← История

История · id 12007

دراسات في تاريخ العرب القديم

محمد بيومى مهران

Полный текст (645 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

أمراؤهم شيعًا وأحزابًا، وحاول الروم أن يجدوا لهم بديلا في القبائل العربية، لإعادة الأمن وحماية الحدود من عرب الحيرة، ولكن دون جدوى١، حتى استطاع الفرس على أيام "كسرى أبرويز" "٥٩٠-٦٢٨م" غزو سورية "٦١١-٦١٤م" فاستولوا على أنطاكية ودمشق وبيت المقدس وخلقدونية -في مقابل القسطنطينية بآسيا الصغرى- ثم فتحوا مصر في عام ٦١٩م، وإن كان، فيما يبدو، أن هرقل "٦١٠-٦٤١م" حين نجح في استعادة سورية عام ٦٢٩م، ربما استعمل الغساسنة مرة أخرى، بدليل أنهم قد حاربوا المسلمين مرارا في جانب الروم، وأن خالد بن الوليد قد أوقع بهم في "مرج الصفر" جنوب دمشق، عام ٦٣٤م٢. وأيا ما كان الأمر، فإن الروايات العربية تنظر إلى "جبلة بن الأيهم" على أنه آخر الغساسنة، وأنه قد حارب المسلمين في جانب الروم في موقعة اليرموك عام ٦٣٦م، على أن رواية أخرى إنما تذهب إلى أنه قد انحاز إلى جانب الأنصار، قائلا "أنتم إخوتنا، وبنو أبينا"، وأظهر الإسلام٣، إلا أنه قد ارتد بعد ذلك بسبب إهانة لحقته، حين وطئ أعرابي من فزارة فضل إزاره، وهو يسحبه في الأرض بمكة، فلطمه جبلة، ومن ثم فقد نابذه الأعرابي إلى الخليفة الراشد "عمر بن الخطاب" ﵁ وأرضاه- فحكم له بالقصاص، واعتبر "جبلة" ذلك إهانة له، ففر إلى بلاد الروم وارتد عن الإسلام، وبقي هناك حتى وافته منيته٤. على أن رواية أخرى إنما تذهب إلى أن الحادث إنما كان في دمشق- وليس في مكة- وأنه كان عندما مر جبلة في سوقها فأوطأ رجلا فرسه، فوثب الرجل فلطمه،

стр. 562

فأدخلوه على "أبي عبيدة بن الجراح" الذي حكم بالقصاص، وكان جبلة يريد أن يقتل الرجل أو تقطع يده، فرفض أبو عبيدة، إلا حكم الله، فخرج جبلة إلى بلاد الروم وارتد١، وأخيرا فهناك رواية ثالثة تذهب إلى أن جبلة لم يدخل في الإسلام أبدا٢.

стр. 563

الفصل الثامن عشر: المناذرة ١- مدينة الحيرة: كان العرب منذ قديم الزمان يهاجرون إلى تخوم شبه الجزيرة العربية الشرقية، حتى إذا ما وصلوا إلى وادي الفرات أقاموا في ربوعه، وفي أوائل القرن الثالث الميلادي، وإبان الاضطرابات التي أعقبت سقوط الأسرة البارثية وقيام الأسرة الساسانية في حوالي عام ٢٢٦م، تحت زعامة "أردشير بن بابك بن ساسان" وفدت طلائع عربية جديدة من قبائل تنوخ اليمنية، وسكنت في المنطقة الخصبة الواقعة إلى الغرب من الفرات، وما أن يمضي حين من الدهر حتى تحولت الخيام إلى مدينة عرفت "بالحيرة"، تحولت بمرور الأيام إلى إمارة الحيرة- وراء نهر الفرات عند منعطفه نحو دجلة، واقترابه منه على مبعدة خمسين كيلو مترا- التي أصبحت بمثابة حصن للملك الفارسي حيال العرب الرحل١. على أن هناك من يرجع بتاريخ المدينة إلى أيام الملك البابلي "نبوخذ نصر" "٦٠٥-٥٦٢ق. م" طبقا لرواية سبق لنا مناقشتها في هذه الدراسة٢- بينما يرى آخرون أن مؤسس الحيرة إنما هو "الأردوان" ملك الأنباط٣، بينما يذهب فريق ثالث إلى أنها من بناء "تبع أب كرب"٤، وأخيرًا فهناك من يرى أنها مدينة بارثية٥.

стр. 564

وليس هناك من شك في أن "الحيرة" مدينة قديمة، وإن كنا لا نعرف تاريخها على وجه التحقيق، ولعل أقدم ما وصلنا عنها إنما هي كتابة ترجع إلى عام ١٣٢م، ذكرت فيها المدينة تحت اسم "حيرتا"، فإذا كانت "حيرتا" هذه، إنما هي "الحيرة" حقا، فإن أقدم ما نعرفه عنها إنما يرجع إلى عام ١٣٢م١، ولعل مما تجدر ملاحظته هنا أن الحفريات لم تقدم لنا شيئا يمكن الاعتماد عليه فيما يتصل بموقع المدينة وتاريخها، وأن كل ما وصلنا لا يعدو نقوشا من الجبس مما تكسى به الجدران، فضلا عن مجموعة من الجرار وآثار صغيرة، بعضها يرجع إلى ما قبل الإسلام، ويرجع بعضها الآخر إلى العصر الإسلامي٢. وقد اختلف المؤرخون في تفسير اسم "الحيرة" ومصدر اشتقاقه، فهناك رواية تذهب إلى أن "تبان أسعد أب كرب" كان قد خرج من اليمن يريد الأنبار، فلما انتهى إلى موضع الحيرة ليلا تحير، فأقام مكانه، ومن ثم فقد سمي ذلك الموضع "الحيرة"٣، وتذهب رواية أخرى إلى أن "تبعا الأكبر" قد ترك ضعاف جنود في ذلك الموضع، وقال لهم "حنروابه" أي أقيموا به٤. هذا ويذهب العلماء المحدثون إلى أن كلمة "الحيرة" إنما هي كلمة "أرامية" وأنها "حرتا" "حرتو" السريانية الأصل، بمعنى "المخيم أو المعسكر" وأنها تقابل "المعسكر" عند المسلمين، و"حاصير" عند العبرانيين٥. على أن هناك من يرى أن الحيرة الآرامية، والحير العربي، إنما هما من أصل سامٍ واحد، ذلك أن المضرب والمعسكر والحمى، إنما هي ألفاظ يدل أصلها على

стр. 565

معنى واحد١، ويميل أستاذنا الدكتور عبد العزيز سالم إلى هذا الرأي، معتمدا في ذلك على وصف "اليعقوبي" على خطط "سر من رأى" والحير الذي أقيم بها، وجعل حظيرة للوحش من الظباء والحمير الوحشي والأيايل والأرانب والأنعام٢. وتقع الحيرة قريبا من مدينة بابل القديمة، وعلى مبعدة ثلاثة أميال إلى الجنوب من الكوفة٣، في نهاية طريق يجتاز شبه الجزيرة العربية، ومن ثم فقد غدت بحكم موقعها الجغرافي هذا، مركزا هاما جدا للقوافل، لم يسع الساسانين إهماله، ومن ثم فما تكاد تقيم فيه سلالة عربية حتى يضعوها تحت حمايتهم٤. هذا وقد اشتهرت المدينة باسم "حيرة النعمان" عند المؤرخين العرب، و"الحيرة مدينة العرب" عند المؤرخين السريان، و"حيرته" في المجمع الكنسي الذي عقد في عام ٤١٠م، كما سميت كذلك باسم "حيرة النعمان التي في بلاد الفرس" في تاريخ يوحنا الإفسوسي -من القرن السادس الميلادي- وأما "التلمود" فقد أطلق عليها اسم "حيرتا دي طيبة" أي "معسكر العرب وحيرة العرب"٦، وقد أطنبت المؤلفات العربية في وصف هوائها النقي، وصفاء جوها، وعذوبة مائها، حتى قيل "يوم وليلة بالحيرة خير من دواء سنة" وقيل "إنها منزل بريء مريء صحيح من الأدواء والأسقام" و"أن هوءاها وترابها أصح من الكوفة"، ولعل كل هذه الأوصاف ربما كانت السبب في أن تقول العرب "لبيتة ليلة بالحيرة أنفع من تناول شربة"، بل إن "حمزة الأصفهاني" ليزعم أنه لم يمت بالحيرة بسبب هوائها النقي أحد من الملوك إلا قابوس بن المنذر"٧.

стр. 566

هذا وقد كان لعرب الحيرة لهجة من اللسان العربي يتحدثون بها في حياتهم العادية، وأما في الكتابة فقد كانوا يستعملون السريانية، ولعلهم في هذا يشبهون الأنباط والتدمريين الذين كانوا يتكلمون العربية ويكتبون بالآرامية، هذا وهناك من يذهب إلى أن دخول النصرانية إلى اليمن إنما كان بجهود رجال الكنيسة السورية في الحيرة، فضلا عن انتقال الكتابة من الحيرة إلى الحجاز١، وعلى أية حال، فلقد أصبحت الحيرة في القرن السادس الميلادي، وعلى أثر اتساع نفوذ سلالة اللخميين نقطة التقاء للتيارات الإيرانية والآرامية على حدود المحيط العربي الفاصلة، حتى لقد ظهرت المدينة بمظهر العاصمة الفكرية٢.

стр. 567

٢- ملوك الحيرة: يزعم الأخباريون أن مالك بن فهم الأزدي أول من ولي أمر العرب في العراق، وأنه كان يسكن الأنبار، ثم جاء من بعده أخوه "عمرو" على رأي، و"جذيمة الأبرش" -صاحب القصة المشهورة مع الزباء- على رأي آخر١، على أن المؤسس الحقيقي لدولة اللخميين إنما كان "عمرو بن عدي"٢ "٢٦٨-٢٨٨م"، ابن أخت جذيمة، وأول من اتخذ الحيرة منزلا من ملوك العرب، وأول من مجده أهل الحيرة في كتبهم، وإليه ينسب ملوك العرب في العراق٣. وجاء بعده ولده، "امرؤ القيس" "٢٨٨-٣٢٨م" -والمعروف بامرئ القيس

стр. 568

البدء، وامرئ القيس الأول -وكان ملكه واسعا، فقد كان عاملا لملك الفرس على فرج العرب من ربيعة ومضر وسائر من ببادية العراق والحجاز والجزيرة، كما كان أول من تنصر من ملوك آل نصر بن ربيعة وعمال ملوك الفرس -فيما يرى الأخباريون١. وامرؤ القيس هذا هو صاحب "نقش النمارة"٢ -الذي أشرنا إليه من قبل- والذي يمكن أن نستخلص منه عدة نتائج، منها "أولا" أن امرأ القيس هذا، إنما هو أول ملوك الحيرة الذي وصل إلينا بعضا من أخبارهم مكتوبا، ومنها "ثانيا" أنه قد توفي في عام ٣٢٨م "الموافق لعام ٢٢٣ من تقويم بصرى"٣، ومنها "ثالثا" أن النص- وهو أقدم وثيقة مكتوبة باللغة العربية- يؤكد أن لغتنا العربية كانت هي هي، منذ ما قبل الجاهلية المعروفة في تاريخ الأدب العربي، وهي متأخرة في الزمن بنحو قرنين من الزمان على الأقل بالنسبة إليه، ومنها "رابعا" أن النص يؤكد لنا أن المناذرة -شأنهم في ذلك شأن الغساسنة- إنما هم عرب شماليون؛ لأنه مكتوب بلغة عربية شمالية، وبالحرف النبطي، وليس باللغة الحميرية أو الحرف المسند٤، وهو بهذا يمثل مرحلة انتقال من الحروف النبطية إلى الحروف العربية الشمالية التي لا تزال مستعملة حتى الآن٥، لأن الخط العربي الشائع بيننا الآن منحول عن الخط النبطي الذي كان شائعا في مملكة الأنباط٦ -كما أشرنا من قبل.

стр. 569

ومنها "خامسا" أن النص إنما يفيد أن امرأ القيس قد فتح معظم شبه الجزيرة العربية، ومن ثم فهذا يتناقض والروايات التي تنسب إلى "شمر يهرعش" الفتوحات العظيمة، وتجعله فاتحا للعراق وما وراءه حتى الصين، وتعكس القضية تماما، بل إن النص إنما يصل بفتوحات امرئ القيس حتى أسوار نجران، ومن ثم فقد سمي -كما يقول النص- "ملك العرب كلهم" و"لم يبلغ ملك مبلغه"، وبعبارة أخرى فقد مد حكمه من الحيرة وبلاد الشام إلى نجد والحجاز، حتى بلغ مدينة نجران١، وإن كان يبدو لي أن في النص مبالغات، شأنه في ذلك شأن روايات الأخباريين عن "شهر يهرعش"، وإن كانت الأخيرة تكاد أن تكون أقرب إلى الأساطير منها إلى حقائق التاريخ. على أن في "نقش النمارة" عبارة تدعو إلى التساؤل، وذلك حين يقول النقش "واستعمل أبناءه على القبائل، ووكلهم على الفرس والروم" مما دعا بعض الباحثين إلى أن يرى امرأ القيس قد جاء إلى الشام -حيث كتب النص بعد وفاته في النمارة- على إثر خلاف بين أمراء الفرس على العرش وأن الخلاف قد انتهى في غير مصلحة الحزب الذي كان يؤيده امرؤ القيس، ومن ثم فقد أقام في الشام، وبدأ يتجه نحو الروم، الذين انتهزوا الفرصة فأقروه على عرب الشام، وبالتالي فإن الرجل قد عمل في أول أمره للفرس، ثم بعد ذلك للروم٢، ومن ثم فإن القراءة الصحيحة، ربما تكون "واستعمل أبناءه على الشعوب وجعلهم فرسانا للروم"، وهذا يعني أن امرأ القيس كان يعمل عند وفانه للروم فحسب، لأنه ليس من المقبول أن يذكر عمله للفرس في نص مكتوب في بلاد تخضع للروم، وحتى لو كان قد امتلك هذه المنطقة بحد السيف، فالمنطق هنا يستدعي عدم ذكر الروم، ويرى "كلير مونت جانيو" أن لفظ التاج وحده كاف على علاقة امرئ القيس بالفرس، لأنه من ألقاب ملوك الحيرة، وأما وجود قبره في حوران، فربما كان دليلا على أن سلطته قد امتدت إلى هناك٣، ومع ذلك، وعلى فرض صحة تفسير، "كلير مونت جانيو" هذا،

стр. 570

فيبقى سؤالنا: لماذا ذكر الروم في نص امرئ القيس هذا؟ بدون جواب. ويرى الطبري أن الفرس قد استعملوا "عمرو بن امرئ القيس" "٣٢٨-٣٦٣م" بعد أبيه، ثم تلاه "أوس بن قلام"١ "٣٦٣-٣٦٨م"، والرجل -كما يبدو من اسمه- ليس من بني لخم، ومن ثم فهناك من يرى أن نزاعا قد حدث بين أولاد عمرو على وراثة العرش، مما أدى إلى قيام الفتن والاضطرابات، فأقام "سابور ذو الأكتاف" "٣١٠-٣٧٩م" "أوسا" هذا ملكا على الحيرة٢، غير أن "أوسا" سرعان ما قتل بيد أحد أبناء بني نصر، فعادت حكومة الحيرة إليهم، في شخص "امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس" "٣٦٨-٣٩٠م"٣. وجاء "النعمان الأول" "٣٩٠-٤١٨م" -والمعروف بالنعمان الأعور، والنعمان السائح- بعد أبيه امرئ القيس الثاني، وينسب الإخباريون إليه بناء "قصر الخورنق" "وهو لفظة فارسية بمعنى حصن منيع"، ليقيم فيه "بهرام بن يزدجر الأول" "٣٩٩-٤١٠م" ملك الفرس، وأن الذي بناه إنما هو رجل رومي يدعى "سنمار"، كتب عليه أن يلقى ميتة عنيفة على يد "النعمان" نفسه، ذلك أن سنمار بعد أن فرغ من بنائه، وأعجب النعمان به قال: "لو عرفت أنكم توفونني أجري، وتصنعون بي ما أنا أهله، لجعلته بناء يدور مع الشمس حيثما دارت"، فقال النعمان: "وإنك لتقدر على بناء ما هو أفضل منه ثم لم تبنه"؟، وأمر به فطرح من رأس الخورنق، على أن هناك رواية أخرى تذهب إلى أن سنمار قد أخبر النعمان، إنه يعرف في القصر حجرا واحدا، وأنه لو حرك من مكانه لتردى القصر، ثم عرف الملك موضع الحجر، وخشي أن يدل سنمار آخرين عليه، فأمر به فأردى من أعلى القصر فتقطع، فضربت العرب به المثل٤.

стр. 571

ويبدو أن النعمان كان على علاقة طيبة بالنصارى من قومه -على الأقل في الفترة الأخيرة من حكمه- وأنه بدأ يتقبل المسيحية، أو أنه كان يميل إليها، ولعل السبب في ذلك، أننا نقرأ في سجل الكنيسة الشرقية أن الحيرة كان عليها أسقف في عام ٤١٠م، وأن ملكها قد حمى النصرانية، ومن ثم فقد كانت الروايات التي تدور حول تنسكه حين أدرك أن حطام الدنيا لا محالة زائل، بما فيها قصره الفخم، ومن ثم فقد زهد فيها، وعكف على البر والتقوى، فانقلب سائحا زاهد١، وإن كان أمر اعتناقه المسيحية ما يزال موضع شك كبير، ذلك لأن ملوك الحيرة كانوا حتى أواسط القرن السادس الميلادي ما يزالون على الوثنية، وأن المنذر بن ماء السماء كان يقدم الذبائح البشرية إلى العزى٢. وعلى أي حال، فلقد اشتهر النعمان كذلك بكتيبتي الخيالة الشهيرتين عند العرب، وهما: الدوسر ورجالها من الفرس، والشهباء ورجالها من تنوخ، وغزا بهما عرب الشام عدة مرات، وعلى أيامه ازدهرت مدينة الحيرة، كما لم تكن من قبل٣. وجاء بعد النعمان ولده "المنذر" "٤١٨-٤٦٢م" من زوجه "هند بنت زيد مناة بن زيد الله بن عمرو الغساني"٤، وقد وصلت الحيرة في عهده إلى درجة مكنتها من أن يكون لها صوت مسموع في أحداث العصر، كما مكنت المنذر من أن يحمل كهنة الفرس على تتويج "بهرام" الذي رباه أبوه النعمان، غير عابئين بمنع آخر كان يسعى إلى العرش بكل قوته٥. وقد شارك المنذر في الحروب التي قامت بين الفرس والروم، بسبب اضطهاد

стр. 572

المسيحيين في فارس، وكانت أرض العراق هي ميدان المعركة، وحاصر الروم "نصيبين"، وأسرع "بهرام" لإنقاذها، واشترك المنذر في المعارك، كما اتجه بعد ذلك إلى أنطاكية للاستيلاء عليها، إلا أنه لم يحقق نصرا، وانتهت الأمور بعقد صلح بين الفرس والروم في عام ٤٢٢م١. وجاء بعد المنذر ولده الأسود، ثم أخوه المنذر، ثم النعمان بن الأسود، ثم انتقل العرش بعد ذلك من أمراء بني نصر، إلى "يعفر بن علقمة"، غير أنه عاد مرة أخرى إلى بني نصر، حيث تولى عرش الحيرة "امرؤ القيس الثالث" ثم "المنذر بن امرئ القيس" "٥٩٦ أو ٥٠٨-٥٥٤م"٢، والذي يعرف بذي القرنين، بسبب ضفيرتين كانتا له، وبابن ماء السماء "وماء السماء هو لقب أمه مارية أو أو ماوية بنت عوف بن جشم بن هلال من بني النمر بن قاسط"٣، وعلى أي حال، ففي عام ٥٠٦م عقد صلح بين الروم والفرس، في مقابل إتاوة يدفعها القيصر لملك الفرس، غير أن الروم قد تأخروا في دفعها، مما كان سببا في أن يقوم المنذر في عام ٥١٩م بغزو الحدود الرومانية، وأسر قائدين رومانيين٤. وفي عام ٥٢٤م، أرسل القيصر "جستنين الأول" "٥١٨-٥٢٧م" إلى المنذر، وفدا يتكون من إبراهيم والد المؤرخ "نونوسرس"، وشمعون الأرشامي، وسرجيوس أسقف الرصافة، يطلب إطلاق سراح القائدين الرومانيين "جان وتموستران" وعقد صلح مع المنذر، ويبدو أن الوفد قد حقق الهدف الأول من مهمته، وأن الشواهد تشير إلى أن الهدف الثاني كان بعيدا عن التحقيق، هذا ويجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الوفد الرومي قد صادف وصول، وفد ذي نواس" الحميري الذي يطلب من ملك الحيرة أن يفعل بنصارى مملكته، ما يفعله هو بنصارى نجران، وأن شمعون الأرشامي ليزعم أنه قد دون قصة تعذيب نصارى نجران، طبقا لما جاء في رسالة

стр. 573

ذى نواس، ومن ثم فقد نشرها في صورة كتاب يقرأ على الناس في الكنائس١. وتسوء العلاقات بين الروم والفرس وتدق طبول الحرب بينهما في عام ٥٢٨م، ويشترك المنذر فيها إلى جانب الفرس، فيهاجم بلاد الشام حتى يصل إلى أنطاكية ويحرق عددا من المدن، منها خلقدونية، ويضحي -فيما يزعم المؤرخون السريان- بأربعمائة امرأة للعزى، وإن كان "ابن العبري" يرى أنه أخذهن لنفسه، وهنا يضطر القيصر "جستنيان" إلى طلب مساعدة الحارث الغساني، فيسبغ عليه لقب "فيلارخ"٢، كما أشرنا من قبل. ومن أسف أن الجيوش العربية -اللخمية والغسانية- إنما كانت تحارب بعضها البعض الآخر، بينما كان الروم يحاربون الفرس٣، وهكذا كان العربي يقتل أخاه العربي ابتغاء مرضاة الفرس أوالروم، أو حبا في المغامرة، وفي أحسن الفروض، إيفاء بما وعد به الحارث أو المنذر أصدقاءه الروم أو الفرس، وإن كان الوفاء بالوعد يبيح قتل الأخ لأخيه، إرضاء لصديق أو سيد، وعلى أي حال، فإن الموقف سرعان ما يتغير حين تنطفئ نيران الحرب بين الكبار، بينما لا يزال الصغار يلعبون بمقدرات شعوبهم، ولم تنتهي نيران الحرب بين الكبار، بينما لا يزال الصغار يلعبون بمقدرات شعوبهم، ولم تنتهي إلا بقتل المنذر في عام ٥٥٤م في موقعة يوم حليمة -كما أشرنا من قبل- وإن كان "أوليري" يرى -طبقا لرواية المؤرخ ثيوقانس- أن المنذر بقي حيا، حتى تم الصلح بين الروم والفرس في عام ٥٦٢م٤، والذي اتفق الطرفان فيه على أن يترك لكل منهما ماله من الأراضي القديمة، وعلى حرية التجارة بين إيران وبيزنطة، وعلى أن يمنح النصارى حرية العقيدة، وعلى أن لا يسعى أحد من رجال الدين في الدولتين إلى التبشير بدينه٥.

стр. 574

وجاء بعد المنذر ولده "عمرو بن هند" "٥٥٤-٦٩م" من زوجه "هند بنت عمرو بن حجر آكل المرار"، وهو -فيما يرى الأخباريون- "مضرط الحجارة" كناية عن قوة ملكه وشدة بأسه، وهو "المحرق" لأنه حرق بني تميم، أو حرق نخل اليمامة، وقد كان عاتيا جبارًا، لا يبتسم ولا يضحك، ومن ثم فقد كانت العرب تهابه وتخشاه١. وقد حذا عمرو حذو غيره من ملوك لخم وجفنه، الذين أدركوا أن الشعراء من معاصريهم هم زعماء الرأي العام بين العرب، يديرون دفة الدعاية كيفما شاءوا، فلم يأل جهدا في إكرامهم وغمرهم بفضله، كما فعل سواه من الملوك، طمعا في اجتذاب العرب إليه، وهكذا أصبحت الحيرة في عصره موئل الشعراء يأتون إليه من شبه الجزيرة العربية ينشدونه شعرهم، وينالون جوائزه، ويعقدون المناظرات في حضرته، وعلى رأسهم ثلاثة من أصحاب المعلقات السبع٢ -طرفة بن العبد، والحارث بن حلزة، وعمرو بن كلثوم٣. ويبدو أن "عمر بن هند" هذا، كان شديد الغرور لدرجة جعلته يعتقد أنه ليس هناك من بين أمراء العرب من يستنكف أن يخدمه، أو يأبى أن يسعى إلى مرضاته، أيا كانت الوسيلة، وأن هذا الزعم الكذوب إنما كان سببا في أن يجندله "عمرو بن كلثوم" بسيفه في رواية تقول: إنه قال لجلسائه ذات يوم: هل تعرفون أحدا من العرب من أهل مملكتي يأنف أن تخدم أمه أمي، فقالوا: ما نعرفه إلا أن يكون عمرو بن كلثوم التغلبي، فإن أمه "ليلى" بنت "مهلهل بن ربيعة، وعمها "كليب بن وائل"، وزوجها "كلثوم"، وولدها "عمرو"، وهكذا أمر "عمرو بن هند" أن يطلب من "عمرو بن كلثوم"، أن يحضر إلى قصره، ثم أمر أمه "هند" أن تصرف الخدم بعد الفراغ من الطعام، ثم تطلب من "ليلى" أن تناولها الشيء بعد الشيء، وتفعل "هند" ما أمر به ابنها الملك، غير أن "ليلى" سرعان

стр. 575

ما ترفض ذلك في إباء وشمم، قائلة: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، ثم تصيح، واذلاه يا آل تغلب، فما كان من عمرو بن كلثوم، إلا أن أمسك بسيف الملك، وأطاح به رأسه، وهكذا جنى عمرو بن هند ثمرة غروره" إن صحت الرواية١. ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن "هندا" أم "عمرو بن هند" هذه، إنما كانت نصرانية، وقد نسب إليها بناء "دير هند الكبرى"، الذي بقي حتى القرن الثاني الهجري، ويذهب البعض إلى أن البناء إنما تم على أيام الأسقف "مار أفرايم" في عهد ملك الفرس "خسرو أنوشروان"، وقد جاء في صدر هيكل الدير: "بنت هذه البيعة هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر، الملكة بنت الأملاك، وأم الملك عمرو بن المنذر، أم المسيح وأم عبده، في زمن ملك الأملاك خسرو أنوشروان وفي زمن مار أفرايم الأسقف، فالإله الذي بنت له هذا البيت يغفر خطيئتها ويترحم عليها وعلى ولدها، ويقبل بهما، ويقومها إقامة الحق، ويكون الإله معها ومع ولدها الدهر الداهر"٢، فإذا صحت هذه القراءة فإن بناء الدير، إنما يرجع إلى عهد "عمرو بن هند"٣. هذا ويذهب "لويس شيخو" إلى أن "عمرو بن هند" قد تنصر، إذ كانت الحيرة في وقته تموج بالمبشرين المسيحيين، ومن ثم فليس ببعيد أن تكون هند قد أجابت دعوتهم، فاعتنقت النصرانية، ثم عملت على جذب ابنها لاعتناقها٤، وإن كان هناك من يشك في ذلك، ويرى أن النعمان بن المنذر "٥٨٠-٦٠٢م" هو الوحيد الذي تنصر من ملوك الحيرة٥. وجاء بعد "عمرو بن هند" أخوه "قابوس بن المنذر"، والذي كان موضع

стр. 576

ثقة أخيه، وقائد جيوشه ضد الرومان وبخاصة تلك الحملات التي قادها في عامي ٥٥٦/ ٥٥٧م، بسبب عدم دفع الرومان ما كانوا يدفعونه من قبل للمنذر، أو بسبب المقابلة السيئة التي قوبل بها رسول عمرو بن هند في بلاد "جستين الثاني"، وأيا ما كان السبب في هاتين الغزوتين اللتين شنهما عمرو بن هند على الروم، فإن أخاه قابوس كان القائد فيهما، هذا وقد كان عمرو يعهد إلى أخيه قابوس كذلك بشئون البادية، ويعتقد "كوسان ده برسيفال" أن قابوسا إنما كان يحكم الحيرة مع النعمان أخيه، بينما يرجع "يوسف زرق الله" أن إدارة شئون الحيرة على أيام قابوس إنما كان يتولاها "زيد بن حماد بن أيوب"١. وليس صحيحا ما ذهب إليه البعض من أن قابوسا كان ضعيفا، أو أنه لم يكن ملكا، فقد أطلق عليه "يوحنا الأفسوسي" لقب "ملك"، كما أنه كثير ما كان يقود الجيوش على أيام أخيه -كما أشرنا آنفا- فضلا عن الغارات التي شنها ضد الغساسنة إبان فترة جلوسه على العرش، وإن لم يجن منها سوى الفشل والهزيمة٢. وجاء بعد قابوس أمير فارسي يدعى "فيشهرت" أو "السهراب"، وربما كان السبب في ذلك وجود خلاف بين أمراء بني لخم بعد قابوس على ولاية العرش٣ وربما رغبة من الفرس في إضعاف مركز العر ب في الحيرة، بعد أن قوي أمرهم، واستفحل خطرهم، في ذلك الوقت الذي أخذت فيه قوى الغساسنة في الاضمحلال٤. وأيا ما كان الأمر، فلقد جلس على عرش الحيرة بعد ذلك "المنذر بن المنذر" الذي ترك من بعده ثلاثة عشر ولدًا، دون أن يوصي لواحد منهم دون الآخر بالعرش، وإنما ترك الأمر بيد "إياس بن قبيصة" الطائي، حتى يرى كسرى رأيه، ومن ثم فإننا نرى "كسرى" يستشير "عدي بن زيد" الذي يشير بامتحان للأبناء جميعا،

стр. 577

ثم يتفق مع واحد منهم "النعمان" على إجابة، خلاصتها: أن يتعهد لكسرى بأن يقيه شر العرب جميعا، وعلى رأسهم إخوته، بينما يتفق مع الآخرين بأن يتعهدوا لكسرى بذلك، إلا شرا يأتي من أخيهم النعمان، وهكذا يتم اختيار النعمان ملكا بعد أبيه١، وأن هذا كله إنما يشير من ناحية أخرى إلى أن عرش الحيرة إنما أصبح أمره بيد كسرى، وليس بيد آل لخم٢. وهناك من يتجه إلى أن النعمان "٥٨٠-٦٠٢م" إنما كان في أول الأمر وثنيا، يتعبد للعزى، ويقدم الأضاحي للأوثان غير أنه سرعان ما غير دينه الوثني، واعتنق النصرانية بعد نجاح آباء الكنيسة النسطورية في شفائه من مرض ألم به، أو بتأثير عدي بن زيد عليه، فضلا عن نشأته في بيئة نصرانية٣، وأن ذلك إنما كان في عام ٥٩٣م، ومن ثم فقد أصبح النعمان -فيما يرى أصحاب هذا الاتجاه- الملك الوحيد من ملوك آل لخم الذي اعتنق النصرانية، وعلى المذهب النسطوري٤، أقل المذاهب النصرانية كراهية عند الفرس، والذين كانوا سببا في عدم اعتناق أسلاف النعمان للمسيحية٥، وعلى أي حال، فلقد كان اعتناق النعمان للمسيحية على المذهب النسطوري سببا في أن يعلو شأن الكنيسة النسطورية في الحيرة، وأن ينضم إليها الكثير من سادة القوم، فضلا عن إرسال القديس "سرجيوس" إلى اليمن، حيث بقي في نجران ثلاث سنوات يبشر بمذهبه هذا٦. هذا ويختلف المؤرخون في نسب "سلمى" أم النعمان، فهي من كلب على رأي، ومن "فدك" على رأي آخر، ومن دومة الجندل على رأي ثالث، وطبقا

стр. 578

لهذا الرأي الأخير فهي "أمة الحارث بن حصين"، ومن ثم فهي من أصل يهودي١، فإذا أضفنا إلى ذلك أنه كان أحمر أبرش قصير٢، لتبين لنا بوضوح السبب في أن القوم كانوا كثيرًا ما يتهكمون به، مما أثر في نفسيته وفي سلوكه، حتى أصبح سريع الغضب، سهل التصديق للوشايات، حتى أوقع بـ "عدي بن زيد" الذي أجلسه على العرش، وحين أراد أن يكفر عن خطيئته هذه، أضاع نفسه وأضاع عرشه٣. وهكذا تذهب بعض الروايات إلى أنه ساعد "زيد بن عدي بن زيد"، ليكون عند "كسرى أبرويز" "٥٩٠-٦٢٨م" في مكان أبيه، وأن زيدا إنما كان يضمر الحقد للنعمان، وينتهز الفرصة للانتقام منه، وقد جاءته هذه في طلب كسرى زوجاته لأولاده، ومن ثم فقد أشار عليه بأن يطلبهن من النعمان، ففي بناته وبنات عمه وأهله، أكثر من عشرين امرأة، يصلحن لمصاهرة كسرى، وكان زيد يعلم أن النعمان إنما يضن بذلك على كسرى، بل إن جوابه إنما كان على طلب كسرى "أما في بقر السواد وفارس ما يكفيه "أي كسرى" "حتى يطلب ما عندنا"، وكان ذلك سببا في غضب كسرى، وفي استدعاء النعمان إلى فارس بغية القضاء عليه، ومن ثم فقد هرب النعمان إلى أصهاره في "طيء"، أملا في حمايتهم له، ولكن القوم رفضوا حمايته، مما دفعه إلى أن يودع أهله وماله عند "هانئ بن مسعود الشيباني" وأن يتوجه إلى كسرى، حيث أرسل مخفورا إلى "خانقين" أو "ساباط"، وبقي هناك حتى مات بالطاعون على رواية، وطرح بين أرجل الفيلة فداسته حتى مات على رواية أخرى٤. وعلى أي حال، فيبدو أن دولة الحيرة قد بدأ الضعف يتسرب إليها على أيام النعمان، لانصرافه إلى اللعب والشراب، فعلى أيامه هزم "بنو يربوع" جيش

стр. 579

النعمان لما أراد أن ينقل الحجابة منهم، كذلك انهزمت جموعه أمام "بني عامر بن صعصعة" بعد أن تعرضوا لإحدى قوافله التي كان قد أرسلها إلى سوق عكاظ، كما كانت حروب الفجار المشهورة بين كنانة وقيس، بسبب تعرض القيسية لإحدى قوافله التي كانت في حراسة بعض الكنانيين١. وأيا ما كان الأمر، فلقد تولى أمر الحيرة بعد النعمان أحد أشرافها المشهورين "إياس بن قبيصة" "٦٠٢-٦١١م"٢، الذي كان المنذر قد عهد إليه من قبل بأمر أولاده، وإن كان هناك من يرى أن الذي خلف النعمان إنما كان واحدا من الفرس٣، بينما ذهب فريق ثالث إلى أن الرجلين، إنما توليا الأمر معا٤. ومهما يكن من أمر، فإن "كسرى أبرويز" قد طلب من "إياس بن قبيصة الطائي" أن يجمع ما خلفه النعمان وأن يرسله إليه، ومن ثم فقد بعث "إياس" إلى "هانئ بن مسعود" أن يرسل إليه ما استودعه النعمان إياه، فأبى هانئ ذلك، وغضب كسرى، وهنا أشار عليه أحد أعداء بني شيبان وسائر بكر بن وائل، أن ينتظر ريثما ينزل القوم "ذي قار"٥، فيبعث إليهم من يأخذهم بالقوة، وهكذا ما أن يحين الحين، حتى يرسل إليهم كسرى من يخيرهم بين ثلاث، أحلاهن مر، الاستسلام، أو الرحيل عن الديار، أو الحرب، وكان رد العرب أن

стр. 580

السيف هو الحكم، وهكذا وقعت الواقعة وأبلى العرب بلاء حسنا، وكتب لهم -ولأول مرة- نصرا مؤزرا على الفرس١. ويختلف المؤرخون في زمن موقعة ذي قار هذه، فذهب فريق إلى أنها إنما كانت يوم مولد المصطفى -صلوات الله وسلامه عليه- ومن ثم فإن هناك رواية تذهب إلى أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: "هذا أول يوم انتصف فيه العرب من العجم وبي نصروا"، بينما ذهب رأي آخر إلى أنها إنما كانت سنة أربعين لمولد النبي الأعظم ﵊ وذهب رأي ثالث إلى أنها إنما كانت في العام الثالث من مبعث المصطفى -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هذا وقد رأى فريق رابع إلى أنها كانت بعد الهجرة النبوية الشريفة من مكة إلى المدينة، على أن فريقا خامسا إنما يرى كانت بعد موقعة بدر الكبرى مباشرة، وربما بعدها بأشهر معدودات٢، فإذا كان صحيحا ما ذهبنا إليه من قبل في هذه الدراسة من أصحابنا الأخباريين إنما يضعون تاريخ معركة ذي قار، فيما بين الأعوام ٥٧١م، ٦١١م، ٦١٣م، ٦٢٤م. ويذهب "روتشتاين" إلى أن موقعة ذي قار، إنما كانت حوالي عام ٦٠٤م،

стр. 581

بينما يتجه "نولدكه" إلى أنها ما بين عامي ٦٠٤، ٦١١م١، والعام الأخير هو الذي يميل إليه "نيكسون"٢، وأما "كوسان ده برسيفال"٣ فالرأي عنده أنها حدثت في يناير من عام ٦١١م، وهو ما تميل إليه الغالبية العظمى من المؤرخين٤. ويميل أستاذنا الدكتور عبد العزيز سالم إلى أن الموقعة إنما حدثت حوالي عام ٦٠٩م -أو بعد ذلك بأشهر- معتمد في ذلك على أن المصادر تكاد تجمع على أن مبدأ النبوة إنما حدث على رأس أربع سنين من ملك "أياس بن قبيصة"، وروى قوم أن النبي ﷺ قد بعث وهو في الأربعين من عمره الشريف، ولما كان من المعروف أن الرسول ﵊ قد انتقل إلى الرفيق الأعلى في ١٢ ربيع الأول سنة ١١هـ "٨ يونية ٦٣٢هـ، وهو في سن الثالثة والستين على أرجح الآراء٥، فإن بعتثه تكون قد حدثت في سنة ٦٠٩م، وهو ابن أربعين سنة، وتكون وقعة ذي قار قد حدثت بعد سنة ٦٠٩م، بقليل، أو على أبعد تقدير في سنة ٦١٠م٦. وأيا ما كان تاريخ موقعة ذي قار، فقد تولى ملك الحيرة بعد "إياس" اثنان من قبل ملك الفرس، كان آخرهما "المنذر الخامس" -الملقب بالمغرور- ثم سقطت الحيرة تحت أقدام خالد بن الوليد في سنة ١٣هـ "٦٣٣م"، على أيام الخليفة

стр. 582

الراشد أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه- "١١-١٣هـ-٦٣٢-٦٣٤م"١ وإن كان هناك من يرى أن الفرس قد أقاموا إلى جانب "إياس" مقيما فارسيا، يشرف على مهام الحكومة، بل إن ملوك الفرس سرعان ما ألغوا نظام الإمارة العربية وولوا من قبلهم حكاما من الفرس، يخضع لهم زعماء العرب، وأن الأمر قد استمر كذلك حتى الفتح الإسلامي في عام ٦٣٣م٢.

стр. 583

الفصل التاسع عشر: مملكة كندة ١- كندة قبل عهد الملكية: يكاد يجمع النسابون على أن كندة، إنما هي قبيلة قحطانية تنسب إلى كندة وهو "ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة"، الذي ينتهي نسبه إلى "كهلان بن سبأ"١، وأن مساكنهم إنما كانت في جبال اليمن الشرقية مما يلي حضرموت، وأن مدينة "دموت" كانت حاضرة لهم٢، ويرى "ألبرت جام" أن أرض كندة، إنما كانت إلى الجنوب من "قشم"؛ ذلك لأن نقش "جام ٦٦٠" يضعها بين حضرموت ومذحج٣. على أن فريقا من الكتاب العرب، إنما يعتبر الكنديين مهاجرين إلى اليمن من البحرين والمشقر٤، بينما يرى فريق آخر أن الكنديين عدنانيون، وأنهم كانوا يقيمون في دهرهم الأول في "غمر كندة"، أي في مواطن العدنانيين٥، ولعل هذا الخلاف في نسب كندة إنما يدل على اختلاط القوم بين العدنانيين والقحطانيين، ربما بسبب عدم استقرارهم في مناطق معينة، وربما بسبب اضطراب المؤرخين العرب في نسب الكنديين، بعد اختلاطهم بعرب الشمال، اختلاطا أصبحوا به

стр. 584

وكأنهم منهم. وتعرف كندة في النقوش العربية الجنوبية بكدت "أو كدة بتشديد الدال"، ونقرأ في نقش "جام ٦٣٥"، والذي يرجع إلى عهد الملك "شعر أوتر"، أن "ربيعة" من آل ثور، كان ملكا على كندة، وعلى قحطن "قحطان" وأنه كان يحارب في صفوف أعداء الملك "شعر أوتر"، وهذا يعني أن كندة كانت ذات كيان سياسي، منذ القرن الأول قبل الميلاد، إذا أخذنا برأي "جام" من أن حكم "شعر أوتر" كان في الفترة "٦٥-٥٠ق. م"١، ومنذ أخريات القرن الثاني قبل الميلاد، إذا أخذنا بتقدير غيره من المؤرخين، هذا فضلا عن أن ربيعة ملك كندة كان يحكم كذلك قبيلة قحطان، المتحالفة مع كندة، ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أنه من اسم قحطان هذا، أخذ الإخباريون قحطانهم، فصيروه جد العرب القحطانية٢. وفي عهد "الشرح يحصب" كانت كندة لا تزال مملكة مستقلة، وقد شارك ملكها "مالك"، ملك دويلة "خصصتين" بأرض عدن، المسمى، "امرئ القيس بن عوف" في الهجوم على قوات "الشرح يحصب" وأخيه "يأزل بين"، إلا أنهما منيا بهزيمة منكرة، انتهت بأسر ملك كندة، ومجموعة من أشرافها، ثم أخذوا إلى مدينة "مأرب" "وربما كانت إحدى مدن شعب مرب الذي يسكن أرض عدن، وليست مأرب مدينة سبأ المشهورة"، وعلى أي حال، فلقد أطلق سراحهم آخر الأمر، بشروط منها أن يبقى ولدا ملكي كندة وخصصتين كرهينة عند "الشرح يحصب"، وأن يتعهد الملكان بعدم التحرش بقوات ملك سبأ وذي ريدان، ومساعدتها ضد أعدائها، ومنها أن يبقى أبناء الأشراف من كندة وخصصتين رهينة عند ملك سبأ٣.

стр. 585

وسرعان ما فقدت كندة بعد ذلك استقلالها، ونعرف من نقشي "جام ٦٦٠، ٦٦٥" أنها أصبحت تابعة لدولة "ملك سبأ وذى ريدان وحضرموت ويمنت"، وأن "شمر يهرعش" قد عين عليها واليا من قبله، رفعت درجته في عهد "ياسر ينعم" إلى درجة "كبير"، وهي من أعلى الوظائف في ذلك العهد١. وأما أقدم من تحدث عن كندة من الأغارقة والرومان، فهو "نونوسوس" وقد دعاها "Kindynoi"، كما ذهب إلى أنها -وكذا قبيلة معد- من أشهر القبائل العربية، وأن حاكمها على أيامه إنما هو "قيس" "٢Kaisos"، وربما كان آخر مرة يرد فيها اسم كندة في النقوش العربية الجنوبية، إنما كان في نقش أبرهة من القرن السادس الميلادي٣. ويذهب الأخباريون إلى أن جماعات من كندة قد غادرت مواطنها في النصف الأول من القرن الرابع الميلادي، واتجهت شمالا حتى نزلت في مكان دعي فيما بعد "غمر كندة" أو "غمر ذى كندة" وهي أرض لبني جنادة بن معد في نجد، وتقع وراء "وجرة" على مسيرة يومين من مكة "باقوت ٤/ ٢١٢" على أن الأخباريين غنما يختلفون في أسباب هجرة الكنديين إلى الشمال، فذهب فريق إلى أن السبب كان حربا استعر أوارها بين حضرموت وكندة، ثم طال أمدها حتى كادت أن تقضي على الكنديين، ومن ثم فقد اضطروا إلى النزوح إلى الشمال، فرارا بأنفسهم من الفناء٤. ويرى آخرون أن السبب إنما كان لأن "حسان بن تبع" كان آخا لحجر آكل المرار من أمه، وأن "حسان" كان قد دوخ بلاد العرب وسار في الحجاز "ربما حوالي عام ٤٨٠م"، وعندما أراد العودة إلى اليمن ولى أخاه حجرا على معد بن عدنان كلها، فنجح في ولايته، وأحسن السيرة في رعيته حتى لم يرضوا به وبا له

стр. 586

بديلا١، على أن "ابن خلدون" إنما يذهب إلى أن التبابعة إنما كانوا يصاهرون "بني معاوية بن عنزة" الذين كانوا يملكون في "دمون"، وأنهم كانوا يولونهم على بني معد بن عدنان في الحجاز، وأن أول من ولي منهم إنما كان حجرا آكل المرار، وأن الذي ولاه، إنما هو "تبع بن كرب" الذي كسا الكعبة٢. وهناك رواية رابعة تذهب إلى أن سفهاء بكر قد غلبوا عقلاءها، وأن القوي منهم قد أكل الضعيف، فنظر العقلاء في أمرهم، ثم استقر رأيهم آخر الأمر، أن يملكوا عليهم ملكا يأخذ للضعيف من القوي، فنهاهم العرب، وعلموا أن هذا لا يستقيم بأن يكون الملك منهم؛ لأنه يطيعه قوم ويخالفه آخرون، ومن ثم فقد ساروا إلى بعض تبابعة اليمن، وكانوا للعرب بمنزلة الخلفاء للمسلمين، وطلبوا منهم أن يملكوا عليهم ملكا، فكان ذلك الملك هو حجر آكل المرار٣. وعلى أي حال، فربما كانت هذه الروايات جميعا، إنما تمثل مرحلتين من تاريخ كندة، الأولى وتمثل الهجرة من اليمن إلى نجد، والثانية وتمثل مرحلة استقرار الكنديين في مواطنهم الجديدة، وكيف كونوا لهم إمارة في نجد، ومن ثم فيمكن القول أن هذه المرحلة الثانية إنما تمثل التاريخ الحقيقي لكندة٤. ومن ثم فإذا كان لنا أن نختار رواية، نميل إلى أنها ربما كانت أقرب إلى الصواب من غيرها، فربما كانت الرواية التي تذهب إلى أن ملك حمير قد أقام حجرا زعيما على عدة قبائل كان ملك حمير قد أخضعها في وسط شبه الجزيرة العربية، فقامت بذلك دولة يحمل رؤساؤها لقب "ملك"، وتفرض سلطانها على منطقة واسعة، وإن كان بحكم الضرورة سلطانا محدودًا٥. ولعل الهدف من إقامة دولة كندة، أن التبابعة لجئوا إلى ذلك كوسيلة للسيطرة على

стр. 587

الطرق التجارية الشمالية التي كانت ترتادها قوافل اليمن التجارية، حتى يأمنوا اعتداء قبائل البدو الشمالية عليها، بخاصة وأن الدول الكبرى القائمة على تخوم الصحراء، إنما كانت وقت ذاك تحاول أن تؤلف القبائل إليها لتحمي حدودها من غزواتها، وتمدها بالجند، وتسير معها في الحروب متحالفة على أعدائها، فإذا كان ذلك صحيحا، فإن تولية حجر آكل المرار، تكون سياسية يمنية حكيمة، فقد كانت عصبة حجر يمنية، وكان هو من أسرة تولت الملك في بلادها الأولى، ثم إن هذه الأسرة كانت قد استقرت في الشمال منذ فترة عرفت فيها اتجاه العصبيات وفهمت العقلية الشمالية١، وهكذا يكون ملوك حمير قد حققوا من إقامة دولة كندة، ما حققه الروم من إقامة دولة الغساسنة، والفرس من إقامة دولة اللخميين، وتصبح كندة لتبابعة اليمن، ما كان اللخميون للفرس، والغساسنة للروم٢. ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الروايات العربية عن تأسيس مملكة كندة، تجد لها تأييدا في نقش عربي جنوبي -هو نقش "ريكمانز٥٠٩"- يتحدث عن حملة قام بها الملك الحميري "أب كرب أسعد" هو وابنه "حسن يهأمن" واشتركت فيها كندة، هذا إلى أن هناك مخربشة عربية جنوبية تتحدث عن "حجر بن عمرو" ملك كندة٣.

стр. 588

٢- ملوك كندة: عرفت كندة لدى الأخباريين بكندة الملوك، ربما لأن الملك كان لهم على بادية الحجاز من بني عدنان١؛ ولأنهم نصبوا أولادهم على القبائل، ولأنهم كانوا يتعززون بنسبهم إلى كندة، وإلى آكل المرار، لأنهم كانوا ملوكا، ولأنهم "ساسوا العباد وتمكنوا من البلاد"٢، على أنه يجب أن نشير إلى أن مملكة كندة لم تكن مملكة

стр. 589

بالمعنى المعروف، وإنما كانت أقرب ما تكون "اتحادا فدراليا" "Cofederation قبليا، تشغل فيه قبيلة كندة مركز الصدارة، وتتولى فيه الحكم أسرة من أسرها١. وأيا ما كان الأمر، ففي الربع الأخير من القرن الخامس الميلادي٢، وربما في حوالي عام ٤٨٠م٣، أصبح "حجر بن عمرو آكل المرار" ملكا على كندة في قلب نجد، وانتزع جانبا من الأرض التي كانت تحت سيطرة المناذرة، ثم نزل في مكان يدعى "بطن عاقل" -جنوب وادي الرمة على الطريق بين مكة والبصرة٤، وهكذا -كما يقول الدكتور عمر فروخ- تسرب النفوذ الأجنبي إلى مكان جديد في شبه الجزيرة العربية، نفوذ رومي مناهض لنفوذ الفرس في الحيرة، ومغلف بسياسية يمنية ظاهرة٥، إلا أننا لا يمكننا أن نقبل وجهة النظر هذه ببساطة؛ ذلك لأن الدكتور فروخ نفسه يوافق الروايات العربية التي ذهبت إلى أن الذي أقام حجرا ملكا على كندة، إنما هم الحميريون وليس الروم أو الأحباش، كما أن اليمن لم تكن وقت ذاك تسير في فلك النفوذ الرومي أو الحبشي، فضلا عن أن ملوك كندة إنما عملوا بعد ذلك عند الفرس، وليس عند الروم أو الأحباش، كما سوف نرى وإن تحالفوا مع الروم حينا من الدهر. وعلى أي حال، فإن حجرا، إنما يدعى عند المؤرخين العرب "آكل المرار"، ويعللون ذلك بقصة خلاصتها: أن حجرا قد سار بقبائل ربيعة لغزو البحرين، فعلم بذلك "زيادة بن الهبولة" من سليح بن حلوان، فأغار على غمر كندة، وقتل من وجد من الرجال، واستولى على الأموال، وسبى النساء، ومن بينهم "هند" زوج حجر نفسه، وما أن يعلم حجر بهذا الأمر، حتى يسرع فيدرك زياد عند "البردان"، فينزل على ماء يقال له "الحفير" -على مقربة من عين أباغ بين الفرات والشام- ويرسل رجالا ليأتوه بخبر زياد، وهنا يعلم -عن طريق رجل يقال له سدوس- أن هندا إنما هي راضية عما حدث، وأنها قد أجابت زيادا عندما سألها عن موقف

стр. 590

حجر: "إنه والله لن يدع طلبك حتى تعاين القصور الحمر -يعني قصور الشام- وكأنني به في فوارس من بني شيبان، يذمرهم ويذمرونه، وهو شديد الكلب، تزبد شفتاه كأنه بعير أكل مرارًا، فالنجاء النجاء، فإن وراءك طلبا حثيثا وجمعا كثيفا، وكيدا متينا، ورأيا صليبا". وما أن ينتهي "سدوس" من روايته، حتى يعبث حجر بالمرار، ويأكل منها، غضبا وأسفا، ولا يشعر أنه يأكله من شدة الغضب، فسمي يومئذ "بآكل المرار" أو أنه -على رواية أخرى- كان يوما على سفر، فلما لم يجد ما يأكله أكل المرار حتى شبع١، وأيا ما كان الأمر، فإن معركة حامية الوطيس سرعان ما تدور رحاها بين الفريقين، ينال فيها "زياد" هزيمة منكرة، ثم يقع في أسر "سدوس"، وتنجح بكر في استرداد ما سلبه زياد من غنائم وسبي، ثم يأخذ حجر هندا فيربطها في فرسين، ثم يركضهما، فشقاها نصفين على رواية، وأنه قد أحرقها على رواية أخرى، ثم عاد إلى الحيرة٢. وفي الواقع أن الرواية على هذا النحو، إنما تعترضها عقبات عدة، منها "أولا" أن هناك من يرى أن الذي هاجم ديار حجر، إنما هو الحارث بن الأهيم بن الحارث الغساني على رواية، والحارث بن جبلة على رواية أخرى، ودون ذكر اسم الذي أغار على غمر كندة، على رواية ثالثة، وهو الحارث بن منذلة الضجعي من بني سليح، على رواية رابعة، وهو عمرو بن الهبولة الغساني على رواية خامسة٣، وهكذا يختلف الإخباريون في الرواية بصورة تلقي ظلالا من شك على صحتها من أساس، ومنها "ثالثا" أن الأسيرة -في رواية أخرى- ليست هندا، وإنما هي قينة من أحب قيان حجر إلى نفسه٤. ومنها "ثالثا" أن ابن الأثير٥، سرعان ما يدرك الخطأ في الرواية؛ لأن ملوك

стр. 591

سليح كانوا بأطراف الشام عمالا للروم، ثم خلفهم الغساسنة في مكانتهم هذه، وأما الحيرة فقد كانت ملكا للخميين، ومن ثم فإن عودة حجر للحيرة بعد انتصاره على "زياد" لا تتفق والحقائق التاريخية، صحيح أن الفرس على أيام "قباذ" "٤٤٨-٥٣١م" قد استعملوا ملوك كندة على الحيرة، ولكن صحيح كذلك أن ذلك إنما حدث بعد وفاة "آكل المرار"، وعلى أيام حفيده "الحارث"، ثم إن "زياد بن الهبولة" هذا، إنما كان يعيش قبل "آكل المرار" بفترة طويلة، ومن ثم فإنه يفترض أن "زيادا" إنما كان رئيسا على قوم، أو متغلبا على بعض أطراف الشام، أضف إلى هذا كله أن هناك من يرى أن الذي غزا آكل المرار، إنما كان "غالب بن هبولة"، وأنه لم يشر إطلاقا إلى عودة آكل المرار إلى الحيرة. وعلى أي حال، فلقد مات آكل المرار في "بطن عاقل" في وقت لا نستطيع تحديده على وجه اليقين، وإن اتجه "أوليندر" إلى أن ذلك ربما كان في العقد الأخير من القرن الخامس الميلادي، معتمدا في ذلك على وفاة حفيده "الحارث" في عام ٥٢٨م١، وإن كان هناك من يرى أن "حجرا" إنما هو "Ogarus" المذكور في بعض التقاويم في حوادث أعوام ٤٩٧م، ٥٠١، ٥٠٢م، وقد ذكر معه أخ له يدعى "معديكرب" "Badicharimus"، فضلا عن حفيد يدعى "الحارث٢ Aretha. وخلف حجر آكل المرار ولده المعروف بالمقصور "عمرو بن حجر"؛ ربما لأنه اقتصر على ملك أبيه؛ وربما لأن "ربيعة" قد اضطرته إلى ذلك٣، وأنه لم يحمل لقب "ملك"، وإنما اكتفى بلقب "سيد كندة"، وأن اليمامة إنما كانت من نصيب أخيه معاوية المعروف بالجون٤، ويبدو أن "عمر بن حجر" كان على علاقة طيبة بملوك اليمن" ومن ثم فقد تزوج بنتا لحسان بن تبع أسعد الأكبر،

стр. 592

كما كانت كذلك باللخميين، ولهذا فقد تزوج "الأسود بن المنذر" ملك الحيرة من "أم الملك" ابنة عمرو المقصور، فولدت له النعمان بن الأسود١. على أن علاقة عمرو المقصور هذا بالغساسنة إنما هي موضع خلاف بين المؤرخين، فذهب البعض إلى أنها كانت علاقة عدائية، وأن عمرا إنما كان في أحايين كثيرة يشن الغارة عليهم، حتى لقي حتفه آخر الأمر بيد "الحارث بن أبي شمر" الغساني٢ بينما يذهب فريق آخر إلى أن العلاقات بينهما إنما كانت طيبة، وأن عمرا قد تزوج من "هند الهنود" بنت "ظالم بن وهب"، وكانت أختها "ماريا" زوجة للحارث الغساني الأكبر، وأن الذي قتل عمرا، إنما هو "عامر الجون" في "يوم القنان"، إبان ثورة ربيعة على عمرو المقصور٣، وذلك حين انتهزت فرصة الضعف في آل كندة على أيامه، وكان قد ظهر من بني تغلب في نفس الوقت رجل قوي، هو "وائل بن ربيعة" المعروف بكليب وائل، فانتزع من عمرو السيطرة على جميع قبائل ربيعة، أو أن قبائل ربيعة قد انحازت من تلقاء نفسها إلى "كليب"، ومن ثم فقد اضطر عمرو إلى أن يستنجد "بمرشد بن عبد ينكف الحميري"، الذي أنجده بجيش كبير، والتقى عمرو بكليب في ديار بني أسد -على مقربة من جبل القنان- فقتل عمرو في المعركة، وتحررت قبائل ربيعة من سيطرة آل كندة إلى حين٤. وجاء بعد عمرو ولده "الحارث" من زوجه أم إياس أو أم إناس بنت عوف على رأي٥، ومن امرأة من بني عامر بن صعصة على رأي ثان٦، ومن بنت حسان بن تبع الحميري على رأي ثالث٧، ويرى الطبري أن "عمرو بن تبع" إنما أراد بهذا الزواج الإقلال من شأن بني أخيه "حسان بن تبع" بعد أن قتله بنفسه، وفي نفس الوقت الإعلاء من شأن عمرو بن حجر الكندي؛ ذلك لأن العرب لم تكن

стр. 593

تطمع في مصاهرة هذا البيت العريق١. وقد اختلف المؤرخون في فترة حكم "الحارث بن عمرو المقصور" هذا، فبينما يحدد له أستاذنا الدكتور عبد العزيز سالم الفترة "٤٩٥-٥٢٨م"٢، يرى "كوسان ده يرسيفال" أنه حكم في الفترة "٤٩٥-٥٢٤م"٣، ويذهب "أوليندر" إلى أنه كان في الفترة "٤٩٠-٥٢٨م"٤، وعلى أي حال، فلقد كان الحارث أقوى ملوك كندة قاطبة، وأشدهم بأسأ، وأعظمهم شخصية، وأكثرهم طموحا، وقد ساعدته الظروف، فأصبح أعداؤه من بني بكر وتغلب -بعد حرب البسوس التي دامت أربعين عاما٥- في حالة ضعف شديد، ومن ثم فقد نجح في أن يعيد سلطانه على قبائل ربيعة في نجد، وعلى بني أسد وبني كنانة وبني بكر. وتذهب الروايات العربية إلى أن الحارث قد كتب له نُجْحًا بعيد المدى في توسيع مملكة كندة، حتى أنه استطاع آخر الأمر أن يضم إليه ملك آل لخم، وأن يجلس على عرشهم في الحيرة نفسها، منتهزا الفرصة التي أتاحتها له الظروف التي كانت تمر بها الدول الشمالية "الروم والفرس والغساسنة والمناذرة"، ومن ثم فقد بدأ حوالي عام ٤٩٧م بغزو فلسطين، إلا أن الحاكم الروماني قد ألحق بجيشه -الذي كان بقيادة ولده حجر- هزيمة منكرة، ولكن ما أن تمضي سنون خمسة حتى تصبح بيزنطة في موضع حرج، إذ تبدأ قبائل البلغار والصقالبة تتغلغل في تخوم الإمبراطورية الشمالية، ثم سرعان ما تعود الحرب بين الروم والفرس، من جديد في حوالي عام ٥٠٢م، وهكذا رأى الإمبرطور الروماني "أنسطاسيوس" "٤٩١-٥١٨م" أن يخفف من مشكلاته، وأن يقلل من أعدائه، فعقد مع الحارث معاهدة تنص على أن

стр. 594

يترك آل كندة مهاجمة الشام، وأن يتعاونوا مع الروم على قتال الفرس والمناذرة، وهكذا قام الروم في العام التالي "٥٠٣م" -بمساعدة الحارث- بهجوم على الحيرة، واستولوا على قافلة١. ولم يكن الحال بالنسبة إلى الفرس، بأفضل منه بالنسبة إلى الروم، فعلى أيام قباذ "٤٨٨-٥٣١م"، انتشرت الاضطرابات في أنحاء البلاد، وأصبح الأمر بيد "الموابذة" كما كان للأغنياء والإقطاعيين دور كبير في إدارة شئون البلاد، وهنا رأى قباذ أملاً في استرداد سلطانه، ورغبة في القضاء على الأغنياء، وعلى رجال الدين أن ينشر مبادئ "مزدوك" بين الناس٢، والتي تدعوا إلى نوع من الاشتراكية البدائية في الأموال والنساء، حيث إن الناس قد تظالموا في الأموال والأرزاق، فاغتصبها بعضهم من بعض، وأن الأغنياء قد اغتصبوا أرزاق الفقراء، ومن ثم فإنهم "يأخذون للفقراء من الأغنياء، ويردون من المكثرين على المقلين، وأن من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة، فليس هو بأولى به من غيره، فافترض السفلة ذلك واغتنموه، وكانفوا مزدوك وأصحابه وشايعوهم، فابتلى الناس بهم، وقوي أمرهم، حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره، فيغلبونه على منزله ونسائه وأموال، لا يستيطع الامتناع عنهم"٣. وقد أدت هذه الأحداث إلى قيام ضد قباذ، انتهت بخلعه في عام ٤٩٨م -وربما في عام٤٩٦م٤- ولكنه استطاع أن يفلت من السجن، وأن يستعيد عرشه في عام ٥٠٢ - أو عام ٥٠٤م- طبقا لرواية يذهب الأخباريون فيها إلى أن أخته -بمساعدة واحد من ضباطه- قد لعبت الدور الأول في هروبه من السجن، بعد أن مكث فيه ست سنين٥. وفي أثناء ذلك كان قباذ قد دعا "المنذر بن ماء السماء" إلى المزدكية فأبى،

стр. 595

وأسرها قباذ في نفسه، وعندما عرض دعوته هذه على الحارث الكندي أسرع بإجابته إليها، ومن ثم فقد عزل المنذر عن عرش الحيرة، وأقام مكانه الحارث الكندي١، فيما بين عامي ٥٢٥م، ٥٢٨م، على رأي٢، وفي حوالي عام ٥٢٩م على رأي آخر٣، وهكذا اتسع ملك الحارث وعظم شأنه، وجعل أولاد ملوكا على القبائل، فكان "حجر" على بني أسد وغطفان، وكان "شرحبيل" على بكر بن وائل بأسرها، وعلى عدد من القبائل الأخرى، وكان "معد يكرب" على قيس بن عيلان وطوائف من غيرهم، وكان "سلمة" على بني تغلب والنمر بن قاسط، وعلى بني سعد بن زيد مناة من تميم٤. على أن هناك من يذهب إلى أن العرب قد انتهزوا فرصة ضعف قباذ، فتواثبوا على المنذر بن ماء السماء، واضطروه إلى الهروب من الحيرة، ومن ثم فقد استدعي عرب الحيرة الحارث الكندي فملكوه على بكر، وحشدوا له وقاتلوا معه، ثم اضطر المنذر -بعد أن فشل في الحصول على مساعدة عسكرية من قباذ- إلى أن يخضع للحارث، وأن يتقرب إليه، وأن يتزوج من ابنته "هند" "عمة امرئ القيس الشاعر"٥. ويرى حمزة الأصفهاني أن الحارث الكندي كان قد طمع في ملك آل لخم، فانتهز فرصة ضعف قباذ، وباغت الحيرة، واضطر المنذر إلى الهرب إلى "الجرساء الكلبي" حيث بقي هناك حتى وفاة قباذ، وتولية كسرى أنوشروان الذي أعاده إلى ملكه٦.

стр. 596

على أن هناك رواية أخرى تذهب إلى أن النعمان بن المنذر قد لقي مصرعه، في معركة دارت رحاها بينه وبين الحارث الكندي، وإن نجا منها ولده المنذر، وأمه ماء السماء، ومن ثم فقد أصبح الحارث الكندي يملك ما يملكون، وهنا بعث "قباذ" يطلب لقاء الحارث، ويبدو أن الأخير قد استشعر ضعف الملك الفارسي عندما التقيا، ومن ثم فقد بدأ يخطط لنفوذ أوسع في العراق على حساب الفرس، وهكذا أمر رجاله بأن يشنوا الغارة على السواد، ويعلم قباذ بالأمر، ويدرك أن الحارث أقوى شخصية، وأكثر دهاء مما كان يتصور، ومن ثم فقد عمل على أن يدرأه عن نفسه، فأعطاه بعض المناطق التي تقع في مجاورات الحيرة، إلا أن الحارث كان أكثر طموحا، ومن ثم فقد كتب إلى "تبع" ملك اليمن، يقول له: "إني قد طمعت في ملك الأعاجم، وقد أخذت منه ست طساسيح فاجمع الجنود وأقبل"، وتذهب الرواية بعد ذلك، إلى أن "تبعا" قد جمع الجنود وسار بهم حتى نزل الحيرة، ثم وجه ابن أخيه "شمر بن ذى الجناج" إلى قباذ، فحاربه وانتصر عليه ثم قتله بالري١، وأما التقاء الحارث بقباذ، فقد كان -فيما يرى الويس موسل- في عام ٥٢٥م، عند قنطرة الفيوم، وهي موضع لا يبعد كثيرا عن "هيث"، والتي يصفها "ياقوت" بأنها بلدة على الفرات، من نواحي بغداد فوق الأنبار ذات نخل كثير وخيرات واسعة٢. وهكذا تختلف الروايات في كيفية وصول الحارث الكندي إلى عرش الحيرة، فبعضها يزعم أن ذلك إنما كان بأمر من قباذ نفسه، بعد أن رفض المنذر اعتناق المزدكية، ومن ثم فقد حل الحارث مكانه في الحيرة، وأن الأخير قد اصطنع المنذر بعد ذلك، وزوجه من ابنته "هند"، وأن المنذر قد قبل بعد أن أصبح لا يملك من أسباب القوة ما يعيد إليه عرشه الأسلاف، ومنها ما يزعم أن الحارث إنما استولى على عرش الحيرة بحد السيف، فقد قتل النعمان بن المنذر، ثم أجبر "قباذ" بعد ذلك أن يزيد من أملاكه فيما وراء الفرات، ثم استعا بملوك اليمن الذين حاربوا قباذ فانتصروا عليه وقتلوه في الري، ثم استمروا يفتحون البلاد في إتجاه الصين شرقا، والقسطنطينية غربا.

стр. 597

إلا أننا رغم ذلك، نستطيع أن نستخلص من تلك الروايات المتضاربة أحيانا، والتي تمتلئ بالمبالغات أحيانا أخرى، حقيقة مهمة، وهي أن الحارث الكندي قد كتب له أن يجلس على عرش الحيرة حينا من الدهر، قد يكون في الفترة "٥٢٥-٥٢٨م" إبان فتنة المزدكية في إيران١، وربما كان الحارث قد اتصل من قبل بالفرس بعد عقد صلح بينهم وبين الروم في عام ٥٠٦م، اعتقادا منه أن العمل في جانب الفرس، ربما كان أفضل له منه في جانب الروم، ثم زحفت بكر وتغلب بعد ذلك من مواطنها القديمة في اليمامة ونجد نحو العراق، وأن الفرس قد أقروه على ذلك، مقابل جعل يدفعه لهم كل عام، إلى جانب أهداف أخرى أرادوا من ورائها كسر شوكة اللخميين في الحيرة، وضم الحارث القوى إلى جانبهم، خوفا من أن ينحاز إلى جانب الروم -أعدائهم التقليديين- وقد أدى ذلك كله- إلى جانب الخلافات بسبب المزدكية، فضلا عن ضعف قباذ العاهل الفارسي- إلى أن تسوء العلاقات بين الفرس وأتباعهم اللخميين، واستغل الحارث الفرصة، حتى انتهى الأمر باستيلائه على عرش الحيرة نفسه٢. وأما استنجاد الحارث الكندي بملوك اليمن، وانتصارات هؤلاء الملوك في أرض العراق وما وراءها، فليس ذلك إلا من نوع الإشادة بماضي القحطانيين -الذي يردهه الكتاب العرب في صفحات كتبهم دائما، دونما ملل -فهم- دون العدنانيين- أصحاب التاريخ التليد والمجيد كذلك، وهم أصل العروبة وأول الناطقين بلغتها، فضلا عن التركيز هنا بصورة ملفتة للنظر، من أن دولة كندة ما كانت بقادرة على تحقيق مجد، أو إحراز نصر، دون عون يأتيها من الجنوب، من اليمن. هذا وقد اختلف المؤرخون في مقر الحكم الذي اختاره الحارث الكندي في العراق، فبينما يذهب فريق إلى أنه في الحيرة، عاصمته اللخميين، يرى آخرون أنه في "الأنبار" -وتقع على مبعدة أربعين ميلا إلى الشمال الغربي من بغداد -على أن فريقا ثالثا رأى أن الرجل إنما كان سيارة في أرض العرب٣.

стр. 598

وأيا ما كان الأمر، فإن ملك الحارث لم يستمر طويلا في العراق، فما هو إلا أن مات قباذ في عام ٥٣١م، وآل أمر الفرس إلى "كسرى أنوشروان" "٥٣١-٥٨٩م"، حتى اتخذ العاهل الجديد سياسة مناهضة للمزدكية، فقتل "مزدوك" وصلبه، كما قتل كبار أصحابه غدرا، ثم تتبع الزنادقة من المزدكية في كل أرجاء الإمبراطورية الفارسية، حتى قيل إنه قتل منهم في يوم واحد مائة ألف، وحتى قيل أنه اتخذ من هذا اليوم لقب "أنوشروان" أي "الروح الطيبة"، ثم طرد الحارث الكندي، وأعاد المنذر الثاث على عرش الحيرة، ربما بسبب المزدكية، وربما بسبب سياسية الحارث الكندي نفسه، إذ يبدو أن الرجل قد لجأ في أخريات أيامه إلى إيجاد علاقات طيبة بينه وبين الروم، مما كان سببا في قضاء كسرى أنوشروان على سلطته في الحيرة١. على أن المنذر الثالث، سرعان ما تتبع الحارث الكندي وأهله، حتى أسر اثني عشر أميرا من بني حجر بن عمرو، ثم قتلهم في دير بني مرينا -بين دير هند والكوفة- وإن كانت هناك رواية أخرى تذهب إلى أن المنذر قد لحق بالحارث في أرض كلب، فهرب الحارث تاركا ماله وإبله فانتهبها المنذر، وأسر ثمانية وأربعين من بني آكل المرار -من بينهم عمرو ومالك ولدى الحارث- فأمر المنذر بهم فقتلوا في ديار بني مرينا٢، على أن رواية ثالثة تذهب إلى أن الذين قتلوا الحارث إنما هم بني كلب، بينما تذهب رواية رابعة إلى أنه مات حتف أنفه بعد مطاردة لتيس من الظبا، دامت ثلاثة أيام، حتى إذا ما تمكن منه شويت له بطنه، فأكل فلذة حارة من كبده فمات، ثم دفن في "بطن عاقل"٣ وإن ذهب "أوليندر"٤ إلى أن هناك

стр. 599

اضطرابا في الرواية العربية بين "حجر" الذي دفن ببطن عاقل١، وبين حفيده الحارث. وأيا ما كان الصواب في موت الحارث الكندي، فمما لا شك فيه أن ذلك المصير التعس الذي لقيه الرجل، ومن أسر من أهل بيته، إنما كان ضربة في الصميم وجهت إلى دولة كندة، وسرعان ما دب الشقاق فيها، فانحلت عراها بعد أن قتل أبناء الحارث واحدا بعد الآخر، وعاد إلى حضرموت من أهل كندة، هؤلاء الذين هاجروا من قبل إلى وسط شبه الجزيرة العربية. ويبدو أن المنذر اللخمي لم يرضه ما ناله من بني الحارث الكندي، ولم يقتنع بما آل إليه أمرهم بعد موت أبيهم، إذ تفرقت كلمتهم، ومشت الرجال بينهم، وتفاقم أمرهم حتى جمع كل واحد منهم لصاحبه الجموع، وزحف إليه بالجيوش، وكان المنذر من وراء ذلك كله، حتى أنه وجه إلى "سلمه" بهدايا، ثم دس إلى "شرحبيل" من قال له: "إن سلمة أكبر منك، وهذه الهدايا تأتيه من المنذر"، وما زال المنذر يغري كل واحد منهما بمحاربة الآخر، حتى نشبت الحرب بينهما، في يوم عرف بين العرب "بيوم الكلاب الأول"، أعلن كل فيه من الأخوين عن جائزة مقدارها مائة من الإبل لمن يأتيه براس أخيه، وكان يوما عصيبا اشتدت فيه الحرب حتى آخر النهار، وانتهى بقتل "شرحبيل"٢. ويذهب الرواة إلى أن "سلمة" سرعان ما أخرجه بنو تغلب من بينهم، فلجأ إلى بني بكر بن وائل، ثم انضم بنو تغلب إلى المنذر اللخمي، الذي بذل الجهد -كل الجهد- لطرد سلمه من ديار بني بكر، وانضوائهم تحت لوائه، إلا أن جهوده ذهبت أدراج الرياح، ومن ثم فقد مصمم على غزوهم، بل وذبحهم -إذ ظفر بهم- على قمة أوارة، حتى يبلغ دمهم سفح الجبل، وهكذا كان "يوم أوارة الأول"، حيث اقتتل الفريقان قتالا شديدا، وانتهت المعركة بهزيمة

стр. 600

بكر، وأسر "يزيد بن شرحبيل الكندي"، فأمر المنذر بقتله، مع جمع كبير من بكر١. وأما الابن الثالث "معد يكرب" فقد ظل بعد موت أبيه الحارث الكندي رئيسا على "قيس عيلان"، إلا أن الأحزان كانت قد هدت قواه بعد مقتل أخوية "شرحبيل وحجر" وبعد موت "سلمه" فاعتراه وسواس هلك به٢. وأما رابع الأخوة "حجر بن الحارث" من زوجه "فطام بنت سلمة" فقد قتل أول إخوته، وإن كنا قد أخرنا قصته لنربط بينها وبين قصة ولده الشاعر المشهور "امرؤ القيس"، وحجر هذا، هو أكبر أبناء الحارث وأعظمهم جاها، ومن ثم فقد انتقل إليه عامة ملك كندة، ولعل هذا هو السبب في أن بعض الباحثين يرون أن حجرا قد قام بغارة على اللخميين بعد وفاة أبيه الحارث، أملا في أن يسترجع ما فقده أبوه، وأن يعيد نفوذ كندة، كما كما على عهد الحارث٣، إلا أن الحملة لم يكتب لها نصيبا من نجاح. وعلى أي حال، فلقد أثرت كل هذه الأحداث على دولة كندة، فعملت على إضعاف ملوكها وتضعضع نفوذهم، فكانت البداية تتمثل في خروج بني أسد على حجر، فامتنعوا عن أداء الإتاوة التي كان قد فرضها عليهم من قبل، ومن ثم فقد خرج عليهم حجر من تهامة -حيث كان يقيم- على رأس جيش كبير، وما أن وصل إلى ديار بني أسد في جنوب جبلي طيئ "أجأ وسلمى، ويعرفان اليوم بجبل شمر على جانبي وادي الرمة"، حتى قتل الكثير من أشرافهم، كما أخذ بعضا منهم -وعلى رأسهم عمرو بن مسعود الأسدي، والشاعر عبيد بن الأبرص- أسرى إلى تهامة، مما ترك أثرا سيئا في نفوس القوم، فعقدوا العزم على الانتقام- وما لبثوا
следующие страницы →