← История

История · id 12007

دراسات في تاريخ العرب القديم

محمد بيومى مهران

Полный текст (645 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أراحوا الكتاب من كتابة كل حرف على حدة، ومن وضع خطوط رأسية، أو نقط لتحديد حدود كل كلمة، أو ترك مسافات بيضاء بين كل كلمة وأخرى، وعنهم أخذ العرب الكتابة التي ما زلنا نستعملها إلى اليوم١ -كما أشرنا آنفًا-. على أن هناك من يرى أن الألفاظ العربية التي وجدت في الآرامية النبطية، فضلا عن تشابه الأسماء بين العرب والنبط، إنما كان من أثر الاختلاط بينهما بسبب السكنى والجوار، وليس بسبب روابط جنسية بين الفريقين، ومن ثم فإن الأنباط إنما هم أراميون بالعرب وتأثروا بهم، أو على الأقل، إنما هم أراميون استعربوا بعد حين من الدهر٢. وعلى أي حال، فإن أقدم معلوماتنا عن النبط، مصدرها مؤلفو العصر الهليستي، ومنهم "ديودور" و"استرابو"، وقد أخذ الأخبر معلوماته عن "أثينودورس"، ذلك الفيلسوف الذي ولد وعاش بين النبط٣، هذا وقد اصطدم الأنباط باليهود مرارا، ولهذا يحدثنا المؤرخ اليهودي "يوسف بن متى" عنهم كثيرًا، وقد كان الأنباط -فيما يرى- يسكنون منطقة واسعة تمتد من نهر الفرات، فتتاخم بلاد الشام حتى تنزل إلى البحر الأحمر٤، كما أنه يرى- وكذا سان جيروم "٣٤٥-٤٢٠م"- أن هناك صلة بين اسم "نبايوت" بن إسماعيل، وبين اسم النبط٥، غير أن يوسف اليهودي لم يهتم بتاريخ الأنباط، إلا إذا كان هذا التاريخ له علاقة بتاريخ قومه اليهود٦. هذا وقد ترك لنا الأنباط كتابات كثيرة في مواضع متفرقة- كالبتراء والحجر والعلا وتيماء وخيبر، وفي صيدا ودمشق، فضلا عن أماكن أخرى في حوران

стр. 492

واللجاة وسيناء والجوف واليمن ومصر وإيطاليا- اهتم العلماء بدراستها ونشرها١. وعلى أي حال، فيمكننا القول أن مملكة الأنباط قد وصلت إلى أوج مجدها على أيام "الحارث الرابع" "٩ق. م-٤٠م"، وأنها كانت تشمل منطقة واسعة تضم دمشق وسهل البقاع، والأقسام الجنوبية الشرقية من فلسطين، وحوران وأدوم، ومدن العلا وسواحل البحر الأحمر، وبعبارة أخرى، فإنها كانت تضم جنوبي فلسطين وشرق الأردن وسورية الجنوبية الشرقية وشمالي شبه الجزيرة العربية، وأن القسم السوري منها إنما كانت تفصله عن قسم شرقي الأردن منطقة "اتحاد الديكابولس"٢، وأن وادي السرحان كان يربط ما بين القسمين، وأخيرًا فهناك ما يشير إلى وجود آثار للأنباط في الأقسام الشرقية من دلتا النيل٣. وقد ظهر الأنباط لأول مرة في القرن السادس قبل الميلاد، كقبائل بدوية في الصحراء الواقعة شرقي الأردن، ثم استمروا كذلك حتى القرن الرابع ق. م، رحلا يعيشون في خيام، ويتكلمون العربية ويكرهون الخمر، ولا يهتمون كثيرًا بالزراعة، وفي القرن التالي تركوا حياة الرعي، واتبعوا حياة الاستقرار، وعملوا في الزراعة والتجارة، وفي أواخر القرن الثاني قبل الميلاد تحولوا إلى مجتمع منظم جدًّا متقدم في الحضارة ومتصل بالتطور والترف، وكان مثالهم هذا مثالا آخر٤ يوضح الحادث الذي كان يتكرر في تاريخ الشرق الأدنى القديم، وهو تحول الرعاة إلى مزارعين ثم إلى تجار في بلاد قليلة الموارد، ولكنها حسنة الموقع بالنسبة إلى تجارة

стр. 493

القوافل التي عوضت قلة مواردها الطبيعية١. وأما أقدم ما وصلنا من أخبار عن الأنباط، فإنما يرجع إلى عام ٣١٢ق. م، حيث يسجل هذا العام انتصار الأنباط على قوات "أنتيجونوس"، ذلك أن "ديودور الصقلي" يروي أن "أنتيجونوس" الذي خلف الإسكندر المقدوني "٣٥٦-٣٢٢ق. م" في سورية٢، قد أغار على "البتراء" في عام ٣١٢ق. م، بسبب موالاة النبط لـ "بطليموس الأول" "٣٢٢-٢٨٣ق. م"، ومن ثم فقد أعد حملة تحت قيادة صديقه "أثنيوس"، من أربعة آلاف من المشاة وستمائة فارس، ليجبرهم على التحالف معه ضد "بطليموس"، ونجح "أثنيوس" في أن يخفي أمر حملته، وأن يسير إلى البتراء عن طريق أدوم، وأن يباغتها ليلا، والناس نيام، فضلا عن غياب حراسها من الشباب والرجال الأشداء في سوق لهم، ومن ثم فقد كتب له النجح عليها، ونهب ما استطاع من بخور وتوابل وطيب وفضة، إلا أن الأنباط سرعان ما علموا بالأمر، فطاردوا الغزاة ذات ليلة كانوا يستريحون فيها من وعثاء السفر ومشقة الطريق، وأعملوا السيف فيهم، حتى قضوا عليهم، إلا خمسين فارسا هربوا بسلام، وإن أصيبوا بجراح من سيوف الأنباط، ويعلل "ديودور" ذلك الفشل الذي منيت به الحملة، بأن رجالها ما كانوا يتوقعون أن أن يطاردهم الأنباط بهذه السرعة، ومن ثم فقد أهملوا الحراسة، وكانت المأساة٣. وعاد الأنباط إلى البتراء، وكتبوا رسالة بالسريانية٤ إلى "أنتيجونوس"

стр. 494

"Antigonus" يحملون فيها قائده وزر ما حدث، ويرد عليهم الرجل ردًّا مرضيًا، أن ما حدث إنما كان بغير علم منه، وأن قائده قد تصرف برأيه، ثم يختم رسالته بإعلان صداقته لهم، بينما كان في واقع الأمر، إنما يعد لجولة جديدة، قد يهيئ لها من الأسباب ما يكفل له النجاح، وهكذا ما أمضى طويل وقت، حتى يرسل إليهم ولده "ديمتريوس" على رأس حملة قوامها أربعة آلاف من الفرسان، ومثلهم من المشاة، ويبدو أن الأنباط إنما كانوا يتوقعون الخيانة من "أنتيجونوس"، ومن ثم فقد كانوا في حيطة من أمرهم، فأمنوا أموالهم في مواضع حصينة لا تصل إليها أيدي الطغاة الطامعين، ثم تفرقوا في الصحراء، وهكذا ما أن وصل "ديمتريوس" إلى الصخرة "أم البيارة" حتى هاجمها بعنف وشراسة، إلا أن محاولته هذه لم يكتب لها نصيب من نجاح، ومن ثم فقد عاد بخفي حنين، قانعا بما قدم إليه الأنباط من هدايا١. ويبدو أن علاقة الأنباط بالبطالمة بدأت تتدهور على أيام "بطليموس الثاني" "٢٨٤-٢٤٦ق. م" ذلك أن الرجل قد بدأ يفكر في احتكار التجارة البحرية والسيطرة على البحر الأحمر، ومن ثم فقد أمر بإعادة فتح القناة القديمة التي كانت تصل النيل بالبحر الأحمر٢، وهو المشروع الذي طالما فكر المصريون في تنفيذه على أيام الدولة الحديثة "١٥٧٥-١٠٨٧ق. م"، ثم على أيام "نخاو الثاني" "٦١٠-٥٩٥ق. م" الذي تخلى عنه فجأة، لأن نبوءة جاءت من "بوتو" تقول أن القناة ليست في مصلحة مصر، وأنه لن يستفيد منها إلا الأجانب٣، وهو نفس

стр. 495

المشروع الذي أتمه "دارا الأول" الفارسي "٥٢٢-٣٨٦ق. م" لمصلحة بلاده١. وأيًّا ما كان الأمر، فإن بطليموس الثاني قد أرسل بعد ذلك "أرستون" لكشف الساحل الشرقي للبحر الأحمر٢، إلى جانب إنشاء موانئ على هذا البحر٣، فضلا عن توسيع دائرة التبادل التجاري بين مصر وبلاد العرب والهند، وذلك رغبة منه في تصريف المنتجات المصرية كالمنسوجات والزيوت والآنية الزجاجية والأسلحة وغيرها من معدات القتال، فضلا عن الحصول على العطور والبهار والبخور والمر والقرفة والعاج والأرز والأصداف والآلئ والأصباغ والقطن والحرير من الصومال ومن بلاد العرب الجنوبية والهند٤. وهكذا وضع بطليموس الثاني الساحل العربي للبحر الأحمر تحت سلطانه، كما عمل في نفس الوقت على توطيد علاقاته الطيبة بـ "ديدان" على طريق القوافل، وربطها بميناء جديد على البحر الأحمر، مما أدى في نهاية الأمر إلى تحويل تجارة البخور عن طريقها القديم الذي كان يمر ببلاد الأنباط إلى هذا الطريق الجديد، ثم العمل على نقلها بعد ذلك إلى مصر، عبر البحر الأحمر، عن طريق المراكب٥. وقد أدى ذلك كله إلى أن تشهد العلاقات التجارية بين مصر وبلاد العرب، نشاطًا لم تعهده من قبل٦، ولا أدل على ذلك من أن البطالمة قد أنشئوا منصبا جديدًا في أواخر القرن الثاني وبداية القرن الأول قبل الميلاد، وهو منصب "قائد البحر الأحمر والبحري الهندي"، الذي يرجع أن الذي كان يتولاه في بادئ الأمر،

стр. 496

قائد مديرية "قفط" "بمحافظة قنا"، أما بعد عام ٧٨ق. م فقد شغل المنصب قائد منطقة طيبة١. على أن الأمر جد مختلف بالنسبة إلى الأنباط، فقد كان استكشاف السواحل العربية على البحر الأحمر، وإعادة القناة التي تصل النيل بالبحر الأحمر، فضلا عن خضوع فلسطين وفينيقيا لمصر، إنما يعني سيطرة مصر على التجارة البحرية، وهذا يعني ببساطة خسائر فادحة للأنباط الذين كانوا يحصلون على أرباح باهظة من تجارة القوافل التي كانت تمر ببلادهم، ومن ثم فقد انتهز القوم فرصة الحروب التي استعر أوارها بين البطالمة والسلوقيين، وأخذوا يشنون الغارة تلو الأخرى على السفائن الذاهبة أو الآيبة من مصر٢، وقد أدى هذا الوضع الجديد إلى أن ينشئ بطليموس الثاني قوة بحرية لحراسة هذه السفن التجارية٣، بل إن هناك من يرى أن الرجل ربما قد أرسل -عقب رحلة أرستون- حملة ضد النبط٤، فضلا عن الاستيلاء على أهم المحطات والموانئ التجارية، كميناء أيله عند خليج العقبة٥، و"لوكي كومي" على ساحل الحجاز -وهي الحوراء مرفأ سفن مصر إلى المدينة على رأي٦، والمويلح على رأي آخر٧، وعينونة أو الحربية على رأي ثالث٨. ومن المحتمل أيضًا أن بطليموس الثاني قد استولى وقت ذاك على الشاطئ الشرقي للبحر الميت الذي كان في قبضة النبط، كما أن هناك احتمالا، أنه قد شجع "ميليتوس" على إنشاء مستعمرة لها على الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر، في مواجهة "المدينة المنورة"، ومن هذا الثغر الذي عرف باسم "أمبلوني Ampione" كانت تجارة بلاد العرب والهند تنقل إلى مصر٩.

стр. 497

ملوك الأنباط: كان "الحارث الأول" "١٦٩-١٤٦ق. م" على رأس هؤلاء الملوك١، وكان يدعى عند اليهود "أريتاس Aretas" ملك العرب٢، وقد تسمى باسم "الحارث" كثير من ملوك الأنباط، ومن ثم فقد ذهبت بعض الآراء إلى أن هذا الاسم إنما كان لقبًا لملوك الأنباط، مثله في ذلك مثل فرعون عند المصريين، وقيصر عند الروم، وكسرى عند الفرس، والنجاشي عن الحبشة، وتبع عند اليمنيين٣. وكان الحارث معاصرًا لمؤسس الأسرة المكابية٤، وأن الأسرتين قد بدأتا عهدهما كحليفين طبيعيين ضد ملوك سورية السلوقيين٥، ومن ثم فإننا نقرأ في سفر المكابيين الثاني٦ أن "أريتاس" "الحارث" قد طرد "جاسون" -الحاخام اليهودي في بيت المقدس- من بلاده، وأن الأخير قد اضطر إلى الفرار إلى مصر، كما وقف "أريتاس" كذلك إلى جانب المكابيين قد ثورتهم ضد السلوقيين٧. وجاء "زيدإيل" "١٤٦-١١٠ق. م" بعد الحارث الأول، ثم خلفه "الحارث الثاني" في الفترة "١١٠-٩٦ق. م"، على رأي٨، وفي الفترة "١٣٩-٩٧ق. م" على رأي آخر، وربما في الفترة "١٢٠-٩٦ق. م" على رأي ثالث٩، وعلى أي

стр. 498

حال، فهو المعروف باسم "إيروتيموس Erotimus"، وربما كان هو الذي عناه "يوسف اليهودي" في أحداث عام ٩٧ق. م، فيما يرى بعض الباحثين١، وذلك حين لجأ إليه أهالي غزة يطلبون معونته في أثناء حصار "إسكندر جنايوس" "١٠٣-٧٦ق. م" لمدينتهم، إلا أنه لم يكن عند حسن الظن به على رأي٢، وأنه قدم إليهم ما يطلبون على رأي آخر٣، ومن ثم فقد بدأت العلاقات بين الطرفين تأخذ اتجاها آخر، حين رأي الأنباط أن المكابيين إنما يسعون إلى الاستيلاء على الأردن، ثم التوغل في أرض النبط نفسها، مما كان سببًا في أن يقف الأنباط في وجه السياسة المكابية٤. وفي عهد الملك "عبادة الأول" نجح الأنباط في إلحاق الهزيمة بإسكندر جنايوس في موقعة دارت رحاها على الشاطئ الشرقي لبحر الجليل، ومهدت الطريق لاحتلال الجنوب الشرقي من سورية "منطقة حوران وجبل الدروز اليوم" أما إسكندر المكابي فقد فر إلى القدس، حيث قوبل هناك بمعارضة شديدة، سرعان ما تحولت إلى عداء صريح، يتمثل في استدعاء أحد الحكام السلوقيين وتنصيبه ملكًا، وهكذا وضعت الظروف، "إسكندر" بين خصمين قويين "ديمتريوس الحاكم السلوقي وعبادة الملك النبطي"، ومن ثم فقد رأى "إسكندر" أن من الخير له أن يكسب ود الأنباط، حتى يستطيع الحفاظ على عرشه، فتنازل لهم عن مؤاب وجلعاد، وأماكن أخرى كان يخشى من انضمامها إلى أعدائه٥. ويعد "الحارث الثالث"- الذي جاء بعد "رب إيل الأول"٦- من أشهر

стр. 499

ملوك الأنباط، وإن اختلف المؤرخون في فترة حكمه، فهي في الفترة "٨٧-٦٢ق. م" على رأي، وفي الفترة "٨٥-٦٠ق. م" على رأي آخر١، إلا أنه مما لا شك فيه أن عهده قد اقترن بفتوحات واسعة، بدأت باستيلائه على دمشق، وعلى سهل البقاع في حوالي ٨٥ق. م، وذلك بناء على دعوة تلقاها من سكان المدينة العريقة -وكانت عاصمة السلوقيين وقت ذاك- لإنقاذهم من هجوم "الأيتوريين"٢ الذين كانوا يطمعون في الاستيلاء عليها، ومن ثم فقد أطلق عليه القوم، "محب اليونانيين وحاميهم"٣. وكان الحارث قد بدأ يستغل ضعف السلوقيين في مصلحته، ومن ثم فقد اهتبل فرصة هجوم "أنطيوخس الثاني عشر" "٨٨-٨٤ق. م" على بلاده، ولقنه درسا قاسيا عند "Kana" عند ساحل "يافا" في عام ٨٥/ ٨٦ق. م "أو في عام ٨٤/ ٨٣ق. م" قضى فيها على معظم جيشه٤. وهكذا استطاع الحارث الثالث أن يوطد حكمه في الداخل، وأن يفرض نفوذه في الخارج، وقد واتته فرصة نادرة بعد استيلائه على دمشق، وذلك حين انضم إلى جيشه فريق من رجال الحرب اليونان، وقد عمل الحارث على الإفادة منهم في تنظيم جيشه وتدريبه، بل وتحويله من جيش يعتمد على رجال من الأعراب، يخوضون المعارك بروح من البداوة التي لا تقبل الخضوع للأوامر والنظم العسكرية، وتهتم أول ما تهتم بالغنائم والأسلاب، إلى جيش نظامي مدرب، كان الدعامة الأساسية في فرض نفوذه في الخارج، فضلا عن أن الرجل قد نجح بقوة هذا الجيش في أن يصبح أقوى حاكم عرفته بلاد الأنباط حتى يومه، ومن ثم فقد بدأ الحارث

стр. 500

يتدخل في شئون مملكة يهوذا المتداعية، في أول الأمر، ثم يقدم على مواجهة جيوش الرومان بعد ذلك، وإن كانت النتيجة في كلتا الحالتين مختلفة١. كانت الأمور في دولة يهوذا قلقة، ومن ثم فقد كان على الحارث أن يضع حدا لهذا القلق، فإن لم يفعل، فإن الأحزاب اليهودية ما كانت بقادرة على أن تتركه على الحياد، وهكذا ما أن يمضي حين من الدهر، حتى يبدأ الجيش النبطي يهاجم يهوذا، ويشتبك معها في معركة ضارية عند "Addida" "الحديثة على مقربة من اللد"، ينهزم فيها جيش اليهود شر هزيمة، ويطلب "إسكندر" الصلح على شروط الأنباط، التي تجاهلها المؤرخ اليهودي "يوسفيوس" ولم يقل لنا عنها شيئًا٢. ويبدو أن الظروف السياسية دعت الحارث مرة أخرى للتدخل في شئون يهوذا، إبان الخلاف الذي دب بين ولدي "إسكندر جنايوس" "أرسطو بولس وهركانوس"، وانقسام اليهود إلى فريقين، الصدقيون ويؤيدون "أرسطوبولس"، والفريسيون ويؤيدون "هركانوس"، الذي فر إلى البتراء، لعله يجد الحمى عند الحارث، فضلا عن إعادة التاجر إليه وتثبيت ملكه، على أن يعبد للحارث في مقابل ذلك، المدن الإثني عشر التي كان قد أخذها أبوه من العرب، ويقبل الحارث العرض أملا في أن يوسع أملاكه على حساب يهوذا، إن لم يقدر له أن يوجه إليها الضربة القاضية، وهكذا يوجه الحارث جيشا قوامه خمسون ألف رجل لمهاجمة "أرسطو بولس" الذي سرعان ما يفر إلى القدس بعد هزيمة منكرة، فيتابعه الحارث إلى المدينة المقدسة، ويكاد يستولي عليها، لولا قيام الرومان بالهجوم على دمشق، ثم إرسال حملة عسكرية إلى القدس نفسها للتدخل في النواع القائم وقت ذاك، ولمنع الأنباط من الاستيلاء عليها٣. وهكذا يضطر الحارث إلى فك الحصار عن القدس، إلا أن "أرسطو بولس" -الذي نجح في أن يضم إليه قائد الحملة الرومانية- سرعان ما يتعقب الأنباط،

стр. 501

وهم في الطريق إلى "ربة عمون"١، وهناك عند "بابيرون Ppayron" دارت معركة بين الجانبين، انتصر فيها "أرسطوبولس"، وقتل ستة آلاف من أتباع الحارث٢. وفي عام ٦٢ق. م، بدأ الرومان يتحرشونب بالحارث النبطي، ورغم أنه قد صمم -بادئ ذي بدء- على أن يعلنها حربا شعواء على الرومان واليهود سواء بسواء، إلا أنه سرعان ما أدرك الحقيقة المرة، وهي أن جيشه ما كان في استطاعته أن يقف أمام جيوش الرومان الكثيرة العدد والعدة، والمدربة تدريبا يفوق تدريب جيوشه إلى حد كبير، ومن ثم فقد لجأ إلى مهادنة هذا العدو القوي الشرس، وتم الصلح بينهما على أن يدفع الحارث جعالة للرومان، واعتبر "بومبي" أن ذلك إنما هو خضوع من الأنباط للرومان، ومن ثم فقد وضع صورة الحارث في موكب نصره، كما أمر القائد الروماني "سكورس" أن تضرب النقود وعليها صورة الحارث، وهو منكس الرأس، وحاملا سعفه، تعبيرا عن استسلامه٣. وهكذا انتهت آمال الحارث في أن يرث مملكة السلوقيين في الشام، بخاصة وأن "بومبي" كان قد استولى على دمشق منذ عام ٦٤ق. م، بعد أن كان الحارث قد أخلاها منذ عام ٧٠ق. م، وإن رأى البعض أن الحارث قد احتفظ بدمشق في مقابل مبلغ ضخم من المال، وعلى أي حال، فإن "بومبي" قد ضم سورية الجغرافية

стр. 502

والتقليدية في ولاية واحدة وجعل من "أنطاكية" عاصمة لها١. وهناك في البتراء كتابة عليها اسم الحارث، دونها أحد قواده في "المدارس" -وهو معبد ذي الشرى إله الأنباط الكبير- هذا وقد كان الحارث مغرما بالحضارة الهلينيستية، ومن ثم فقد ترك الباب مفتوحا على مصراعيه للتأثيرات اليونانية، فهو أول من سك نقودا نبطية، اقتبس لها النموذج المعروف عند البطالمة، كما أتى بالصناع السوريين الذي أدخلوا النماذج الهلينستية إلى عاصمته، وربما كانوا هم الذين نحتوا الواجهة الجميلة المعروفة اليوم "بالخزانة"، كما يرجع أن المسرح- وهو بناء على الطراز اليوناني- قد بنى زمن الرومان، وهكذا بدأت البتراء تتخذ مظاهر مدينة هلينستية نموذجية، فكان فيها شارع رئيسي جميل، وعدة أبنية وعامة٢. وجاء بعد الحارث ولده "عبادة الثاني" الذي حكم في الفترة "٦٢-٦٠ق. م" على رأي، وفي الفترة "٦٢-٤٧ق. م" على رأي آخر، ولدينا من عهده نقد من الفضة من فئة "الدراخما"، يرجع إلى العام الثاني أو الثالث من حكمه، وقد صور الملك عليه بوجه حليق ورأس ذات شعر قصير، ويبدو أن سياسة الأنباط منذ أيام هذا الرجل كانت مقصورة على المحافظة على استقلالهم، والارتباط بالرومان بروابط الحلف والولاء، ومن ثم فقد شاركوا على أيام مالك الأول في حملة "يوليوس قيصر" على الإسكندرية في عام ٤٧ق. م، بفرقة من الفرسان، ساعدته على القيض على ناصية الأمور هناك، والخروج من المأزق الذي كان فيه٣. وجاء "مالك الأول"، وقد حكم في الفترة "٤٧-٣٠ق. م" على رأي، وفي الفترة "٥٠ أو ٤٧-٣٠ق. م" على رأي ثان، أو "٥٠-٢٨ق. م" على رأي ثالث، بل إن هناك من يذهب إلى أنه قد حكم بعد "الحارث الثالث" مباشرة

стр. 503

وأن ذلك إنما كان في الفترة "٦٢ق. م"١. وأيًّا ما الأمر، فإن التاريخ يحدثنا أن الأنواء قد عصفت بسفينة الأنباط على أيامه، ولم يكن ذلك بسبب يتصل بالرجل، بقدر ما كان يتصل بالتغييرات التي حدثت في "يهوذا"، ذلك أن الرومان كانوا قد عهدوا بأمور الشرق إلى "مارك أنطونيو" "٤-٣٦ق. م" الذي عمل على القضاء على سلطة المكابيين، وإقامة سلطة أخرى من الأدوميين على رأسها "هيركانوس" إلا أن زمام الأمور إنما كان بيد "انتيباتر"، وما جاء عام ٣٧ق. م، حتى أصبح "هيرودوس" بن "انتيباتر" ملكًا على أورشليم، واستمر كذلك حتى عام ٤ق. م، وبعد نحو عامين من مولد السيد المسيح ﵇، الذي رأى العلماء أنه كان حوالي ٦-٢ق. م" إلا أن "هيرودوس" كان طوال تلك الفترة أداة طيعة في أيدي الرومان الذين نصبوه ملكًا على اليهودية٢. وفي تلك الأثناء كانت العلاقات بين الروم والنبط قد تدهورت إلى حد كبير، ربما بسبب امتناع الأنباط عن دفع الجزية للرومان، وربما لأن النبط قد وقفوا إلى جانب الفرس عندما أرادوا الاستيلاء على فلسطين، وأيًّا ما كان السبب، فإن الروم، -وقد انتصروا على الفرس- بدءوا يتجهون نحو النبط، ومن ثم فقد أجبروهم حوالي عام ٤٠ق. م، على دفع جزية كبيرة، ثم زاد الموقف تعقيد عندما منح "مارك أنطونيو" جزءًا كبيرًا من فينيقيا وسورية، فضلا عن بلاد الأنباط، إلى "كيلوبترا" ملكة مصر، جزءًا كبيرًا من فينيقيا وسورية، فضلا عن بلاد الأنباط، إلى "كيلوبترا" ملكة مصر، كما بايع ولده منها -ويدعى بطليموس- ملكًا على سورية، وهكذا أصبحت "كليوبترا" صاحبة الحق في جزية الرومان من الأنباط، غير أن النبط قد امتنعوا عن دفع الجزية لملكة مصر، ومن ثم فقد طلبت كليوبترا من مارك أنطونيو الإسراع في تأديب الأنباط. وكانت سياسة "كيلوبترا" تهدف إلى السيطرة على بلاد العرب الشمالية، فضلا عما منحه إياها "أنطونيو" من أجزاء في فينيقيا وسورية، ومن ثم فقد أرادت

стр. 504

التخلص من ملكي العرب واليهود على السواء، وهكذا شجعت "هيرودوس" ملك اليهودية على محاربة الأنباط، ويبدو أن "هيرودوس" كان ينتظر هذه الفرصة، ومن ثم فقد أسرع بشن هجوم على الأنباط عند "اللد" وما أن يتم له النصر هنا، حتى يسرع بالهجوم عليهم مرة أخرى عند "قنا" في البقاع، ويكاد ينتصر عليهم، إلا أن موازين النصر سرعان ما تغيرت إلى جانب النبط، فقتلوا عددًا كبيرًا من جيشه، وأسروا آخرين، وفر "هيرودوس" إلى القدس١. وهنا بدأ "هيردوس" يعد العدة لجولة أخرى، بخاصة وأن النبط بدءوا يهاجمون مدنه، مما أدى إلى قيام سلسلة من المعارك تبادل فيها الجانبان النصر النصر والهزيمة، فضلا عن الخسائر في الرجال والمعدات، ويزعم المؤرخ اليهودي يوسفيوس أن النصر كان في النهاية إلى جانب، وذلك حين جمع هيرودوس قواته وأعاد تنظيمها، فعبر الأردن، والتحم مع الأنباط في معركة ضارية عند "عمان" فأنزل بهم خسائر فادحة، فاقت خمسة آلاف قتيل، وأربعة آلاف أسير، فضلا عن سبعة آلاف أخرى لقوا حتفهم بأيدي اليهود، حينما حاولوا الفرار من الحصار، وكان نتيجة ذلك كله أن اضطر الأنباط إلى دفع جزية لـ "هيرودوس"، وإذا كان ما زعمه المؤرخ اليهوديب صحيحًا، أو حتى قريبًا من الصواب، فليس هناك من ريب في أن قوة هيرودوس لم تكن وراء هذه الانتصارات، وإنما كان السبب قوة الرومان الطاغية، وجنود الأنباط غير المدربين٢. وجاء "عبادة الثالث" "٣٠-٩ق. م"، وربما لقى ميتة عنيفة على يد وزيره صالح "سيليئوس" الذي لقى نفس المصير في روما حوالي عام ٥ق. م٣، وعل أي حال، فإلى عهد هذا الملك ترجع الحملة الرومانية على اليمن بقيادة "إليوس

стр. 505

جالليوس"- الأمر الذي أشرنا إليه من قبل- وإنه لمن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هناك كتابة أثرية على تمثال لـ"عبادة الثالث" هذا، تصفه "بالإلهي"، مما يدل على أن الأنباط كانوا يؤلهون ملوكهم بعد الموت١، وربما كان الأنباط في ذلك يقلدون السلوقيين الذين لقبوا أنفسهم بلقب "ديوس Deos" أي "الإله". وخلف عبادة الثالث على عرش الأنباط "الحارث الرابع"، لمدة تقارب نصف القرن من الزمان "٩ق. م-٤٠ق. م" وقد حمل لقب "رحم عم" أي المحب لأمته، ولقب "ملك النبط"٢، ورغم أن الرجل كاد أن يفقد عرشه حين تولاة دون إذن من "أغسطس" "٢٧ق. م-١٤م"، قيصر روما، إلا أن عهده كان عهد رخاء وسلام، تابع فيه نشر الحضارة الرومانية، كما كانت علاقاته بجيرانه اليهود في بادئ الأمر طيبة، ومن ثم فقدزوج ابنته من "هيرودوس" حاكم اليهودية،، وابن هيرودوس الكبير، إلا أن هيرودوس قد تجرأ بعد حين من الدهر، فطلق ابنة الحارث الرابع، ليتزوج من راقصة كانت السبب في مقتل "يوحنا المعمدان". ونقرأ في الإنجيل أن هيرودوس أراد أن يتزوج من "هيروديا" أمراة أخيه "فيلبس"، إلا أن يوحنا المعمدان قد أفتى بغير ذلك، ومن ثم فقد قرر هيرودوس التخلص منه، غير أنه خشي غضب القوم "لأنه كان عندهم مثل نبي"٣، ومن ثم فقد اكتفى بإلقائه في غياهب السجون، وتنتهز هيروديا فرصة عيد ميلاد هيرودوس فتتفق مع ابنتها "سالومي" على أن ترقص شبه عارية لعمها الملك، وحين تنتهي من رقصتها، ويفتن الملك بها، تطلب منه أن يعطيها رأس يوحنا في طبق، وتفعل سالومي ما أرادت أمها، وهنا يضطر الملك إن تنفيذ رغبتها، بناء على وعد منه أن يعطيها ما تريد، أيا كان هذا الذي تريد٤.

стр. 506

والأمر بهذه الصورة يحتاج إلى وقفة، "فأولا" ليس هناك من شك في أن يوحنا المعمدان "يحيى ﵇" نبي من أنبياء الله المصطفين الأخيار، "وثانيًا" لماذ يمنع يوحنا هذا الزواج، ومبلغ علمي أن اليهودية -دين هيرودوس- لا تمنع ذلك بل تفرضه على المؤمنين بها، كما تفرض كذلك أن ينسب الأبناء من هذا الزواج الجديد إلى الأخ المتوفى١، فإذا كان ذلك صحيحًا، فإن المسيحيين إنما يفسرون الأحداث طبقًا لتعاليم دينهم، وما كان هيرودوس مسيحيا، وإنما كان ملكًا يهوديا على دولة يهودية، فالتاريخ حتى تلك اللحة لا يتعامل مع ملوك، أو حتى شعوب مسيحية، كما أن يحيى -أو يوحنا المعمدان- كما يسمونه- لم يكن نصرانيا، حتى يفتي بشريعة النصارى، إلا أن يكون السبب الوسيلة التي تزوج بها "هيرودوس" من "هيروديا"، حيث تذهب بعض الروايات إلى أنه قتل أخاه "فيلبس" زوج هيروديا. وأيًّا ما كان الأمر، فإن الحرب سرعان ما تدق طبولها بين اليهود والأنباط، ولكن ليس بسبب قتل النبي الكريم، وإنما بسبب زواج هيرودوس بأرملة أخيه، وطلاق ابنة الحارث الرابع، فضلا عن اختلافهما على بعض مناطق الحدود، وهكذا نشبت المعارك بينهما، وانتهت بانتصار الحارث في "جلعاد"، ومن ثم فقد استنجد "هيرودوس" بالقيصر "تيبيريوس" "١٤-٣٧م" الذي أمر عامله في سورية بالقضاء على الأنباط، ولكن بينما كان القوات الرومانية تتحرك نحو "البتراء" تأتي الأخبار بوفاة القيصر، فتتوقف الحرب، وينجو الحارث الرابع، بل وتسوء حالة "هيرودوس"، فيضطر الرومان إلى تنحيته عن العرش، ونفيه إلى أسبانيا٢. وإذا ما عدنا مرة أخرى إلى الإنجيل، فإننا نقرأ أن دمشق كانت في يد الحارث

стр. 507

الرابع، وأن عامله هو الذي سعى إلى القبض على بولس الرسول، الذي استطاع أن ينجو منه بأن تدلى من طاقة في زنبيل من السور١، وأما متى خضعت دمشق للحارث، فربما كان ذلك حوالي عام ٣٧م، وإبان الحرب التي استعر اوراها بينه وبين هيرودوس٢، وربما بقيت تحت سيادة الأنباط، في مقابل مبلغ بدفعونه للرومان. وهناك عدد من النقوش جاء فيها ذكر الحارث الرابع، ومنها "١٩٧-٢١٦K٣٥٤ Cih ١١١٦٠"، وترجع في تواريخا إلى السنوات، الخامسة والتاسعة والثالثة عشرة والتاسعة والعشرين والأربعين والثالثة والأربعين، من حكم هذا الملك، وهي نصوص تتحدث في أمور دينية مرة، وفي أمور شخصية مرة أخرى، وتذكر أسماء بعض الأفراد مرة ثالثة، ومنها عرفنا أسماء بعض آلهة الأنباط مثل "دوشرا" و"منوتو" "مناة" و"قيشح"٣، وقد وصف الحارث في بعضها بـ "رحم عم" أل المحب لأمته، كما جاء في بعضها أسماء بعض أفراد الأسرة المالكة، مثل "شقيلة" ملكة الأنباط وزوج الحارث، ومالك وعبادة ورب إيل، فضلا عن مجموعة أسماء كانت شائعة عند العرب قبل الإسلام، مثل كهلان ووعلان وسعد الله ومرة وسكينة وحميد وحوشب وخلف وقين وتيم الله وجهلمة وعميرة ووهب٤. وخلف "مالك الثاني" "٤٠-٧١ أو ٧٥م" أباه الحارث الرابع٥، ويبدو أن الأنباط قد فقدوا على أيام هذا الرجل مدينة دمشق، وإن كانت مجاوراتها من الناحية الشرقية والجنوبية الشرقية ظلت تحت السيادة النبطية٦، هذا وقد وصلتنا من عهد مالك الثاني عملات فضية وبرونزية، نقشت عليها صورته وصورة زوجته

стр. 508

التي وصفت بأنها "شقيقة الملك"، مما يشير إلى أن بعض الملكات كن زوجات شقيقات للملوك الحاكمين، متبعين في ذلك عادة البطالمة، والذين نقولها بدورهم عن الفراعنة، وتشير كتابة أثرية على تمثال للملك عبادة بأن إحدى زوجات الحارث كانت أخته كذلك١، ولعل ذلك كله -بجانب ظهور التماثيل النصفية المزدوجة للزوجين منذ عهد عبادة الثالث، وحتى نهاية عهد الملكية، يشير إلى أن المرأة النبطية، إنما قد وصلت إلى منزلة رفيعة في أثناء عهد الملكية. وهناك ما يشير إلى أن الملك النبطي قد اشترك بفرقة من جيشه -بلغ عددها خمسة آلاف من المشاة، فضلا عن ألف من الفرسان، في الهجوم الذي شنه "تيتوس" في عام ٧٠م على أورشليم، والذي انتهى آخر الأمر بتدمير المدينة المقدسة، وبانتهاء اليهود ككيان سياسي له وزن في فلسطين٢. وجاء بعد مالك الثاني ولده "رب إيل" الثاني "سوتر Soter" وقد حكم في الفترة "٧٠-١٠٦م" أو "٧٥-١٠١م"٣، ويبدو أن حكمه كان تحت وصاية أمه "شقيلة"، وأن أخاه "أنيس "أنيشو" كان يساعد أمه في شئون الحكم، وحينما بلغ الملك الصبي رشده، تزوج من أخته "جميلة" التي نقشت صورتها بجانب صورته على إحدى العملات واستقل بالحكم٤، ويبدو أنه هو الذي وصف بأنه "الذي جلب الحياة والخلاص لشعبه"٥. ويبدو أن الظروف السياسية بدأت تتغير عند وفاة "رب إيل الثاني"، ذلك أن الإمبراطورية الرومانية التي كانت قد ابتلعت الدويلات الصغيرة في سورية وفلسطين، بدأت تعد العدة لجولة فاصلة مع "الفريتيين"، ومن ثم فقد بدأ القادة الرومان يرون ضرورة إخضاع كل الدول التي كانت تفصل بينهم وبين أعدائهم، وهكذا أمر "تراجان" "٩٨-١١٧م" نائبه في سورية "كورنيليوس بالماء" في عام ١٠٦م، بأن يزحف على البتراء، وأن يضم دولة الأنباط إلى الإمبراطورية الرومانية، وهكذا

стр. 509

أصبحت تعرف فيما بعد باسم "المقاطعة العربية Provincia"، وغدت "بصرى"١ عاصمة لها، بينما أخذت البتراء تتضاءل شيئا فشيئا، حتى أصبحت في القرن الثالث الميلادي مجرد مكان ضيئل الشأن، وإن احتفظت بمكانها كمركز ديني مسيحي مهم٢. على أن نشاط الأنباط الاقتصادي -رغم ضياع نفوذهم السياسي- لم يتوقف، وظلوا يمارسون التجارة وقيادة القوافل بين مصر وبلاد العرب وموانئ البحر الأحمر، وبخاصة تلك التي تواجه السواحل المصرية، كما تدلنا على ذلك كتابات نبطية من سيناء ومن داخل مصر، ومنها تلك الكتابة، التي ترجع إلى عام "٢٦٦م"٣، وأخيرا فإن بعضا من المستشرقين إنما يظن أن "عرب الحويطات" القاطنين في منطقة "حسمى" في شمال الحجاز، إنما هم من بقايا النبط٤.

стр. 510

البتراء: تعد البتراء واحدة من أشهر مدن العالم القديم، كانت عاصمة لأدوم١، ثم صارت لمؤاب٢، ومن بعدهم أصبحت عاصمة للأنباط، وتقع إلى الشرق من وادي عربة، في منتصف المسافة تقريبا بين رأس خليج العقبة والبحر الميت، أو على مبعدة خمسين ميلا إلى الجنوب من البحر الميت٣. والبتراء: كلمة يونانية تعني الصخر٤، ولعلها ترجمة للكلمة العبرانية "سلع" التي جاءت في التوراة٥، والتي كانت تطلق على البتراء من قبل٦.

стр. 511

كما تعني كذلك "الشق في الصخر"، وربما كانت التسمية العبرية أكثر دقة؛ لأن مدخل البتراء يتسم بوجود أخدود عميق بين جبلين يعرف باسم "السيق"، ولعله لفظ نبطي متوارث، حرفه الناس عن "الشق" في السبئية القديمة١، وعلى أي حال، فإن العرب قد عرفوا هذه التسمية كذلك، وقد ذكر ياقوت بأن "سلع" حصن بوادي موسى ﵇ بقرب بيت المقدس٢. وأما الاسم العربي للبتراء فهو "الرقيم"، وربما هو اسم ثان للبتراء كان الإغريق يعرفونها به هو "Arke" فحرفه العرب إلى الرقيم، وربما أرادوا بالرقيم "خزانة فرعون" بالذات٣، وأما اسمها الحديث فوادي موسى٤. ونقرأ في التوراة أن "أمصيا" "٨٠٠-٧٨٣ق. م" قد خلف أباه "يهواش" على عرش يهوذا، وأنه حاول أن يسترد أدوم وسلع، وقد نجح في الاستيلاء على الأخيرة، ومن ثم فقد أطلق عليها اسم "يقتئيل" بمعنى "الخاضع لله"٥. وقد وصف "سترابو" البتراء بأنها عاصمة الأنباط، ولا تبعد عن أريحا إلا بأربعة أيام، وعن غابة النخيل بخمسة أيام، وهي موضع غني بالمياه، بل ربما كانت هي البقعة الوحيدة بين نهر الأردن وأواسط بلاد العرب، التي كان يوجد فيها الماء الصافي بكثرة، هذا ويشير سترابو كذلك إلى سكنى بعض الأجانب في المدينة، ومنهم جمع من الروم٦. ولقد ازدهرت البتراء في أخريات القرن الرابع ق. م، واستمرت كذلك حوالي أربعة قرون، كانت تشغل في أثنائها مركزا خطيرا على طريق القوافل، الذي يقطع

стр. 512

الصحراء واصلا بين سبأ في الجنوب، وثغور بحر الروم في الشمال١، ويبدو أن ملوك الأنباط في أخريات أيام دولتهم قد أقاموا في أكثر الأحايين في "بصرى"، ثم جاء الغزو الروماني للمدينة في عام ١٠٥م "أو١٠٦م"، فنقل مركز الثقل بصفة نهائية إلى بصرى، وسرعان ما أخذت أهمية المدينة تتضاءل شيئا فشيئا، حتى أصبحت في ذمة التاريخ، وأخيرا كشف عنها "بوركهارت" في عام ١٨١٢م٢. ولعل أهم آثار البتراء "خزانة فرعون" المنحوتة في الصخر، ومعبد ربما بني في القرن الأول قبل الميلاد، ويشبه إلى حد ما الكعبة في الجاهلية، حيث كان يضم عدة أصنام على رأسها "دوشرا" "ذو الشرى"، وكان يعبد على شكل حجر أسود مستطيل، ويعتبر إله الكرمة، وقد جئ به إلى أرض الأنباط في الحقبة الهلينية فاكتسب صفات "ديونيسوس"، أما سيدة الآلهات عندهم فهي "اللات" التي اعتبرها "هيرودوت" "أفروديت"، هذا وهناك كذلك "النجر" وهو جبل مقدس، تمتد على مقربة منه مذابح لتقديم القرابين٣. وأخيرا، فلعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن مولانا وسيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حينما خرج في السنة السادسة من الهجرة لغزو بني لحيان، سار على غراب "جبل بناحية المدينة على طريق الشام" ثم على مخيض ثم على "البتراء"٤، هذا فضلا عن أن ابن إسحاق قد ذكر من بين مساجد رسول الله ﷺ مسجد بطرف البتراء٥.

стр. 513

الفصل الخامس عشر: اللحيانيون يختلف المؤرخون في أصل اللحيانيين هؤلاء، فمنهم من يرى أهم فرع من ثمود١، بينما يرى آخرون أنهم من شعوب العربية الجنوبية، بدليل ورود اسم لحيان في نص عربي جنوب٢، وربما كان السكان يتألفون من طائفتين أولاهما من أهل البلاد الأصليين، والثانية هي الجالية السبئية التي هاجرت من جنوب بلاد العرب، وربما يفسر لنا هذا اضطراب التوراة بالنسبة إليهم فهي تعتبر "ددان" تارة من الكوشيين من جنوب بلاد العرب، وتارة أخرى من الساميين من ولد إبراهيم من زوجته قطورة٣. وكانت العلا "أو الخريبة وهي جزء منها" مركزا للحيانيين، وهي على أي حال مستعمرة معينية قديمة، كما أنها القاعدة الشمالية القصوى للحضارة العربية الجنوبية، وتقع في وادي القرى جنوب شرق حرة العويرض بين سلسلة من الجبال في الشرق والغرب، وعلى مبعدة حوالي ١٥ ك م إلى الجنوب من مدائن صالح، وكانت تسمى على أيام النبي ﷺ وادي القرى، وأما الاسم القديم فهو "ددان" "ديدان" -كما جاء في التوراة وفي النصوص المعينية- وقد اختلف العلماء في مدلول هذه الكلمة، فمنهم من رأى أنها اسم للمكان نفسه، ومنهم من حاول أن

стр. 514

يقرن بين هذا الاسم وبين اسم الإله "دد"، الذي كان يعبد لدى الساميين الشماليين١ وقد اختلف الباحثون فيمن حكم هذه المنطقة أولا: أهم الديدانيون أم المعينيون أم اللحيانيون؟، فذهب فريق إلى أن الديدانيين إنما كانوا هم السابقون، وأنهم قد حكموا فيما بين القرنين السادس والخامس ق. م، على رأي، وفي حوالي عام ٥٠٠ق. م على رأي آخر، وفي عام ١٦٠ق. م، على رأي ثالث، ثم جاء المعينيون وانتزعوا الحكم منهم٢، على أن فريقا آخر إنما يذهب إلى أن المعينيين إنما كانوا هم السابقون، وأن اللحيانيين قد ورثوا سلطتهم هناك، مكونين دولة مستقلة -هي دولة لحيان٣- والتي امتد نفوذها على الأرض الممتدة غربي النفود، من شمال يثرب إلى ما يحاذي خليج العقبة٤، بل إن هناك من يرى أنها قد امتدت حتى شملت نجدا ووصلت إلى الأحساء، ويعتمد أصحاب هذا الاتجاه على محاولة الجمع بين اسم الإله "ذو حرج" -وهو أحد معبودات اللحيانيين- وبين إله مدينة "الخرج"، على أساس أن مدلول الكلمتين واحد، وهو الخصوبة وكثرة المياه، ولكن توارد الأسماء متشابها بين مكان وآخر، وبين معبود واسم مكان، لا يمكن أن يقوى كدليل على اتساع مملكة لحيان، ومع ذلك، فليس من المستبعد أن يكون نفوذها التجاري قد اتسع حتى شمل هذه المنطقة، كما لا يستبعد كذلك وجود جاليات لحيانية عاشت فيها حفاظا على الطريق التجاري في شمال الحجاز، أما اتساع مملكة لحيان شمالا، فمن المحتمل أن يكون قد وصل إلى البتراء، إذا

стр. 515

أخذنا تسمية خليج العقبة بخليج لحيان في الاعتبار١، والذي حرف فيما بعد إلى "لات" أو "إيلات"٢. وعلى أي حال، فإن تسمية خليج العقبة باسم "خليج لحيان"، إنما يدل على أن لحيان أو اللحيانيين -والذين ذكرهم "بليني" تحت اسم "لخيني"٣- لم يكونوا يسيطرون على طريق التجارة البري فقط، بل كانوا يسيطرون كذلك على الطريق البحري إلى "إيلات"، وأن البحارة والتجار الإغريق كانوا يدفعون الجزية للجباة من لحيان٤. وكانت تجارة اللحيانيين مع مصر في الدرجة الأولى، ومن ثم فقد كانت علاقاتهم بها جدا وثيقة، فتأثروا بالثقافة اليونانية التي كانت منتشرة في مصر وقت ذاك، حتى أنهم سموا ملوكهم بأسماء يونانية مثل "تخمى" و"بتحمي" و"تلمى" التي أخذت من بطليموس٥، بل إن هناك من يذهب إلى أن الدولة نفسها، إنما قامت على أيام بطليموس الثاني "٢٨٤-٢٤٦ق. م"، وبتشجيع من الحكام المصريين أنفسهم، وذلك للضغط على الأنباط٦، الذين كانوا في منافسة تجارية مع البطالمة -كما أشرنا من قبل- انتهت بسيطرة مصر على الساحل العربي للبحر الأحمر. هذا وقد اختلف المؤرخون في التأريخ لدولة لحيان، فذهب فريق إلى أنها إنما كانت فيما بين بداية القرن الخامس ونهاية القرن الثالث ق. م٧، وذهب فريق آخر إلى أنها إنما كانت فيما بين القرن الثاني قبل الميلاد "حوالي عام ١٦٠ق. م"٨ وبين نهاية القرن الثالث بعد الميلاد٩، بل إن الذين ذهبوا إلى أنها إنما كانت بتشجيع

стр. 516

البطالمة، حددوا الفترة ما بين عامي ٢٨٠، ٢٠٠ قبل الميلاد لقيامها١، وأن نهايتها إنما كانت على يد الأنباط استولوا على "الحجر" في عام ٦٥ق. م، و"ديدان" في عام ٩ق. م٢، وربما كان سندهم في ذلك شاهد قبر عثر عليه في العلا، يرجع إلى أيام الملك النبطي الحارث الرابع "٩ق. م-٤٠م" وكذا عدم إشارة "سترابو" إلى مملكة لحيانية في أثناء حديثه عن حملة "إليوس جالليوس" إلى اليمن في عام ٢٤ق. م، فضلا عن أن حديثه عن دولة الأنباط قد يشير إلى أن دولتهم قد امتدت حتى يثرب٣. وعلى أي حال، فإن هناك من يرى أن نهاية دولة لحيان إنما كانت على أيدي المعينيين، وأن ذلك كان فيما بين نهاية القرن الثالث، والقرن الأول قبل الميلاد، وإن كان هذا لا يعني نهاية اللحيانيين، فإن هناك -في رأي هذا الفريق من العلماء- اتفاقا بين الطرفين على أن يكون للمعينيين إدارة النواحي التجارية، وللحيانيين الناحية الإدارية وتنظيم شئون الحكم، ويستدل على ذلك من أن شخصية معينية قدمت قربانا للمعبود اللحياني، ذو غبت" "صاحب الغابة"، وإن كنا لا نستطيع أن نستدل من ذلك على استمرار دولة لحيان، فأمر كهذا لا يعني أكثر من أن بعض الولاة إنما يقومون بمشاركة الشعب الذي يحكمونه، وخاصة إذا ما كان مفهوم هذا المعبود مع مفهوم أحد معبودات الحاكم في العصور القديمة٤. هذا وقد عثر في العلاء على ما يقرب من أربعمائة نقش لحياني، غير أن الكثرة المطلقة منها عبارة عن مخربشات صغيرة، وبعضها -كما هو الحال في النقوش المعينية الشمالية- عبارة عن أجزاء صغيرة من نقوش، وجدت في غير أماكنها الأصلية، وقد استخدم القوم حجارة هذه النقوش أخيرا كموا للبناء، حيث نجدها في جدران المنازل وأسوار الحدائق في العلا الحالية، ومن ثم فنصوص هذه أوضاعها

стр. 517

لا يمكن الإفادة منها كثيرا، لذا لم يتمكن إلا قليل من العلماء من ترجمة بعض جملها، وإن كان من حسن الحظ أننا وجدنا فيا بعض أسماء الملوك والآلهة، فضلا عن الفائدة اللغوية والثقافية لهذه النقوش١. وأما الكتابة اللحيانية، فكتابة محلية حروفها سامية جنوبية، وقريبة جدا من الكتابة العربية الجنوبية والحبشية، أما اللهجة فعربية شمالية، وهي أيضا سامية جنوبية، وأما عصرها، فلن يكون أحدث من القرن الخامس أو السادس ق. م، وعلى أي حال، فرغم أن البعض يعتقد أنها مسيحية، فمن الثابت أنها عربية جاهلية وضعت قبل ظهور الإسلام٢. وقد قدمت لنا هذه النقوش بعض أسماء ملوك لحيان، منها "هنوس بن شهر" و"ذو أسفعين تخمى بن لوذان" الذي يرجع حكمه إلى النصف الأول من القرن الأول قبل الميلاد، وقد أنشأ بيتا للإله "ذو غابت" إليه لحيان، كما نعرف من النص "Js ٨٥" الذي يذكر كذلك الملك "شامت جشم لن لوذان"٣. ونقرا في النص"Js ٨٥" أن معبد المدينة قد أصيب بهزة أرضية في عهد الملك "منعى لوذان بن هانؤاس"- والذي حكم فيما بين عامي ٣٥-٣٠ق. م، فيما يرى كاسكل -وقد كانت تلك الهزة من القوة بحيث سقط سقف المعبد على أعضاء مجلس المدينة "هجبل -هاجبل" الذين كانوا مجتمعين في المعبد وقت الحادث، ثم قتل أكثرهم، وأن القوم لم يتمكنوا من إعادة بناء المعبد، إلا بعد فترة طويلة، فيما بين عامي ١٢٧، ١٣٤م، مما يدل على الحالة الإقتصادية السيئة التي كانت تمر بها البلاد، فضلا عن الإضطرابات، وضعف الحكومة٤. ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذا المعبد، الذي يقع في الخريبة الحالية، والذي أشار إليه "جوسين وسافينياك" قد وجدت فيه تماثيل بطول الإنسان لملوك لحيان، كسر بعضها أهل العلا أنفسهم، وأنقذ البعض الآخر، وإن كنا لا نعرف مكانها الآن، وعلى أي حال، فهذه التماثيل متأثرة بالنحت الفرعوني في النصف

стр. 518

الأعلى من الجسم، ومن حيث اللبس، ولكنها تحمل الطابع العربي المتمثل في شكل الوجه، وما وضع على الرأس مما يشبه العقال والعمامة١. ويذهب "كاسل" إلى أن الأنباط قد استولوا على "الحجر" في عام ٦٥ق. م، ثم ساروا منها إلى "تيماء" ثم قطعوا كل اتصال للحيانيين بالبحر، فاستولوا على ميناء "لوكي كومة" التابع للحيانيين، وأحاطوا بهم من كل الجهات، كما يبدو أن الطريق التجاري قد غير اتجاهه بفعل النبطيين في جنوب الحجر، فكان يمر على مسافة سبعة كيلات إلى الشرق من واحة ديدان القديمة، وهكذا تم القضاء على البقية الباقية منها، ثم أخضعوها لنفوذهم، وإن عاد السلطان مرة أخرى للحيانيين بعد سقوط البتراء على أيدي الرومان في عام ١٠٦م٢، والذين مدوا نفوذهم إلى منطقة تبعد عشرة كيلو مترات إلى الشمال من ديدان٣. على أن الأمر، إنما كان جد مختلف بالنسبة إلى سلطة الملوك، إذ انتقلت سلطاتهم إلى مجلس المدينة، ومن ثم فقد بدأ القوم لايهتمون كثيرا بتسجيل أسماء الملوك في كتاباتهم٤، بل إن النصوص من هذه الفترة إنما تدل على اضطراب في الأمور، وعلى حكم غير مستقر، وعلى سلطة غير وطيدة الأركان، ويذهب "كاسكل" إلى أن النصوص قد تشير كذلك إلى هجوم حبشي على طول سواحل البحر الأحمر العربية٥، يرى بعض العلماء أنه ربما وقع على أيام ملك أكسوم "Sembruthes" فيما بين نهاية القرن الرابع، وبداية القرن الخامس الميلادي٦. هذا وقد عثر على كتابات عبرية ونبطية في وادي "ددان" "ديدان في الترجمة السبعينية٧، ترجع إلى حوالي عام ٣٠٠م، وما بعدها، مما يدل على أن قوما من يهود، فضلا عن قوم من النبط، أو ممن يتكلمون بالنبطية، قد استقروا في هذه المنطقة، وعلى أي حال، فإن اليهود كانوا قد بدءوا يهاجرون إلى الحجاز منذ

стр. 519

القرن الأول والثاني بعد الميلاد، حتى إذا كان معظم سكان وادي القرى إلى يثرب من يهود١. وأما الدين اللحياني، فهو دين عربي جنوبي، كما يتبين من أسماء الآلهة وأسماء الأفراد، ومن ثم فإننا نجد إلى جانب الأسماء السامية المشتركة لبعض المعبودات -مثل "إل" أسماء آلهة سامية جنوبية مثل "ود وسميع ونسر ومناة"، أما كبير الآلهة اللحيانية فهو "ذو غابت"، وقد كان له معبد عثر على أنقاضه في خرائب المدينة، كما عثر على اسم إله آخر هو "سلمان" الذي كان يكنى "أبا إيلاف"، وهو إله القوافل التي كان يتولى حمايتها وحراستها في ذهابها وإيابها، وهناك كذلك الإله "كاتب"، والذي يرى فيه "كاسكل" الإله المقابل للإله "تحوت"، إله الكتابة والحكمة عند المصريين القدامى٢. وعلى أي حال، فلقد انتهت دولة اللحيانيين في فترة لا نعرفها على وجه التحقيق، بل لا نعرف كذلك كيف انتهت، ومن الذي قضى عليها، وإلى أين ذهب اللحيانيون بعد سقوط دولتهم، فربما عاد معظمهم إلى البادية، واندمج في قبائلها٣، وربما اتجه فريق منهم -كما تذكر المصادر العربية- إلى العراق، وتركزوا في الحيرة، ومن هنا رأى البعض أن "أوس بن قلام" منهم، وأنه حكم الحيرة حينا من الدهر٤، وربما بقوا في نفس منطقتهم، كما نفهم من الأحداث التي جرت عند ظهور الإسلام. ويروي الأخباريون أن القوم من "بني لحيان بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر"، فهم عدنانيون، كانوا ينزلون في شمال شرقي مكة، ويبدو أنهم لم يكونوا من القبائل القوية عند ظهور الإسلام٥. وتروي المصادر العربية أن اللحيانيين كانوا على خلاف مع الرسول -صلى الله

стр. 520

عليه وسلم- في بدء الدعوة، وأنه -صلوات الله وسلامه عليه- قد قام بغزوهم في السنة السادسة من الهجرة "٦٢٨م" في ديارهم، بين أمج وعسفان، فاعتصموا برءوس الجبال، وهجم الرسول ﷺ على طائفة منهم على ماء لهم يقال له "الكدر" فهزموا وغنم المسلمون أموالهم١، وربما كان ذلك بسبب غدرهم "بمرثد بن أبي مرثد الغنوي" وصحبه، فيما عرف بغزوة الرجيع في السنة الرابعة من الهجرة٢ "٦٢٥م".

стр. 521

الفصل السادس عشر: التدمريون ١- مدينة تدمر وتطورها التاريخي: تقع مدينة تدمر على مبعدة ١٠٠ كيلو مترا من حمص، ١٥٠ كيلو مترا إلى الشمال الشرقي من دمشق، في منتصف المسافة تقريبا بين دمشق والفرات١، ومن ثم فقد كانت موقعا مهما على الطريق التجاري بين العراق والشام، بل كانت نقطة التقاء التجارة القادمة من أسواق العراق، وما يتصل بها من أسواق في إيران والهند والخليج والعربية الشرقية، وبين تلك التي على البحر المتوسط، وبخاصة في الشام ومصر، فضلا عن اتصالها بالعربية الغربية وبأسواقها الغنية بأموال إفريقيا والعربية الجنوبية والهند، وهكذا أصبحت "تدمر" ملتقى جميع القوافل، وبخاصة فيما بين القرن الأول قبل الميلاد، وعام ٢٧٣م، ومن ثم فقد وجد في نقوشها عبارة "زعيم القافلة" و"زعيم السوق"، باعتبار أن المشار إليه من زعماء المواطنين٢. واسم "تدمر" اسم سامي، يرجع ظهوره للمرة الأولى إلى أيام الملك الأشوري "تجلات بلاسر" الأول "١١١٦-١٠٩٠ق. م" في صورة "تدمر أمورو"٣، وأما إسم "تدمر" فهو النطق الآرامي لكلمة "تتمر" العربية، ومعناها المدينة التي

стр. 522

يكثر فيها التمر والنخيل١، وإن كنا على غير يقين من اشتقاق كلمة "تدمر"، وربما كان لها صلة بكلمة، "تدمورتا Tedmorta" السريانية، ومعناها "يعجب من"٢. وقد ورد اسم "تدمر" في المصادر اليهودية، فكاتب الحوليات العبراني يسجل في التوراة، أن سليمان قد بنى مدينة تدمر في البرية٣، والأمر كذلك بالنسبة إلى المؤرخ اليهودي "يوسف بن متى"٤، وليس من شك في أن وجهة النظر اليهودية هذه خاطئة؛ ذلك لأن المدينة -كما أشرنا آنفا- إنما ذكرت في الوثائق الآشورية قبل أن يولد سليمان نفسه، وبفترة تسبق ما دون في التوراة بشأنها، بأكثر من سبعة قرون٥. ومن هنا فقد رأى العلماء أن الرواية التي تذهب إلى أن سليمان هو الذي بنى تدمر، إما إنها أرادت تعظيم شأن مملكة سليمان كعادة الروايات اليهودية -وكأن مكانة النبي الكريم لا تأتي إلا ببناء المدن واتساع مملكته، وليست برسالته السماوية- ومن ثم فقد نسبت إليه بناء هذه المدينة، التي تقع في منطقة بعيدة عن حدود دولته إسرائيل٦، وأما أن هناك خطأ وقع فيه كاتب الحوليات العبراني حين خلط بين "ثامار" التي أسسها سليمان، وهي موضع جاء ذكره في سفر حزقيال٧، ويقع إلى الجنوب الشرقي من "يهوذا" وإن كنا لا ندري موقعه الآن على وجه التحقيق٨، وربما كانت الشهرة التي اكتسبتها "تدمر" على أيام كتبة الأسفار العبرانيين هي السبب في نسبة بنائها إلى النبي الكريم، ومن ثم فقد ذهب هؤلاء الكتبة إلى أن المدينة

стр. 523

التي بناها سليمان، ليست هي "ثامار"، وإنما "تدمر" والتي كانت مدينة عامرة، بسكانها، وذات شهرة في مجاوراتها فيما بين عامي ٣٠٠، ٢٠٠ق. م١. وأما الاسم اليوناني للمدينة فهو "بالميرا Paimya"، وهي ترجمة لكلمة "ثامار" العبرية، وتعني مدينة النخيل، وإن كان هناك من يرى أن كلمة "Paimyra" من كلمة "Paima" بمعنى النخل حتى الآن في بعض اللغات الأوربية، وأن الإسكندر المقدوني هو الذي أطلق عليها اسم "Paimyra" بعد أن استولى عليها، بسبب ما يكتنفها من غابات النخيل، ومن ثم فقد عرفت عند اليونان واللاتين بهذا الاسم، وهو رأي لا يزال بعد في مرحلة التخمين، ويحتاج إلى ما يدعمه من أدلة وبراهين٢. وهناك ما يشير إلى وجود نفوذ سلوقي في تدمر، وربما كانت من نصيب السلوقيين بعد وفاة الإسكندر الأكبر في عام ٣٢٣ق. م، وتقسيم امبراطوريته بين قواده، وعلى أي حال، فهناك حصن سلوقي في المدينة، وربما أقيم في عام ٢٨٠ق. م، كواحد من سلسلة الحصون التي أقامها القوم في المناطق الإستراتيجية التي خضعت لهم٣. أما الروايات العربية فلا تفيد علما، ولا تصلح أن تكون دليلان فهي روايات متأخرة دخلت إلى المسلمين من أهل الكتاب، فأخذوها بغير تحقيق ولا تدقيق٤، فضلا عن أن ضخامة آثار المدينة وعظمتها، ربما أدهشتهم، ومن ثم فقد نسبوا بناءها إلى الجن بأمر من سليمان عليه السلام٥، على أن "ياقوت الحموي" إنما يستبعد نسبة تدمر إلى سليمان، معللا ذلك بأن أهلها إنما يزعمون أنها ترجع إلى ما قبل عهد سليمان، بفترة تقارب ما بيننا وبينه، وأن الناس إذا ما رأوا بناء عجيبا جهلوا بانيه، أضافوه إلى سليمان وإلى الجن٦.

стр. 524

ومع ذلك فهناك من يقدم لنا أبياتا من شعر "النابغة الذبياني"، يذهب فيه إلى أن المدينة من بناء جن سليمان، وفات أصحاب هذا الزعم أن النابغة لم يكن عالما من علماء التاريخ والآثار، حتى يكون شعره حجة في بناء مدينة يرجع ظهورها في التاريخ إلى أخريات القرن الثاني عشر، أو الحادي عشر قبل الميلاد، ثم من أدرانا أن هذا الشعر للنابغة الذبياني حقا، فإن من نسبوا شعرا إلى آدم وهابيل وقابيل، وإلى الجن وإبليس، أليسوا بقادرين على وضع شعر على لسان النابغة الذبياني١، وأما قصة بناء المدينة بأمر من امرأة تدعى "تدمر بنت حسان بن أذينة"، فليست إلا من هذا النوع من الكتابات التي ملأ الأخباريون بها صفحات كتبهم٢. ولعل "بليني" "٣٢-٧٩م" أول الكتاب الكلاسيكيين الذين أشاروا إلى تدمر، فوصفها بأنها مدينة شهيرة ذات موقع ممتاز، وأرض خصبة، وأن بها عيونا وينابيع، وتحيط بحدائقها الرمال، وأنها تقع بين الأمبراطورية الرومانية والفارسية، ومن ثم فقد اضطر أهلها -ضمانا لاستقلالهم- أن يقفوا موقف الحياد بين هاتين القوتين المتصارعتين، ثم تابع "بليني" من جاء من بعده من الكتاب، مما يدل على أن شهرة المدينة كانت في ازدياد٣. وأما أقدم كتابة عثر عليها في المدينة، فإنما ترجع إلى شهر نوفمبر من السنة التاسعة قبل الميلاد٤، وإن كان قد عثر في مدينة "دورا" -وتقع في مكانها الصالحية الحالية- على العرات الأوسط تجاه تدمر، على نقش يعتبر من أقدم النقوش التدمرية التي كشف عنها حتى الآن، ويرجع إلى عام ٣٣ق. م٥، وفي هذا الوقت كانت تدمر مركزا تجاريا خطيرا بين دولتي الروم والفرس، ومع ذلك فإن أكثر ما نعرفه عنها إنما يرجع إلى ما بعد الميلاد، حيث لدينا نصوص إلى عام ٢٧١م٦.

стр. 525

وليس من شك في أهل كانوا عربا -شأنهم في ذلك الأنباط في البتراء- بدليل وجود بضع المصطلحات والكلمات العربية الأصلية في كتاباتهم، كما أن أسماء الأصنام عندهم عربية، والأمر كذلك بالنسبة إلى أسماء الأعلام، ومن ثم فقد رأى بعض العلماء أنهم من القبائل العربية التي أخذت تستولي على المناطق الخصبة في شرق الأردن، عقب انهيار الدولة البابلية الحديثة، وسقوط بابل تحت السيادة الفارسية في عام ٥٣٩ق. م، ثم أخذت تستعمل الآرامية -وهي لغة الكتابة والثقافة في غرب الفرات وقت ذاك- لغة لها، ومع هذا فإن لغتهم هذه، ليست إلا لهجة من اللهجات الآرامية، وأنها لا تختلف كثيرا عن لغة الأنباط، وعن الآرامية المصرية١. ومع ذلك فإن اللهجة الآرامية التدمرية لها مميزات بررت أن يختصها بعض الباحثين بدراسة لغوية منفصلة، ومن أشهر هذه الدراسات كتابات المستشرق الفرنسي "كانتنيو"٢، وقد طور التدمريون الكتابة الآرامية، وعنهم انتقلت إلى السريان في "الرها"، فظهر منها الخط السرياني القديم المعروف باسم "الخط السرنجيلي" الذي ظهر بعد الانشقاق المذهبي بين سريان الرها في عام ٤٨٩م، ثم ظهور لهجة غربية تسمى اليعقوبية، وشرقية تسمى النسطورية٣. وأما الثقافة التدمرية، فكانت مزيجا من الثقافات العربية والآرامية واليونانية واللاتينية؛ ذلك لأن تدمر -كما كانت البتراء من قبل- قد نمت في ظل حضارة الآراميين، واتخذت لغتهم، فضلا عن المبادئ الأساسية في تفكيرهم الثقافي والديني، هذا في وقت الذي أخذت فيه كذلك كثيرا عن دنيا اليونان والرومان٤. هذا، وقد قامت كذلك في تدمر جالية يهودية، منذ وقت لا نستطيع تحديده

стр. 526

على وجه اليقين، فربما كان ذلك قبل سقوط القدس في أيدي الرومان على أيام الإمبراطور "فسباسيان" "٦٩-٧٩م"، ثم عمل هؤلاء اليهود بالتجارة وربما نشطوا في تهويد بعض السكان، وأن فريقا من هؤلاء اليهود، ربما رجعوا إلى القدس قبل تدميرها -المشار إليه آنفا- على يد "تيتوس" في عام٧٠م١. وعلى أي حال، فلقد بدأت تدمر تزداد قوة وشهرة منذ النصف الأول من القرن الأول قبل الميلاد، بسبب الأهمية التجارية والدبلوماسية لموقعها بين إمبراطوريتي الفرس والروم المتنافستين، ثم ساعد موقعها الجغرافي على عدم تمكن أي من الفريقين المتنازعين من سهولة الاستيلاء عليها٢، وقد حاول "مارك أنطونيو" عام ٤١ق. م، الاستيلاء على خزائن المدينة ففشل، وإن أصابها منه ضرر كبير٣ غير أن مدينة مهمة كتدمر، لها مال وثروة، وليس لها جيش قوي ضخم، ولا مجال لتكوين هذا الجيش فيها، لا يمكن أن تبقى في مأمن ومنجاة من مطامع الغزاة، ولو كانت في بقعة منعزلة، أو في بادية بعيدة٤. ومن هنا، فإن تدمر -على الأرجح- قد اعترفت بنوع من السيادة عليها للرومان، منذ أوائل العصور المسيحية، ودليلنا على ذلك المراسيم الإمبراطورية التي ترجع إلى عهد "تيبيريوس" "١٤-٣٧م"٥، والتي تتعلق بالرسوم الجمركية، وقد عثر في تدمر على قوائم ترجع إلى عام ١٧م، وتبين بعض الرسوم على البضائع أثمانها باليونانية والتدمرية٦، هذا ويبدو أن تدمر قد أصبحت على أيام "فسباسيان" تحت الإشراف الروماني، وإن كان هذا لا يعني الخضوع لروما، أو أن الإشراف على الشئون المدنية بالمدينة، كان بأيدي الرومان، وإنما كان هناك إشراف رومي عام

стр. 527

على المدينة، بدليل أن الروم قد سمحوا للمدينة بحق الاحتفاظ بحامياتها "Miiitia" في خارج تدمر١. وقد بذل "تراجان" "٩٨-١١٧م" جهده لضم تدمر إلى المقاطعة العربية، التي أنشأها في عام ١٠٦م، واتخذ من "بصرى" مقرا لها، وفي عام ١٣٠م، زار "هدريان" "١١٧-١٣٨م" تدمر، وجعلها تابعة لروما، ثم منحها لقب "هدريانا بالميرا" "Hadrinana Paimya" و"هدريانوبوليس" "Hadrianopoiis"، كما أصبحت المدن التابعة لتدمر، تابعة لروما٢، وفي الواقع لقد نالت تدمر عناية كبيرة من "هدريان"، حتى قيل أنه "المؤسس الثاني" لها، فاهتم بحماية الطرق البرية التي توصلها إلى نهر الفرات، والتي كانت شريانا مهمًا للتجارة العالمية وقت ذاك، ثم كانت العلاقة الطيبة بين الفرس والروم في عهده سببا في رخاء تدمر، فوصلت الحاميات الرومية إلى شواطئ الفرات الغربية، وأقام التجار في مدينة "Voiogasia"، كما بنوا لهم معبدا هناك٣، ولدينا كتابة ترجع إلى عام ١٣٧م، أصدرها مجلس شيوخ المدينة لتنظيم التجارة وتثبيت الضرائب، وكيفية جبايتها٤. وفي أوائل القرن الثالث الميلادي منح "سبتميوس سيفيروس" "١٩٣-٢١١م" تدمر حقوق المستعمرة، واستمرت كذلك حتى على أيام "كراكلا" "٢١١-٢١٧م"، وهكذا اكتسبت تدمر حق الملكية والإعفاء من الخراج، فضلا عن الحرية التامة في إدارة شئونها، وبدأ كبار القوم يضيفون إلى أسمائهم العربية أو الآرامية، أسماء رومية، بل وقد أضافت إحدى الأسر اسم "سبتميوس" أمام أسمها السامي، مما يدل على نوالها حق الرعاية في عهد "سيفيروس"، وربما كان ذلك سبب الخدمات التي قدمتها في الصراع ضد الفرس، إلا أن ذلك لا يعني أن

стр. 528

تدمر، إنما أصبحت مقاطعة رومية تماما، وإنما كانت حكومة شبه مستقلة، تدير شئونها الإدارية بنفسها، ولكنها تخضع لإشراف روما عليها١. وانتهزت تدمر فرصة انشغال روما بغزوات الجرمان التي كانت تهدد دولتهم في أوروبا الغربية، وأخذت توسع رقعتها، وإن ظلت وفية للروم، وهكذا أصبحت دولة تدمر تشمل عددا من المدن الصغيرة التابعة لها، مثل "دورا" و"الرصافة"٢، وقد استخدمت "دورا" كمعقل لحماية تجارة تدمر الناشئة، وقد وجدت فيها بقايا أبنية ذات زخارف نافرة تمثل جنودا تدمريين، وأما "الرصافة" فقد دعيت في كتابة أثرية أشورية تعود إلى أخريات القرن التاسع قبل الميلاد باسم "رصابا Rasappa" وهي نفس المدينة التي جاءت في التوراة٣ تحت اسم "رصف" بمعنى "الجمر المتوهج" وهدمها "سنحريب" "٧٠٥-٦٨١ق. م" في أوائل القرن السابع ق. م، وقد عرفت فيما بعد باسم "سرجيوس بولس" نسبة إلى قديسها المحلي "سرجيوس" الذي استشهد في عهد دقلديانوس" "٢٨٤-٣٠٥م"٤.

стр. 529

٢- أذينة: ارتفعت أسرة أذينة التي كان يتصدر اسمها كلمة "سبتميوس" إلى مكان الزعامة في تدمر في منتصف القرن الثالث الميلادي، وهناك ما يشير إلى أن جد "أذينة" الكبير كان يدعى "ناصر" "نصرو" والد "وهب اللات" "وهبلات"، وأن هذا الأخير إنما هو والد "خيران" أبو "أذينة"١، وهناك كتابة ترجع إلى عام ٢٣٥م ورد فيها اسم "أذينة بن خيران بن وهب اللات بن نصرو"، وأنه كان عضوا

стр. 530

بمجلس الشيوخ الروماني١، كما أن أباه "خيران" كان يحمل لقب "سبتميوس خيران"، وأنه كان "رأس" تدمر، وعضو مجلس شيوخها الممتاز، وأنه قد تمكن من تثبيت حكم أسرته، ومن الهيمنة على شئون المدينة، ومن توسيع تجارتها، فاكتسب بذلك منزلة كبيرة عند أهل تدمر وعند الرومان٢. وفي عهد "خيران" هذا، أخذت تدمر دورها في القضايا الدولية، وما أن قامت الدولة الساسانية في عام ٢٢٦م، تحت زعامة "أردشير بن بابك بن ساسان" "٢٢٦-٢٤١م"٣، حتى بدأ الشرق يضطرب بالصراع بين الروم والفرس، وكان على التدامرة أن يختاروا الانضمام إلى إحدى القوتين الكبيرتين، فآثروا الإنضمام إلى الروم بسبب العلاقات القديمة، ولأن الأمبرطور الروماني بسبب بعد روما، إنما هو أقل خطرا عليهم من الإمبرطور الساساني القريب منهم، واغتنم أهل تدمر فرصة نجاج "سابور" "٢٤١-٢٧٢م" ملك فارس في التوغل في سورية، والقبض على الإمبراطور الروماني "فاليران" "٢٥٣-٢٦٠م" بعد هزيمة مخجلة للجيوش الرومانية قرب "ايسا" في عام ٢٦٠م، كسب الساسانيون من ورائها شهرة عريضة، فضلا عن أسر ستين ألفا من جنود الرومان، واستيلاء الفرس على آسيا الصغرى وشمال سورية٤. وكان أذينة له ثأر عند الرومان، منذ أن قتل قائدهم "روفينوس" أباه "أذينة الأول" وعدم موافقة الإمبراطور فاليران على أن يأخذ له بثأر أبيه من "روفينوس"، ومن ثم فإنه ما أن علم بهزيمة الروم في عام ٢٦٠م، وأسر "فاليران" حتى أسرع بالاتصال بالفرس، مقدما لهم الهدايا، وعارضا عليهم صداقته، إلا أن الإمبرطور الفارسي، الذي كان يحس في ذلك الوقت أنه ملك الشرق والغرب جميعا، احتقر العرض التدمري، وأمر بإلقاء الهدايا في النهر، وتوعد أذينة بسوء المصير.
следующие страницы →