسيس" العاصمة المصرية وقت ذاك، أو "تانيس" التي جاءت في التوراة تحت اسم "صوعن" وأما أن يثرب تحريف للكلمة المصرية "أتريبس"، ولعله يعني "أتريب" "بنها الحالية"، فليس هناك من دليل على ذلك، وربما كان الأقرب إلى الصواب أن تكون تحريفًا لـ "أتريبو"، التي جاءت في نص نبونيد الآنف الذكر، كما أن القول بأن اسم "طيبة" منقول عن اسم العاصمة المصرية الشهيرة "طيبة"٣ أمر يحتاج

стр. 427

إلى نظر؛ لأسباب منها "أولًا" أن طيبة كانت وقت ظهور الإسلام، قد ودعت أمجادها التليدة، يوم أن كانت عاصمة للإمبراطورية المصرية لمئات السنين، ومنها "ثانيًا" أننا حتى لو افترضنا أن المسلمين كانوا يعرفون شيئا عن المدن المصرية القديمة الكبرى في تلك الفترة، بسبب العلاقات بين مصر وبلاد العرب، والتي بدأت منذ فترة مبكرة في التاريخ، واستمرت حتى الفتح العربي لمصر "عام ٢٠هـ -٦٤٠م"١. فإن طيبة إنما تقع في منطقة نائية هناك في الصعيد الأقصى، وأن القادمين من بلاد العرب ينتظر أن يكونوا على معرفة بالإسكندرية، عاصمة مصر وقت ذاك، فضلا عن مدن الدلتا القريبة من سيناء -حلقة الاتصال بين مصر وبلاد العرب- ثم إن اسم طيبة نفسه قد لا يشجع على القول بأن المسلمين قد أخذوه عن العاصمة المصرية القديمة، فهو اسم وثني يرتبط بالإله آمون على رأي، ومأخوذ عن اسم المدينة اليونانية "طيبة" على رأي آخر. وأيا ما كان الأمر، فلقد كثرت أسماء المدينة المنورة في العصر الإسلامي، حتى بلغت عشرة أسماء على رأي، وأحد عشر اسما على رأي آخر، وتسعة وعشرين على رأي ثالث، وأربعة وتسعين على رأي رابع، وإن كان أهمها جميعًا: المدينة ويثرب وطيبة وطابة والعاصمة والقاصمة والجدية والمحبوبة والمؤمنة والمباركة والمحفوظة والمختارة والجابرة والعذراء والغراء والبارة والمقدسة والناجية وذات الحرار ومدخل صدق وقرية الأنصار وسيدة البلدان والخيرة وأرض الهجرة ودار

стр. 428

الهجرة ودار الأخيار ودار الإيمان ودار الأبرار ودار السنة وبيت الرسول ومدينة الرسول ومضجع الرسول وحرم رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١. ومن أسف أن تاريخ يثرب القديم مجهول، فلا توجد مدونات يمكن الرجوع إليها، ولم تقم بها حفريات علمية يمكن أن تقدم لنا معلومات ذات قيمة عن تاريخ المدينة المقدسة القديم، وإن كانت هناك حفريات قد أجريت دون أن يقصد بها ذلك الهدف العلمي -كالتي حدثت في الأعوام ١٣٣٣، ١٣٣٥، ١٣٥٢هـ- في أحد البساتين، وإبان حفر أساس القسم الشمالي لمدرسة العلو الشرعية الواقعة بقرب باب النساء، وفي المناخية جنوبي السبيل، إلا أنها قد كشفت عن بعض أشياء قد تشير إلى أن المدينة الحالية، إنما قامت على أنقاض مدينة أخرى -الأمر الذي اشار إليه اليهود منذ القرن التاسع الهجري- ومن ثم فإن معلوماتنا الحالية، إنما تعتمد في الدرجة الأولى على روايات الأخباريين، وأكثرها من ذلك النوع الذي عرفناه من قبل٢.

стр. 429

سكان المدينة مدخل ... سكان المدينة: يروي الأخباريون أن سكان يثرب إنما كانوا من العماليق، ثم اليهود، ثم العرب -من أوس وخزرج- وأن العماليق إنما كانوا أول من زرع الزرع واتخذ بها النخيل، وعمر بها الدور والآطام، واتخذ الضياع، وأنهم يرجعون في نسبهم إلى عملاق ابن أرفخشد بن سام١.

стр. 430

١- اليهود: وقصة اليهود -طبقًا لرواية الأخباريين، ومن تابعهم من المؤرخين المحدثين- أمرها عجب، إذ تذهب رواياتهم إلى أن موسى ﵇ بعد أن أظهره

стр. 431

الله على فرعون وطئ الشام وأهلك من بها من الكنعانيين، أو أنه بعث إليهم بعثا أهلك من بها، ثم بعث بعثا آخر إلى الحجاز، للعماليق الذين كانوا يسكنون المدينة قبل بني إسرئيل، وكانوا أهل بغي وغزو، ملكوا على أنفسهم رجلا يقال له "الأرقم" وتذهب الرواية إلى أن موسى كان قد بعث الجنود إلى الجبابرة من أهل القرى، فضلا عن جيش من بني إسرائيل كان قد بعثه إلى العماليق، وأمره أن يقتل القوم جميعًا ولا يستبقي منهم أحدا، وأن هذا الجيش قد كتب له نجاح بعيد المدى في مهمته هذه، فقتل العماليق جميعًا، ولم يبق على أحد منهم إلا ولدا للأرقم كان وضيئا فأشفقوا على شبابه، ومن ثم فقد حملوه إلى موسى ليرى رأيه فيه، غير أن موسى كان قد انتقل إلى الرفيق الأعلى قبل عودة الجيش بولد الأرقم، وقد اعتبر الإسرائيليون أن إبقاء الجيش على حياة ولد الأرقم خروج على تعليمات موسى، ومن ثم فقد رفضوا أن يسمحوا للعائدين بدخول الشام، مما اضطر هذا الجيش إلى العودة إلى المدينة والإقامة فيها، ومن ثم فقد كانوا أول من سكن المدينة من يهود١. والقصة على هذا النحو توجه إليها سهام الريب من أكثر من جانب، وليس بالوسع القول بأنها ترقى إلى ما فوق مظان الشبهات، هذا إذا لم تكن هي نفسها شبهة؛ وذلك لأسباب كثيرة: منها "أولًا" أن هذا الرأي الذي ذهب إلى أن موسى ﵇ قد وطئ الشام وأهلك الكنعانيين، لا أقول يتعارض مع الحقائق التاريخية فحسب، وإنما يتعارض كذلك مع آيات القرآن الكريم- فضلا عن نصوص التوراة- ولتقرأ هذه الآيات الكريمة من سورة المائدة، يقول : ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ، قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ، قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا

стр. 432

يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ، قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ١. والأمر كذلك بالنسبة إلى التوراة٢ التي تحدثت عن كل صغيرة وكبيرة في حياة موسى، وهكذا فإن كل النصوص المقدسة -آيات القرآن وإصحاحات التوراة- تشير إلى أن الإسرائيليين الذين صحبوا موسى في رحلة الخروج من مصر، لم يكتب لواحد منهم- بما في ذلك موسى٣ وهارون٤ ﵉ -أن يدخل الأرض المقدسة أبدًا، إذا استثنيا يشوع بن نون وكالب بن يفنه٥، وقد ناقشنا ذلك كله بالتفصيل في كتابنا إسرائيل٦. ومنها "ثانيًا" أن القرآن الكريم -والتوراة من قبل- يكذبان إرسال جيش إسرائيلي إلى الحجاز، فالقوم الذين جبنوا عن أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم، ويصفون أنفسهم بأنهم "كالجراد في أعين الجبابرة من بني عناق" من سكان كنعان٧، هؤلاء القوم ليسوا هم الذين يجتازون صحراوات بلاد العرب حتى يصلوا إلى يثرب، ثم يقوموا فيها بمجزرة بشرية تنتهي بإفناء بلد بأسره، إلا ولد الأرقم ملكها، ثم أليسوا هم أنفسهم الذين حاول الكليم ﵇ أن يحرضهم على القتال، حتى يصدعوا بأمر الله ويدخلوا الأرض التي كتبها لهم، إلا أنهم كانوا مع كثرتهم "تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى"، كانا يخافون الحرب ويهابون القتال، بعد أن تمكنت منهم المذلة والصغار، ومن ثم فقد صاحوا بموسى -كما تروي توراتهم -"ليتنا متنا في أرض مصر، أو ليتنا متنا في هذا القفر، ولماذا أتى بنا الرب

стр. 433

لنسقط بالسيف"١. وليت الأمر اقتصر على هذا، فإن التمرد سرعان ما يمتد إلى حد الثورة على موسى شخصيا، والمناداة بخلع رياسته وقيام سلطة جديدة تعود بهم إلى مصر، تقول التوراة على لسان الإسرائيليين: "أليس خيرًا لنا أن نرجع إلى مصر، فقال بعضهم نقيم رئيسًا ونرجع إلى مصر"٢. هذه هي النصوص القرآنية والتوراتية وكلها تتحدث عن جبن الإسرائيليين وتقاعسهم عن القتال، أفليس من الغريب بعد ذلك أن يأتي بعض المؤرخين -ويا للعجب فهم من المسلمين- فيزعم لليهود أمجادا عسكرية ما كانت لهم أبدًا، والحق يقال أنهم ما زعموها لأنفسهم أبدًا. ومنها "ثالثًا" أن التوراة تحدثنا عن معارك دارت رحاها بين اليهود والعماليق، ولكن ليس في المدينة المنورة -كما يزعم بعض المؤرخين المسلمين القدامى، ومن تابعهم من المحدثين- وإنما في سيناء، حيث كان يقيم فريق من العماليق٣، في منطقة منها تدعى "رفيديم"، وأن العماليق استمروا يضايقون الإسرائيليين حتى أيام شاؤل "١٠٢٠-١٠٠٠ق. م"٤، أول ملوك إسرائيل، كما يروي سفر صموئيل الأول٥. ومنها "رابعًا" أن الرواية تقدم لنا موسى ﵇ في صورة لا تتفق ومكانة الكليم، فليس من شيم الأنبياء أن يرسلوا الجيوش لتقتل الناس جميعًا، كنت أفهم أن يدعو الكليم العماليق إلى عبادة الله الواحد القهار، فإذا ما رفضوا كانت الحرب

стр. 434

ولينصرن الله من ينصره، أما أن يرسل النبي الكريم -فيما يزعم الرواة- جيشا إلى المدينة ليقوم فيها بمجزرة بشرية مروعة، تنتهي بإفناء القوم جميعًا، إلا طفل ضنوا عليه من الموت لوضاءته، فأمر لا يمكن أن يقبل على علاته من عامة الناس، فضلا عن أن يكون ذلك من كليم الله ﵇، وحتى هذه، فما شأن موسى بالعماليق في وسط بلاد العرب، أنسي أصحاب هذه الرواية أن موسى قد أرسل إلى بني إسرائيل خاصة١، وليس العماليق بالتأكيد من بني إسرائيل، كما أنهم هنا في المدينة المنورة -بعيدًا عن مصر وعن فلسطين، فضلا عن صحراء التيه- لم يعترضوا دعوته، وربما لم يسمعوا بها أبدًا، وحتى لو كانوا قوما جبارين-كما تذهب الرواية- أفكان موسى مكلفا بالقضاء على الجبارين في الأرض، وإذا كان ذلك كذلك، فلماذا القضاء على العماليق بالذات، وليسوا هم وحدهم الجبارين في الأرض، ثم ما هو الموقف بالنسبة إلى العماليق في غير يثرب؟ ومنها "خامسًا" أن بعض المؤرخين المسلمين أنفسهم إنما يشكون في صحة الرواية٢، ومنها "سادسًا" أن هناك رواية أخرى -إخبارية كذلك- تقدم سببًا مختلفا لإقامة اليهود في المدينة، ذلك أن موسى -طبقًا لهذه الرواية- قد حج إلى بيت الله الحرام ومعه أناس من بني إسرائيل، وعند العودة رأوا في موضع المدينة صفة بلد نبي يجدون وصفه في التوراة بأنه خاتم النبيين، ومن ثم فقد أقاموا في موضع سوق بني قينقاع، ثم تآلفت إليهم أناس من العرب، فرجعوا على دينهم، فكانوا أول من سكن موضع المدينة٣، وهكذا يبدو التضارب واضحًا في روايات

стр. 435

الأخباريين، بل إن البعض منهم قد ذهب إلى أن هارون ﵇ قد دفن بالمدينة كذلك، وهنا تتجه الروايات اتجاها غريبا، حيث تذهب إلى أن موسى وهارون قد خرجا حاجين أو معتمرين، حتى إذا ما قدما المدينة خافا من يهود، فنزلا أحد، وهارون مريض، فحفر له موسى قبرا بأحد، وقال: ادخل فيه فإنك تموت، فقام هارون فدخل في لحده فقبض فحثى عليه موسى التراب١. ولست أدري كيف يخاف موسى وهارون من اليهود، أما كان الأولى أن يقول أصحاب هذه الرواية أن النبيين الكريمين قد خافا من العماليق، بخاصة وأن أصحاب الرواية نفسها، إنما يرون أن الذين كانوا بالمدينة من يهود من بني قينيقاع، وهم من أوفى شيعة موسى وهارون، وفي نفس الوقت كان العماليق -طبقًا للرواية نفسها- يملأون السهل والجبل، وفيهم بنو هف وبنو مطر وبنو الأزرق، ثم كيف علم موسى أن هارون سوف يموت، وعلم ذلك عند ربي وحده، ثم كيف يأمر موسى هارون بدخول القبر قبل أن يموت، ثم أليست هذه الرواية هي رواية التوراة -كما جاءت في سفر العدد "٢٠: ٢٢-٢٩"- وإن غير أصحابنا الأخباريون فيها، بأن جعلوا في موت هارون على جبل أحد في المدينة المنورة، بدلا من موته على جبل هور في أرض التيه، وإن كانت رواية التوراة جعلت ذلك بوحي من الله لموسى، وإن انحرفت عن الجادة من الصواب بعد ذلك، فجعلت الموت إنما كان سببه العصيان٢. ومنها "سابعًا" أن سكنى اليهود في يثرب -طبقًا لهذه الرواية- بعيد جدًّا، بخاصة إذا ما تذكرنا أن موسى ﵇ قد خرج ببني إسرائيل من مصر حوالي عام ١٢١٤ق. م٣ -ولا أقول في عام ١٤٤٧ق. م، كما ترجح بعض الآراء٤.

стр. 436

بل إن هناك من يذهب إلى أن الخروج إنما كان في حوالي عام ١٥٧٥ق. م١، طبقًا للآراء التي تربط بين اليهود والهكسوس٢. ولعل سؤال البداهة الآن: إذن ما هو أصل هذه الروايات التي جعلت موسى ﵇ يرسل جيشا إلى المدينة المنورة يقضي على سكانها؟ ومن أين جاء بها الأخباريون؟. والرأي عندي أن مصدرها التوراة، وأنها وصلت إلى الإخباريين محرفة حتى، ثم افترض بعد ذلك مصدرين لهما من قصص التوراة، الواحد قصة موسى والمديانيين، والآخر قصة شاؤل والعماليق، وأن المؤرخين المسلمين لم يطلعوا حتى على أي من القصتين في التوراة، ومن ثم فقد نقلوها عن مصادر غير علمية بما جاء في التوراة، وربما عن مسلمة أهل الكتاب. وعلى أي حال، ففي الأولى نرى رب إسرائيل يأمر موسى بالانتقام من المديانيين، ومن ثم نرى الجيش يخرج إلى مديان فيقتل الذكور منهم، ويسبي النساء، ثم ينهب المواشي ويحرق المدن ويهدم الحصون، ثم يعود ومعه "الغنيمة وكل النهب من الناس والبهائم"، فيخرج إليهم موسى غضبان أسفا، مهددا ثائرا، آمرا إياهم "أن اقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل امرأة عرفت رجلا بمضاجعة ذكر"٣، وهكذا يأبى كاتبوا التوراة -المتداولة الآن- إلا أن يصوروا موسى ﵇، حريصًا على قتل رجال مديان، فضلا عن السبايا من نسائهم، والذين لم يبلغوا الحلم من ذكورهم٤. وفي الرواية الأخرى يأمر رب إسرائيل ملك إسرائيل بأن يقضي على العماليق الذين استذلوا يهود، ومن ثم فإن شاؤل سرعان ما يخرج على رأس جيشه فيبيد عماليق، وإن أبقى على "أجاج" ملكهم، فضلا عن خيار الغنم والبقر، وعن كل

стр. 437

ثمين غال مما يملكون، وهنا يغضب "يهوه" رب إسرائيل، فيتراءى لصموئيل النبي، معلنا أنه قد "ندم على أن جعل شاؤل ملكًا" لأنه خالف أمره، فلم يقض على عماليق وما يملكون، وكانت النتيجة أن ذبح ملك العماليق في الجلجال، ورفعت بركة رب إسرائيل عن شاول، وأعطيت لواحد من يهود من غير بيت شاؤل١. ولا ريب في أن أقاصيص التوراة هذه ليس لها ظل من حقيقة، وإنما هي روايات سجلها يهود الأسر البابلي "٥٨٦-٥٣٩ق. م"، وبعد حدوثها بقرون وقرون، ولعل في بعد الشقة ما بين وقوع الأحداث وتسجيلها ما يشفع في هذا الخلط العجيب، بل ما يشفع في المغالات والتفاخر بما ارتكبت يهود من مجازر، لم يكن لها من أساس إلا في أذهان مؤلفيها، الذين شهدوا بربرية الآشوريين والبابليين، فخيل إليهم أن أسلافهم مارسوا نفس اللون من القهر والإذلال٢. ويبقى بعد ذلك سؤالنا: متى أتى اليهود إلى يثرب؟ في الواقع إن الآراء متضاربة في هذا الأمر إلى درجة أننا لا نستطيع التوفيق بينهما، إذ تذهب بعض الآراء إلى أن ذلك إنما حدث في القرن الثالث عشر ق. م٣، بينما تذهب آراء أخرى إلى أنه إنما كان في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد٤، والفرق بينهما جد شاسع، قد يصل إلى حوالي أربعة عشر قرنًا، ومن هنا كانت الصعوبة في التوفيق بين هذه الآراء المختلفة أحيانًا، والمتضاربة أحيانًا أخرى. لقد رأينا من قبل كيف أن بعض الروايات إنما تذهب إلى وجود اليهود في يثرب، إنما كان منذ أيام موسى ﵇، ورأينا كذلك كيف أن هذه الروايات لا تستطيع حتى أن تقف على قدميها، ومن ثم فإننا نتجه إلى رواية أخرى، تذهب إلى أن اليهود إنما قدموا على أيام داود ﵇ "١٠٠٠-٩٦٠"٥، ذلك أن

стр. 438

الإسرائيليين -فيما يرى البعض- قد خلعوا طاعة داود وانضموا إلى ولده "أبشالوم"، وأن النبي الكريم قد لجأ إلى أطراف الشام، ثم لحق بخيبر وما إليها من بلاد الحجاز، ثم أعد العدة لاستعادة ملكه فحارب ولده وانتصر عليه، ثم انتهى الأمر بقتل أبشالوم على يد "يؤاب" قائد جيش داود، فضلا عن قتل عشرين ألفا من بني إسرائيل١، ولعل "دوزي" يتجه نفس الاتجاه، وإن رأي أن الأمر كان ممثلا في هجرة سبط شمعون قبيل أيام داود٢، ومن ثم فالهجرة لا علاقة لها بداود -الأمر الذي ناقشناه من قبل. وعلى أي حال، فإن رواية الإخباريين الآنفة الذكر، لا تعدوا أن تكون تحريفًا لأحداث جاءت في التوراة، حيث تروى أن أخريات أيام داود قد تميزت بعدة ثورات، امتدت حتى إلى أهل بيته، ومنها ثورة ولده أبشالوم الذي نجح في أن يضم إليه قبائل إسرائيل الثائرة ضد أبيه، دون سبب ندريه على وجه اليقين، ثم تمكن أبشالوم من خلع أبيه، وتنصيب نفسه ملكًا على إسرائيل في مكانه، مما اضطر داود إلى أن يذهب إلى "محانيم" في شرق الأردن، حتى لا يفاجأ بأبشالوم وأتباعه داود إلى أن يذهب إلى "محانيم" في شرق الأردن، حتى لا يفاجأ بأبشالوم وأتباعه في أورشليم، إلا أن تصرفات أبشالوم المخزية مكنت داود من استعادة ولاء بعض القبائل الإسرائيلية القوية، والانتصار على أبشالوم وقتله كذلك، على الرغم من أوامر داود الصريحة لجنوده بعدم قتله، مما أدى إلى حزن داود المرير على ولده٣. وهكذا يبدو واضحًا أن الإخباريين لم يفعلوا أكثر من نقل القصة التي روتها التوراة، وإن غيروا فيها بما يجعل اليهود يصلون إلى بلاد العرب على أيام داود ﵇، بل إن هناك من يذهب به الخيال إلى أن يرى أن داود قد غزا يثرب، وكان يسكنها صلع وفالج، وأنه قد أخذ من سكانها مائة ألف عذراء، وان الله قد

стр. 439

سلط الدود على أهل يثرب بعد ذلك فأهلكهم، ثم دفنوا في السهل والجبل في ناحية الجوف١. غير أن أصحابنا الأخباريين لم يقولوا لنا ماذا فعل النبي الأواب بهذه المائة ألف من عذاري يثرب، فضلا عن السبب في سبيهم، ثم وهل صحيح أن يثرب كان بها في تلك الآونة من القرن العاشر قبل الميلاد مائة ألف من العذاري؟، ثم وهل صحيح كذلك أن الله قد أهل يثرب جميعًا؟ وأخيرًا ماذا فعل هؤلاء الناس ليصب عليهم داود نقمته إلى هذا الحد؟، وهكذا يبدو لنا بوضوح ما في هذه الرواية من بعد عن الصواب. وهناك فريق ثالث يذهب إلى أن اليهود إنما قدموا إلى بلاد العرب في القرن الثامن قبل الميلاد، بعد سقوط السامرة -عاصمة إسرائيل- في أيد الآشوريين عام ٧٢٢ق. م٢، وليس من شك في أن هذا الاتجاه قد تأثر إلى حد كبير بسقوط السامرة في يوم ما من شهر ديسمبر عام ٧٢٢ق. م٣، وأن العاهل الآشوري "سرجون الثاني" "٧٢٢-٧٠٥ق. م" قد هجر أكثر عناصر السكان أهمية، وربما النبلاء والإغنياء، غير أن التهجير إنما كان -طبقًا لرواية التوراة٤- إلى "حلج وخابور ومدن مادي"، وحين تكررت العملية في عام ٧٢٠ أو ٧١٥ق. م، فإن العاهل الآشوري قد جاء بقوم من "بابل وكوت وحماة"، ومن سوسة وعيلام، فضلا عن قبائل ثمود "تامود" ومرسيمانو وجبايا، والعرب الذين يعيشون بعيدًا في الصحراء وأسكنهم في السامرة، وذلك رغبة من العاهل الآشوري في كسر التحالفات القديمة في سورية وفلسطين، بإدخال إلى البلاد٥، وهكذا يبدوا واضحًا أنه

стр. 440

ليست هناك أية إشارة في التوراة، أو في النصوص الآشورية، إلى تهجير يهود من السامرة إلى يثرب، وإلى غيرها من بلاد العرب، ومن ثم فإن المؤرخين يرفضون هذا الاتجاه. وهناك فريق رابع يرى أن هجرة اليهود إلى يثرب إنما كانت بعد سقوط اليهودية وتدمير الهيكل في القرن السادس قبل الميلاد، على يد "نبوخذ نصر" في عام ٥٨٦ق. م -وربما في أغسطس ٥٨٧ق. م- وإبعاد كثير من اليهود إلى بابل، وهو ما عرف في التاريخ "بالسبي البابلي"١، وعندما قتل اليهود "جداليا" نائب نبوخذ نصر في أورشليم٢، أدركوا مدى الكارثة الت حلت بهم، وخوفا من انتقام العاهل البابلي، فقد كان الهروب إلى مصر هو سبيل النجاة الوحيد أمامهم، ونقرأ في التوراة "فقام جميع الشعب من الصغير إلى الكبير ورؤساء الجيوش وجاءوا إلى مصر، لأنهم خافوا من الكلدانيين"٣، ومرة أخرى ليس في هذه الأحداث إشارة إلى هروب يهود إلى يثرب، كما تذهب الروايات العربية٤. على أنه في هذه الاضطرابات، لا يمكنا القول إن مصر كانت هي سبيل النجاة الوحيد أمام اليهود -كما تقول التوراة- ومن ثم فربما فر فريق من يهود إلى بلاد العرب، وإن كنا لا نستطيع -بحال من الأحوال- أن نقول أنهم قد ذهبوا إلى يثرب بالذات، ولعل الذهاب إلى تيماء وإلى وادي القرى ومجاوراتهما، ربما كان أقرب إلى الصواب من الذهاب بعيدًا إلى يثرب؛ ذلك لأن الطريق إلى الحجاز لم يكن مقفلا أمام يهود في تلك الفترة، بخاصة وأن اليهود كانوا هاربين من فلسطين، يبحثون عن ملجأ يقيهم شر العذاب الذي يمكن أن يصبه عليهم العاهل البابلي، والحجاز أقرب المناطق إلى فلسطين، كما أن وجود بعضًا من يهود على طرق التجارة بين جنوب بلاد العرب وشمالها فيما بعد في العصر الروماني، قد يدعم الرأي القائل

стр. 441

بوجود هجرة يهودية إلى بلاد العرب منذ تلك الفترة١. غير أن حملات البابليين المتكررة بعد ذلك على شمال بلاد العرب، فضلا عن استقرار "نبونيد" في تيماء، ولمدة قد تقرب من سنوات عشر، كما أشرنا من قبل، قد يضعف هذا الاتجاه، ورغم أن هناك من يذهب إلى أن حملة نبونيد على بلاد العرب، قد ضمت بين رجالها بعضًا من يهود، وأن هذا النفر من يهود، إنما أقاموا في شمال الحجاز -وحتى يثرب- إقامة دائمة استمرت حتى ظهور الإسلام، فإن العاهل البابلي لم يشر أبدًا إلى عناصر يهودية في جيوشه، أو أنه قد أسكن يهود في تلك المناطق، كما أننا لا نملك من الأدلة ما يؤيد وجهة النظر هذه٢. وهناك فريق خامس يذهب إلى أن وجود اليهود في يثرب إنما يرجع إلى القرنين الأول والثاني بعد الميلاد، وليس من شك في أن الأدلة التاريخية، إنما هي في جانب هذا الاتجاه أكثر من غيره، ولعل من أهم هذه الأدلة أن الظروف السياسية التي كانت يهود تمر بها في تلك الفترة -بعد أن نجح الرومان في السيطرة على سورية ومصر في القرن الأول ق. م، وعلى يهودية ودولة الأنباط في القرن الثاني بعد الميلاد -قد ساعدت هذه الظروف على هجرة أعداد من يهود إلى شبه الجزيرة العربية، التي ساعدت هذه الظروف على هجرة أعداد من يهود إلى شبه الجزيرة العربية، التي كانت بعيدة عن السيطرة الرومانية، فضلا عن أن بلاد العرب إنما كانت ما تزال في بداوة تشبه ما كان عليه اليهود إلى حد ما، هذا إلى أن اليهود أنفسهم إنما كانوا ينظرون إلى العرب على أنهم من ولد إسماعيل، وبما أنهم -أي اليهود- من ولد إسحاق، فهم جميعًا إذن من نسل إبراهيم الخليل ﵇، وبالتالي فهم من ذوي رحمهم، ولهم بهم صلة من قربى، هذا فضلا عن أن أمر هروب اليهود إلى أعالي الحجاز ودخولهم إليه أمر سهل ميسور، فالأرض واحدة وهي متصلة، والطرق مفتوحة مطروقة، ولا يوجد مانع يمنع اليهود، أو غير اليهود، من دخول الحجاز، ولا سيما أن اليهود كانوا خائفين، فارين بأنفسهم من فتك الرومان، وأقرب مكان مأمون إليهم هو الحجاز٣.

стр. 442

غير أن الهجرة الحقيقية إنما كانت بعد الثورة اليهودية ضد الرومان، ثم إخماد هذه الثورة بأشد العنف وأقسى أنواع التدمير على يد "تيتوس" في عام ٧٠م، حيث دمرت المدينة المقدسة، وأحرق المعبد اليهودي الذي بناه "هيرودوس" إحراقًا تامًّا، حتى أن القوم نسوا بعد حين من الدهر، إن كان المعبد قد بنى على التل الشرقي أو الغربي من أورشليم، وحتى أن محاولة بنائه -اعتمادًا على وصف التوراة له- قد فشلت نهائيًّا، كما منع بقية السكان من مجرد الاقتراب من أورشليم، ومن ثم فقد هاجرت مجموعات من السكان إلى بلاد العرب، ووصلت إلى يثرب. غير أن الثورة سرعان ما تجددت مرة أخرى على أيام هدريان، فيما بين عامي ١٣٢، ١٣٥م، وانتهت الثورة إلى القضاء تمامًا على اليهود، ككيان سياسي في فلسطين، وتغير اسم المدينة المقدسة "القدس" إلى "إيليا كابتيولينا" وتحول المعبد اليهودي إلى معبد لإله الرومان "جوبيتر"، ثم بيعت النساء اليهوديات كإماء، وضاع اليهود في غياهب التاريخ، وسرعان ما فر -من أسعده الخظ فنجا- إلى مكان يحتمي به من غضبة الرومان القاسية، وكان من هؤلاء المحظوظين فريق من يهود وصلوا إلى يثرب، وكان هؤلاء -إلى جانب من وصلوا بعد تدمير القدس على يد تيتوس- هم الذين كونوا الجالية اليهودية في شمال الحجاز، وفي يثرب بصة خاصة١، وزاد عددهم بمرور الزمن، حتى إذا ما ظهر الإسلام كان معظم سكان وادي القرى إلى يثرب من اليهود، هذا وهناك في الحجر، وفي مواضع أخرى من أرض الأنباط، كتابات نبطية، يرجع بعضها إلى القرن الأول الميلادي، وبعضها الآخر إلى القرن الرابع الميلادي، وردت بها أسماء عبرية تشير إلى أن أصحابها من يهود٢. وتؤيد المصادر العربية هذا الاتجاه، فتذكر أنه لما ظهرت الروم على بني إسرائيل جميعًا بالشام فوطئوهم ونكحوا نساءهم، خرج بنو النضير وبني قريظة وبنو هدل "بهدل" هاربين إلى من بالحجاز من يهود، فلما فصلوا عنهم بأهليهم اتبعهم الروم فأعجزوهم، وهلك جند الروم في المفاوز والصحاري الخالية من الماء، وهذه الروايات

стр. 443

مأخوذة عن يهود المدينة أنفسهم، ثم أخذت جموع اليهود في الجزيرة العربية تزداد وتكثر بعد اضطهاد الروم لهم، ثم قصد بنو النضير وقريظة منطقة يثرب، وارتادوا حتى تخيروا أخصب بقاعها فسكنوها١. وهكذا سكنت جاليات يهودية منطقة يثرب، والطرق المؤدية إلى الشام، وإن تركزت كتل اليهود الكبرى في يثرب بالذات، حيث كان فيها ثلاث قبلائل، ربما بلغ عدد رجالها البالغين أكثر من ألفين، وهي قينقاع٢، والنضير وقريظة، إلى جانب بطون وعشائر يهودية أخرى، ذهب الأخباريون إلى أنها بلغت أكثر من عشرين بطنا، منهم بنو عكرمة وبنو محمر وبنو زعورا وبنو الشظية وبنو جشم وبنو بهدل وبنو عوف وبنو القصيص "العصيص" وبنو ثعلبة٣. هذا وهناك من يرجع بنسب بني النضير وبني قريظة إلى طبقة الكهان -سلالة هارون ﵇ وأما بقية يهود بلاد العرب، فبعضهم يرجع إلى نفس طبقة الكهان، وبعضهم الآخر إنما ينتمي إلى نسل الأسباط العشرة المفقودة٤. غير أننا لا نستطيع أن نوافق على هذا الاتجاه، ذلك لأن الأسباط العشرة -والذين كانت تتكون منهم دويلة إسرائيل التي قامت عقب انفصال الدولة عشية موت سليمان في عام ٩٢٢ق. م، إلى إسرائيل وعاصمتها السامرة، ويهوذا وعاصمتها أورشليم٥- إنما ضاعوا في غياهب التاريخ بعد الاحتلال الآشوري للسامرة في

стр. 444

عام ٧٢٢ق. م، ثم قيام سرجون الثاني بتهجير أكثرهم إلى مناطق أخرى من الإمبراطورية، ثم أتى بقبائل أخرى من بابل وعيلام وسورية وبلاد العرب، لتحل محل الإسرائييلين المسبيين، ثم أسكنهم في السامرة ومجاوراتها، ومن هذا الخليط الجديد ظهر في التاريخ ما سمي "بالسامريين"١. وهكذا وضع سرجون الثاني نهاية لكيانهم كأمة، وأنهى وجود الأسباط العشرة كدولة، ولم يقدر لهم العودة مرة أخرى إلى المنطقة التي أخذوها غيلة واغتصابا من أصحابها، ثم سرعان ما اندمجوا مع غيرهم من السكان الأصليين في المناطق التي أجبروا على الإقامة فيها، وليست هنا أية إشارة على أن بلاد العرب كانت ضمن هذهه المناطق وإن ذكرت نصوص العاهل الآشوري أن من بين من أتى بهم إلى السامرة قبائل من بلاد العرب٢ -كما أشرنا من قبل- فهل أتى سرجون بجزء من الأسباط العشرة في مكان هؤلاء المهجرين من بلاد العرب؟ هذا ما سكتت عنه النصوص تمامًا، ومن ثم فإننا لا نستطيع القول بأن بعضًا من يهود بلاد العرب كانوا من الأسباط العشرة. وعلى أي حال، فإن فريقًا من المؤرخين إنما يذهب إلى ن يهود بلاد العرب، إنما هم عرب تهودوا، وإن لم يكونوا مزودين بمعلومات كافية في التوحيد، وأنهم لم يكونوا خاضعين لقانون التلمود كله، حتى أن بعضًا من يهود دمشق وحلب في القرن الثالث الميلادي أنكروا عليهم يهوديتهم، وإن كانوا مع ذلك شديدي التمسك بدينهم٣. هذا ويذهب فريق من المؤرخين إلى أن بني النضير وبني قريظة فرعان من قبيلة جذام العربية، تهودوا وسموا باسم المكان الذي نزلوا فيه٤، وطبقًا لرواية

стр. 445

الأخباريين، فإن "جبل بن جوال" من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، قد تهود هو وقومه، وعاش مع بني قريظة، حتى ظهور الإسلام، ثم هداه الله إلى الدين القويم فأسلم١. ويكاد يجمع المؤرخون على أن يهود بلاد العرب إنما هم من يهود فلسطين، وأنهم تركوها فيما بين عامي ٧٠، ١٣٥م٢، كما أشرنا من قبل -ويذهبون إلى أن يهود بني النضير وبني قريظة من نسل هارون٣، وأن بقية البطون اليهودية من أسباط بني إسرائيل الأخرى٤، وأن يهود خيبر من نسل "يهونا داب بن ركاب، وأنهم قد هاجروا إلى خيبر بعد خراب الهيكل الأول في عام ٥٨٦ق. م، ثم بقوا فيها حتى عهد الخليفة الراشد "عمر بن الخطاب" "١٣-٢٣هـ-٦٣٤-٦٤٤م"، وأن كلمة "خيبر" كلمة عبرانية بمعنى الطائفة والجماعة، وبمعنى الحصن والمعسكر٥، وهو نفس الرأي الذي ذهب إليه الأخباريون، وإن نسبوها إلى رجل دعوه "خيبر بن قانية بن مهلاثيل"، رأى فيه البعض "شفطيا بن مهللثيل" من بني فارص٦، على أن هناك من يفسرها بمعنى مجموعة من المستوطنات، وإن رأى أن اللفظة عبرية٧. على أن الاستدلال ببحث لغوي على جنسية يهود بلاد العرب، طبقًا لما تشير إليه الأسماء التي يحملها اليهود -قبائل وأفرادا- لا يمكن أن يعتد به ويعول عليه، فمن الحق أن بعض أسماء القبائل اليهودية عربية محضة، ولكنها لا تدل على أنها عربية الجنس، إذ يمكن أن تكون جموع اليهود التي هاجرت إلى بلاد العرب، قد اتخذت أسماء الأماكن التي نزلت بها أسماء لها، بل إن الواقع إنما يدلنا على أن اليهود

стр. 446

كانوا قد تركوا منذ أمد طويل الانتساب إلى قبائلهم، وأصبحوا يعرفون بأسماء القرى والأقاليم التي جاءوا منها، فكان يقال فلان الأوشليمي أو فلان الحبروني.. وهكذا، ومن ثم فالطريقة المثلى -فيما يرى إسرائيل ولفنسون- إنما هي النظر في الأخلاق والتقاليد، واتجاه الأعمال والأفكار، وهنا فسوف نجد أن يهود بلاد العرب يهودا أكثر منهم عربًا، هذا إلى جانب أن فكرة إقامة الحصون والآطام على قمم الجبال في شمال بلاد العرب، إنما أتى اليهود بها من فلسطين، حيث تكثر هناك الحصون المنيعة في الجبال١. أضف إلى ذلك أن القرآن الكريم إنما وجه الخطاب إلى اليهود بتعبير "بني إسرائيل"، ونعي عليهم مسلك اليهود الأقدمين مع موسى والأنبياء من بعده، وما كان منهم من تعجيز وإحراج وكفر وتكذيب وغدر، ونقض للشرائع وتحريف للكلام عن مواضعه، وأخذهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وذلك في صدد التنديد بموقفهم من النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وفي كثير من الآيات جعل اليهود المعاصرين والقدامى موضوع خطاب وسياق وسلسلة واحدة، حيث يوجه الخطاب إلى بني إسرائيل أو إلى اليهود بصيغة المخاطب القريب، فيقص ما كان من الأقدمين وما كان من المعاصرين بأسلوب يرجح أن المقصود به تقرير الصلة النسبية بين هؤلاء وأولئك، وربط ما بدا من أخلاق المعاصرين ومواقفهم بما كان من أخلاق القدماء، كأن الجميع يصدرون عن جبلة واحدة وأخلاق متوارثة، وإذن: فتوجيه الخطاب في القرآن الكريم إلى يهود يثرب بـ"بني إسرائيل" يسوغ الترجيح، بل الجزم، بأن اليهود الذين كانوا في الحجاز، بصفة عامة، هم نازحون وأنهم إسرائيليون، وأنهم ليسوا قبائل عربية تهودت، وإن كان هناك عرب تهودوا، فإنهم لم يكونوا جماعة محسوسة، وليسوا إلا أفرادا٢. على أنه يجب ألا يفهم من هذا كله، أن كل يهود بلاد العرب من أصل يهودي، فهناك الكثير من العرب المتهودين، ولا سيما القبائل اليهودية المسماة بأسماء عربية أصيلة، لها صلة بالوثنية، مما يدل على أنها إنما كانت وثنية قبل أن تتهود، وهناك الكثير من البطون العربية التي تهودت٣، فقد تهود قوم من الأوس والخزرج بعد

стр. 447

خروجهم من اليمن لمجاورتهم يهود خيبر وقريظة والنضير، وتهود قوم من بني الحارث بن كعب، وقوم من غسان، وقوم من جذام، وقوم من "بلى"١، فضلا عن أن هناك ما يشير إلى أن المرأة المقلات في الجاهلية كانت تنذر إن عاش لها ولد أن تهوده، ومن ثم فقد تهود بعض منهم، فلما جاء الإسلام أراد الأنصار إكراه أبنائهم عليه، فنهاهم الله عن ذلك٢، حيث يقول : ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي﴾ ٣، كما أن اليهود قد عملوا على التبشير بدينهم بين العرب إلى حد ما.

стр. 448

٣- العرب: يروي الأخباريون أن القبائل العربية -من أوس وخزرج- قد هاجرت من اليمن إلى يثرب على إثر حادث حادث سيل العرم، وهناك في يثرب وجدت تلك القبائل أن الأموال والآطام والنخيل في أيدي اليهود، فضلا عن العدد والقوة، فأقام الأوس والخزرج مع اليهود، وعقدوا معهم حلفا يأمن من بعضهم إلى بعض، ويمتنعون به ممن سواهم١. وهكذا فإن هجرة الأوس والخزرج إلى يثرب، إنما كانت -طبقًا لرواية الأخباريين- بسبب سبل العرم، الأمر الذي لا يمكن تحديد زمنه بسهوله؛ ذلك لأن سد مأرب إنما تهدم عدة مرات، خلال الفترة الطويلة التي مضت منذ تشييده في منتصف القرن السابع

стр. 449

ق. م- وربما الثامن ق. م١- وبين آخر مرة أصلح فيها السد في عام ٥٤٣م، على أيام أبرهة الحبشي طبقًا لما جاء في نصي "جلازر ٦١٨" و"٢Cih ٤٥١"، إذ أن هناك عدة إشارات إلى تهدم السد وإصلاحه، منها ما حدث على أيام "شمر يهرعش"٣، ومنها ما حدث على أيام "ثاران يهنعم" عندما تهدم السد عند موضع "حبابض" و"رحبتن"، وأن القوم قد كتب لهم نجحا كبيرًا في إصلاحه٤. ولعل التهدم الذي حدث على أيام "شرحبيل يعفر" في القرن الخامس الميلادي، إنما كان واحدًا من أشد تهدمات السد خطورة، لأن آثارة تعدت الآثار الجانبية، إلى هروب سكان المنطقة إلى الهضاب والجبال، ثم هجرتهم من هذه المنطقة إلى أرضين أخرى، ربما لأنه كان بسبب كوارث طبيعية، كالزلازل والبراكين، وليس لمجرد سقوط أمطار غزيرة، ومع ذلك فقد نجح القوم بعد كل هذا في تجديد بناء السد وترميمه، على مقربة من "رحب" وعند "عبرن"، فضلا عن حفر مسايل للمياه، وبناء القواعد والجدران، كما أشرنا من قبل، وقد تم ذلك في عام ٤٤٩/ ٤٥٠م،٥ وأخيرًا ذلك التهدم الذي كان على أيام أبرهة الحبشي. وهكذا يبدو بوضوح أن تحديد تاريخ معين لخراب سد مأرب، وهجرة القبائل العربية من اليمن إلى وسط بلاد العرب وشمالها، أمر لا يمكن -على ضوء معلوماتنا الحالية- أن نقول فيه كلمة نظن أنها القول الفصل، أو حتى قريبًا من هذا القول، وأن الأمر ما يزال في مرحلة الحدس والتخمين، حتى تقدم لنا الأرض الطيبة في اليمن أو في غيرها، ما ينير أمامنا الطريق.

стр. 450

وأما الروايات العربية، فإن بعضًا منها إنما يشير إلى أن ذلك إنما قد حدث قبل الإسلام بأربعة قرون، بينما يشير البعض الآخر إلى أن تلك الهجرات إنما تمت في القرن الخامس الميلادي، وعلى أيام "حسان بن تبان أسعد١"، علي أن هناك فريقًا ثالثًا إنما يقترح أخريات القرن الرابع الميلادي، معتمدا في ذلك على نسب "سعد بن عبادة الخرزجي"، وجعله مقياسا للزمن الذي ربما تكون الهجرة تمت فيه، فنسب سعد -طبقًا لرواية النسابين- إنما هو "سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخرزج الأصغر بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر بن حارثة"، فمن سعد إلى الخزرج الأكبر أحد عشر جيلا، وإذا افترضنا أن الفرق بين كل جيلين خمسة وعشرين عامًا، كانت المدة بين الهجرة النبوية الشريفة "في عام ٦٢٢م"، وبين الخزرج الأكبر، حوالي مائتين وخمسين وسبعين سنة، أي أن هجرة الأوس والخزرج، ربما كانت في أخريات القرن الرابع٢، هذا ويحدد "سديو" هذه الهجرة بعام ٣٠٠م، ثم الاستيلاء على المدينة في عام ٤٩٢م٣. وأما أن تهدم السيل كان بسبب "جرذ" له مخالب وأنياب من حديد٤، فتلك أساطير لا تدور إلا في رءوس أصحابها، ومن ثم فهي لا تعرف نصيبًا من صواب، أو جانبا من منهج علمي، الأمر الذي ناقشناه بالتفصيل في كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني" كما أن "كيتاني" قد جانبه الصواب كثيرًا حين ظن أن خراب سد مأرب، إنما كان بسبب الجفاف الذي أثر على السد، بل إن ضغط الماء على جوانب السد، ثم حدوث سيل العرم، إنما هو في حد ذاته لدليل على فساد نظرية الجفاف هذه٥، فضلا عن معارضتها لما جاء في القرآن الكريم عن حادث السيل

стр. 451

هذا١. على أن المؤرخين إنما يشككون كثيرًا في أن يكون السيل وحده هو سبب هجرة الأوس والخزرج؛ ذلك لأن السد إنما كان يسقي ربوة من الأرض لم تكن مسكنا لكل بطون الأزد، ومن ثم فإنه يصبح من الصعب أن نتقبل القول، بأن جميع البطون الأزدية قد هاجرت إلى شمال شبه الجزيرة العربية بسبب انهيار السد وحده، وإنه لمن المحتمل أن تكون هناك أسباب أخرى تعاونت مع سيل العرم، واضطرت بعض هذه البطون إلى ترك وطنها مهاجرة إلى الأرجاء النائية٢. ولعل أهم هذه الأسباب إنما هو ضعف الحكومة، ثم تحول الطرق التجارية، فضعف الحكومة في اليمن أدى إلى تزعم سادة القبائل والرؤساء، وانشقاق الزعامة في البلاد، فضلا عن المشاحنات الدينية بين أتباع النصرانية وأتباع الموسوية في اليمن، وزاد الطين بلة أن صاحب تلك القلاقل الداخلية تدخل الحبشة ثم الفرس في شئون اليمن الداخلية، وكان نتيجة ذلك كله اضطراب الأمن في البلاد، وظهور ثورات داخلية وحروب، كما تدلنا على ذلك نقوش النصف الثاني من القرن السادس الميلادي، فألهى ذلك الحكومة عن القيام بواجباتها، مما أدى إلى إهمال السد، ومن ثم فقد تصدعت جوانبه، وكان السيل الذي أغرق مناطق واسعة من الأرض الخصبة، التي كان القوم يعتمدون عليها في حياتهم الاقتصادية٣، فإذا أضفنا إلى ذلك كله أن اليمن لم تصبح في تلك الفترة صاحبة السيادة على الطرق التجارية، كما أنها لم تعد الوسيط الوحيد في نقل التجارة إلى المناطق الشمالية، بل ربما لم يعد دور اليمن -بعد سيطرة الرومان على البحر المتوسط ونقل تجارة الهند عن طريق هذا البحر،

стр. 452

فضلا عن ظهور القرشيين وقيامهم برحلتي الشتاء والصيف المشهورتين، إلا دورا ثانويا، وهكذا تجمعت العوامل السياسية والاقتصادية معا على إهمال الزراعة وكساد التجارة، مما دفع بقبائل عربية غير قليلة إلى الهجرة إلى بلاد العرب الشمالية، وكان من بين المهاجرين الأوس والخزرج١. ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن القول بأن قبائل الأزد هاجرت دفعة واحدة، أمر غير مقبول؛ ذلك لأن خزاعة -وهي بطن من الأزد- كانت لا تزال تحكم مكة حوالي عام ٤٥٠م، وكانت قد استمرت مدة طويلة تلي هذا الأمر- رأى البعض أنها حوالي ثلاثة قرون، ورأى آخرون أنها خمسة قرون- وهذا يعني أنها هاجرت من اليمن حوالي منتصف القرن الثاني، وربما منذ القرن الثالث، في عام ٢٠٧م٢. وأيًّا ما كان الأمر، فإن الأخباريين يذهبون إلى أن الأوس٣ والخزرج أخوان، فهما أبناء "حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق، بن ثعلبة بن مازن بن الأز"٤، الذي ينتهي نسبه إلى "يعرب بن قحطان"، ولكن القوم إنما كانوا ينسبون إلى أمهم "قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة"، ولهذا كانوا يدعون "أبناء قيلة"، مما يدل على أن هذه المرأة إنما كانت تتمتع بشهرة عريضة، دفعتهم إلى الانتساب إليها٥. وعلى أي حال، فلقد أقام الأوس والخزرج في المدينة، وربما لم يكونوا في أول الأمر يملكون من القوة وكثرة العدد، بحيث يخشى اليهود بأسهم، هذا ويبدو أن اليهود قد عملوا على الإفادة من خبراتهم التي اكتسبوها منذ فترة طويلة، في مجال الزراعة والتجارة في مواطنهم القديمة في اليمن، ومن ثم فقد سمحوا لهم بالإقامة في

стр. 453

مجاوراتهم، إلا أن وجود الثروة والسلطان في أيدي اليهود جعل الأوس والخزرج يعيشون حياة قاسية، ومن ثم فقد كان الواحد منهم، إما أن يعمل في مزارع يهود، وإما أن يستغل خبرته السابقة في الزراعة، فيعمل في أرض لا تنتج الكثير من الغلات، لأنها في غالب الأحايين إنما كانت أرض موات تركها اليهود، وفي كلا الحالين فقد كان القوم غير ميسر عليهم في الرزق١. وما أن يمضي حين من الدهر، حتى استطاع أصحابنا من أوس الخزرج وخزرج أن يكونوا أصحاب مال وعدد، حتى أن يهود بني قريظة والنضير أحسوا أنهم لو تركوهم على حالهم هذا، فقد يشكلون في وقت قريب خطرا، قد يهدد مصالح يهود في المدينة، وربما قد يهدد القوم أنفسهم، ومن ثم فقد "تنمروا لهم حتى قطعوا الحلف الذي بينهم، فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم خائفين أن تجليهم يهود، حتى نجم منهم مالك بن العجلان، من بني سالم بن عوف بن الخزرج، فكان سببًا في أن يسود الحيان، الأوس والخزرج"٢. وهنا تجنح المصادر العربية إلى رواية -علم الله- أننا ما كنا براغبين في التعرض لها، لولا أنها -وأمثالها- قد تكررت بصورة أو بأخرى في مواضع وأزمنة مختلفة، وفي مراجع لها من القيمة مالها عند الناس، ورغم ذلك فهي لا تتعارض مع المنطق والتاريخ فحسب، ولكنها تتعارض كذلك مع العادات والتقاليد العربية التي يعترف الأعداء بها قبل الأصدقاء، والمخالفون قبل الموافقين، فضلا عن الحاقدين والمتشككين في كل خلة عربية كريمة. تزعم المصادر العربية -دون غيرها من المصادر، حتى اليهودية- أن واحدًا دعوه "الفيطون" "الفطيون أو الفطيوان" كان ملكًا على يهود في يثرب، وأنه كان جبارًا عشوما، فاجرا فاسقا، حتى أن المرأة من الأوس والخزرج- وكذا من اليهود في بعض الروايات- كانت لا تهدى إلى زوجها حتى تدخل عليه أولًا، فيكون هو الذي يفتضها، ثم إن أختا لابن العجلان -دعوها فضلاء- قد تزوجت برجل

стр. 454

من قومها، فلما كان يوم زفافها، خرجت على مجلس قومها، وفيه أخوها مالك بن عجلان، فكشفت عن ساقيها، فغضب مالك، ولكنها ردت عليه إن "الذي يراد بي الليلة من هذا، أدخل على غير زوجي"، وهنا أضمر مالك في نفسها أمرًا، أسر إلى أخته. وهكذا ما أن ذهبت النسوة بفضلاء إلى الفيطون، حتى كان مالك معهن في زي امرأة، وانتظر هناك في مخدع العروس، حتى خرجت النسوة ودخل الفيطون، فما أن أراد أن يقضي من فضلاء وطره، حتى صرعه مالك بسيفه فأرداه قتيلا، ثم ولي هاربًا إلى الشام، مستنجدًا بأبي جبلة ملك غسان، الذي أسرع بنجدته، فأقبل في جيش كثيف من الشام، حتى إذا ما وصل يثرب، نزل "بذي حرض". وبدأ يكتب ليهود يتودد إليهم ويدعوهم لزيارته، حتى إذا ما لبوا دعوته انقض عليهم وقتلهم، ثم قال للأوس والخزرج "إن لم تغلبوا على البلاد بعد قتل هؤلاء لأحرقنكم"، ثم رجع إلى الشام، ومنذ ذلك اليوم بدأت كفة العرب ترجح على يهود، وأصبح الأوس والخزرج أعز أهل المدينة، فتفرقوا في عالية يثرب وسافلها يتبوؤن منها حيث يشاءون، واتخذوا الديار والأموال والآطام، غير أن يهود ما لبثت غير قليل حتى بدأت تعترض الأوس والخزرج وتناوشهم، فرأى مالك أن الغلبة لم تكتمل لهم بعد على يهود فكادهم كيدًا شبيها بكيد أبي جبلة، وقتل منهم من قتل، فذلوا وقل امتناعهم، وضاع سلطانهم على الأرض، وأخذوا يصورون مالكًا في بيعهم وكنائسهم في صورة شيطان رجيم، يلعنونه كلما دخلوا هذه البيع وكلما خرجوا منها، فضلا عن ذكره في شعرهم في أقبح هجاء قالوه١. ولعل من الأفضل هنا أن نناقش هذه الروايات، على أنها تتكون من شقين.

стр. 455

الواحد يتصل بقصة الفيطون، وعرائس يثرب العربيات، والآخر يتصل بغلبة الأوس والخزرج على يهود يثرب. وقد اختلفت الآراء في الرواية الأولى، فذهبت جمهرة من المؤرخين على رفضها، فالدكتور إسرائيل ولفنسون يذهب إلى أن القصة ملفقة، معتمدًا في ذلك على أدلة، منها "أولًا" أن أصحابها لم يكن لهم إلمام كاف بحياة العرب في الجاهلية، بل كانوا يعتبرونهم متوحشين همجيين لا يعرفون من النظم الاجتماعية شيئًا، ولا يفهمون من الآداب قليلا ولا كثيرًا، ولا ينقادون إلا لما يدعو إليه الخرق والسفاهة، ولا شك أن قولا كهذا ليس إلا طعنًا فاحشًا في قبائل العرب في الجاهلية، وإنكارًا شنيعًا لما هو معروف عنهم من الأنفة والغيرة وإباء الضيم والشجاعة والبسالة، إلى حد التضحية بكل شيء في سبيل العرض وحفظ الشرف والكرامة. ومنها "ثانيًا" أن يهود الحجاز إنما كانوا أصحاب دين سماوي يأمر بالمعروف وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وليس من المعقول أن يرتكب ملك يهودي جريمة منكرة كهذه تناقض روح التوراة وتخالف الإيمان بإله موسى، دون أن يجد مقاومة عنيفة وإنكارًا شديدًا من شعبه وأبناء جلدته، ومنها "ثالثًا" أنه لم يوجد في المدينة ملوك من يهود، ومنها "رابعًا" أن الطبري يذكر قصة تشبه هذه عن طسم وجديس. ومنها "خامسًا" أننا لا نجد صلة بين هذه القصة وبين "يوم بعاث" الذي جاء بعدها، بل على العكس من ذلك، فإننا نستطيع أن نستنتج- اعتمادًا على الأخبار التي وصلتنا عن يوم بعاث- أن اليهود كانوا متمتعين بجميع حقوقهم السياسية والاجتماعية، وكانت مزارعهم وأموالهم وآطامهم كاملة غير منقوصة. ويخلص الدكتور إسرائيل ولفنسون من ذلك كله إلى أن الباعث على اختلاق هذه القصة وتلفيقها، إنما هو محاولة إخفاء الحقيقة في حادثة غدر ابن عجلان، بدليل أن ابن هشام، والواقدي، وصاحب الأغاني، قدموا أسبابًا أخرى -غير حادث الفطيون- لتغير الأحوال بين العرب واليهود في المدينة، ومن ثم فالقصة -في رأيه- لا تعدو أن تكون واحدة من الخرافات عند أمم الشرق في قصصهم

стр. 456

وتواريخهم١. وذهبت قلة من المؤرخين -ومنهم الدكتور عبد الفتاح شحاتة- إلى أن القصة حقيقية، وأن حكم الدكتور ولفنسون عليها بالخرافة والتلفيق ليس عجبًا، فاسمه يغني عن التعريف به، وإنما العجيب حقًّا محاولته إخفاء التاريخية من أخلاق اليهود والعرب، ثم يقدم أدلة على صحة رأيه، منها "أولًا" أن العرب من أوس وخزرج لم يسكتوا على هتك الأعراض وثلم الشرف، ودبروا الخطة للتخلص من الفيطون وقتلوه دفاعًا عن شرفهم، وإذا كانوا قد رضوا بالسكوت على العار حينًا من الدهر، فإنما كان ذلك تحت جبروت الملك وبطش السلطان، ويشهد لذلك أن مالكًا لما هم بقتل الملك لم يتمكن من ذلك علانية، بل تنكر في زي النساء، ومنها "ثانيًا" أن كون دين اليهود ينهي عن الفحشاء والمنكر، لا يمنع من أن يخرج على تعاليم الدين ومبادئ الأخلاق الفاضلة من يتبع هواه ويركب رأسه، ثم هل كل من يعتنق دينًا ينهى عن الفحشاء منزه عن الإثم والخطأ؟ ومنها "ثالثًا" أن رواية الطبري وغيره عن أمثال هذه القصص ليست دليلا على أنها من الأساطير، وقد تكون من العادات التي شاعت في تلك العصور الأولى عند الملوك والرؤساء، ثم يتساءل الدكتور شحاتة بعد ذلك عن الدوافع التي دعت الطبري وغيره إلى اختلاق قصة الفيطون؟ ثم يجيب بعد ذلك عن تساؤله: بأنه إذا كان المراد منها إخفاء غدر مالك بجيرانه اليهود، كما يزعم ولفنسون، فذلك أمر بعيد، فمالك ليس قديسًا من القديسين، بل رجل جاهلي، الظلم عنده قوة، وسفك الدماء بطولة وشجاعة٢. ولعل أفضل ما نفعله في موقفنا هذا أن نناقش حجج الطرفين -قبل أن ندلي بدلونا في القصة- حتى نتبين في كل منها موقف القوة والضعف، فضلا عن جانب الخطأ والصواب، بخاصة وأن الطرفين يمثلان اتجاهين مختلفين، لا التقاء بينهما، فالأول إسرائيلي يهودي، والثاني عربي مسلم.

стр. 457

يرى الدكتور إسرائيل ولفنسون أن أخلاق العرب تتعارض وقصة الفيطون، وهو أمر لا نشك فيه لحظة واحدة، وأن اليهود لم يكن لهم ملوك في يثرب، وتلك حقيقة أخرى نوافقه عليها تمامًا، كما نوافقه كذلك على أن قصة الفيطون تشبه إلى حد كبير قصة طسم وجديس -كما رواها الطبري- وعلى أن يهود كانوا أصحاب دين سماوي ينهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغي. غير أننا نختلف معه تمامًا أنه ليس من المعقول أن يرتكب ملك يهودي ما يناقض روح التوراة، دون أن يجد مقاومة عنيفة من اليهود أنفسهم، وسوف نحتكم إلى التوراة نفسها التي يحتج بها الدكتور ولفنسون، لنرى رأيها فيما تعرض له ولن نلجأ إلى الغزل المكشوف فيها، الذي ينتمي إلى مدرسة "عمر بن أبي ربيعة" وإلى كل مدرسة غزلية إباحية لا تهتم إلا بالجسد وحده١، كما أننا لن نلجأ إلى ما جاء في التوراة -المتداولة حاليًّا- من تهم بذيئة ألصقتها بالمصطفين الأخيار، والتي تتصل بمثل هذه الأمور٢، ولكننا سوف نقدم بعض الأدلة المحدودة. تقول توراة اليهود -المتداولة اليوم، وليست توراة موسى بالتأكيد- أن راؤبين بكر إسرائيل، قد زنى ببلهة، زوج أبيه يعقوب وأم أخويه دان ونفتالي٣، ولم تحدثنا التوراة عما فعل يعقوب وبنوه إزاء تلك الجريمة النكراء، حتى أننا لا ندري سببًا مقبولا أو غير مقبول لسكوتها، هذا إلى جانب مأساة أخرى تسجلها توراة اليهود -ولا أقول توراة موسى- تذهب فيها إلى أن يهوذا- رابع أبناء يعقوب- قد زنى بزوجة ابنه "ثامارا"٤، وموقف التوراة هنا، هو موقفها في القصة الأولى، رغم أن نصوصها صريحة، في أنه "إذا اضطجع رجل من امرأة

стр. 458

أبيه، فقد كشف فقط كشف عورة أبيه، إنهما يقتلان، وكلاهما دمهما عليهما١"، وأنه "إذا اضطجع رجل مع كنته "زوجة ابنه" فإنهما يقتلان كلاهما، فقد فعلا فاحشة، دمهما عليهما"٢، وأخيرًا فإن التوراة التي حرمت الزنا في الوصايا العشر٣، هي نفسها التوراة التي تصمت تمامًا عن زنى "راؤيين" بزوج أبيه، وزنى "يهوذا" بزوج ابنه، وهي نفسها التي تمجد الفتاة اليهودية "أستير" على ما ارتضته من أن تكون محظية الملك الفارسي وعشيقته، ما دام في ذلك تحقيق لمصلحة مبتغاة، بل لقد وصل هذا التمجيد بالتوراة إلى أن تفرد لها سفرًا خاصًا من أسفارها، هو سفر أستير٤. وتلك مأساة ثالثة ترويها توراة اليهود -ولا أقول توراة موسى- حين تروي أن "أمنون" بن داود ﵇، قد أحب أخته "ثامارا" إلا أنه لم يستطع أن يشبع منها شهوته، لأن الفتاة إنما كانت عذراء، ومن ثم فإنه يلجأ إلى إعمال الحيلة، وبمشورة ابن عم لهما، حتى تصل الفتاة إلى مخدعه، فيراودها عن نفسها، فترفض، ومع ذلك فإنها تقترح عليه أن "كلم الملك فإنه لا يمنعني منك"، ولكن أمنون يأبى إلا أن ينالها اغتصابًا، وليت الأمر اقتصر على ذلك -وما أشنعه وأخزاه- بل إن أمنون بعد أن ينال وطره منها، يأمر خادمه أن يطردها ويقفل الباب من ورائها، وهنا لا تملك الفتاة المجروحة إلا أن تهيل التراب على رأسها، ويسمع أبوها بالمأساة فيغضب، ولكن غضبه لا يمتد إلى عقاب الجاني، مما اضطر شقيقها "أبشالوم" إلى أن يثأر لعرضها، فيقتل أمنون٥، غير أنه سرعان ما يتجاوز كل حدود الشرف، فيثور على أبيه وينتزع منه عرشه، ثم لا يتورع عن أن ينتهك عرضه على مرأى من عامة القوم، وفي خيمة نصبت له على سطح بيت أبيه٦. ولعل الدكتور إسرائيل ولفنسون لا ينسى ما جاء في توراة يهود٧ بشأن قصة

стр. 459

داود، و"بتشبع" امرأة أوريا الحيثي، وكيف تصور توراة قومه النبي الأواب، وقد قضى منها وطره، ثم دبر أمر قتل زوجها في ميدان القتال، ثم ضمها آخر الأمر إلى حريمه١. هذه أمثلة عن رأي التوراة فيما تعرض له "ولفنسون"، وهو رأي لا يسر على أي حال، ونحن نؤمن -الإيمان كل الإيمان- أن هذه الأكاذيب قد دستها طغمة باغية من يهود، ومن ثم فقد لعبت أصابع التحريف بتوراة موسى ﵇، وبالتالي فقد بعدت نسبتها إليه، فضلا عن أن تكون من لدن عَلِيٍّ قدير، فَجَلَّ اللهُ عما يقول المبطلون من بني إسرائيل ويفتري الظالمون من يهود، ومن ثم -والحال كما قدمنا، وفيها من النصوص ما رأينا -فلا يصح أن يتخذ منها "ولفنسون"، دليلا على أن من يرتكب جريمة تناقض روح التوراة، لن يجد من يهود، إلا كل المقاومة، وكل الإنكار، وانطلاقًا من هذا، فإن كذب رواية الفيطون، ليس لأن مرتكبها، يؤمن باليهودية ويقرأ التوراة، وإنما كذبها -فيما أرى- لأنها لم تحدث أصلا، وما أكثر ما ارتكب اليهود من جرائم يندى لها جبين الإنسانية، فضلا عن الشرف والكرامة. ثم هناك التلمود -وهو في نظر اليهود يقف على قدم المساواة مع التوراة- يرى أن اليهودي إذا اعتدى على عرض الأجنبية لا يعاقب، لأن كل عقد نكاح- فيما يرى التلمود- عند الأجانب "أي الأمميين" فاسد؛ وذلك لأن المرأة غير اليهودية، إنما تعتبر بهيمة، والعقد لا يصح بين البهائم، ومن ثم فلليهودي الحق في اغتصاب

стр. 460

النساء غير المؤمنات، أي غير اليهوديات؛ لأن الزنا بغير اليهود -ذكورًا وإناثًا- لا عقاب عليه؛ لأن كل الأجانب إنما هم من نسل الحيوان١. وهكذا يبدو بوضوح أن الاعتماد على كتب اليهود الدينية -سواء أكانت توراة أو تلمودًا- إنما تؤكد قصة الفيطون ولا تنفيها، وإنما يمكن نفيها- كما أشرنا من قبل- عن طريق دراسة أحوال العرب وتقاليدهم في تلك العصور الخالية، بل وفي كل عصور التاريخ قاطبة، وحتى يومنا هذا. وأما الدكتور عبد الفتاح شحاتة فلم يقدم لنا في الواقع أدلة مقنعة تثبت هذه الرواية، وإنما أخذ أضعف مواقفها واتخذها حججًا له، فقتل الفيطون- كما جاء في القصة- لا يثبت شرفًا، ولا ينفي عارًا، وأما أن أمثال هذه القصة حدثت في أوربا في العصور الوسطى، ومن ثم فقد تكون عادة شائعة في تلك العصور القديمة عند بعض ملوك الشرق ورؤسائه، فليست حجة يحتج بها لإثبات قصة الفيطون وأمثالها، فليس هناك من شك في أن ما يحدث في بلد قد لا يحدث في بلد آخر، لاختلاف العادات والتقاليد، فضلا عن الظروف السياسية والاقتصادية، ولست أدري كيف قبل الشيخ الجليل أن يجعل تاريخ أوربا في عصورها الوسطى نموذجًا يحتذى عند بعض ملوك الشرق القديم ورؤسائه، والفرق بين العادات والتقاليد في المنطقتين كان -وما يزال- جد شاسعًا، بل إن أمور العرض حتى اليوم هذه قد يختلف الناس عليها في بلد واحد، وفي عصر واحد، فما أشد الخلاف حتى اليوم في كيفية معالجة هذه الأمور -خطأ أو صوابًا- في صعيد مصر، وفي غيره من أقاليم الكنانة. وأما عن تساؤله عن الدوافع التي دعت الطبري وغيره إلى اختلاق مثل قصة طسم وجديس وغيرها، فليس ذلك إثباتا لها، وما أكثر ما جاء في كتب المؤرخين من روايات لا تتفق مع المنطق والتاريخ، فضلا عن تعارضها في بعض الأحايين مع الخلق والدين، وليس من المنطق، فضلا عن التاريخ الصحيح، القول بأن كل ما جاء في كتب المؤرخين صحيح، لمجرد التساؤل عن الدوافع التي دعت إلى هذا القول أو ذاك، أو حتى عدم معرفة هذه الدوافع، وأخيرًا فنحن لسنا مسؤلين عن هذه الدوافع، فضلا عن الدفاع عنها.
следующие страницы →