وتواريخهم١.
وذهبت قلة من المؤرخين -ومنهم الدكتور عبد الفتاح شحاتة- إلى أن القصة حقيقية، وأن حكم الدكتور ولفنسون عليها بالخرافة والتلفيق ليس عجبًا، فاسمه يغني عن التعريف به، وإنما العجيب حقًّا محاولته إخفاء التاريخية من أخلاق اليهود والعرب، ثم يقدم أدلة على صحة رأيه، منها "أولًا" أن العرب من أوس وخزرج لم يسكتوا على هتك الأعراض وثلم الشرف، ودبروا الخطة للتخلص من الفيطون وقتلوه دفاعًا عن شرفهم، وإذا كانوا قد رضوا بالسكوت على العار حينًا من الدهر، فإنما كان ذلك تحت جبروت الملك وبطش السلطان، ويشهد لذلك أن مالكًا لما هم بقتل الملك لم يتمكن من ذلك علانية، بل تنكر في زي النساء، ومنها "ثانيًا" أن كون دين اليهود ينهي عن الفحشاء والمنكر، لا يمنع من أن يخرج على تعاليم الدين ومبادئ الأخلاق الفاضلة من يتبع هواه ويركب رأسه، ثم هل كل من يعتنق دينًا ينهى عن الفحشاء منزه عن الإثم والخطأ؟
ومنها "ثالثًا" أن رواية الطبري وغيره عن أمثال هذه القصص ليست دليلا على أنها من الأساطير، وقد تكون من العادات التي شاعت في تلك العصور الأولى عند الملوك والرؤساء، ثم يتساءل الدكتور شحاتة بعد ذلك عن الدوافع التي دعت الطبري وغيره إلى اختلاق قصة الفيطون؟ ثم يجيب بعد ذلك عن تساؤله: بأنه إذا كان المراد منها إخفاء غدر مالك بجيرانه اليهود، كما يزعم ولفنسون، فذلك أمر بعيد، فمالك ليس قديسًا من القديسين، بل رجل جاهلي، الظلم عنده قوة، وسفك الدماء بطولة وشجاعة٢.
ولعل أفضل ما نفعله في موقفنا هذا أن نناقش حجج الطرفين -قبل أن ندلي بدلونا في القصة- حتى نتبين في كل منها موقف القوة والضعف، فضلا عن جانب الخطأ والصواب، بخاصة وأن الطرفين يمثلان اتجاهين مختلفين، لا التقاء بينهما، فالأول إسرائيلي يهودي، والثاني عربي مسلم.
стр. 457
يرى الدكتور إسرائيل ولفنسون أن أخلاق العرب تتعارض وقصة الفيطون، وهو أمر لا نشك فيه لحظة واحدة، وأن اليهود لم يكن لهم ملوك في يثرب، وتلك حقيقة أخرى نوافقه عليها تمامًا، كما نوافقه كذلك على أن قصة الفيطون تشبه إلى حد كبير قصة طسم وجديس -كما رواها الطبري- وعلى أن يهود كانوا أصحاب دين سماوي ينهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغي.
غير أننا نختلف معه تمامًا أنه ليس من المعقول أن يرتكب ملك يهودي ما يناقض روح التوراة، دون أن يجد مقاومة عنيفة من اليهود أنفسهم، وسوف نحتكم إلى التوراة نفسها التي يحتج بها الدكتور ولفنسون، لنرى رأيها فيما تعرض له ولن نلجأ إلى الغزل المكشوف فيها، الذي ينتمي إلى مدرسة "عمر بن أبي ربيعة" وإلى كل مدرسة غزلية إباحية لا تهتم إلا بالجسد وحده١، كما أننا لن نلجأ إلى ما جاء في التوراة -المتداولة حاليًّا- من تهم بذيئة ألصقتها بالمصطفين الأخيار، والتي تتصل بمثل هذه الأمور٢، ولكننا سوف نقدم بعض الأدلة المحدودة.
تقول توراة اليهود -المتداولة اليوم، وليست توراة موسى بالتأكيد- أن راؤبين بكر إسرائيل، قد زنى ببلهة، زوج أبيه يعقوب وأم أخويه دان ونفتالي٣، ولم تحدثنا التوراة عما فعل يعقوب وبنوه إزاء تلك الجريمة النكراء، حتى أننا لا ندري سببًا مقبولا أو غير مقبول لسكوتها، هذا إلى جانب مأساة أخرى تسجلها توراة اليهود -ولا أقول توراة موسى- تذهب فيها إلى أن يهوذا- رابع أبناء يعقوب- قد زنى بزوجة ابنه "ثامارا"٤، وموقف التوراة هنا، هو موقفها في القصة الأولى، رغم أن نصوصها صريحة، في أنه "إذا اضطجع رجل من امرأة
стр. 458
أبيه، فقد كشف فقط كشف عورة أبيه، إنهما يقتلان، وكلاهما دمهما عليهما١"، وأنه "إذا اضطجع رجل مع كنته "زوجة ابنه" فإنهما يقتلان كلاهما، فقد فعلا فاحشة، دمهما عليهما"٢، وأخيرًا فإن التوراة التي حرمت الزنا في الوصايا العشر٣، هي نفسها التوراة التي تصمت تمامًا عن زنى "راؤيين" بزوج أبيه، وزنى "يهوذا" بزوج ابنه، وهي نفسها التي تمجد الفتاة اليهودية "أستير" على ما ارتضته من أن تكون محظية الملك الفارسي وعشيقته، ما دام في ذلك تحقيق لمصلحة مبتغاة، بل لقد وصل هذا التمجيد بالتوراة إلى أن تفرد لها سفرًا خاصًا من أسفارها، هو سفر أستير٤.
وتلك مأساة ثالثة ترويها توراة اليهود -ولا أقول توراة موسى- حين تروي أن "أمنون" بن داود ﵇، قد أحب أخته "ثامارا" إلا أنه لم يستطع أن يشبع منها شهوته، لأن الفتاة إنما كانت عذراء، ومن ثم فإنه يلجأ إلى إعمال الحيلة، وبمشورة ابن عم لهما، حتى تصل الفتاة إلى مخدعه، فيراودها عن نفسها، فترفض، ومع ذلك فإنها تقترح عليه أن "كلم الملك فإنه لا يمنعني منك"، ولكن أمنون يأبى إلا أن ينالها اغتصابًا، وليت الأمر اقتصر على ذلك -وما أشنعه وأخزاه- بل إن أمنون بعد أن ينال وطره منها، يأمر خادمه أن يطردها ويقفل الباب من ورائها، وهنا لا تملك الفتاة المجروحة إلا أن تهيل التراب على رأسها، ويسمع أبوها بالمأساة فيغضب، ولكن غضبه لا يمتد إلى عقاب الجاني، مما اضطر شقيقها "أبشالوم" إلى أن يثأر لعرضها، فيقتل أمنون٥، غير أنه سرعان ما يتجاوز كل حدود الشرف، فيثور على أبيه وينتزع منه عرشه، ثم لا يتورع عن أن ينتهك عرضه على مرأى من عامة القوم، وفي خيمة نصبت له على سطح بيت أبيه٦.
ولعل الدكتور إسرائيل ولفنسون لا ينسى ما جاء في توراة يهود٧ بشأن قصة
стр. 459
داود، و"بتشبع" امرأة أوريا الحيثي، وكيف تصور توراة قومه النبي الأواب، وقد قضى منها وطره، ثم دبر أمر قتل زوجها في ميدان القتال، ثم ضمها آخر الأمر إلى حريمه١.
هذه أمثلة عن رأي التوراة فيما تعرض له "ولفنسون"، وهو رأي لا يسر على أي حال، ونحن نؤمن -الإيمان كل الإيمان- أن هذه الأكاذيب قد دستها طغمة باغية من يهود، ومن ثم فقد لعبت أصابع التحريف بتوراة موسى ﵇، وبالتالي فقد بعدت نسبتها إليه، فضلا عن أن تكون من لدن عَلِيٍّ قدير، فَجَلَّ اللهُ عما يقول المبطلون من بني إسرائيل ويفتري الظالمون من يهود، ومن ثم -والحال كما قدمنا، وفيها من النصوص ما رأينا -فلا يصح أن يتخذ منها "ولفنسون"، دليلا على أن من يرتكب جريمة تناقض روح التوراة، لن يجد من يهود، إلا كل المقاومة، وكل الإنكار، وانطلاقًا من هذا، فإن كذب رواية الفيطون، ليس لأن مرتكبها، يؤمن باليهودية ويقرأ التوراة، وإنما كذبها -فيما أرى- لأنها لم تحدث أصلا، وما أكثر ما ارتكب اليهود من جرائم يندى لها جبين الإنسانية، فضلا عن الشرف والكرامة.
ثم هناك التلمود -وهو في نظر اليهود يقف على قدم المساواة مع التوراة- يرى أن اليهودي إذا اعتدى على عرض الأجنبية لا يعاقب، لأن كل عقد نكاح- فيما يرى التلمود- عند الأجانب "أي الأمميين" فاسد؛ وذلك لأن المرأة غير اليهودية، إنما تعتبر بهيمة، والعقد لا يصح بين البهائم، ومن ثم فلليهودي الحق في اغتصاب
стр. 460
النساء غير المؤمنات، أي غير اليهوديات؛ لأن الزنا بغير اليهود -ذكورًا وإناثًا- لا عقاب عليه؛ لأن كل الأجانب إنما هم من نسل الحيوان١.
وهكذا يبدو بوضوح أن الاعتماد على كتب اليهود الدينية -سواء أكانت توراة أو تلمودًا- إنما تؤكد قصة الفيطون ولا تنفيها، وإنما يمكن نفيها- كما أشرنا من قبل- عن طريق دراسة أحوال العرب وتقاليدهم في تلك العصور الخالية، بل وفي كل عصور التاريخ قاطبة، وحتى يومنا هذا.
وأما الدكتور عبد الفتاح شحاتة فلم يقدم لنا في الواقع أدلة مقنعة تثبت هذه الرواية، وإنما أخذ أضعف مواقفها واتخذها حججًا له، فقتل الفيطون- كما جاء في القصة- لا يثبت شرفًا، ولا ينفي عارًا، وأما أن أمثال هذه القصة حدثت في أوربا في العصور الوسطى، ومن ثم فقد تكون عادة شائعة في تلك العصور القديمة عند بعض ملوك الشرق ورؤسائه، فليست حجة يحتج بها لإثبات قصة الفيطون وأمثالها، فليس هناك من شك في أن ما يحدث في بلد قد لا يحدث في بلد آخر، لاختلاف العادات والتقاليد، فضلا عن الظروف السياسية والاقتصادية، ولست أدري كيف قبل الشيخ الجليل أن يجعل تاريخ أوربا في عصورها الوسطى نموذجًا يحتذى عند بعض ملوك الشرق القديم ورؤسائه، والفرق بين العادات والتقاليد في المنطقتين كان -وما يزال- جد شاسعًا، بل إن أمور العرض حتى اليوم هذه قد يختلف الناس عليها في بلد واحد، وفي عصر واحد، فما أشد الخلاف حتى اليوم في كيفية معالجة هذه الأمور -خطأ أو صوابًا- في صعيد مصر، وفي غيره من أقاليم الكنانة.
وأما عن تساؤله عن الدوافع التي دعت الطبري وغيره إلى اختلاق مثل قصة طسم وجديس وغيرها، فليس ذلك إثباتا لها، وما أكثر ما جاء في كتب المؤرخين من روايات لا تتفق مع المنطق والتاريخ، فضلا عن تعارضها في بعض الأحايين مع الخلق والدين، وليس من المنطق، فضلا عن التاريخ الصحيح، القول بأن كل ما جاء في كتب المؤرخين صحيح، لمجرد التساؤل عن الدوافع التي دعت إلى هذا القول أو ذاك، أو حتى عدم معرفة هذه الدوافع، وأخيرًا فنحن لسنا مسؤلين عن هذه الدوافع، فضلا عن الدفاع عنها.
стр. 461
والرأي عندي أن القصة مختلقة تمامًا؛ وذلك لأسباب منها "أولًا" أنها تتعارض مع حقائق التاريخ، تلك الحقائق التي لا تعرف لليهود في يثرب ملكًا، وبالتالي فليس هناك ملك يدعى الفيطون، وحتى لو وجد الشخص بذاته، فلا يعدو أن يكون رئيس قبيل، وفي أحسن الظروف زعيم يهود في يثرب، ومن ثم فليس صحيحًا ما ذهب إليه البعض من أن كلمة "الفيطون" إنما تعني "ملك"، وأنها تقابل النجاشي عند الأحباش، و"خاقان" عند الأتراك١.
ومنها "ثانيًا" أن تاريخ الغساسنة لا يعرف ملكًا باسم "أبي جبلة"، والذي يزعم الإخباريون أن "مالكان بن العجلان" قد لجأ إليه، يستنصره ضد يهود، ومرة أخرىن حتى لو عرف هذا الشخص بذاته، فربما كان واحدًا من المقربين لأمراء بني غسان، وإن صدقت "نسبة أبي جبلة" هذا إلى الخزرج، وأنهه رحل إلى الشام وأقام عند الغساسنة٢، فأكبر الظن أن الرجل قد أصبح واحدًا من رجال البلاط الغساني، وربما كان ذا مكانة عند ذوي قرباه، ومنها "ثالثًا" أن بعضًا من المؤرخين -كالسمهودي- إنما ينكر هذه القصة، بل إن هذا الفريق من المؤرخين إنما يرى أن الفيطون كان يمارس هوايته الدنئية هذه في غير الأوس والخزرج، وعندا أراد ذلك مع بنات "بني قيلة" قتله مالك بن العلجان٣، ومنها "رابعًا" أن بعضًا آخر من المؤرخين المسلمين -كابن هشان والواقدي والأصفهاني- إنما تجاهلوا الرواية تمامًا.
ومنها "خامسًا" أن الإخباريين لم يستقروا على رأي واحد، بشأن ذلك الذي لجأ إليه ابن العجلان، فبينما يذهب فريق إلى أنه "أبو جبلة"، كما رأينا، يذهب فريق آخر إلى أنه إنما كان "تبع الأصغر بن حسان"- الذي رأوا فيه "أسعد أب كرب" أو "تبع بن حسان" -ملك اليمن، وليس ملك غسان٤، ومنها "سادسًا" ذلك الخلاف بين الأخباريين على جنسية الفيطون هذا، فهناك آراء ذهبت إلى أنه يهودي،
стр. 462
كما أشرنا من قبل، بينما ذهبت آراء أخرى إلى أنه عربي، ومن اليمن كذلك، وأنه يدعي "عامر بن عامر بن ثعلبة بن حارثة"، وينتهي نسبه إلى "عمرو مزيقياء١" ومنها "سابعًا" ذلك الخلاف بين الأخباريين فيمن أرسله القوم إلى الشام، أهو "مالك بن العجلان" نفسه، أم هو شخص آخر دعوه "الرمق بن زيد بن امرئ القيس الخزرجي"٢.
ومنها "ثامنًا" أن عنصر الخيلا قد لعب دورا في هذه القصة، ومن الغريب أن نقرأ قصصا -كقصة الفيطون- يرويها الإخباريون عن ملوك اليمن، وعن ولعهم بالنساء وعمل المنكر بهن، ومنها واحدة تتصل بملكة سبأ -"بلقيس"٣ صاحبة سليمان ﵇ وأخرى عن "عتودة" مولى أبرهة الحبشي٤، وكلها تشبه قصة الفيطون، أضف إلى ذلك أننا نجد للعلاقات الجنسية مكانة في هذا القصص الجاهلي الذي يرويه الإخباريون، وما قصة الفيطون إلا واحدة من هذا القصص الذي تلعب الغرائز الجنسية فيه مكانة بارزة٥، على أن الشبه أكثر وضوحا بين قصة الفيطون هذه، وبين قصة "عملوق" ملك طسم، الذي كان يفعل بالعذارى من بنات جديس، ما يفعل الفيطون ببنات الأوس والخزرج، فضلا عن عذاري يهود٦.
ومنها "تاسعًا" أن الطريقة التي قدمتها الرواية عن قتل زعما يهود في "ذي حرض" طريقة ساذجة، لا تتفق وما عرف عن يهود من مكر وخداع ودسيسة، فضلا عن أن يهود إنما كانوا يتخذون دائمًا جانب الحذر والحيطة من الروم وعمالهم بسبب ما لاقوه من الروم الذين قضوا عليهم في فلسطين، ثم شردوا البقية الباقية منهم في جميع أنحاء الدنيا، بل إن وجودهم نفسه في يثرب لم يكن إلا بسبب الروم.
ومنها "عاشرا" أن القصة، كما يرويها الأخباريون، تتعارض تمامًا وأخلاق العرب الذين كانوا يشعلون نار الحرب لأقل كلمة، يمكن أن تفسر على أنها تسيء
стр. 463
إلى الكرامة والشرف، فضلا عن تعارضها مع أخلاق قوم يصل بهم الحفاظ على العرض إلى ارتكاب أكثر الجرائم قسوة، حتى كان بعض منهم يلجأ إلى وأد بناتهم، خوفا من عار قد تجلبة هذه البنت أو تلك، إذا ما كبرت وتعرضت للسبي، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُون﴾ ١.
ومنها "حادي عشر" أن القصة تصور القوم وكأنهم لا يثورون على هذا الوضع الدنيء، إلا بعد أن ظهرت "فضلا" أمام قومها وقد كشفت عن ساقيها، فيغضب أخوها، وهنا تذكرة أخته بأمر هذه الليلة، وكيف أنها سوف تزف ليلة عرسها إلى غير زوجها، ومن ثم فإن مالكا إنما يتذكر شرفه وشرف قومه المستباح، فيغضب ويقتل الفيطون، وهذا يعني ببساطة أن القوم ما كانوا يأنفون من أن ينتهك الفيطون أعراضهم، ولكنهم يثورون أشد الثورة إذا ما بدت ساقا أخت مالك هذا، أمام بعض رجالات قومها، فهل هذا صحيح؟ ثم كيف استطاع اليهود أن ينزلوا بالعرب كل هذا الهوان، وفي وسط بلاد العرب، أي في عرين الأسد كما يقولون؟
وهل صحيح أن اليهود كانوا بقادرين في أي فترة من فترات التاريخ أن يفعلوا بالعرب ما تصوره قصة الفيطون؟ إن التاريخ يحدثنا -واليهود يشهدون بذلك- أن العكس هو الذي حدث، وأن كل شعوب المنطقة إنما فعلت ذلك باليهود، فالفراعين يقتلون أبناءهم ويستحيون نساءهم٢، والآشوريون والبابليون يأخذون نساء اليهود سبايا٣، بل إن انتهاك أعراض اليهود إنما تم في مصر وفي فارس برض من اليهود أنفسهم، ونقرأ في كتاب يهودي، أن الإسرائيلي الذي كان يريد
стр. 464
الراحة في مصر يهب زوجته لمن يقوم عليه من المصريين، حتى تحمل منه فيردها لزوجها بحملها١، ونقرأ في كتاب آخر، أن رؤساء العمل كانوا يأخذون النساء الإسرائيليات ليضطجعن معهن حتى يحبلن، فإذا حبلت المرأة اليهودية ترد إلى زوجها فتلد له ابنا ينسب إليه٢، وأما في فارس فما جاء في التوراة عن "أستير" ليس في حاجة إلى بيان٣، والأمر كذلك بما فعله الرومان ببنات يهود -طوعا أو كرها، ومن عجب أن يحدثنا التاريخ بكل هذا -ويقر اليهود به- ثم يأتي بعض مؤرخي المسلمين، فيجعلوا بنات يثرب العربيات متاعا مباحا لشخص- لا يدري التاريخ عنه شيئًا -دعوه الفيطون، ثم يأتي بعض المؤرخين المحدثين، فيجهدوا أنفسهم في إثبات تلك الأكذوبة، لا لسبب، إلا ليثبتوا أن مؤرخينا القدامى فوق الخطأ، وكأن تاريخ أمة يمكن أن يدنس، رغبة في إثبات أن مؤرخيها ما عرفوا الخطأ أبدًا.
ومنها "ثاني عشر" أن المرأة -وليس الرجل- في كل هذه الروايات، هي التي تأنف من العار، وتأبى الذل، وتحرض الرجال على الانتقام للعرض المستباح، فبلقيس سبأ تقول لقومها "أما كان فيكم من يأنف لكريمته وكرائم عشيرته٤" و"عفيرة" جديس تقول:
لا أحد أذل من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس
يرضى بذا يا قوم بعل حر ... أهدى وقد أعطى وثيق المهر
ولو أننا كنا رجالا وكنتم ... نساء لكنا لا نقر بذا الفعل
فموتوا كراما أو أميتوا عدوكم ... ودبوا لنار الحرب بالحطب الجزل
وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تعاب من الكحل
ودونكم طيب النساء فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللنسل٥
و"فضلاء" يثرب تقول: "الذي يراد بي الليلة أشد من ذلك، أهدى إلى غير زوجي٦، فهل حقًّا كانت النساء تغير على العرض أكثر من الرجال؟ ثم وهل
стр. 465
حقًّا هذا الحديث -نثرًا وشعرًا- قالته النسوة اللآتي أشرنا إليهن؟، أم أن الأمر كله لا يعدو أن يكون أسطورة من أساطير الأخباريين، ولكنها هذه المرة مؤلمة، أشد ما يكون الألم، حيث تجعل أعراض العرب مستباحة ليهود.
ومنها "ثالث عشر" أن الذين يذهبون إلى صحة هذه الروايات الكذوب، لا يعرفون أم مسألة العرض مسألة تتصل بنفس الأصول التي قامت عليها العصبية القبلية بالمعنى المفهوم القديم، باعتبارها عاملا دمويا حيويا، فأساس العصبية هو الرباط الدموي القائم بين الأفراد، وأساس العرض هو الحرص -كل الحرص- على ألا يدنس هذا الرباط الدموي بحال من الأحوال١، ومن ثم فإن صيانة المرأة صيانة لعرض العشيرة كلها، بهدف الرغبة في الإبقاء على نقاء الدم فيها بعدم دخول غريب عليها مهما علا قدره٢، فما بالك إذا كان دخول هذا الغريب إلى دماء القبيلة ليس عن طريق الزواج، وإنما كان الاغتصاب وسيلته، وبأحط الطرق وأعنفها، وذلك بأن يقدم القوم ابنتهم بأنفسهم إلى هذا الرجل أو ذاك، ليفترعها أمام أعين أبناء القبيلة، وعلى مسمع من الشيبة والشبان فيها، فضلا عن الصبايا وذوات البعول.
ومنها "رابع عشر" هذا التشابه العجيب بين قصة الفيطون وقصة عملوق، فف كل منهما تنتهك أعراض القوم، حتى لا تهدى بكر إلى زوجها قبل أن تدخل على الفيطون أو عملوق فيفترعها، وفي كل من الروايتين للعروس أخ ذو حسب وجاه في قومه، يقتل الفاعل ثم يهرب إلى تبايعة اليمن، وإن ترددت قصة الفيطون بين ملوك اليمن وأمراءغسان، وفي كل من الروايتينن فإن المرأة هي التي تثور لشرفها، وتحرض الرجال من قومها على الانتقام لعرضها المستباح، وفي كل من الروايتين ينتهي الأمر بنصرة المظلومين عن طريق قوة تأتي من خارج القبيلة ... إلخ.
وسؤال البداهة الآن: والذي كان يجب أن يسأله لأنفسهم هؤلاء المتعصبون لصحة هذه الرواية وأمثالها، كيف قبل هؤلاء الإخباريون أن يجعلوا أعراض العرب مباحة لكل من يريدها؟ فمرة بينهم وبين بعضهم الآخر، كما في قصة بلقيس وقصة
стр. 466
طسم وجديس، ومرة أخرى لعبد حبشي دعوه "عتودة"، ومرة ثالثة ليهودي دعوة الفيطون أو القيطوان، وليست واحدة من هذه الروايات لها ظل من حقيقة، حتى نقبلها على مضض، ثم نسدل الستار على هفوة في تاريخ العروبة المجيد، ولكن أن تكون الرواية مجرد زعم كذوب، ردده بعض الأخباريين في كتبهم، ثم جاء من بعدهم من تابعهم في هذا دون أدنى تمحيص أو تحقيق، وكذبه المؤرخون المحققون، وحتى الأعداء منهم، ثم يأتي بعض مؤرخينا في العصر الحديث فينبري للدفاع عن هذه الرواية المختلقة، فشيء آخر تمامًا، وكان الأولى بهم أن يسألوا أنفسهم: أيستحق تصديق مؤرخ -كائنا من كان- أن يسود تاريخنا المجيد من أجله، وأن نسلب الأسلاف العظام كل مقومات الشرف والكرامة، لتكون روايات الأخباريين تاريخًا صحيحًا، اللهم له، وألف لا.
стр. 467
وأما الشق الثاني من الموضوع: فهو غلبة الأوس والخزرج على يهود يثرب
وهنا فيما يبدو لي، فإن العامل الاقتصادي قد لعب دورا مهما فيما آلت إليه الأمور فيما بعد، وتقدم لنا المصادر العربية ما يشير إلى أن العرب في المدينة قد قبلوا الحياة القاسية في أول الأمر؛ لأنهم ما كانوا بقادرين على مجابهة اليهود، فلما اشتد ساعدهم وقويت شوكتهم، سرعان ما تطلعوا إلى وضع اقتصادي أفضل عن طريق مشاركة يهود في تملك الأرض الخصبة أو مغالبتهم عليها، وهناك رواية تذهب إلى أن "عمر بن النعمان البياضي الخزرجي" قال لقومه بني بياضه: "إن أباكم أنزلكم منزل سوء، والله لا يمس رأسي ماء حتى أنزلكم منازل قريظة والنضير على عذب الماء وكريم النخل أو قتل رهنهم١"، وهذا القول، وإن كانت المصادر العربية قد أوردته في ذكر "يوم بعاث" بين الأوس والخرزج، ومن حالف الطرفين من يهود، إلا أنه يعطينا فكرة عن اتجاه العلاقات العامة بين السكان في يثرب، وأن العامل الاقتصادي إنما كان هو الموجة لها٢.
على أن "إسرائيل ولفنسون" إنما يحاول أن يربط هذه الأحداث التي كانت تجري في يثرب، سواء أكانت بين اليهود والعرب، أو بين العرب أنفسهم، من
стр. 468
أوس وخزرج، بالسياسة الدولية وقت ذاك، وبين الصراع الديني بين اليهودية والمسيحية، ويجعل من نكسة اليهود في حمير، سببًا في نكستهم في يثرب، وأن الدولة البيزنطية إنما كانت من وراء ذلك كله، فقضت على اليهودية في اليمن بعد حملة أبرهة المعروفة، والتي أدت إلى جعل اليمن مستعمرة حبشية، ثم دفعت بالغساسنة إلى التدخل في شئون يثرب، وتعضيد الأوس والخزرج ومناصرتهم ضد يهود١.
وربما كان "ولفنسون" متأثرًا في هذا، بما ذهب إليه من قبل "جريتز" حين رأى أن الأوس والخزرج لم يصارحوا اليهود بالعداوة والمعصية إلا بعد النكبة التي حلت بيهود في اليمن، لأنه من غير المقبول -فيما يرى- أن يضطهد اليهود في الحجاز، في الوقت الذي كان فيه ملوك متهودون يسيطرون على اليمن ويتعصبون لدينهم، ويناهضون كل من يناهضهم أو يعتدي عليهم٢، أضف إلى ذلك أن مؤرخي العرب -كما أشرنا من قبل- يرون أن شمال الحجاز، إنما كان في شبه تبعية للحميريين، حتى أنهم كانوا لهم بمثابة الخلفاء الراشدين للمسلمين٣، ويضيف "كوسان ده برسيفال" أن واحدًا من الأسرة المالكة في اليمن كان يشرف على شئون الطوائف المختلفة في شمال الحجاز٤.
ويخرج "ولفنسون" من ذلك كله بأن البطون العربية بقيت في يثرب عصورا طويلة على موالاة اليهود ومناصرتهم، دون أن يظهر عليهم شيء يدل على أنهم يتربصون لهم الغوائل، إلى أن أخذت دولة غسان تنصب لليهود المكايد وتحرض عليهم زعماء الأوس والخزرج ليفتكوا بهم، وأن غسان إنما فعلت ذلك بإيعاز من الروم، الذين أرسلوا أسطولهم لمساعدة الحبشة في الاستيلاء على اليمن، والذين كانت لهم سياسة واضحة في شبه الجزيرة العربية أثناء القرنين الخامس والسادس بعد الميلاد٥.
стр. 469
على أن المؤرخين المحدثين إنما يعارضون هذا الاتجاه، ويرون أن النزاع كان محليا بين العرب واليهود في يثرب، وأنه كان بسبب الظروف الاقتصادية، واعتماد السكان في المدينة على استثمار الأراضي الزراعية، ويقدمون على ذلك عدة أدلة، منها "أولًا" استمرار هذا النزاع بين الأوس والخزرج أنفسهم بعد تغلبهم على اليهود، واشتراك كل طوائف المدينة فيه تبعا لمصلحتها الاقتصادية١، ومنها "ثانيًا" أننا لا نستطيع تحديد تاريخ هذا النزاع، وهل كان بعد استيلاء الأحباش على اليمن، أم كان قبله؟، على أننا لو أخذنا بوجهة نظر "سديو" في أن سيادة الأوس والخزرج على المدينة إنما كانت في عام ٤٩٢م، وما ذهبت إليه المصادر العربية من أن الحرب بين الأوس والخزرج قد استمرت مائة وعشرين سنة حتى جاء الإسلام، وأن هذه الحرب لم تبدأ بين الحيين العربيين إلا بعد سيادتهم على المدينة، فإن الاتجاه الذي ذهب إلى أن هذه السيادة إنما حدثت قبل استيلاء الحبشة على اليمن، ربما كان أقرب إلى الصواب٢.
غير أننا سوف نواجه هنا بمشكلة موقف الحميريين أما القضاء على نفوذ أبناء دينهم في يثرب، وأكبر الظن عندي -إن صح هذا الأمر- أن ظروف اليمن الداخلية، وتهديدات الأحباش لها، ربما لم تمكنها من التدخل في هذا النزاع، أو أن الحميريين لم يروا معاداة العرب بتدخلهم ضد الأوس والخزرج -وهم في نفس الوقت من قبائل الأزد اليمنية- ومناصرة يهود الذين أصبحوا يرتبطون بهم برباط الدين.
ومنها "ثالثًا" أن العلماء يكادون يجمعون -كما أشرنا من قبل- أن أبا جبلة لم يكن ملكًا في غسان، وإنما كان زعيما من الخزرج عاش في البلاط الغساني، ومن ثم فإن نصرته للعرب -إن صحت الرواية، وهذا ما نشك فيه- لا تعني تدخل دولة بني غسان، إذ لو كان الأمر كذلك ما اقتصر التدخل على يهود يثرب، ولشمل الجاليات اليهودية ي خيبر ووادي القرى، فضلا عن تبوك وتيماء، ومن ثم فإن هذا العون ربما كان من نوع المحالفات القبلية، وربما قد حالف الأوس
стр. 470
والخزرج وقت ذاك بطونا من بني غسان لمحاربة يهود، وأنه مجرد استنفار أمير خزرجي لنصرة ذوي قرباه، ويبدو هذا واضحًا في طريقة القضاء على زعماء يهود، الأمر الذي لا يدل على أن هناك جيشا غسانيا جاء ليحارب يهود يثرب وإنما هي فرقة على رأسها أبو جيلة، مما اضطره إلى استعمال الحيلة والمكر لتنفيذ خطته١.
ومنها "رابعًا" أن الصراع لم يكن صراعا دينيًّا، وإنما كان صراعا اقتصاديا في الدرجة الأولى، وسياسيا في الدرجة الثانية، ومن ثم فليس صحيحًا ما ذهب إليه "فلهازون" من أن الكفاح بين النصرانية واليهودية في الحجاز كان عنيفا جدًّا، وأن غارات الفرس على حدود الإمبرطورية الرومانية أوقفت الملحمة الفاصلة لوقت ما، ولولا ظهور الإسلام لأصبحت بلاد العرب منقسمة دينيًّا إلى قسمين، يهودية ونصرانية٢، صحيح أن الدين كان وسيلة من وسائل الصراع الهامة، ولكن صحيح كذلك أن الإمبراطورية الرومانية لم تكن تعمل لقهرب اليهودية كدين، كما أن الفرس لم يكونوا يشجعونها لغرض ديني، وإنما كن الغرض سياسيا عند كلتا الدولتين، على أن علاقة اليهود لم تكن سيئة ببلاد الشام، بل إنها على الأرجح كانت حسنة، فكان بعض اليهود يرسلون قوافلهم التجارية إلى بلاد الغساسنة، فضلا عن أن يهود عندما أجلاهم المصطفى -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- عن يثرب، إنما هاجروا إلى بلاد الشام، ولو كانت العلاقة بينهم وبين الغساسنة، أو الروم سيئة لا تجهوا إلى مكان آخر، كالعراق الذي كانت به جاليات يهودية، تحت سيادة الدولة الفارسية التي كانت تشجع اليهود في بلاد العرب٣.
وأيًّا ما كان الأمر، فإن الغلبة في هذا الصراع إنما كانت من نصيب الأوس والخزرج، ومن ثم فقد أصبح لهم كيان سياسي في يثرب، يفوق ما كان لليهود
стр. 471
فيها، ومن أسف أن القوم ما لبثوا أن أصيبوا بلعنة الصراع القبلي، وتحولت المنافسات التي كانت بينهم وبين يهود، إلى مشاحنات بينهم وبين بعضهم البعض الآخر، أدت في النهاية إلى قيام الحروب بين الحيين العربيين، لعبت فيها العوامل السياسية والتنافس على الزعامة في يثرب دورا كبيرا، هذا فضلا عن العوالم الاقتصادية والتي تتخلص في رغبة في كل من الفريقين في الاستيلاء على ما عند يهود، ثم حدث أن احتل الأوس بقاعا أخضب وأغنى من تلك التي احتلها الخزرج، في الوقت الذي كان الخزرج يتمتعون فيه بمركز الصدارة، لأن نصرة العرب، إنما جاءت على يد رجل خزرجي -هو مالك بن العجلان.
وهكذا كان الخزرج ينفثون على الأوس مكانتهم الاقتصادية، بينما كان الآخرين ينفثون على الأولين، مكانتهم السياسية، حدث هذا في وقت كانت فيه سياسة اليهود مع القبائل العربية إنما تقوم على الإيقاع بينها، وإثارة الأحقاد بين المتخاصمين منهم، كلما جنحوا إلى النسيان وتعاهدوا على الصلح والأمان، ومن ثم فقد عملت يهود في إذكاء روح التحاسد والتباغض التي بدأت تظهر في سماء العلاقات بين الحيين العربيين الشقيقين، حتى يشعلوا نارا، إن لم تقض على الأوس والخزرج معا، فعلى الأقل تشغل كل فريق بالآخر، وتنتهز يهود الفرصة استعدادًا لجولة قادمة، أو على الأقل الحفاظ على ما هي عليه.
وحققت يهود نجحا بعيد المدى فيما تريد، ودقت طبول حرب بين الفريقين، تناوب فيها الأوس والخزرج النصر والهزيمة، وكان من أهمها ما عرف بحرب سمير، وحرب كعب بن عمرو المازني١ وحرب حاطب بن قيس٢، فضلا عن يوم السرارة٣، ويوم فارع٤، ويوم الفجار الأولى والثاني٥، وحرب الحصين ابن الأسلت٦، ثم حرب بعاث، وكان أولها حرب سمير، وآخرها حرب بعاث قبل الهجرة بخمس سنوات٧، "٦١٧م".
стр. 472
وأما يوم سمير، فقد كان -طبقًا لرواية الأخباريين- كأغلب أيام العرب لسبب غير خطير، ذلك أن رجلا من بني ذبيان يقال له "كعب الثعلبي" نزل ضيفا على مالك بن العجلان، ثم خرج إلى سوق بني قينقاع، فرأى رجلا من "غطفان" معه فرس، وهو يقول "ليأخذ هذا الفرس أعز أهل يثرب" فقال كعب: مالك ابن العجلان، فسمه "سمير الأوسي فشتمه ثم قتله بعد مدة في حديث طويل، وخاف الحيان ان تنشب الحرب، وقبل الأوس أن يدفعوا للخزرج دية الحليف، وهي نصف دية النسيب، إلا أن الخزرج أبو إلا دية الصريح، ولج الأمر بينهم حتى أتى إلى المحاربة، فاجتمعوا واقتتلوا اقتتالا شديدا على مقربة من قباء"، ثم انصرفوا منتصفين، ثم التقوا مرة ثانية عند إطم لبني قينقاع، فانتصر الأوس، وانتهى الأمر إلى أن يحتكموا إلى "المنذر بن حرام" الخزرجي، جد حسان بن ثابت، الذي حكم بأن تدفع الأوس دية الصريح، وانتهت الحرب، وإن افترق القوم وقد شبت البغضاء في نفوسهم وتمكنت العدواة بينهم١.
وأما "يوم بعاث"، فقد كان آخر الحروب التي نشبت بين الأوس والخزرج، وقبل هجرة المصطفى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بخمس سنوات، وتروي المصادر العربية أن الحروب السابقة بين الأوس والخزرج، إنما كانت في غالبيتها للخزرج، ومن ثم فقد رأى الأوس محالفة بني قريظة، فأرسلت إليهم الخزرج، "لئن فعلتم فأذنوا بحرب" فتفرقوا وأرسلوا إلى الخزرج "إنا لا نحالفهم ولا ندخل بينكم"، ومع ذلك فقد استمر كل فريق يستميل إليه يهود، فضلا عن قبائل عربية أخرى، ولعب اليهود أخطر الأدوار في إشعال نار الحرب بين الحيين العربيين، بغية تفتيت وحدتهم، وأملا في أن يكتب له نجاح في القضاء على الوحدة العربية، وبالتالي عودة السيادة لهم في يثرب من جديد.
وهكذا جدد بنو قريظة والنضير تحالفهم مع الأوس، ثم ضموا إليهم قبائل أخرى من اليهود واستعدوا للحرب، وخشي الخزرج أن تنزل بهم هزيمة، فراسلوا
стр. 473
حلفاءهم من بني أشجع وبني جهينة، وراسل الأوس حلفاءهم من بني مزينة. وأخيرًا نشبت الحرب بين الفريقين عند "بعاث" -حصن بني قريظة- وانهزم الأوس في اليوم الأول، غير أن "عمر بن الخزرج" قائد الخزرج، سرعان ما قتل، وانتهز الأوس الفرصة، فمالوا على الخزرج ميلة رجل واحد، يقتلون رجالهم ويحرقون منازلهم ونخيلهم، بعد أن كانت يهود قد نهبت ما استطاعت من أموالهم، ولم ينقذ الخزرج ونخيلهم، إلا خشية الأوس من أن يستعيد اليهود مركزهم السابق في يثرب، فيضطروا لمواجهتهم منفردين بعد القضاء على الخزرج، وفعلا فلقد بدت نيات اليهود في واضحة في تحطيم الخزرج وإذلالهم، بخاصة وأنهم أصحاب اليد الطولى في القضاء على نفوذ اليهود في المدينة، ومن ثم فقد فضلت الأوس ال بالقضاء على روح التسلط في الخزرج، وصاح واحد منهم "يا معشر الأوس: أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم، فجوارهم خير من جوار الثعالب".
ويروي أن السيدة عائشة ﵁ قالت عن هذا اليوم "كان يوم بعاث يومًا قدمه الله لرسوله ﷺ ، فقدم رسول الله ﷺ ، وقد افترق ملؤهم وقتلت سرواتهم وجرحوا، قدمه الله لرسوله ﷺ في دخولهم الإسلام"؛ ذلك لأن يوم بعاث قد أضعف بطون يثرب كلها وأوجد فيها ميلا إلى الاتحاد، كما أضعف كذلك روح العداوة والحقد في نفوس البطون اليثربية، حتى أخذ الناس ينصرفون لأعمالهم ويتذوقون لذة الراحة وهناءة العيش وصفاء البال، وكانوا كلما هم أحدهم أن يصب زيتا حارا على نار العداوة الكامنة في القلوب ليزيد في ضرامها، ويعظم من أوارها، سعى كثير من الزعماء وذوي النفوذ من الطرفين لكف يده حتى لا تسل السيوف من أغمادها، وجاء الإسلام واتفقت الكلمة، واجتمع الأوس والخزرج على نصرة الإسلام وأهله، وكفى الله المؤمنين شر القتال، وأصبح القوم بنعمة الله إخوانا١.
стр. 474
من مدن الحجاز
الطائف
...
من مدن الحجاز:
بقي أن نتحدث بإيجاز شديد عن أهم المدن القديمة في شمال غرب الجزيرة العربية، غير مكة والمدينة، مثل الطائف وتيماء ودومة الجندل ومدائن صالح.
١- الطائف:
تقع الطائف على مبعدة حوالي ٩٠ كيلو مترا إلى الجنوب الشرقي من مكة، على جبل غزوان، أبرد مكان في الحجاز، وتتميز على مكة المكرمة بأنها ذات جو طيب في الصيف، وبأنها كثيرة الشجر والثمر، وأكثر ثمارها "الزبيب والرمان والموز والأعناب"١.
وتاريخ الطائف لا يزال غامضا، وإن عثر الباحثون على كتابات مدونة على الصخور المحيطة بالمدينة، وفي مواضع ليست بعيدة عنها، بعضها بالنبطية، وبعضها بالثمودية، وبعضها الثالث بعربية القرآن الكريم، كما عثر على كتابات تشبه اليونانية، وأخرى تشبه الخط الكوفي، وإن كانت جميعها لم تدرس حتى الآن٢.
ويذهب الأخباريون إلى أن اسمها القديم "وج" نسبة إلى "وج" أخو "أجأ" الذي سمي به أحد جبلي طيئ، وهما من العماليق، وإنما سميت بالطائف بحائطها المطيف بها، وقد أقامه رجل دعوه "الدمون" حتى لا يصل إليهم أحد من العرب، ثم حاولوا بعد ذلك إعطاء المدينة صفة مقدسة، ربما بتأثير من بني ثقيف سكان الطائف، فزعموا بأنها من دعوات إبراهيم الخليل، وأنها أرض ذات شجر كانت حول الكعبة، ثم انتقلت من مكانها بدعوة إبراهيم، فطافت حول البيت، ثم استقرت في مكانها، فسميت الطائف، وزعم آخرون أن جبريل قد اقتطفها من فلسطين،
стр. 475
وسار بها إلى مكة فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها حول الطائف١ ... إلى غير ذلك من أساطير لا تقدم نفعًا، ولا تفيد علمًا.
هذا وهناك من يزعم أن أول من سكن الطائف إنما هم العماليق، ثم غلبهم عليها بنو عدوان من قيس ين عيلان، ثم بنو عامر بن صعصعة، ثم أخذتها منهم ثقيف٢، ورغم آخرون أن الذين سكنوا الطائف بعد العماليق، إنما هم قوم ثمود قبل ارتحالهم إلى وادي القرى، ومن ثم فقد ربط أصحاب هذه الرواية نسب ثقيف بالثموديين الذين نسبوهم إلى جد أعلى هو "قسي بن منبه"، الذي يجعله بعضهم من "إياد" بينما يجعله البعض الآخر من "هوزان"٣.
وأما أهم معبودات الطائف في الجاهلية، فقد كانت "اللات"- الأمر الذي سوف نناقشه في كتابنا عن "الحضارة العربية القديمة"- وقد هدمها "المغيرة بن شعبة" بعد أن اعتنق أهل الطائف الإسلام، وأعطى أموالها وحليها لأبي سفيان بن حرب٤، ويختلف أهل الطائف عن أهل مكة وعن الأعراب، من حيث ميلهم إلى الزراعة والاشتغال بها، وعنايتهم بغرس الأشجار المثمرة التي كانوا دائمي السعي إلى تحسين أنواعها وجلب أنواع جديدة منها، كما كان لهم خبرة ومهارة بالأمور العسكرية، الأمر الذي ظهر واضحًا إبان محاصرة الرسول ﷺ لمدينتهم وتحصنهم بسورها، هذا إلى جانب ميل إلى الحرف اليدوية كالدباغة والنجارة والحدادة، وهي أمور مستهجنة في نظر العربي٥.
стр. 476
٢- تيماء:
تقع تيماء على مبعدة ٦٥ ميلا إلى الشمال من العلا، على الطريق التجاري بين جنوب بلاد العرب وشماليها، وقد بدأت تيماء تظهر في التاريخ على الأقل منذ أيام الملك الآشوري، "تجلات بلاسر الثالث" "٧٤٥-٧٢٧ق. م" الذي تدلنا حولياته التي عثر عليها في "كالح" أنه أخذ منها الجزية، كما أخذها من زبيبي "زبيبه" ملكة دومة الجندل، ومن "شمسي"، فضلا عن الجالية السبئية في ديدان١، هذا وقد جاء ذكر "تيماء" في التوراة٢ -كما في أسفار أيوب٣ وأشعياء٤ وأرميا٥ وحبقوق٦ وعوبديا٧ وعاموس٨.
وتيماء في الروايات العربية، بلد في أطراف الشام بين الشام ووادي القرى، على طريق حاج الشام ودمشق، والأبلق الفرد حصن السموأل بين عاديا اليهودي٩، مشرف عليها من ناحية الغرب١٠، وهو مربع الشكل تقريبًا، وفي وسطه بئر، وله دعامًات من الخارج، ويشبه في تصميمه وتنفيذه حصن كعب بن الأشرف في
стр. 477
المدينة المنورة١، وإن كان هناك من يذهب إلى أن الحصن ربما كان من بقايا قصر نبونيد، أو من بقايا قصور رجاله، أو من بقايا أبنية غيره ممن نزل هذا المكان٢.
ونقرأ في النصوص البابلية-كما أشرنا من قبل- إلى أن نبونيد "٥٥٥-٥٣٩ق. م" قد قام بحملة في العام الثالث من حكمة، استولى فيها على عدة مدن في شمال غرب الجزيرة العربية، ثم أقام قصرا في تيماء بقي فيه حينا من الدهر، قارب سنوات عشر، حتى أصبحت تيماء وكأنها قد غدت خليفة لبابل٣.
وهناك على مقربة من تيماء معبد عثر فيه على نقش، محفوظ الآن بمتحف اللوفر، ويرجع تاريخه إلى القرن الخامس قبل الميلاد، نقرأ فيه بلغة أرامية، أن كاهنا قد أتى بصنم جديد "صلم هجم"، وبنى له معبدا وعين له كهانا، كما صوره في زي آشوري، مما دفع البعض إلى أن يذهب إلى أن قدوم هذا الإله إنما كان على أيام نبونيد٤.
هذا وقد عثر "Euting" على آثار معبد قديم، وعلى كتابة آرامية، تعود إلى فترة كانت المدينة فيها تحت السيطرة الفارسية، وإن أشارات الكتابة إلى ازدهار المدينة وقت ذاك٥، هذا فضلا عن أن "جوسين وسافينياك" قد عثرا كذلك على تل هناك، فيه بقايا معبد ومجموعة من قبور القوم٦.
стр. 478
وفي عام ١٨٨٣م، عثر "هوبر" في تيماء على مسلتها المشهورة، والتي كتبت على وجه واحد بالخط الآرامي، وعلى الجانب الأيسر نقش عليها رسمان، ربما كان لملك وكاهن، يتجه بعض الباحثين إلى أن الملك هنا إنما هو نبونيد، اعتمادًا على المقارنة بين هذه المسلة ومسلة حران، وعلى أي حال، فمن المتفق عليه الآن أن هذه المسلة إنما ترجع إلى القرن الخامس ق. م١.
стр. 479
٣- دومة الجندل:
وتسمى دومة الجندل الآن "الجوف"، وكان يطلق عليها في العصور الآشورية "أدوماتو"، وفي التوراة "دومة"، وفي جغرافية بطليموس "١Adomatho" "Doumatha"، وأما في المصادر العربية فهي "دومة الجندل"، نسبة إلى دوم "أو دومان أو دما أو دوماء" بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام٢ وعلى أي حال فقد نسبت إلى الجندل؛ لأن حصنها مبني بالجندل وهو الصخر، وهي في رأي "السكوني" حصن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبلي طيئ، كانت به بنو كنانة من كلب٣.
ودومة أو دومة الجندل، واحة آدوم الكبيرة، وتقع على مبعدة، ٤٠٠ كيلو متر إلى الشرق من البتراء عصامة الأنباط٤، على حافة النفود الكبير، ومن ثم فقد كانت ذات أهمية كبيرة في التاريخ القديم، إذ كانت تعتبر بمثابة قلعة الجزيرة العربية الشمالية في وجه المهاجمين من الشمال والشمال الشرقي، وإذا ما سقطت دومة الجندل تساقطت بالتالي باقي المدن المجاورة٥.
ونقرأ في حوليات العاهل الآشوري "تجلات بلاسر الثالث "التي عثر عليها في "كالح" عن جزية من "زبيبي" ملكة بلاد العرب، التي يرى "ألويس موسل" أن
стр. 480
مقرها إنما كان في "دومة الجندل"١، كما نقرأ في نقوش الملك "إسرحدون" "٦٨٠٦٦٩ق. م" أن أباه "سنحريب" "٥٠٧-٦٨١ق. م" قد أخضع أدوماتو "أدمو Adumu"" حوالي عام ٦٨٨ق. م، وأخذ أصنامها إلى عاصمته، والأمر كذلك بالنسبة إلى الأمير "تاربي" "تبؤة" "Tabua"، وكانت ملكة دومة الجندل "تلخونو" "تعلخونو" قد امتد سلطانها حتى حدود بابل، ثم وقفت بجانب الثوار البابليين ضد "سنحريب" "٧٠٥-٦٨١ق. م" ومن ثم فإن العاهل البابلي ما أن انتهى من القضاء على الثورة، حتى اته إلى دومة الجندل وفرض الحصار عليها٢، وهناك ما يشير إلى أن خلافا قد حدث بين الملكة وبين حزائيل -سيد قبيلة قيدار- الذي تولى قيادة الجيوش ضد سنحريب، مما أدى إلى استسلام الملكة وفرار حزائيل إلى البادية، فضلا عن أسر الأميرة تبؤة وأخذها إلى بابل، تمهيدًا لإعدادها لتكون ملكة على قومها، تعمل بأمر آشور، وتنفذ سياسة ملوكها فيما يختص بالأعراب٣، غير أن آمال الآشوريين في الملكة الجديدة قد خابت، فما أن يتم تعيينها ملكة على دومة الجندل حتى تفشل في مهمتها، ولعل السبب في ذلك إنما يرجع إلى العداء الدفين بين العرب والآشوريين، والذي ما كان في استطاعة تبؤة القضاء عليه٤.
وعلى أي حلال، فيبدو أن دومة الجندل كانت في هذه الفترة مركزًا دينيًّا مهما للقبائل العربية، كما أن هذه المنطقة قد عرفت في هذه الفترة حكم الملكات اللآتي كن يجمعن بين السلطتين الدينية والزمنية، ولعل أشهرهن زبيبه "زبيبي" وشمسي وتعلخونو وتبؤة٥.
стр. 481
وفي العهد البابلي خضعت دومة الجندل للملك نبونيد، وكما أشرنا من قبل، فلقد جرد الملك البابلي في العام الثالث من حكمه على المدينة واحتلها١.
هذا وتشير المراجع العربية إلى دومة الجندل إنما كانت مدينة محصنة بسور، في داخله حصن منيع، يقال له "مارد"، نسبة البعض-طبقًا للروايات التقليدية- إلى سليمان ﵇، ونسبه آخرون إلى "أكيدر الملك بن عبد الملك السكوني"، وهو يهودي على رأي، وعربي من كندة على رأي آخر، وعلى أي حال، فإن الحصن على ما يبدو قد بني قبيل الثالث الميلادي؛ لأسباب منها صلة السكونيين بكندة، ومنها أن الحصن يشتمل في بعض أجزائه على نقوش نبطية- والأنباط كما نعرف قد انتهت دولتهم في عام ١٠٦م -ومع ذلك فالحصن ليس من عمل فرد واحد، ولا من فترة واحدة، وإنما من فترات متعاقبة، لعل آخرها منذ نصف قرن فقط٢.
وهناك في المصادر العربية ما يشير إلى أن سكان دومة الجندل، إنما كانوا أصحاب نخل وزرع، يسقون على النواضح، وزرعهم الشعير، وكان في بلدهم سوق يبدأ في أول يوم من شهر ربيع الأول، وينتهي في النصف منه، هذا وقد كانت تسكن دومة قبل الإسلام قبائل كلب وجديلة وطيئ، كما كما يتنازع السلطان فيها "الأكيدر" و"قنافة الكلبي" الذي كان يتولى الأمر فيها، حين تكون الغلبة من نصيب الغساسنة، مما يدل على التنافس بين كندة وبني غسان على الطريق التجاري٣، "وكانت مبايعة العرب في دومة إلقاء الحجارة، وذلك أنه ربما اجتمع على السلعة النفر، يساومون بها صاحبها، فأيهم رضي ألقى حجره، فربما اتفق في السلعة الرهط، فلا يجدون بدا من أن يشتركوا وهم كارهون، وربما اتفقوا فالقوا الحجارة جميعًا إذا كانوا عددًا على أمر بينهم، فوكسوا صاحب السلعة إذا طابقوا عليه"٤.
стр. 482
٤- الحجر "مدائن صالح ":
وتقع على مبعدة ١٥ كيلو مترا إلى الشمال من مدينة العلا الحالية، على الطريق التجاري العظيم الذي يربط جنوب بلاد العرب بسورية، وتتكون من عدة جبال رملية متناثرة، ومن ثم فقد سهل على سكانها أن ينحتوا فيها مقابر لهم، انتشرت في معظم هذه الجبال١.
هذا وقد جاء ذكر المدينة في جغرافية بطليموس٢، كما ذكرها "إصطيفانوس البيزنطي"٣، والحجر -فيما يرى البعض- هي "أجزاء Eera" التي ذكرها "سترابو" في حديثه عن حملة "إليوس جالليوس" على اليمن في عام ٢٤ق. م، وربما كان لها ميناء يعرف بـ "فرضة الحجر"، ومن الممكن، بل من المحتمل أن تكون هذه الفرصة معروفة بنفس الاسم الذي عرفت به الحجر٤ -كما أن ميناء مدين كانت تعرف كذلك باسم مدين- وأن ميناء الحجر هذه ربما كانت هي بعينها الميناء التي تعرف اليوم باسم "الوجه"٥.
وتشير الكتابات التي وجدت في مدائن صالح إلى المدينة ربما كان قد أنشأها المعينيون، كما تشير مقابرها التي جمعت في نحتها عناصر فنية مختلفة -فرعونية وإغريقية ورومانية وعربية- إلى أنها تشبه إلى حد كبير ما هو موجود في البتراء، ولعل هذا سببه أنهما ذات حضارة واحدة، وإن كانت مقابر مدائن صالح إنما تتميز بوجود شواهد عليها، مكتوبة بالخط الآرامي النبطي٦، كما أن هناك في جبل أثلت معبدا يذكرنا بمعابد البتراء، فضلا عن معبد آخر صغير يقع على مبعدة ١٥٠م إلى الجنوب من الجبل الآنف الذكر٧، وأخيرًا فلعل من الأهمية بمكان
стр. 483
الإشارة إلى أن هناك من يرى في الموقع النبطي "إرم" اكتشفت على مبعدة ٢٥ ميلا إلى الشرق من العقبة، "إرم" المذكورة في القرآن الكريم١.
ويشير "بليني" في "التاريخ الطبيعي "٦: ١٥٦" أن عاصمة اللحيانيين هي "هجرا Hagra"، وأن مركزهم الرئيسي هو واحة ديدان- على مبعدة ١٥ كيلو مترا إلى الجنوب من الحجر- وأن اللحيانيين إنما كانوا يسكنون بكل تأكيد في واحة الحجر، كما كانوا يسكنون كذلك في ديدان، ومن هذا يمكن أن نستنتج أن "هجرا" عاصمة اللحيانيين، هي بعينها الحجر٢.
وأما المصادر العربية فتذهب إلى أن الحجر، إنما هي ديار ثمود، ناحية الشام عد وادي القرى٣، وهم قوم سيدنا صالح ﵇، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم٤، وفي الحديث الشريف٥.
وعلى أي حال، فإن المدينة قد أخذت مكانها بالتدريج، حتى إذا ما كان القرن العاشر الميلادي أصبحت خرائب لا يسكنها أحد، هذا وقد عثر في هذه الخرائب -التي تقع بين جبل أثلت وقصر البنت وسكة حديد الحجاز القديمة- على آثار حصن قديم، وبقايا أبراج وأعمدة ومزولة شمسية، فضلا عن نقود ترجع إلى أيام الحارث الرابع النبطي "٩ق. م - ٤٠م"٦.
стр. 484
الفصل الرابع عشر: الأنباط
مدخل
...
الفصل الرابع عشر: الأنباط
إن تاريخ شبه الجزيرة العربية -إذا استثنينا الجزء الجنوبي منها -هو تاريخ الأحداث التي شهدتها جماعات سياسية صغيرة، قامت واحدة وراء الأخرى على طول حدود الصحراء من ساحل البحر الأحمر، إلى أطراف سورية وفلسطين وأرض الرافدين، ولم تكن هذه الدويلات مستقرة في تركيبها، وكانت قصيرة العمر، فهي في الواقع ليست سوى نتاج فرعي لعملية الاتصال والانتقال بين منطقة البداوة ومنطقة الحضارة المستقرة، فهي لم تكن فقط ملتقى ومحطا لحركات التوسع الموسمية، وإنما كانت في الوقت نفسه ستار حماية تنصبه المناطق المحيطة بالصحراء١.
وقد شجعت الدول الكبرى التي كانت تسيطر بجوار هذه المناطق على قيام هذه الدويلات، واتخذتها درعا تتقي به من غارات البدو على تخوم حدودها، فكانت أشبه بالدويلات الحاجزة "Buffer State"، ولا ريب أن حب العربي للوفاء جعله يستطيع أن يتعامل مع هذه الأمم الغربية عنه، فكان لقاء "جعل" و"إتاوة" يترك مهنته في الغارة، ويخفر حدود حلفائه من تعدي القبائل الأخرى، وينعم في الوقت ذاته بحياة مستقرة نوعًا، ولكن الفرس والروم لم يكونوا يبقون على ثقتهم الدائمة في عرب الحدود، ولذلك كانوا يقضون أحيانًا على هذه الممالك البدوية أو يهملونها، فكانت تعود إلى حياتها الأولى٢.
ولكن بالإضافة إلى هذا العامل الجغرافي، شاركت قوى اقتصادية في تكوين
стр. 485
شبه الجزيرة العربية في العصور القديمة، فقد كان يحد شبه الجزيرة طريقان أساسيان على حافة الصحراء، تنتقل عليها السلع من المحيط الهندي إلى موانئ فلسطين وسورية، فكان أحد هذين الطريقين التجاريين يمتد من اليمن إلى جنوب فلسطين، والثاني يمتد من الخليج العربي، ويدخل وادي الرافدين، ثم ينحرف إلى سورية قاصدا دمشق، فعلى هذين الطريقين قامت دويلات الحدود العربية١.
ولعل من أهم هذه الدويلات "دولة الأنباط" التي قامت على الأطراف الخارجية لمنطقة فلسطين، في حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، متخذة من "البتراء" عاصمة لها، ومكونة حضارة عربية في لغتها، أرامية في كتابتها، سامية في ديانتها، يونانية رومانية في فنها وهندستها المعمارية، وهي لذلك حضارة مركبة، سطحية في مظهر الهليني، ولكنها عربية في أساسها٢.
هذا وقد اختلف المؤرخون في الموطن الأصلي للأنباط، فذهب فريق إلى أنهم من أهل العراق، وأن لغتهم التي تركوها على آثارهم، إنما هي أرامية متخلفة عن لغة ما بين النهرين، وأنهم قد هاجروا من العراق إلى "أدوم"، وذهب فريق آخر إلى أنهم عراقيون أتى بهم "نبوخذ نصر" في القرن السادس قبل الميلاد، عندما اكتسح فلسطين، فأنزلهم "البتراء"٣، ومجاوراتها، وذهب فريق ثالث إلى أنهم من جبل "شمر" في أواسط بلاد العرب، ثم سرعان ما نزحوا إلى العراق، وأقاموا هناك حتى دهمهم الآشوريون أو الميديون، فأخرجوهم من هناك، وأخيرًا ذهب فريق رابع إلى أنهم من شواطئ الخليج العربي٤، بينما ذهب فريق خامس إلى أنهم من قبائل بدوية، نزحت في القرن السادس قبل الميلاد "في حوالي عام ٥٨٧ق. م" إلى شرق الأرن، فنزلت أرض الآدوميين- أحفاد عيسو بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهما السلام٥- وانتزعت منهم "البتراء" ثم سرعان ما امتدت سلطتهم إلى المناطق المجاورة٦.
стр. 486
ويرى المسعودي أن السريانيين إنما هم من النبط، وأن أهل "نينوى"-وكذا بابل- من السريان والنبط كذلك١، ويذهب أستاذنا الدكتور سعد زغلول٢، إلى أن المسعودي من بين آرائه العبقرية التي كانت مصدر إلهام "ابن خلدون" في "مقدمته"، نظرية تقول: إن النبط وملوكها ترجع في أنسابها إلى "نبيط بن هامش" ومنهم كل العرب البائدة من عاد وثمود وجديس وطسم وعمليق، إلى جانب "عيلام في الأهواز وفارس" و"نبيط في بابل والعراق"، فكأنه ربط بين تاريخ بلاد العرب القديم جميعًا.
غير أن الأمر، إن كان صحيحًا بالنسبة إلى القبائل العربية في بلاد العرب والعراق فقد يحتاج -فيما نظن- إلى إعادة نظر، فيما يختص بعيلام وفارس، وقد سكنتهما شعوب هندو أوربية، وليست عربية على أي حال.
ومهما يكن من أمر، فإن النبط الذين أشار إليهم الإخباريون، إنما هم من بقايا الآراميين في العراق والشام، وهم- وإن كانوا يتكلمون بلهجات ربما كانت عربية، إلا أنها بكنة غربية عن العربية- ربما كانوا غير النبط الذين نتحدث عنهم وقد عاشوا في العربية الحجرية، ولهم كتابات دونت بالأرامية، وأن فريقًا منهم قد عاش في "تدمر"٣.
وأما استعمال الأنباط للغة الأرامية، فلأنها اللغة الشائعة في ذلك العصر، بل إننا نرى الآرامية، منذ حوالي عام ٥٠٠ق. م، قد أصبحت لغة المراسلات الدولية في منطقة الشرق الأدنى القديم، كما أصبحت اللغة التي يستعملها سكان منطقة الهلال الخصيب -وكذا الأنباط٤- كما أنها سوف تصبح لغة المسيح وشعبه فيما بعد٥، فضلا عن أن الحروف العربية لم تكن قد وجدت بعد٦، ومن ثم فلا عجب إذا ما دون الأنباط أو غيرهم من العرب بالأرامية- لغة الفكر والثقافة- وتكلموا بلغة
стр. 487
أخرى هي لغة اللسان، وقد كان الأعاجم في الإسلام يتكلمون بألسنة أعجمية، ويدونون باللسان العربي، لسان العلم والفكر والقرآن الكريم١.
ولعل الخلاف الأصلي بين الباحثين يكمن في أن الأنباط: قوم عرب، أم آراميون؟ وتتجه الآراء الحديثة إلى أنهم عرب، حتى وإن تبرأ العرب منهم، ربما لأنهم احترافهم مهنا يزدريها العربي الصميم، ويحتقر من يشتغل بها كالزراعة والصناعات اليدوية٢، وإن كانت بعض المراجع إنما تصف الأنباط بأنهم قوم يكرهون الزراعة ويزدرونها، كما كانوا يأنفون من السكنى في بيوت مستقرة، وقد كانوا رعاة يربون الأغنام وغيرها من الماشية، كما كانوا لا يأمنون وجود الأجانب بينهم، خشية أن يقعوا تحت سيطرتهم، ومن ثم فقد كانوا إذا ما وجدوا غريبًا بينهم قتلوه٣.
وأيًّا ما كان الأمر، فإن العلماء يقدمون كثيرًا من الأدلة على عروبة الأنباط، منها "أولًا" أن أسماءهم- كما ظهرت في النقوش النبطية- إنما هي أسماء عربية خالصة، ومن ذلك نقش "بوتيولي"، على مقربة من نابلي بإيطاليا، حيث نقرأ -ولأول مرة- اسم "علي" الذي شاع بين المسلمين بعد ذلك، كما نقرأ كذلك في نقوش أخرى أسماء عربية -مثل حبيب وسعيد وكهلان وسعد الله ومرة وخلف وتيم الله وعميرة ووهب وحميد وسكينة وجميلة٤- ومنها "ثانيًا" أن الأنباط إنما كانوا يشاركون العرب في عبادة الأصنام المعروفة عند عرب الحجاز، مثل "دوشرا" "ذو الشرى" واللات والعزى ومناة، ومنها "ثالثًا" أن أثر التحريف العربي في كتاباتهم الآرامية، لا يدع مجالا للشك بأن لغتهم الوطنية، إنما كانت لهجة عربية شمالية، حتى بلغ الأمر من كثرة استعمال الكلمات العربية الصرفة في إحدى الكتابات الأثرية المتأخرة -والتي ترجع إلى حوالي عام ٢٦٨م- أن النص كله يكاد يكون عربيا٥.
стр. 488
ومنها "رابعًا" أن أسماء ملوكهم -كالحارث وعبادة ومالك وجميلة- أسماء عربية، وليس من شك في أن للأعلام دخل كبير في بيان أصول الأمم١، ومنها "خامسًا" أن الكتاب القدامى من الأغارقة والرومان- وكذا المؤرخ اليهودي يوسف ابن متى- إنما يطلقون على النبط كلمة "العرب"، وعلى أرضهم لفظ "العربية الحجرية" "٢Arabia Petraea"، ومنها "سادسًا" أن لغتهم الأصلية إنما كانت العربية، وأنهم لم يستعملوا اللغة والكتابة الآرامية إلا في النقوش٣.
وهكذا يتجه كثير من العلماء إلى أن الموطن الأصلي للأنباط، إنما هو بلاد العرب -سواء أكان ذلك في الوسط أو في الجنوب- ومن ثم فإن فريقًا من الباحثين يذهب إلى أنهم قد نزحوا من البوادي إلى أعالي الحجاز، حيث استقروا هناك واشتغلوا بالزراعة والتجارة والإشراف على القوافل التجارية، بينما ذهب فريق آخر إلى أنهم من العربية الجنوبية، ومن ثم فقد كان هذا سببًا في احترافهم للحرف المألوفة في بلاد العرب الجنوبية منذ العهود القديمة٤.
ويرى الدكتور جواد علي أن الأنباط عرب، بل هم أقرب إلى قريش وإلى القبائل الحجازية التي أدركت الإسلام، من العرب الجنوبيين؛ ذلك لأنهم إنما يشاركون قريشًا في كثير من الأسماء، مثل حبيب وسعيد والحارث وقصي وعمرو ومسعود، وفي كثير من عبادة الأصنام كاللات والعزى ومناة -كما أشرنا آنفًا- ولأن خط النبط قريب من خط كتبة الوحي، ولأنهم يتكلمون لهجة قريبة من العربية، بل إن كثيرًا من الكلمات العربية المدونة بالأرامية، من نوع عربية القرآن الكريم٥، ثم هناك ما جاء في التوراة٦ من أن "نبايوت" -وهو نابت عند
стр. 489
الأخباريين- إنما هو الابن الأكبر لإسماعيل، عليه السلام١، وإسماعيل-كما هو معروف- جد العرب العدنانية.
وأخيرًا فهناك الخبر الذي جاء على لسان "ابن عباس"، "نحن معاشر قريش من النبط، من أهل كوثاريا، قيل إن إبراهيم ولد بها، وكان النبط سكانها"٢، وأما أن "إبراهيم" قد ولد في "كوثاريا" فتلك رواية المصادر العربية٣، وإن كانت رواية التوراة تذهب إلى أنه ولد في "أور"٤ -سواء أكانت في منطقة الفرات الأدنى، أو في منطقة العراق الأعلى في منطقة الجزيرة بين دجلة والفرات٥- بل إن هناك رواية أخرى -عربية كذلك- تنسب قريشًا إلى "كوثا" "كوثي" هذه، فقد روى ابن الأعرابي أن رجلا سأل الإمام علي بن أبي طالب ﵁ وكرم الله وجهه- فقا: أخبرني يا أمير المؤمنين عن أصلكم معاشر قريش، قال: نحن قوم من كوثى، فقال قوم إنه أراد كوثى التي ولد بها إبراهيم، وتأولوا في هذا قول الله : ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم﴾ ٦، وسواء أصحت هذه الروايات أم داخلها التحريف، فإنها تشير دون شك إلى صلة قريش، أبناء إبراهيم ﵇، بالأنباط وبكوثى في العراق، فإذا كان ذلك صحيحًا، فإن الأنباط يصبحون إذن من المجموعة الآرامية التي هاجرت من شبه الجزيرة العربية بعد الآموريين والكنعانيين -وكانوا بادي ذي بدء- يجوبون أنحاء وادي الجزيرة من ناحية الشمال، ويتحركون إلى الشرق من ناحية العراق، وإلى الغرب من ناحية سورية، حتى بدءوا يستقرون في العراق الأوسط٧، ومن المعروف أن هناك من يجعل قوم إبراهيم من هذه المجموعة الآرامية، وفي هذا ما يفيد إلى حد كبير صحة ما ذهبت
стр. 490
إليه من المصادر العربية، من وجود قرابة بين القرشيين من ناحية، وبين الأنباط من ناحية أخرى.
ويرى الأستاذ العقاد -طيب الله ثراه- أن مباحث اللغة إنما تقدم لنا البينة الكبرى على قرابة النبطيين لأهل الحجاز؛ ذلك لأن لغة الحجاز لم تتطور من اللغة اليمنية مباشرة، وإنما جاء التطور من العربية القديمة إلى الآشورية إلى الآرامية إلى النبطية إلى القرشية، فتقارب لغة النبط ولغة قريش من هذا السبيل، وكان التقارب بينهما في الزمان والمكان، أو في درجات التطور، ولم يكن تقاربا يقاس بالفراسخ والأميال، وكانت هذه هي البينة الكبرى من مباحث اللغة على قرابة أهل الحجاز من النبطيين، ولم تكن هذه القرابة من اختراع النسابين أو فقهاء الإسلام، ولكنها كانت قرابة الواقع التي حفظتها أسانيد اللغة والثقافة، واستخرجتها من حجارة الأحافير والكشوف الحديثة١.
هذا وقد أشار من قبل "مارتن شبر نجلنج" إلى ظاهرة انتقال الكتابة النبطية من منطقة مدين إلى الحجاز، وإلى تطور الخط العربي عن الخط النبطي٢، ومن ثم فإن الكتابة التي نكتب بها اليوم، إنما هي كتابة متطورة عن الخط النبطي، وهذا بدوره متطور عن الخط الآرامي، الذي استعمل في شمال شبه الجزيرة العربية منذ حوالي القرن الثالث قبل الميلاد، وقد كان منذ القرن السادس قبل الميلاد، خط كثير من دول الشرق الأدنى القديم٣، وأما أقدم نص عربي وصلنا بالخط النبطي، فهو "نقش النمارة"، الذي يرجع إلى عام ٣٢٨م، وقد سبق لنا مناقشته بالتفصيل من قبل.
وعلى أي حال، فلقد أخذ النبط الأبجدية التي تلقاها الآراميون عن الفينقيين، ثم طوروها وحولوها من كتابة منفصلة الحروف، إلى كتابة متصلة الحروف، وبهذا
стр. 491
أراحوا الكتاب من كتابة كل حرف على حدة، ومن وضع خطوط رأسية، أو نقط لتحديد حدود كل كلمة، أو ترك مسافات بيضاء بين كل كلمة وأخرى، وعنهم أخذ العرب الكتابة التي ما زلنا نستعملها إلى اليوم١ -كما أشرنا آنفًا-.
على أن هناك من يرى أن الألفاظ العربية التي وجدت في الآرامية النبطية، فضلا عن تشابه الأسماء بين العرب والنبط، إنما كان من أثر الاختلاط بينهما بسبب السكنى والجوار، وليس بسبب روابط جنسية بين الفريقين، ومن ثم فإن الأنباط إنما هم أراميون بالعرب وتأثروا بهم، أو على الأقل، إنما هم أراميون استعربوا بعد حين من الدهر٢.
وعلى أي حال، فإن أقدم معلوماتنا عن النبط، مصدرها مؤلفو العصر الهليستي، ومنهم "ديودور" و"استرابو"، وقد أخذ الأخبر معلوماته عن "أثينودورس"، ذلك الفيلسوف الذي ولد وعاش بين النبط٣، هذا وقد اصطدم الأنباط باليهود مرارا، ولهذا يحدثنا المؤرخ اليهودي "يوسف بن متى" عنهم كثيرًا، وقد كان الأنباط -فيما يرى- يسكنون منطقة واسعة تمتد من نهر الفرات، فتتاخم بلاد الشام حتى تنزل إلى البحر الأحمر٤، كما أنه يرى- وكذا سان جيروم "٣٤٥-٤٢٠م"- أن هناك صلة بين اسم "نبايوت" بن إسماعيل، وبين اسم النبط٥، غير أن يوسف اليهودي لم يهتم بتاريخ الأنباط، إلا إذا كان هذا التاريخ له علاقة بتاريخ قومه اليهود٦.
هذا وقد ترك لنا الأنباط كتابات كثيرة في مواضع متفرقة- كالبتراء والحجر والعلا وتيماء وخيبر، وفي صيدا ودمشق، فضلا عن أماكن أخرى في حوران
стр. 492
واللجاة وسيناء والجوف واليمن ومصر وإيطاليا- اهتم العلماء بدراستها ونشرها١.
وعلى أي حال، فيمكننا القول أن مملكة الأنباط قد وصلت إلى أوج مجدها على أيام "الحارث الرابع" "٩ق. م-٤٠م"، وأنها كانت تشمل منطقة واسعة تضم دمشق وسهل البقاع، والأقسام الجنوبية الشرقية من فلسطين، وحوران وأدوم، ومدن العلا وسواحل البحر الأحمر، وبعبارة أخرى، فإنها كانت تضم جنوبي فلسطين وشرق الأردن وسورية الجنوبية الشرقية وشمالي شبه الجزيرة العربية، وأن القسم السوري منها إنما كانت تفصله عن قسم شرقي الأردن منطقة "اتحاد الديكابولس"٢، وأن وادي السرحان كان يربط ما بين القسمين، وأخيرًا فهناك ما يشير إلى وجود آثار للأنباط في الأقسام الشرقية من دلتا النيل٣.
وقد ظهر الأنباط لأول مرة في القرن السادس قبل الميلاد، كقبائل بدوية في الصحراء الواقعة شرقي الأردن، ثم استمروا كذلك حتى القرن الرابع ق. م، رحلا يعيشون في خيام، ويتكلمون العربية ويكرهون الخمر، ولا يهتمون كثيرًا بالزراعة، وفي القرن التالي تركوا حياة الرعي، واتبعوا حياة الاستقرار، وعملوا في الزراعة والتجارة، وفي أواخر القرن الثاني قبل الميلاد تحولوا إلى مجتمع منظم جدًّا متقدم في الحضارة ومتصل بالتطور والترف، وكان مثالهم هذا مثالا آخر٤ يوضح الحادث الذي كان يتكرر في تاريخ الشرق الأدنى القديم، وهو تحول الرعاة إلى مزارعين ثم إلى تجار في بلاد قليلة الموارد، ولكنها حسنة الموقع بالنسبة إلى تجارة
стр. 493
القوافل التي عوضت قلة مواردها الطبيعية١.
وأما أقدم ما وصلنا من أخبار عن الأنباط، فإنما يرجع إلى عام ٣١٢ق. م، حيث يسجل هذا العام انتصار الأنباط على قوات "أنتيجونوس"، ذلك أن "ديودور الصقلي" يروي أن "أنتيجونوس" الذي خلف الإسكندر المقدوني "٣٥٦-٣٢٢ق. م" في سورية٢، قد أغار على "البتراء" في عام ٣١٢ق. م، بسبب موالاة النبط لـ "بطليموس الأول" "٣٢٢-٢٨٣ق. م"، ومن ثم فقد أعد حملة تحت قيادة صديقه "أثنيوس"، من أربعة آلاف من المشاة وستمائة فارس، ليجبرهم على التحالف معه ضد "بطليموس"، ونجح "أثنيوس" في أن يخفي أمر حملته، وأن يسير إلى البتراء عن طريق أدوم، وأن يباغتها ليلا، والناس نيام، فضلا عن غياب حراسها من الشباب والرجال الأشداء في سوق لهم، ومن ثم فقد كتب له النجح عليها، ونهب ما استطاع من بخور وتوابل وطيب وفضة، إلا أن الأنباط سرعان ما علموا بالأمر، فطاردوا الغزاة ذات ليلة كانوا يستريحون فيها من وعثاء السفر ومشقة الطريق، وأعملوا السيف فيهم، حتى قضوا عليهم، إلا خمسين فارسا هربوا بسلام، وإن أصيبوا بجراح من سيوف الأنباط، ويعلل "ديودور" ذلك الفشل الذي منيت به الحملة، بأن رجالها ما كانوا يتوقعون أن أن يطاردهم الأنباط بهذه السرعة، ومن ثم فقد أهملوا الحراسة، وكانت المأساة٣.
وعاد الأنباط إلى البتراء، وكتبوا رسالة بالسريانية٤ إلى "أنتيجونوس"
стр. 494
"Antigonus" يحملون فيها قائده وزر ما حدث، ويرد عليهم الرجل ردًّا مرضيًا، أن ما حدث إنما كان بغير علم منه، وأن قائده قد تصرف برأيه، ثم يختم رسالته بإعلان صداقته لهم، بينما كان في واقع الأمر، إنما يعد لجولة جديدة، قد يهيئ لها من الأسباب ما يكفل له النجاح، وهكذا ما أمضى طويل وقت، حتى يرسل إليهم ولده "ديمتريوس" على رأس حملة قوامها أربعة آلاف من الفرسان، ومثلهم من المشاة، ويبدو أن الأنباط إنما كانوا يتوقعون الخيانة من "أنتيجونوس"، ومن ثم فقد كانوا في حيطة من أمرهم، فأمنوا أموالهم في مواضع حصينة لا تصل إليها أيدي الطغاة الطامعين، ثم تفرقوا في الصحراء، وهكذا ما أن وصل "ديمتريوس" إلى الصخرة "أم البيارة" حتى هاجمها بعنف وشراسة، إلا أن محاولته هذه لم يكتب لها نصيب من نجاح، ومن ثم فقد عاد بخفي حنين، قانعا بما قدم إليه الأنباط من هدايا١.
ويبدو أن علاقة الأنباط بالبطالمة بدأت تتدهور على أيام "بطليموس الثاني" "٢٨٤-٢٤٦ق. م" ذلك أن الرجل قد بدأ يفكر في احتكار التجارة البحرية والسيطرة على البحر الأحمر، ومن ثم فقد أمر بإعادة فتح القناة القديمة التي كانت تصل النيل بالبحر الأحمر٢، وهو المشروع الذي طالما فكر المصريون في تنفيذه على أيام الدولة الحديثة "١٥٧٥-١٠٨٧ق. م"، ثم على أيام "نخاو الثاني" "٦١٠-٥٩٥ق. م" الذي تخلى عنه فجأة، لأن نبوءة جاءت من "بوتو" تقول أن القناة ليست في مصلحة مصر، وأنه لن يستفيد منها إلا الأجانب٣، وهو نفس
стр. 495
المشروع الذي أتمه "دارا الأول" الفارسي "٥٢٢-٣٨٦ق. م" لمصلحة بلاده١.
وأيًّا ما كان الأمر، فإن بطليموس الثاني قد أرسل بعد ذلك "أرستون" لكشف الساحل الشرقي للبحر الأحمر٢، إلى جانب إنشاء موانئ على هذا البحر٣، فضلا عن توسيع دائرة التبادل التجاري بين مصر وبلاد العرب والهند، وذلك رغبة منه في تصريف المنتجات المصرية كالمنسوجات والزيوت والآنية الزجاجية والأسلحة وغيرها من معدات القتال، فضلا عن الحصول على العطور والبهار والبخور والمر والقرفة والعاج والأرز والأصداف والآلئ والأصباغ والقطن والحرير من الصومال ومن بلاد العرب الجنوبية والهند٤.
وهكذا وضع بطليموس الثاني الساحل العربي للبحر الأحمر تحت سلطانه، كما عمل في نفس الوقت على توطيد علاقاته الطيبة بـ "ديدان" على طريق القوافل، وربطها بميناء جديد على البحر الأحمر، مما أدى في نهاية الأمر إلى تحويل تجارة البخور عن طريقها القديم الذي كان يمر ببلاد الأنباط إلى هذا الطريق الجديد، ثم العمل على نقلها بعد ذلك إلى مصر، عبر البحر الأحمر، عن طريق المراكب٥.
وقد أدى ذلك كله إلى أن تشهد العلاقات التجارية بين مصر وبلاد العرب، نشاطًا لم تعهده من قبل٦، ولا أدل على ذلك من أن البطالمة قد أنشئوا منصبا جديدًا في أواخر القرن الثاني وبداية القرن الأول قبل الميلاد، وهو منصب "قائد البحر الأحمر والبحري الهندي"، الذي يرجع أن الذي كان يتولاه في بادئ الأمر،