على وجه اليقين، فربما كان ذلك قبل سقوط القدس في أيدي الرومان على أيام الإمبراطور "فسباسيان" "٦٩-٧٩م"، ثم عمل هؤلاء اليهود بالتجارة وربما نشطوا في تهويد بعض السكان، وأن فريقا من هؤلاء اليهود، ربما رجعوا إلى القدس قبل تدميرها -المشار إليه آنفا- على يد "تيتوس" في عام٧٠م١.
وعلى أي حال، فلقد بدأت تدمر تزداد قوة وشهرة منذ النصف الأول من القرن الأول قبل الميلاد، بسبب الأهمية التجارية والدبلوماسية لموقعها بين إمبراطوريتي الفرس والروم المتنافستين، ثم ساعد موقعها الجغرافي على عدم تمكن أي من الفريقين المتنازعين من سهولة الاستيلاء عليها٢، وقد حاول "مارك أنطونيو" عام ٤١ق. م، الاستيلاء على خزائن المدينة ففشل، وإن أصابها منه ضرر كبير٣ غير أن مدينة مهمة كتدمر، لها مال وثروة، وليس لها جيش قوي ضخم، ولا مجال لتكوين هذا الجيش فيها، لا يمكن أن تبقى في مأمن ومنجاة من مطامع الغزاة، ولو كانت في بقعة منعزلة، أو في بادية بعيدة٤.
ومن هنا، فإن تدمر -على الأرجح- قد اعترفت بنوع من السيادة عليها للرومان، منذ أوائل العصور المسيحية، ودليلنا على ذلك المراسيم الإمبراطورية التي ترجع إلى عهد "تيبيريوس" "١٤-٣٧م"٥، والتي تتعلق بالرسوم الجمركية، وقد عثر في تدمر على قوائم ترجع إلى عام ١٧م، وتبين بعض الرسوم على البضائع أثمانها باليونانية والتدمرية٦، هذا ويبدو أن تدمر قد أصبحت على أيام "فسباسيان" تحت الإشراف الروماني، وإن كان هذا لا يعني الخضوع لروما، أو أن الإشراف على الشئون المدنية بالمدينة، كان بأيدي الرومان، وإنما كان هناك إشراف رومي عام
стр. 527
على المدينة، بدليل أن الروم قد سمحوا للمدينة بحق الاحتفاظ بحامياتها "Miiitia" في خارج تدمر١.
وقد بذل "تراجان" "٩٨-١١٧م" جهده لضم تدمر إلى المقاطعة العربية، التي أنشأها في عام ١٠٦م، واتخذ من "بصرى" مقرا لها، وفي عام ١٣٠م، زار "هدريان" "١١٧-١٣٨م" تدمر، وجعلها تابعة لروما، ثم منحها لقب "هدريانا بالميرا" "Hadrinana Paimya" و"هدريانوبوليس" "Hadrianopoiis"، كما أصبحت المدن التابعة لتدمر، تابعة لروما٢، وفي الواقع لقد نالت تدمر عناية كبيرة من "هدريان"، حتى قيل أنه "المؤسس الثاني" لها، فاهتم بحماية الطرق البرية التي توصلها إلى نهر الفرات، والتي كانت شريانا مهمًا للتجارة العالمية وقت ذاك، ثم كانت العلاقة الطيبة بين الفرس والروم في عهده سببا في رخاء تدمر، فوصلت الحاميات الرومية إلى شواطئ الفرات الغربية، وأقام التجار في مدينة "Voiogasia"، كما بنوا لهم معبدا هناك٣، ولدينا كتابة ترجع إلى عام ١٣٧م، أصدرها مجلس شيوخ المدينة لتنظيم التجارة وتثبيت الضرائب، وكيفية جبايتها٤.
وفي أوائل القرن الثالث الميلادي منح "سبتميوس سيفيروس" "١٩٣-٢١١م" تدمر حقوق المستعمرة، واستمرت كذلك حتى على أيام "كراكلا" "٢١١-٢١٧م"، وهكذا اكتسبت تدمر حق الملكية والإعفاء من الخراج، فضلا عن الحرية التامة في إدارة شئونها، وبدأ كبار القوم يضيفون إلى أسمائهم العربية أو الآرامية، أسماء رومية، بل وقد أضافت إحدى الأسر اسم "سبتميوس" أمام أسمها السامي، مما يدل على نوالها حق الرعاية في عهد "سيفيروس"، وربما كان ذلك سبب الخدمات التي قدمتها في الصراع ضد الفرس، إلا أن ذلك لا يعني أن
стр. 528
تدمر، إنما أصبحت مقاطعة رومية تماما، وإنما كانت حكومة شبه مستقلة، تدير شئونها الإدارية بنفسها، ولكنها تخضع لإشراف روما عليها١.
وانتهزت تدمر فرصة انشغال روما بغزوات الجرمان التي كانت تهدد دولتهم في أوروبا الغربية، وأخذت توسع رقعتها، وإن ظلت وفية للروم، وهكذا أصبحت دولة تدمر تشمل عددا من المدن الصغيرة التابعة لها، مثل "دورا" و"الرصافة"٢، وقد استخدمت "دورا" كمعقل لحماية تجارة تدمر الناشئة، وقد وجدت فيها بقايا أبنية ذات زخارف نافرة تمثل جنودا تدمريين، وأما "الرصافة" فقد دعيت في كتابة أثرية أشورية تعود إلى أخريات القرن التاسع قبل الميلاد باسم "رصابا Rasappa" وهي نفس المدينة التي جاءت في التوراة٣ تحت اسم "رصف" بمعنى "الجمر المتوهج" وهدمها "سنحريب" "٧٠٥-٦٨١ق. م" في أوائل القرن السابع ق. م، وقد عرفت فيما بعد باسم "سرجيوس بولس" نسبة إلى قديسها المحلي "سرجيوس" الذي استشهد في عهد دقلديانوس" "٢٨٤-٣٠٥م"٤.
стр. 529
٢- أذينة:
ارتفعت أسرة أذينة التي كان يتصدر اسمها كلمة "سبتميوس" إلى مكان الزعامة في تدمر في منتصف القرن الثالث الميلادي، وهناك ما يشير إلى أن جد "أذينة" الكبير كان يدعى "ناصر" "نصرو" والد "وهب اللات" "وهبلات"، وأن هذا الأخير إنما هو والد "خيران" أبو "أذينة"١، وهناك كتابة ترجع إلى عام ٢٣٥م ورد فيها اسم "أذينة بن خيران بن وهب اللات بن نصرو"، وأنه كان عضوا
стр. 530
بمجلس الشيوخ الروماني١، كما أن أباه "خيران" كان يحمل لقب "سبتميوس خيران"، وأنه كان "رأس" تدمر، وعضو مجلس شيوخها الممتاز، وأنه قد تمكن من تثبيت حكم أسرته، ومن الهيمنة على شئون المدينة، ومن توسيع تجارتها، فاكتسب بذلك منزلة كبيرة عند أهل تدمر وعند الرومان٢.
وفي عهد "خيران" هذا، أخذت تدمر دورها في القضايا الدولية، وما أن قامت الدولة الساسانية في عام ٢٢٦م، تحت زعامة "أردشير بن بابك بن ساسان" "٢٢٦-٢٤١م"٣، حتى بدأ الشرق يضطرب بالصراع بين الروم والفرس، وكان على التدامرة أن يختاروا الانضمام إلى إحدى القوتين الكبيرتين، فآثروا الإنضمام إلى الروم بسبب العلاقات القديمة، ولأن الأمبرطور الروماني بسبب بعد روما، إنما هو أقل خطرا عليهم من الإمبرطور الساساني القريب منهم، واغتنم أهل تدمر فرصة نجاج "سابور" "٢٤١-٢٧٢م" ملك فارس في التوغل في سورية، والقبض على الإمبراطور الروماني "فاليران" "٢٥٣-٢٦٠م" بعد هزيمة مخجلة للجيوش الرومانية قرب "ايسا" في عام ٢٦٠م، كسب الساسانيون من ورائها شهرة عريضة، فضلا عن أسر ستين ألفا من جنود الرومان، واستيلاء الفرس على آسيا الصغرى وشمال سورية٤.
وكان أذينة له ثأر عند الرومان، منذ أن قتل قائدهم "روفينوس" أباه "أذينة الأول" وعدم موافقة الإمبراطور فاليران على أن يأخذ له بثأر أبيه من "روفينوس"، ومن ثم فإنه ما أن علم بهزيمة الروم في عام ٢٦٠م، وأسر "فاليران" حتى أسرع بالاتصال بالفرس، مقدما لهم الهدايا، وعارضا عليهم صداقته، إلا أن الإمبرطور الفارسي، الذي كان يحس في ذلك الوقت أنه ملك الشرق والغرب جميعا، احتقر العرض التدمري، وأمر بإلقاء الهدايا في النهر، وتوعد أذينة بسوء المصير.
стр. 531
جزاء وفاقا على جرأته على مخاطبة ملك الملوك "شاهنشاه إيران وأنيران، أي ملك ملوك إيران وغير إيران"، وهو لا يعدو أن يكون شيخا لمدينة صغيرة في بيداء قاحلة، لا أهمية لها ولا نفع منها١.
وكان هذا التصرف الأحمق من ملك الفرس، سببا في أن يجمع أذينة القبائل بظاهر تدمر تحت إمرة ولده "هيرودوس"، والفرسان تحت قيادة "زيدا"، والقواسة ورماة السهام تحت قيادة "زباي"، وأن يضمم إلى أولئك وهؤلاء فلول جيش "فالريان"، وأن يخرج بكل هذه الجموع إلى "المدائن" للانتقام من "سابور"، ولإنقاذ "فالريان" من الأسر، وهناك على ضفاف الفرات تدور رحى الحرب بين أذينة والفرس، وتنتهي المعركة الضارية بهزيمة منكرة للفرس، يصل مداها إلى أن يترك "سابور" حريمه وأمواله غنيمة في أيد التدمريين، وأن يفر بالبقية الباقية من فلول جيشه إلى ما وراء الفرات ثم لا تستطيع هذه البقية أن تعبر النهر إلا بشق الأنفس وإلا بعد خسائر فادحة في الأرواح، بل وتذهب بعض الروايات إلى أن "أذينة" قد طارد المهزومين حتى أسوار عاصمتهم "اصطخر"٢ -التي خلفت مدينة "برسيبوبوليس" القديمة- وإن لم ينجح في فك أسر الإمبراطور السجين، ولكنه استولى على الكوخ ونصيبين، بل وامتد نفوذه إلى الشام، وبعض أقاليم آسيا الصغرى الرومية٣.
ويكتب "أذينة" إلى الإمبراطور الروماني الجديد "جالينيو" "٢٦٠-٢٦٨م" بن فالربان، بكل هذه الأحداث، فيطرب الأخير لسماع هذه الأخبار، ويطلب من أذينة الاستمرار في الحرب، حتى ينقذ "فالريان"، ثم ينعم عليه في عام ٢٦٢م بلقب "زعيم الشرق" "Dux Orientis"، مما جعله أشبه بنائب الإمبراطور
стр. 532
الروماني في الشرق١، وكان "فالريان" قد أنعم عليه في عام ٢٥٨م، بمرتبة "القنصلية"٢.
وبدأ "أذينة" "أودينات Odenathus" يسترجع أرض الإمبراطورية الرومية من الفرس، فنجح في استرداد نصيبين -كما أشرنا آنفا- وحران، واستقبل هناك استقبال الأبطال، ثم سرعان ما اتجه في عام ٢٦٤م، نحو "طيسفون" وضرب الحصار حولها، وكاد الإمبراطور الفارسي أن يستسلم، لولا أن المؤامرات الرومية قد لعبت دورا خطيرا في إفساد نجاح أذينة، ذلك أن القائد الروماني "مكريانوس" -الذي كان سببا في هزيمة الروم ووقوع فالريان في الأسر- قد أعلن الثورة على "جالينو"، ونصب نفسه امبراطورا على القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية "آسيا الصغرى والشام ومصر"، ومن ثم فقد اضطر أذينة إلى أن يرفع الحصار عن الفرس، وأن يعود لإخماد هذه القتنة الجديدة، إلا أنه ما أن بدأ يعد العدة لمواجهة "مكريانوس" حتى علم بقتله، ثم اتجه إلى حمص للقضاء على ولده "كياثوس"، وبعد أن شدد الحصار على المدينة، قتل "كاليستوس" سيده "كياثوس"، ورمى برأسه من فوق السور تحت قدمي أذينة، وفتح الأبواب والتمس الأمان منه، وبذا انتهت ثورة القائد "مكريانوس"، غير أن "كاليستوس" سرعان ما عاد إلى الثورة من جد، ومن ثم فقد أمر أذينة بعضا من رجاله باغتيال "كاليستوس" وعاد الهدء إلى هذه المنقطة الهامة من الإمبراطورية الرومانية بفضل جهود "أذينة"٣.
وفرح جالينيو" بالقضاء على الثورة، ومن ثم فقد أمر عام ٢٦٤م بمنح أذينة لقب "Imperator Touyius Orientis" أي "إمبراطور جميع بلاد الشرق"، وعهد إليه بالإشراف على جميع القوات الرومية في الشرق، والقضاء على فلول
стр. 533
جيش "مكريانوس" غير أن أذينة لم يكتف بكل هذا، فلقب نفسه بلقب "ملك الملوك" تقليدا لملك الفرس، كما أمر بأن تنقش صورته بجوار صورة الإمبراطور الروماني على النقود التي أخذت غنيمة من الفرس، أضف إلى ذلك أن مجلس الشيوخ الروماني قد منحه لقب "أغسطس"، وهكذا صار أذينة مساويا لإمبراطور روما نفسها١.
وفي عام ٢٦٥م، اتجه أذينة، أو ملك الملوك، إلى محاربة الفرس من جديد، ربما لأنه لم ينس إهانة "سابور" له، يوم مزق رسالته أما رسله، وربما رغبة منه في التودد إلى الرومان، ونيل الحظوة عند "جالينو"، وأيأ ما كان السبب فإننا نرى أذينة يترك ولده البكر من زوجته الأولى، ويدعى "سيبتميوس هيرودوس" نائبا عنه في تدمر، ثم يخرج على رأسه جيشه إلى "طيسفون"، فيضرب الحصار عليها، ويضطر "سابور" إلى أن يظهر استعداده لعقد محالفة مع أذينة، إلا أن الأخير طلب فك أسر "فاليران، وهو شرط في نظر الفرس جد عظيم، ومن ثم فقد أوقفت المفاوضات بين الطرفين٢.
وهنا يتغير الموقف -للمرة الثانية- في مصلحة الفرس، إذ يعبر "القوط" البحر الأسود، منتهزين فرصة غياب أذينة عن آسيا الصغرى والشام، وينزلوا بميناء "هرقلية" ويتجهوا نحو "قبادوقيا"، ومن ثم فإن أذينة سرعان ما يضطر إلى رفع الحصار عن مدينة الفرس، والعودة لقتال الغزاة الجدد، إلا أن القوط سرعان ما علموا بعودة أذينة، فعادوا إلى مياء هرقلية، ثم أبحروا منها عائدين إلى بلادهم٣.
وهنا، وفي هذه اللحظات التي وصل فيها أذينة إلى ذروة مجده، وبينما كان يجهز لجولة أخيرة مع الفرس، يفتح فيها "طيسفون"، يذهب البطل العربي- وكذا ولده هيرودوس- ضحية الغدر والخيانة في أحوال غامضة في عام ٢٦٦م "أو ٢٦٧م"، يلعب فيها ابن ماجه "معنى بن خيران" الدول الأول، وإن كان الروم
стр. 534
ربما قد أدركوا خطورة أذينة على إمبراطوريتهم، فعملوا على التخلص منه، وبيد أقرب الناس إليه، وإن كان هناك من يرى عكس ذلك تماما، وأن الرومان بموت أذينة، إنما فقدوا الحماية لإمبراطوريتهم في الشرق، وأن المؤامرة ربما تكون قد لعبت فيها أطراف أخرى، قد تكون "الزباء" التي رأت أن العرش سوف يذهب إلى ابن ضرتها، بينما يحرم منه بنوها، وقد تكون عصبة من الوطنيين، خيل إليهم أن أذينة قد أصبح أداة طيعة في أدي الرومان فقرروا التخلص منه، وهكذا بات من الصعب على العلماء الوصول إلى قرار صائب، أو حتى قريب من الصواب، فالأدلة غير متوفرة، والوثائق صامتة، غير أن الظروف التي أعقبت مقتل أذينة، قد تثير، والوثائق صامتة، غير أن الظروف التي أعقبت مقتل أذينة، قد تثير أكثر من شك، فالجيش يبايع القاتل دون ثورة، أو حتى تردد، وأهل حمص يقتلون القاتل بعد حين من الدهر، ثم تنصيب "الزباء" بعده مباشرة، ألا يثير كل ذلك شكا؟ أو حتى يلقي شبهة من ظن في شخص آخر؟، ومع ذلك، فما لا شك فيه، أن هناك أمورا تحتاج إلى وقفة، ولكنها لا تقدم جديدا، ما لم تحدثنا الوثائق ع هذا الجديد١.
стр. 535
٣- الزباء:
جاءت الزباء أو "زنوبيا" إلى العرش وصية على ولدها القاصر "وهب اللات" بعد مقتل أبيه أذينة، وتدعى في الكتابات التدمرية "بيت زباي" "Bath Zabbay" أي "ابنة العطية"، وهي "الزباء" في المصادر العربية، وإن اختلفت هذه المصادر في اسم هذه المرأة، فيه "الزباء بنت عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة" وهي "ليلى" على زعم آخر، ولها أخت دعوها "زبيبة" لها قصر حصين على شاطئ الفرات الغربي، فكانت تشتو عند أختها، وتربع ببطن النجار، وتصير إلى تدمر، كما كان لها جنود، هم -في نظر هذه المصادر العربية- من العماليق والعرب العاربة الأولي، ويروي الأخباريون أن ملك العرب بأرض الحيرة، ومشارف الشام كان لعمرو بن الظرب، وكان جنود الزباء "بمعنى الجميلة ذات الشعر الطويل" من بقايا العماليق من عاد الأولى، ومن نهد وسليح ابني حلوان، ومن كان معهم من قبائل قضاعة، وكانت تسكن على شاطئ الفرات في قصر لها هناك، وتربع ببطن المجاز،
стр. 536
وتصيف بتدمر١.
وينسب الأخباريون إلى الزباء كثيرا من القصص، بعضها لطيف وبعضها غريب، وإن كان معظمه بعيد عن الحقائق التاريخية، فإذا ما تجاوزنا الاختلاف في نسبها، بل وحتى في اسمها "الزباء، فارغة، ميسون، ليلى"، لرأينا بعضهم ينسب إليها شعرا، وبعضهم ينسب إليها حكما وأمثالا، في لغة عربية بليغة، وإن كان هذا ليس غريبا، على من ينسبون إلى آدم وإلى إبليس شعرا مضبوطا وفق قواعد النحو والصرف، ومن ثم فليس من العجيب أن ينسبوا إلى الزباء شعرا كذلك٢.
وهناك رواية تزعم أن "جذيمة الأبرش" ملك الحيرة، كان قد قتل والد الزباء "عمرو بن الظرب"، ومن ثم فقد أرادت الزباء أن تثأر لأبيها، غير أن أختها "زبيبة" قد نصحتها بترك الحرب، واصطناع الحيلة عن طريق دعوة جذيمة إلى تدمر ثم قتله، وهكذا تنجح الزباء في استدعاء جذيمة إلى عاصمتها وفي قتله، إلا أن ابن أخته وخليفته "عمرو بن عدي" سرعان ما يحتال على الزباء، بمساعدة "قصير"، فينتقم منها في مدينتها، وذلك بأن حمل إلى تدمر رجالا في جوالق كبيرة، يستطيع عن طريقهم القضاء على حرس الزباء التي تهرب إلى نفق كانت قد حفرته في قصرها لمثل هذه الظروف، غير أن "قصيرا" -وكان على علم بسر النفق- سرعان ما يضع في طريقها "عمر بن عدي"، الذي ما أن تراه الزباء، والسيف في يده، حتى تمص خاتمها المسموم، قائلة "بيدي لا بيد عمرو"، ومع ذلك فإن عمرا قد أطاح رأسها بسيفه، وأخذ بثأره٣.
стр. 537
والقصة في صورتها الراهنة لطيفة، ولكنها بعيدة عن الحقائق التاريخية، فقد جمع الأخباريون فيها كل ما عرفوه من أساطير الشرق القديم، كقصة تحوتمس الثالث "١٤٩٠-١٤٣٦ق. م" وفتح يافا، وكقصة عدي مع أخت جذيمة١، هذا فضلا عن قصة وفاة الزباء مسمومة، وصلتها بقصة كليوبترا ملكة مصر، أضف إلى ذلك أن الصنعة واضحة في الأمثال التي نسبت في القصة إلى جذيمة وقصير والزباء وعدي وابنه عمرو، وأخيرا فالثابت تاريخيا أن الزباء قد حملت أسيرة إلى روما بعد استيلاء الرومان على تدمر -كما سوف نرى فيما بعد.
على أن الغريب من الأمر حقا، ذلك الإغريق في رواية الأساطير، من جانب المؤرخين المسلمين، وفي نفس الوقت، ذلك التجاهل غير الطبيعي منهم، لدور "الزباء" الفذ في تاريخ الشرق القديم في تلك الفترة، بل إننا نرى في نفس الوقت كذلك، إطنابا في مدح الفرس لا يتفق وحقائق التاريخ، بل هو مديح لم يقل مثله مؤرخوا الفرس أنفسهم -الأمر الذي نراه كثيرا من المؤرخين المسلمين، وبصورة واضحة، حين يتحدثون عن تاريخ اليهود- وربما كان السبب في ذلك أن مصادر المؤرخين الإسلاميين- وبخاصة في تاريخ مصر وسورية والعراق فيما قبل الإسلام- إنما هي مصادر فارسية ويهودية في الدرجة الأولى، وهي مصادر لا يمكن أن توصف بأقل من أنها متحيزة لأصحابها، وأن الأخباريين إنما كانوا -في أغلب الأحايين- يتساهلون في نقل أخبارهم عن عصور ما قبل الإسلام بدرجة ملفتة للنظر، بل إن الواحد منهم إنما كان ينقل من أخبار عن يهود أو فارس، دونما تعقيب أو تعليق، وكأنها حقائق ترقى فوق مظان الشهات، وإن كان الأمر غير ذلك تماما بالنسبة إلى المصادر اليونانية والرومانية٢.
وأيا ما كان الأمر، فهناك روايات يفهم منها أن الزباء إنما كانت تزعم أنها مصرية، من سلالة كيلوبترا، وأنها كانت تتحدث المصرية بطلاقة، وقد ألفت كتابا في التاريخ -وبخاصة في تاريخ مصر- خطته بيدها٣، وأنها كانت مثقفة
стр. 538
ومن ثم فقد استدعت إلى عاصمتها المشاهير من رجال الفكر، وذهبت روايات أخرى إلى أنها سمحت لجالية يهودية بالإقامة في عاصمتها، وأن هذه الجالية قد جاءت إلى تدمر بعد تدمير بيت المقدس على يد "تيتوس" في عام ٧٠م، وأنها قد بلغت حوالي نصف سكان المدينة، بل إن القديس "أثناسيوس" والمؤرخ "فوتيوس" إنما يذهبان إلى أن الزباء نفسها قد اعتنقت اليهودية، وإن لم تسمح بإقامة معابد يهودية في تدمر١، غير إن هناك ما يشير إلى أن اليهود ربما قد اضطهدوا على أيامها، حتى أن واحدا من أحبار عصرها يقول "مخلد وسعيد من يدرك نهاية أيام تدمر"٢.
ومن عجب أن هذه الآراء المتضاربة، إنما تذهب كذلك إلى أن الذي هود الزباء، إنما كان الأسقف "بولس السميساطي" ولست أدري كيف يهود أسقف مسيحي الزباء، أما كان الأولى أن ينصرها؟ ومن ثم فإن التحيز- فضلا عن الاضطراب- في هذه الرواية، لا يحتاج إلى إثبات، وربما كان السبب أن هذا الأسقف المسيحي قد أبدى رأيه في "الثالوث" بما لا يتفق وآراء الكنيسة وقت ذاك، ومن ثم فقد حكم عليه في أنطاكية عام ٢٦٩م بالعزل من الأسقفية، وعلى أي حال، فهناك الكثير من الشواهد التي تدل على أن اليهود إنما كانوا ناقمين على المملكة وعلى الدولة كذلك، ربما بسبب أذينة ضد الفرس؛ ذلك لأن الزواج المختلط إنما نتج عنه جيل جديد أضاع الدين والتقاليد الإسرائيلية، وأن الحروب ضد الفرس قد ألحقت ضررا كبيرا بالجاليات اليهودية التي كانت تسكن شواطئ الفرات، ومعظمها من التجار الذين كانوا يتاجرون مع الفرس والروم، وبين العراق والشام٣.
هذا، وقد حرص فريق آخر على أن يجعل الزباء نصرانية، وإن ذهب فريق
стр. 539
ثالث إلى أنها إنما كانت محبة للنصارى، ولكنها لم تكن نصرانية، بينما اتجه فريق رابع إلى أن المرأة لم تكن يهودية ولا نصرانية، وإنما كانت بين بين، كانت تعتقد بوجود الله وترى التوحيد، كما يراه الفلاسفة، وليس كما تصوره ديانة الكليم أو المسيح عليهما السلام١.
ويختلف المؤرخون كذلك في أصل الزباء، فذهب فريق منهم إلى أنها مصرية، وذهب فريق ثان إلى أنها من العماليق، وذهب فريق ثالث إلى أنها آدومية، واتجه فريق رابع إلى أنها من أصل عربي، ولكنها من دم مصري من ناحية الأم، بل إن المسعودي ليرى أنها رومية تتكلم العربية، ومع ذلك فإن الغالبية العظمى إنما تكاد تجمع على أنها عربية٢.
وأيا ما كان الصواب في هذه الروايات المتضاربة، فمما لا شك فيه أن شخصية تلك المرأة القوية لتعد واحدة من الشخصيات الهامة في تاريخ الشرق الأدنى القديم، ويصفها المؤرخون بأنها امرأة قوية الشخصية، قوية البنية، شجاعة جميلة، ذات هيبة ووقار، كانت تستوي في الجمال مع كيلوبترا، وإن فاقتها عفة وطهارة، وجرأة وشجاعة، كانت من ألطف بنات جنسها، وأكثرهن بطولة، كانت سمراء الوجه، ذات أسنان ناصعة البياض كاللؤلؤ، تفيض عيناها السوداوان حيوية غير عادية، مع رقة جذابة إلى أبعد حد، كان صوتها قويا مطربا، وكانت سيرتها أقرب إلى سير الأبطال، منها إلى سير النساء، فلم تكن تركب في الأسفار غير الخيل، وقد سارت على قدميها في بعض المرات عدة أميال على رأس الجيش، وكانت تلبس في المناسبات الرسمية ثوبا من الأرجوان موشى بالجواهر، مشدودا عند الحصر، وإذا ما استعرضت جيشها في الميادين العامة تمر أمام الصفوف فوق جوادها، وعليها لباس الحرب، وفوق رأسها الخوذة الرومانية، تاركة إحدى ذراعيها عاريا حتى الكتف -كما يفعل المحاربون من اليونان القدامى- تحرض جندها على الصبر في
стр. 540
القتال، والشجاعة عند لقاء العدو، فإذا ما كان عندها فراغ من وقت، قضته -كما كان يفعل أذينة- في صيد وحوش الصحراء الكاسرة، كالأسد والدب والنمر.
كانت طموحة أريبة ذات سبق في مضمار السياسة، تبت في الأمور بحزم وحكمة، بدلا من أن تتردى في حمأة الأهواء التافهة، التي كثيرا ما تشوب حكم النساء، فإذا كان الأوفق أن تعفو وتصفح، استطاعت أن تحد من غضبها وتخفف من غلوائها، وإذا كان لزاما أن تبطش، استطاعت أن تخرس نداء الشفقة والرحمة، وكانت مثقفة، لم تكن تجهل الاتينية، ولكنها كانت تجيد اليونانية والسريانية والمصرية بنفس القدر، وهي لغات المثقفين في ذلك العصر، كما ألفت أن تعقد موازنة بين روائع هوميروس وأفلاطون تحت إشراف "لونجينوس"، وأن تعيش في قصرها على نظام بلاط الأكاسرة، إذ كان حاشيتها تحييها بالسجود، حسب الأسلوب الفارسي١.
وأيا ما كانت المبالغة في ذلك كله، فالذي لا شك فيه أن تلك المرأة كانت خيرب خلف لزوجها البطل، وأنها منذ أعلنت نفسها ملكة على الشرق- مستخفة إلى حين بالإمبرطورية الرومانية- بدأت تعمل على تكوين دولة عربية قوية تحت زعامتها، بخاصة وأنها أدركت بفطتها السياسية أن أعداء تدمر، إنما هم الرومان، والذين لا يفكرون إلا في مصلحة روما فحسب، ومن ثم فقد بدأت تتقرب إلى العناصر العربية المستوطنة في المدن، فضلا عن الأعراب الذين كانت ترى أنهم عمادها في القتال وسندها في الحروب، إلا أن الرومان كانوا أسرع منها، فقضوا على آمالها قبل أن تتحقق، بل واحتلوا تدمر نفسها٢.
وكانت بداية النزاع بين الزباء والرومان، يوم أرسل "جالينو" بجيش لاحتلال تدمر والقضاء على الزباء، قبل أن يستفحل خطرها، متظاهرا بأنه يريد محاربة
стр. 541
الفرس، إلا أن الملكة العربية سرعان ما اكتشفت السر، ومن ثم فقد دارت بين الفريقين معركة حامية الوطيس، كتب النصر فيها للزباء، وحاقت الهزيمة بالروم١، وفي نفس الوقت، فإن الملكة قد خافت أن يستغل الفرس الفرصة، فيوجهوا إليها ضربة قد تكون غير مستعدة لها، ومن ثم فقد أنشأت حصنا على الفرات، دعته "زنوبيا" "Zenobia" نسبة إليها٢.
وأخيرا بدأت الزباء ترنو بناظريها نحو أرض الكنانة -تلك الأرض الخصبة الآهلة بالسكان، وذات التاريخ المجيد، والثقافة العريقة- بعد أن أذاعت- إن صدقا أو كذاب- أنها مصرية من نسل كليوبترا، وجاءتها الفرصة ممثلة في مقتل "جالينو" عام ٢٦٨م، وتولية "كلوديوس" "٢٦٨-٢٧٠م" خلفا له، وفي نفس الوقت كان الألمان والقوط قد بدءوا بهاجمون القسم الغربي من الإمبراطورية الرومانية، مما دفع "بروبوس" -الحاكم الروماني في مصر- إلى أن يخرج بأسطول الإسكندرية لمطاردة القوط، وهنا بدا الزعماء المصريون -وعلى رأسهم تيماجنيس وفرموس- يحرضون الزباء على فتح مصر، بل ويقدمون لها العون المادي على هذا الفتح.
وهكذا تحرك "زبدا" -قائد جيش الزباء، على راس حملة، قوامها سبعون ألف رجل- إلى مصر، وهناك دارت معركة رهيبة بين الفريقين، انتهت بنصر مبين لجيش زنوبيا، وهزيمة ساحقة لجيوش الرومان، وضم مصر إلى دولة الزباء، ولكن ما أن يمضي حين من الدهر، حتى يعود "زبداط بجيشه إلى تدمر، تاركا الأمور بيد "تيماجنيس" ومع فرقة صغيرة لا يتجاوز عددها خمسة آلاف جندي، وفي نفس الوقت كان "بروبوس" قد علم بما حدث، فأسرع عائدا إلى مصر، وأخذ يتعقب الجنود التدمريين، ويطاردهم في كل مكان، وتعلم الزباء بالتطورات الجديدة، فتأمر "زبدا" بالعودة إلى مصر، حيث يشتبك الرومان والتدمريون في معارك ضارية، يلعب فيها عرب مصر من سكان المناطق الشرقية، فضلا عن
стр. 542
"تيماجنيس" -وهو مصري على رأي، وعربي متمصر على رأي آخر- أخطر الأدوار إلى جانب التدمريين، وبخاصة في المعارك التي دارت حول حصن بابليون١.
وتنتهي المعارك باتفاق بين الزباء والرومان في أخريات أيام "كلوديوس"، على أن يكون حكم مصر مشتركا بينهما، بدليل ما جاء في بعض المراجع من أن المصريين قد حلفوا يمين الولاء للقيصر، وبدليل ما عثر عليه من عملات تدمرية نقشت في الإسكندرية في عام ٢٧٠، ٢٧١م، وعلى وجهها صورة القيصر" "أورليان" "٢٧٠-٢٧٥م"، بجانب صورة "وهب اللات" "ابن الزباء"، مما يدل على الحكم المزدوج بينهما٢.
كان فتح الزباء مصر، والاستيلاء على الإسكندرية -أهم مدن الإمبراطورية الرومانية قاطبة بعد روما- ضربة أصابت الروم في الصميم، ثم جاءت سياسة الزباء التوسعية في الشام وآسيا الصغرى، دليلا على أن طموح تلك المرأة القوية لا يقف عند حد، ومن ثم فإن الإمبراطور "أورليان" سرعان ما انتهز فرصة القضاء على الاضطرابات في روما، ورد هجوم القوط، حتى بدأ يعد العدة لمعركة فاصلة مع الزباء، غير أن الملكة العربية سرعان ما علمت بدورها بنية الإمبرطور الروماني، فقررت أن تتحداه إلى آخر الشوط، وهكذا نراها تأمر بإلغاء الإتفاقية المبرمة مع سلفه "كلوديوس"، فتصدر النقود في الإسكندرية وقد خلت من صورة "أورليان" واقتصرت على صورة ولدها "وهب اللات" الذي اتخذ لقب "أغسطس" -وهو اللقب الخاص بأورليان- كما أسبغت هي على نفسها لقب "اغسطا"، ثم أقامت لزوجها المتوفي تمثالا كتب عليه "تمثال سبتميوس أذينة ملك الملوك، ومجدد
стр. 543
الشرق كله"١.
وهناك رواية تذهب إلى أن الزباء قد اتصلت بالملكة "فيكتوريا" ملكة إقليم الغال، لتنسيق خططهما ضد الرومان، ثم بدأت جيوشها تتوغل في آسيا الصغرى، وأقامت الحاميات باتجه الشمال الغربي حتى "أنقره"، وظلت جيوشها تتقدم دونما أدنى مقاومة، حتى "خلقدونية" مقابل بيزنطة، وهكذا استطاعت ملكة البادية أن تكون لنفسها ولإبنها إمبراطورية انتزعتها من بين مخالب النسر الروماني، وهو في أوج قوته، ورغم أنها كانت إمبراطورية قصيرة الأجل، إلا أنها كانت ومضة عربية تستحق التقدير في تاريخ العلاقات العربية الرومية، وتسبق إمبراطورية الأمويين "١-١٣٢هـ = ٦٦١-٧٥٠م" بأربعة قرون٢.
غير أن تنفيذ هذه الخطة، دعا الزباء إلى أن تسحب كثيرا من قواتها من مصر، وانتهز أورليان الفرصة، ونجح قائده في أن يلحق بالتدمريين في عام ٢٧١م، هزيمة كانت نتيجتها خروج مصر من إمبراطورية الزباء، وانقطاع ضرب النقود في الإسكندرية باسم ولدها "وهب اللات"، وإن كان أخطر النتائج التي تمخضت عن فقد مصر، أن الزباء بدأت تفقد الثقة بنفسها وبجيشها، كما شجعت أهل خلقدونية بآسيا الصغرى على صد هجوم التدمريين، أملا في نجده قريبة تأتي من القيصر الروماني، وهذا ما حدث بالفعل، إذ سرعان ما قدمت الجيوش الرومانية بقيادة القيصر نفسه فعبرت البسفور، وطردت التدمريين من "بتينية" ثم اتجهت إلى "غلاطية" فـ "قبادوقيا" حتى بلغت "أنقرة"، وهكذا استطاع أوليان في عام ٢٧٢م، أن يخضع الحاميات التدمرية في آسياء الصغرى، وأن يتابع مسيرته حتى سورية٣.
وحاولت جيوش الزباء أن توقف جيوش الروم في سورية، في الوقت الذي بدأت فيه الدعايات الرومانية تنتشر بين الناس بنبؤات الآلهة عن سقطو تدمر،
стр. 544
وقبلت عقول العامة هذه الأكاذيب، وأخذ اليأس يتسرب إلى نفوس الجنود، وأرادت الزباء أن تخرس الألسنة فخرجت لملاقاة أورليان عند أنطاكية- فارسة تحارب في طليعة الجيش- ونجحت شخصيتها القوية في أن تعيد الثقة إلى جنودها، وحققت نصرا على الرومان، إلا أن أورليان الذي تراجع بقواته سرعان ما باغت الزباء بهجوم مفاجئ حقق فيه نصرا كبيرا، مما اضطر الزباء إلى ترك أنطاكية لأورليان، لا بسبب هزيمتها فحسب، ولكن لأن القوم هناك كانوا يميلون إلى جانب الرومان بعواطفهم، فهناك جالية يونانية ذات نفوذ في المدينة تفضل حكم الرومان على حكم الشرقيين، وهناك كره النصارى للزباء بسبب موقفها من الأسقف "بولس السميساطي" الذي عزله مجمع أنطاكية، ولكنها لم تنفذ قرار العزل، وهناك كراهية اليهود للتدمريين١.
واستعدت الزباء لملاقة "أورليان" في حمص، على رأس جيش قوامه سبعون ألفا، وتكرر ما حدث في أنطاكية، نصر الزباء في أول الأمر، ثم هزيمة لها بعد ذلك، مما اضطرها إلى ترك حمص، والاحتماء بتدمر نفسهان وهكذا دخل أورليان حمص، فزار معبد الشمس، وقدم القرابين لإله المدينة، كما تعهد بتجميل المعبد وتوسيعه٢.
وحاولت الزباء الاتصال بالفرس طلبا للمساعدة ضد عدوهما المشترك، غير أن القوم قد انشغلوا عن ذلك كله، بموت "سابور"، وتولية ولده "هرمز الأول" "٢٧٢-٢٧٣م"، ثم عزله بعد عام واحدا، هذا فضلا عن أن حراب القيصر وسخائه، كانا كفيلين بقطع الطريق على أية مساعدة فارسية تأتي للزباء، أضف إلى ذلك أن أورليان كان قد عزز قواته بنجدات أتته من مختلف أنحاء سورية، إلى جانب وصول "بروبوس" بقواته الظافرة من مصر٣.
وهكذا بدأ الحصار القاتل على المدينة الشجاعة، التي قابلته بصبر وبطولة، بل وسخرية من قيصر روما، حتى أن هذه السخرية سرعان ما وصلت إلى روما
стр. 545
نفسها، فبدأ الرومان بدورهم يسخرون من القيصر الذي عجز عن التغلب على امرأة في مدينة صحراوية، وهناك رواية تذهب إلى أن القيصر قد كتب إلى مجلس الشيوخ يقول: "قد يضحك مني بعض الناس لمحاربتي امرأة، ألا فليعلموا أن الزباء إذا قاتلت كانت أرجل من الرجال"١.
ويعرض القيصر على الزباء التسليم بشروط معتدلة، وترفض الملكة العربية العرض بإباء وشمم، مذكرة إياه بأنها تفضل كيلوبترا على عار الاستسلام له، وأنها سوف تلقنه درسا قاسيا على جرأته على الكتابة إليها، طالبا منها الاستسلام، عندما يحين الوقت، ويأتي إليها أعوانها من الفرس والعرب والأرمن، ومن أسف أن الملكة انتظرت، وطال انتظارها، وأخيرا أدركت أنها تحارب في معركة خاسرة، ومن ثم فقد قررت أن تذهب بنفسها إلى ملك الفرس، فخرجت ليلا على هجين سريع تبغي حصنها "زنوبيا"، ثم تعبر الفرات من هناك إلى فارس، إلا أن الأقدار أبت أن تكتب لها أي نجح في إثرها، فقبضت عليها، وهي تهم بركوب زورق ينقلها إلى الشاطئ من الفرات، وهكذا فقدت الزباء الأمل في نصرة الفرس لها، كما فقدت ابنها، وهو يذود عن حياض بلاده٢.
وهكذا لم يصبح أمام تدمر سوى الاستسلام، ومن ثم فقد فتحت أبوابها في أوائل عام ٢٧٣م لقيصر روما، فدخلها أورليان دخول الفاتحين، كما جردها من تحفها الثمينة التي أخذ بعضها لتزيين معبد الشمس الجديد في روما، واقتصر عقاب السكان على فرض غرامة مالية عليهم، وتعيين حاكم روماني، مع عدد من الرماة، وهكذا عادت تدمر إلى حظيرة الإمبراطورية الرومانية، بعد أن شقت عصا الطاعة، منذ أسر فالريان في عام ٢٦٠م٣.
стр. 546
وأخذت الزباء إلى حمص، وهناك عقد مجلس لمحاكمة الملكة العربية العظيمة ورجال بلاطها، وتذهب بعض الروايات إلى أن الزباء قد تنصلت عن مسئوليتها عما حدث، فضلا عن اعترافها بأنها لم تكن إلا الاحتقار لأمثال جالينوس وكلوديوس، ولكنها تعترف لأورليان وحده بأنه ملك فاتح، إلا أن كثيرا من المؤرخين ينكرون هذه الرواية التي لا تتفق وما كانت عليه الزباء من سمو الأخلاق، فضلا عن الكرم والشجاعة والثقافة، وأيا ما كان نصيب هذه الرواية من الخطأ والصواب، فإن أورليان قد أمر بإعدام بعض رجال الزباء، وإن كان قد أبقى عليها، هي وابنها "وهب اللات" "الذي ذهبت الروايات إلى أنه قتل في ميدان القتال"، بغية إلحاقهما بموكب النصر، الذي سوف يقيمه عند دخوله روما، عاصمة الإمبراطورية الرومانية١.
وجاءت الأنباء إلى قيصر، وهو في طريقه إلى روما، بثورة عاتية في تدمر، وأخرى في مصر، وهنا لم يتردد "أورليان" لحظة في أن يتولى وجهه شطر سورية، وروعت أنطاكية لعودة الأمبراطور على عجل، وأحست تدمر وطأة حنقه الذي لا يمكن دفعه، وهناك رسالة يعترف فيها أورليان بأن الشيوخ والنساء والأطفال والفلاحين لم ينجوا من العقاب الرهيب، الذي كان خليقا بأن يقتصر على المتمردين المسلحين، وبعد أن أشبع أورليان نهمه الدنيء من التدمريين، أمر بالكف عن المذابح وترميم معب الشمس، إلا أن المدينة كانت قد فقدت كل عظمتها القديمة، وأخذ رماة السهام وقواسي تدمر ليعملوا في خدمة الجيش الروماني في إفريقيا، وحتى في بريطانيا٢.
وهكذا أخذت تدمر تتوارى في الظلام، حتى أنها غدت على أيام "دقلديانوس" "٢٨٤-٣٠٥م" بمثابة قرية صغيرة، وقلعة من قلاع الحدود، وطبقا لرواية "ملالا" فإن "دقلديانوس" قد ابتنى فيها "Castra"، بعد أن تم صلح بينه وبين الفرس، كما يشير الأب "سبستيان رتزقال" إلى أنه فعل بنصارى تدمر، ما فعله بإخوتهم في كل أقاليم الإمبراطورية٣.
стр. 547
وفي أوائل القرن الخامس الميلادي، أصبحت تدمر تابعة لولاية "فينيقيا"، وقد عين فيها "ثيودوسيوس" "٤٠٨-٤٥٠م" فرقة من الجنود لحمايتها من هجمات رجال البادية، وفي العام الأول من حكم "جستينيان" "٥٢٧-٥٦٥م" أصبحت تدمر على خط الحدود الخارجية للإمبراطورية، ومن ثم فقد أمر بتقوية حاميتها، وإصلاح ما تهدم من مبانيها، فضلا عن تحصين قلاعها وأسوارها وتحسين موارد مياها، ثم اتخاذها مقرا لحاكم ولاية فينيقيا، ومع ذلك، فإن تدمر بدأت تفقد أهميتها شيئا فشيئا، ورغم الإشارة إليها كمركز أسقفي في الصحراء، فإن الصحراء قد تغلبت عليها يوم فقد سكانها السيطرة على هذه الصحراء، وظلت كذلك حتى فتحها "خالد بن الوليد" صلحا في عام ٦٣٤م، على أيام الخليفة الراشد أبي بكر الصديق- ﵁ وأرضاه- "١١-١٣هـ=٦٣٢-٦٣٤م" غير أنها لم ولن تعود كما كانت على أيام الزباء١.
стр. 548
الفصل السابع عشر: الغساسنة
مدخل
...
الفصل السابع عشر: الغساسنة
في أثناء الفترة التي كانت فيها دولة تدمر تتوارى في الظلام، بعيدا عن المسرح السياسي والحضاري، كان بدو شبه الجزيرة العربية يمتلئون بقوة جديدة، فالظروف الاقتصادية التي أحاطت باليمن، من انهيار سد مأرب، ثم حدوث سيل العرم، وغيره من أحداث أدت إلى اضمحلال دولة حمير اليمنية، كل ذلك وغيره كان سببا في أن تهاجر قبائل بأسرها من جنوب بلاد العرب إلى شمالها، بحثا عن أرض جديدة١.
وكانت النتيجة الأخيرة لهذه الحركة أن ذاق الفرس والروم مر العذاب من هجرة الأعراب وغزواتهم، فأنشئوا على أطراف الصحراء الحصون ومدوا الطرق العسكرية ليأمنوا غارات قبائل البدو، وليسهلوا طرق التجارة، واتخذ الفرس قبائل من العرب عرفوا باللخميين أو المناذرة، كما اتخذ الرومان أولا قبائل من بني سليح، ثم قبائل من بني غسان أعوانا لهم٢.
وهكذا جاءت عقب البتراء وتدمر دويلتان جديدتان على أطراف الصحراء، ففي القرن الخامس والسادس الميلادي، ازدهرت حول دمشق مملكة الغساسنة، وفي نفس الوقت ازدهرت دويلة اللخميين في الحيرة بالقرب من ضفاف الفرات، وكانت هاتان الدويلتان تابعتين لإمبراطوريتي بيزنطة وفارس- وكانتا بمثابة مركزي حراسة لهما على حدود الصحراء، وقد نتج عن هذه السياسة التي سارت عليها
стр. 549
الإمبراطوريتان القديمتان دوام الحرب بين دولتي المناذرة والغساسنة -وهما أبناء عم ومن دم واحد- ولكنهما اضمحلتا واختفتا قبيل الفتح الإسلامي العظيم١، تاركتين الإمبراطوريتين وجها لوجه مع الهداة الجدد، حملة لواء الإسلام، وهداية القرآن، وسنة المصطفى -صلوات الله وسلامه عليه.
وهكذا قامت دولة الغساسنة للروم، مقابل دولة المناذرة للفرس، بمعنى أنها كانت دولة حاجزة "Buffer State" اتخذ منها الروم مجنا يقيهم شر هجمات البدو عليهم من أطراف الصحراء من جهة، وليثيروهم ضد الفرس ويستعينوا بهم عليهم من جهة أخرى٢، هذا إلى أن المناذرة إنما كانوا يجمعون الضرائب من القبائل العربية القريبة منهم، ويقدمونها للفرس، كما كان الغساسنة يجمعون مثل هذه الضرائب للروم٣.
وتاريخ دولة الغساسنة هذه غامض لقلة المصادر، ولامتزاج الحقائق فيه بالأساطير، ولضياع معظم آثار بني غسان، ومن ثم فلا تتفق المصادر العربية مع اليونانية إلا في النذر اليسير، بل إن المؤرخين العرب أنفسهم إنما يختلفون في عدد الملوك وأسمائهم وسني حكمهم٤، فهم عند "حمزة الأصفهاني" ٣٢ ملكا، وعند "أبي الفداء" ٣١ ملكا٥، وعند المسعودي وابن قتيبة إنما هم أحد عشر فقط٦، وأما "نولدكه" فالرأي عنده أن عددهم لا يتجاوز العشرة، وأنهم حكموا في الفترة "٥٠٠-٦٣٥م"، بل إن "هرشفلد" ليحددهم بسبعة فقط٧، ويرى "جرجي زيدان" أنهم سبعة عشر وأنهم حكموا في الفترة "٢٢٠-٦٣٣م"٨.
стр. 550
ولعل السبب في هذا الاختلاف إنما هو اختلاط أخبار آل غسان بالقبائل العربية التي سبقتهم إلى سورية، ودانت بالنصرانية، وخضعت لحكم الرومان، كما أن من أسبابه أيضا اقتصار مؤرخي العرب على الناحية الأدبية من تاريخ الغساسنة، وإهمال تاريخهم السياسي، بالطريقة التي أهملوا بها تاريخ اليونان والرومان، أضف إلى ذلك هذا التشابه في الأسماء بين حارث ومنذر ونعمان، واختلاط ذلك أيضا بالتشابه والتقارب مع أسماء ملوك المناذرة١.
أضف إلى ذلك أن هذا الاختلاط أو الخلاف بين مؤرخي العرب على عدد ملوك آل غسان، إنما هو دليل على ما يحيط بأسرة "آل جفنة" من غموض، وفي الواقع أن تاريخ الأسرة بكامله غامض، حتى أصل الأسرة نفسها، فالمؤرخون العرب يرون أن الغساسنة -وكذا المناذرة- إنما ويرجحون أنهم من عرب الشمال، لأسباب، المحدثين ما يزالون في ريب من هذا، ويرجحون أنهم من عرب الشمال، لأسباب، منها "أولا" أن لغة الغساسنة -وكذا المناذرة- إنما هي لغة عدنانية، أكثر منها قحطانية، بل إنها لا تمت إلى الحميرية الجنوبية بصلة، ومنها "ثانيا" أن أسماءهم إنما تشبه في مجموعها أسماء عرب الشمال، وكذا العادات والذين، والتي هي أكثر انطباقا على عادات وديانة عرب الشمال٢.
وأيا ما كان الأمر، فإن الرواية العربية- كما أشرنا من قبل- تذهب إلى أنهم قد هاجروا من اليمن واستوطنوا أرض حوران٣ حيث كان هناك قوم يعرفون "بالضجاعمة" من قبائل بني سليح بن حلوان من قضاعة، قد استقروا هناك، ورضخوا لحكم الرومان ودانوا بالنصرانية من قبل مجئ بني غسان، ثم اعترفت الدولة البيزنطية بهم ووضعتهم تحت حمايتها، واتخذتهم أعوانا لها ضد المناذرة والفرس، وكان ذلك في زمن الأمبراطور "أنستاسيوس" حوالي آخر القرن الخامس الميلادي، ومن ثم كانوا أول من شيد ملكا للعرب هناك٤.
стр. 551
وأما الغساسنة، فقد استقروا في نواحي الجنوب الشرقي من دمشق، على مقربة من الطرف الشمالي لطريق النقل الهام الذي كان يربط بين "مأرب" في الجنوب، و"دمشق" في الشمال١، وأما متى حدثت هجرة الغساسنة -وكذا المناذرة- من اليمن إلى الشام، فذلك موضع خلاف بين العلماء، صحيح أن الروايات العربية تحدد ذلك بانهيار سد مأرب، ثم حدوث سيل العرم، ولكن صحيح كذلك أن سد مأرب إنما انهار عدة مرات خلال الفترة الطويلة التي مضت منذ تشييده -لأول مرة- في منتصف القرن السابع قبل الميلاد- وربما الثامن كذلك٢- وبين آخر مرة أصلح فيها السد في عام ٥٤٣م على أيام أبرهة الحبشي، إذ أن هناك عدة إشارات في النصوص العربية الجنوبية إلى تهدم السد وإصلاح٣، ومن ثم فلا ندري على وجه التحديد في أي وقت من هذه الفترة -التي ربما تزيد على اثني عشر قرنا- قد حدثت هذه الهجرة، وأما الروايات العربية، فبعضها يذهب إلى أن ذلك إنما كان قبل الإسلام بأربعة قرون، وبعضها يرى أن ذلك إنما كان على أيام الحبشة، وبعضها يرى ذلك في القرن الخامس الميلادي، على أيام "حسان بن تبان أسعد"، وأخيرا فإن هناك روايات ترى أن ذلك إنما كان في القرن الرابع الميلادي٤.
وعلى أي حال، فما أن يمضي حين من الدهر على هجرة الغساسنة إلى الشام، حتى تبدأ الخلافات بينهم وبين الضجاعمة وينتهي الأمر بغلبة بني غسان على بني سليح، وإن لم يقضوا عليهم نهائيا، ومن ثم فقد بقوا -كما يرى نولدكه- في مواضع أخرى من الشام إلى زمن متأخر، بدليل أن النابغة الذبياني قد زار أحدهم في "بصرى"، وأن جماعة منهم قد حاربوا خالد بن الوليد في دومة الجندل تحت قيادة "ابن الحدرجان" وفي "قصم"٥.
стр. 552
ويروي الأخباريون أن الغساسنة إنما يسمون بعدة أسماء، منها "أزدغسان"، ويذهبون إلى أن "أزد" إنما هو اسم قبيلة، وأما "غسان" فهو اسم ماء في تهامة، نزل القوم عليه وشربوا منه، ومن ثم فقد عرفوا بأزدغسان، وعرف نسلهم بالغساسنة١، ويسمون كذلك "آل ثعلبة" نسبة إلى جد لهم يعرف باسم "ثعلبة ابن مازن"٢، كما يسمون كذلك "آل جفنة" و"أولا جفنة"، لأن أول ملوكهم إنما كان يسمى "جفنة بن عمرو مزيقياء"٣.
وأما العاصمة السياسية لآل جفنة، فيبدو أنها كانت في البدء مخيما متنقلا، ثم استقرت بعد ذلك في "الجابية" في منطقة الجولان جنوب غربي دمشق، كما كانت في بعض الوقت في "جلق" في جنوب حوران٤- والتي ربما كانت "الكسوة" الحالية، على مبعدة عشرة أميال جنوبي دمشق- وأما ديارهم، فكانت "الكسوة" الحالية، على مبعدة عشرة أميال جنوبي دمشق- وأما ديارهم، فكانت -طبقا لبعض الروايات العربية- في اليرموك والجولان وغيرهما من غوطة دمشق وأعمالها، وأن منهم من نزل الأرن من أرض الشام٥، وعلى أي فلقد امتدت دولتهم حتى شملت الجولان وحوران والبقاء، وأحيانا فينيقيا، فضلا عن أعراب سورية وفلسطين٦.
وعلى أي حال، فليس هناك من دليل على أن الغساسنة، قد ملكوا المدن الكبيرة
стр. 553
في الشام كتدمر وبصرى ودمشق، إذ أن هذه كانت محصنة، تتمركز فيها الحامية البيزنطية، ولكنهم كانوا يعتمدون على الصحراء، إذا داهمهم الخطر، فكانت تغنيهم عن المدن المحصنة، ومن ثم فقد كانت معظم حروبهم تدور على أطراف البادية، وإليها التجأوا عندما خلعوا سلطان الإمبرطور وثاروا عليه في عند "النعمان بن المنذر"، ولهذا فقد كان الروم يقيمون عمالا صغار بجانب ملوك غسان، حفاظا على التوازن الساسي، وإبقاء لسلطان الدولة في الأوقات العصبية، طبقا لسياسة "فرق تسد"١.
стр. 554
ملوك الغساسنة:
لعل "الحارث بن جبلة" "٥٢٨-٥٦٩م"، والمعروف بالأعرج، وبالحارث الأكبر، أول أمراء بني جفنة الذين يمكن الاطمئنان إلى وجودهم، وهو في نظر "نولدكه" اريتاس "Aretas" الذي ذكره المؤرخ السرياني "ملالا" على أنه كان عاملا للروم١، وقد عاصر الرجل من أباطرة الروم "جستنيان" "٥٢٧-٥٦٥م"، ومن أكاسرة الفرس "قباذ" "٤٤٨-٥٣١م" و"كسرى أنوشروان" "٥٣١-٥٧٩م"، ومن أمراء الحيرة "المنذر الثالث" "٥٢١-٥٥٤م".
وهناك ما يشير إلى نشوب حرب بين الحارث والمنذر الثالث، ربما بسبب بالعداوة التي انتقلت إليهم من العداوة التي كانت الفرس والروم، وربما لأن أمير الحيرة اعدى أن القبائل العربية النازلة فيما بين دمشق وتدمر، إنما تخضع لسلطانه، فنازعه الأمير الغساني هذا السلطان، وأيا ما كان السبب، فإن الرجلين قد اشتبكا في أبريل من عام ٥٢٨م في حرب كتب النصر فيها للحارث الغساني، ومن ثم فقد منحه "جستنيان" لقب "ملك"- وهو لقب لم يمنحه الروم لواحد من عمالهم في سورية من قبل -كما بسط سلطانه على قبائل عربية متعددة، بغية أن يجعل منه خصما قويا لأمير الحيرة، إلا أن المنذر لم يرعو مع ذلك عن غزو حدود الشام الشرقية، حتى بلغ أسوار أنطاكية، وإن أجبره ظهور القوات الرومانية على العودة إلى بلاده قبل أن يشتبك معها٢.
стр. 555
على أن "نولدكه" إنما يرى أن "جستنيان" لم يمنح الحارث بن جبلة لقب "ملك" فذلك لقب كان مقصورا على أباطرة الروم، وإنما منحه في عام ٥٢٩م، لقب "بطريق" "Patricius" أو لقب "شيخ قبيلة" "فيلارخ Phiarch" ثم ترجم العرب -وكذا السريان- هذا اللقب بمعنى "ملك"١، هذا ونعرف من نقش "جلازر ٦١٨"٢ أن أبرهة الحبشي لم يسبغ على الحارث بن جبلة في هذا النقش لقب ملك، مما يدل على أن الرجل لم يكن يحمل لقب "ملك" بصفة رسمية، وأن الملوك من تلك الفترة لم يكونوا يعدونه واحدا منهم، وعلى أية حال، فإن الحارث بن جبلة كان أول أمراء بني غسان الذين حملوا اللقبين "بطريق وفيلارخ" معا، ثم توارثهما الأبناء عن الآباء فيما بعد٣.
هذا ويرى "ملالا" أن الحارث قد أخمد ثورة في فلسطين قام بها السامريون في عام ٥٢٩م٤، وهم من بقايا الإسرائيليين الذين بقوا في السامرة -عاصمة إسرائيل- بعد الأسر الأشوري في عام ٧٢٢ق. م، ثم اختلطوا بالمهجرين الجدد الذين أتى بهم سرجون الثاني "٧٢٢-٧٠٥ق. م"، من بلاد بعيدة، ومن ثم فقد ظهر جنس جديد، هم السامريون، الذين يختلفون عن اليهود دما، وإن كانوا أقرب إليهم من غيرهم ثقافة ودينا٥، غير أنهم رغم اتفاقهم مع اليهود في عبادة "يهوه"، إلا أن شقاقا قد حدث بين الفريقين حوالي عام ٤٣٢ق. م، بعد عودة "عزرا" و"نحميا" من السبي البابلي، بسبب النقاوة العنصرية لليهود، ومن ثم فقد أصبح
стр. 556
السامريون يتخذون من "جرزيم"- وليس أورشليم- مكانا مقدسا لهم، وأن التوراة المعترف بها في نظرهم، إنما هي الأسفار الخمسة الأولى دون سواها، وإن أضافوا إليها في بعض الأحايين سفر يشوع، ومن ثم فإن كتابهم المقدس إنما يتكون من ستة أسفار فقط "التكوين، الخروج، اللاويين، العدد التثنية، يشوع"١.
وعلى أي حال، ففي ١٩ من أبريل عام ٥٣١م، تنشب معركة حامية الوطيس بين الفرس والروم، يشترك فيها الحارث بن جبلة إلى جانب الروم تحت قيادة "بليزاريوس"، وتنتهي بنصر للفرس وهزيمة للروم، وبإلقاء ظلال من شك في إخلاص الحارث للروم، ولعل السبب في ذلك أن الحارث لم يكد يعبر الدجلة حتى ارتد إلى مواقعة السابقة عن طريق غير التي سلكها معظم الجيش، وربما أنف الرجل أن يعمل تحت قيادة بيزنطي، وربما كان يفضل أن يعمل بمفرده، وربما كان السبب خلافا بين الرجلين على أمر ما٢.
وفي عام ٥٤٤م، تتجدد المعارك بين الحارث والمنذر، وينتهي القتال بهزيمة الأمير الغساني وأسر أحد أولاده، الذي قدمه المنذر قربانا للإلهة العزى، وفي عام ٥٤٥م "أو ٥٤٦م" ترفرف رايات السلام على المعسكرين المتنافسين -الفرس والروم- ولكن الأمر كان جد مختلف بالنسبة لحلفائهما من المناذرة والغساسنة، إذ سرعان ما يتجدد القتال بينهما، وهناك، وعلى مقربة من "قنسرين" تنشب بين المنذر والحارث معركة رهيبة في عام ٥٥٤م، تنتهي بقتل المنذر نفسه، فضلا عن ابن للحارث يدعى "جبلة" دفنه أبوه في قلعة "عين عوداجة" على مقربة من قنسرين -وربما كانت "عذبة" الحالية على مقربة من الطريق الروماني- على أن "نولدكه" إنما يرى أن الموقعة قد حدثت بالقرب من "الحيار" ربما اعتمادا على رواية عربية
стр. 557
تجعل موت المنذر في هذا المكان قريبا من "قنسرين"١.
ولعل هذه المعركة هي التي عرفت في أخبار العرب بـ"يوم حليمة"؛ ذلك لأن حليمة بنت الحارث هذه -طبقا للرواية العربية- كانت تحرض الرجال على القتال، أو لأن أباها قد أعلن أنها سوف تكون زوجة لمن يقتل المنذر، أو لأنها كانت قد أقبلت على مائة من المحاربين تطيب أجسامهم وتلبسهم الأكفان والدروع٢، وأيا ما كان الأمر، فهناك ما يشير إلى شهرة هذا اليوم من بين أيام العرب في الجاهلية، فقد جاء ذكره في شعر النابغة الذبياني، كما جاء في الأمثال، "ما يوم حليمة بسر"٣، وإن كان "نولدكه" إنما يذهب إلى أن "حليمة" هذا، إنما هو اسم مكان، وليس اسما لامرأة، هي ابنة الحارث -طبقا لرواية الأخباريين- كما أنه لا يفرق بين المواضع والمعارك التي دارت في "الحيار" و"ذات الخيار" و"يوم الحيارين"، التي ترددت في كتب التاريخ والشعر العربي، كما أنه يرى أنها جميعا، إنما تشير إلى معركة واحدة، لقي المنذر فيها حتفه٤.
وعلى أي حال، فهناك ما يشير إلى أن الحارث قد اعتنق النصرانية على المذهب "المونوفيزي" القائل بوجود طبيعة واحدة للسيد المسيح، وليس طبيعتين -الواحدة إلهية، والأخرى بشرية- ومن ثم فقد سعى في عام ٥٤٢/ ٥٤٣م، لدى الإمبراطورة "ثيودورة" زوج الإمبراطور جستنيان "٥٢٧-٥٦٥م" لتعيين يعقوب البرادعي، مؤسس الكنيسة السورية اليعقوبية ورفيقه "ثيودوروس" أسقفين في المقاطعة العربية
стр. 558
السورية على رأي١، وفي أثناء رحلته إلى القسطنطينية في عام ٥٦٣م، على رأي آخر٢. وأيا ما كان الأمر، فلقد عمل الحارث على نشر المذهب المونوفيزي في دويلته، وأصبحت "بصرى" عاصمة دينية للمنطقة، وذلك على الرغم من أن الإمبراطورية الرومانية كانت تنظر إلى هذا المذهب المسيحي نظرة شك وريبة، ومن ثم فقد كان هذا سببا في أن ينظر الإمبراطور إلى الحارث نفسه، نظرة الشك ذاتها، وزاد النار اشتعالا بطارقة القسطنطينة الذين كانوا يكرهون المذهب اليعقوبي، ويعتبرونه نوعا من الهرطقة الدينية٣.
ومهما يكن من أمر، فلقد وصلت دولة الغساسنة وقت ذاك إلى ذروة اتساعها، فقد كانت تمتد من قرب البتراء إلى الرصافة شمالي تدمر، وتشمل البلقاء والصفا وحران، وأصبحت "بصرى" التي بنيت "كاتدارئيتها" في عام ٥١٢م العاصمة الدينية في المنطقة، فضلا عن شهرتها كمركز تجاري مهم٤.
وفي عام ٥٦٣م، زار الحارث جستنيان في القسطنطينية، فترك أثرا عميقا في نفوس رجال البلاط الإمبراطوري، كشيخ عربي مهيب، وإن لم يقابل بما يجب أن يقابل به الأبطال من مظاهر الحفاوة والتكريم، بسبب الخلافات المذهبية، ولعل السبب في هذه الزيارة، إنما كان مفاوضة الرومان فيمن يخلفه من أولاده، فضلا عن الاتفاق على السياسة التي يجب اتخاذها إزاء "عمرو بن المنذر"٥.
стр. 559
وجاء بعد الحارث ولده المنذر "٥٦٩-٥٨١م، أو ٥٧٠-٥٨٢م"١، وهو المعروف بـ "Aiamoundaroes" عند اليونان والسريان، وبالمنذر الأكبر عند "حمزة الأصفهاني"٢، وقد نهج نهج أبيه في معاداة اللخميين أتباع الفرس، وإن كان أكبر الظن أن ملك الحيرة "قابوس بن هند" هوالبادئ بالحرب، وهكذا دارت رحى الحرب بين الفريقين عند "عين أباغ" في مايو من عام ٥٧٠م، كتب النصر فيها للمنذر الغساني، ولقي اللخميون هزيمة نكراء٣.
وما أن يمضي حين من الدهر، حتى تبدأ العلاقات بين الروم وآل جفنة تتلبد بالغيوم، ربما بسبب الخلافات المذهبية بين الفريقين وتعصب المنذر الغساني للمذهب المونوفيزي، بل إن هناك من يذهب إلى أن المنذر قد عقد مجمعا كنسيا أعلن فيه هرطقة القائلين بالتثليث، وعلى رأسهم الإمبراطور نفسه، وربما لأن سياسية المنذر كانت هي السبب في استيلاء الفرس على "٤Rhomaye".
وأيا ما كان السبب فإن الإمبراطور "جستين الثاني" "٥٦٥-٥٧٨م"، بدأ يرتاب في ولاء المنذر السياسي، ومن ثم فقد قرر التخلص منه عن طريق البطريق "مرقيانوس"، إلا أن المنذر -على ما يبدو- لم يكن غافلا عما يدور حوله، أو أن حامل الرسالة إلى "مرقيانوس" قد أخطأ صاحبها، فسلمها إلى المنذر بدلا من البطريق، وهكذا قر المنذر إلى البادية، وتحصن بها، بل إن هناك من يذهب إلى أنه قد انتهز الفرصة، فصالح أعداءه التقليديين "ملوك الحيرة"، وقد أدى هذا الوضع الجديد إلى أن يشن قابوس بمفرده -أو بالاشتراك مع المنذر- الغارات على سورية، وأن يعيث فيها فسادًا٥.
стр. 560
ويضطر الإمبراطور الروماني في عام ٥٧٨م، إلى عقد صلح مع المنذر في الرصافة، وهناك ما يشير إلى أن ملك غسان قد قام بعدة إصلاحات في الرصافة، كما بنى أو جدد كنيستها١، كما قام في عام ٥٨٠م، بزيارة القسطنطينية، حيث استقبله "تيبيريوس" الثاني "٥٧٨-٥٨٢م" استقبالا حافلا، فضلا عن الإنعام عليه بالهدايا وعلى ولديه برتب عسكرية، إلا أن أعظم المنح إنما كان "التاج" بدل "الإكليل"، الأمر الذي لم يسبق له مثيل مع ملوك الغساسنة، حتى أطلق عليه مؤرخو الروم "المنذر ملك العرب"٢.
على أن العلاقات بين المنذر والروم، سرعان ما بدأت تسوء من جديد، وربما كان السبب هذه المرة فشل المحاولة اليت قام بها الروم لغزو الفرس، بسبب هدم الجسر المنصوب على الفرات، واتهما المنذر بذلك، وزاد الطين بلة أن المنذر أراد استرضاء الروم فأغار على الحيرة وأحرقها بالنار، ثم عاد محملا بالغنائم الكثيرة، غير أن هذا النجاح الساحق الذي حققه المنذر على اللخميين لم يمح ريبة الروم في ولائه لهم، وإنما اعتبروه تحديا لهم، ورغبة منه في الخروج على طاعتهم، ومن ثم فقد انتهزوا فرصة تدشينه لكنيسة في حوارين، وقبضوا عليه وأرسلوه مخفورا إلى العاصمة البيزنطية، مع إحدى نسائه وبعض بناته وأولاده، حيث بقي هناك، إلى أن تولى "موريس" "٥٨٢-٦٠٢م" العرش، فأمر بنفيه إلى صقلية في عام ٥٨٢م، فلا عن قطع المعونة السنوية عن آل جفنة٣.
وقد أدى هذا التصرف من جانب البيزنطيين، إلى ثورة أبناء المنذر، وأخذوا يهاجمون حدود الروم بقيادة "النعمان" الذي خدع حوالي عام ٥٨٤م- كما خدع أبوه من قبل- فأرسل إلى القسطنطينية، وهكذا تصدع ملك الغساسنة، وانقسم
стр. 561
أمراؤهم شيعًا وأحزابًا، وحاول الروم أن يجدوا لهم بديلا في القبائل العربية، لإعادة الأمن وحماية الحدود من عرب الحيرة، ولكن دون جدوى١، حتى استطاع الفرس على أيام "كسرى أبرويز" "٥٩٠-٦٢٨م" غزو سورية "٦١١-٦١٤م" فاستولوا على أنطاكية ودمشق وبيت المقدس وخلقدونية -في مقابل القسطنطينية بآسيا الصغرى- ثم فتحوا مصر في عام ٦١٩م، وإن كان، فيما يبدو، أن هرقل "٦١٠-٦٤١م" حين نجح في استعادة سورية عام ٦٢٩م، ربما استعمل الغساسنة مرة أخرى، بدليل أنهم قد حاربوا المسلمين مرارا في جانب الروم، وأن خالد بن الوليد قد أوقع بهم في "مرج الصفر" جنوب دمشق، عام ٦٣٤م٢.
وأيا ما كان الأمر، فإن الروايات العربية تنظر إلى "جبلة بن الأيهم" على أنه آخر الغساسنة، وأنه قد حارب المسلمين في جانب الروم في موقعة اليرموك عام ٦٣٦م، على أن رواية أخرى إنما تذهب إلى أنه قد انحاز إلى جانب الأنصار، قائلا "أنتم إخوتنا، وبنو أبينا"، وأظهر الإسلام٣، إلا أنه قد ارتد بعد ذلك بسبب إهانة لحقته، حين وطئ أعرابي من فزارة فضل إزاره، وهو يسحبه في الأرض بمكة، فلطمه جبلة، ومن ثم فقد نابذه الأعرابي إلى الخليفة الراشد "عمر بن الخطاب" ﵁ وأرضاه- فحكم له بالقصاص، واعتبر "جبلة" ذلك إهانة له، ففر إلى بلاد الروم وارتد عن الإسلام، وبقي هناك حتى وافته منيته٤.
على أن رواية أخرى إنما تذهب إلى أن الحادث إنما كان في دمشق- وليس في مكة- وأنه كان عندما مر جبلة في سوقها فأوطأ رجلا فرسه، فوثب الرجل فلطمه،
стр. 562
فأدخلوه على "أبي عبيدة بن الجراح" الذي حكم بالقصاص، وكان جبلة يريد أن يقتل الرجل أو تقطع يده، فرفض أبو عبيدة، إلا حكم الله، فخرج جبلة إلى بلاد الروم وارتد١، وأخيرا فهناك رواية ثالثة تذهب إلى أن جبلة لم يدخل في الإسلام أبدا٢.
стр. 563
الفصل الثامن عشر: المناذرة
١- مدينة الحيرة:
كان العرب منذ قديم الزمان يهاجرون إلى تخوم شبه الجزيرة العربية الشرقية، حتى إذا ما وصلوا إلى وادي الفرات أقاموا في ربوعه، وفي أوائل القرن الثالث الميلادي، وإبان الاضطرابات التي أعقبت سقوط الأسرة البارثية وقيام الأسرة الساسانية في حوالي عام ٢٢٦م، تحت زعامة "أردشير بن بابك بن ساسان" وفدت طلائع عربية جديدة من قبائل تنوخ اليمنية، وسكنت في المنطقة الخصبة الواقعة إلى الغرب من الفرات، وما أن يمضي حين من الدهر حتى تحولت الخيام إلى مدينة عرفت "بالحيرة"، تحولت بمرور الأيام إلى إمارة الحيرة- وراء نهر الفرات عند منعطفه نحو دجلة، واقترابه منه على مبعدة خمسين كيلو مترا- التي أصبحت بمثابة حصن للملك الفارسي حيال العرب الرحل١.
على أن هناك من يرجع بتاريخ المدينة إلى أيام الملك البابلي "نبوخذ نصر" "٦٠٥-٥٦٢ق. م" طبقا لرواية سبق لنا مناقشتها في هذه الدراسة٢- بينما يرى آخرون أن مؤسس الحيرة إنما هو "الأردوان" ملك الأنباط٣، بينما يذهب فريق ثالث إلى أنها من بناء "تبع أب كرب"٤، وأخيرًا فهناك من يرى أنها مدينة بارثية٥.
стр. 564
وليس هناك من شك في أن "الحيرة" مدينة قديمة، وإن كنا لا نعرف تاريخها على وجه التحقيق، ولعل أقدم ما وصلنا عنها إنما هي كتابة ترجع إلى عام ١٣٢م، ذكرت فيها المدينة تحت اسم "حيرتا"، فإذا كانت "حيرتا" هذه، إنما هي "الحيرة" حقا، فإن أقدم ما نعرفه عنها إنما يرجع إلى عام ١٣٢م١، ولعل مما تجدر ملاحظته هنا أن الحفريات لم تقدم لنا شيئا يمكن الاعتماد عليه فيما يتصل بموقع المدينة وتاريخها، وأن كل ما وصلنا لا يعدو نقوشا من الجبس مما تكسى به الجدران، فضلا عن مجموعة من الجرار وآثار صغيرة، بعضها يرجع إلى ما قبل الإسلام، ويرجع بعضها الآخر إلى العصر الإسلامي٢.
وقد اختلف المؤرخون في تفسير اسم "الحيرة" ومصدر اشتقاقه، فهناك رواية تذهب إلى أن "تبان أسعد أب كرب" كان قد خرج من اليمن يريد الأنبار، فلما انتهى إلى موضع الحيرة ليلا تحير، فأقام مكانه، ومن ثم فقد سمي ذلك الموضع "الحيرة"٣، وتذهب رواية أخرى إلى أن "تبعا الأكبر" قد ترك ضعاف جنود في ذلك الموضع، وقال لهم "حنروابه" أي أقيموا به٤. هذا ويذهب العلماء المحدثون إلى أن كلمة "الحيرة" إنما هي كلمة "أرامية" وأنها "حرتا" "حرتو" السريانية الأصل، بمعنى "المخيم أو المعسكر" وأنها تقابل "المعسكر" عند المسلمين، و"حاصير" عند العبرانيين٥.
على أن هناك من يرى أن الحيرة الآرامية، والحير العربي، إنما هما من أصل سامٍ واحد، ذلك أن المضرب والمعسكر والحمى، إنما هي ألفاظ يدل أصلها على
стр. 565
معنى واحد١، ويميل أستاذنا الدكتور عبد العزيز سالم إلى هذا الرأي، معتمدا في ذلك على وصف "اليعقوبي" على خطط "سر من رأى" والحير الذي أقيم بها، وجعل حظيرة للوحش من الظباء والحمير الوحشي والأيايل والأرانب والأنعام٢.
وتقع الحيرة قريبا من مدينة بابل القديمة، وعلى مبعدة ثلاثة أميال إلى الجنوب من الكوفة٣، في نهاية طريق يجتاز شبه الجزيرة العربية، ومن ثم فقد غدت بحكم موقعها الجغرافي هذا، مركزا هاما جدا للقوافل، لم يسع الساسانين إهماله، ومن ثم فما تكاد تقيم فيه سلالة عربية حتى يضعوها تحت حمايتهم٤.
هذا وقد اشتهرت المدينة باسم "حيرة النعمان" عند المؤرخين العرب، و"الحيرة مدينة العرب" عند المؤرخين السريان، و"حيرته" في المجمع الكنسي الذي عقد في عام ٤١٠م، كما سميت كذلك باسم "حيرة النعمان التي في بلاد الفرس" في تاريخ يوحنا الإفسوسي -من القرن السادس الميلادي- وأما "التلمود" فقد أطلق عليها اسم "حيرتا دي طيبة" أي "معسكر العرب وحيرة العرب"٦، وقد أطنبت المؤلفات العربية في وصف هوائها النقي، وصفاء جوها، وعذوبة مائها، حتى قيل "يوم وليلة بالحيرة خير من دواء سنة" وقيل "إنها منزل بريء مريء صحيح من الأدواء والأسقام" و"أن هوءاها وترابها أصح من الكوفة"، ولعل كل هذه الأوصاف ربما كانت السبب في أن تقول العرب "لبيتة ليلة بالحيرة أنفع من تناول شربة"، بل إن "حمزة الأصفهاني" ليزعم أنه لم يمت بالحيرة بسبب هوائها النقي أحد من الملوك إلا قابوس بن المنذر"٧.