← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 12009

رحلة ابن بطوطة ط دار الشرق العربي

ابن بطوطة

Полный текст (582 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فيه من التجار وغيرهم، فيعرف بذلك كله ويعرض على السلطان فمن استحق أن ينزل عنده أنزله. ولما وصلت مع القاضي المذكور وهو يعرف بابن البرهان المصري الأصل إلى دار السلطان خرج بعض الفتيان فسلم على القاضي فقال له بلغ الأمانة وعرف مولانا الشيخ أن هذا الرجل قد وصل من أرض الحجاز فبلغ ثم عاد وأتى بطبق فيه أوراق التنبول والفوفل فأعطاني عشرة أوراق مع قليل من الفوفل وأعطى للقاضي كذلك وأعطى لأصحابي ولطلبة القاضي ما بقي في الطبق وجاء بقمم من ماء الورد الدمشقي فسكب علي وعلى القاضي وقال أن مولانا أمر أن ينزل بدار الطلبة وهي دار معدة لضيافة الطلبة فأخذ القاضي بيدي وجئنا إلى تلك الدار وهي بمقربة من دار الشيخ مفروشة مرتبة بما تحتاج إليه ثم أتى بالطعام من دار الشيخ ومعه أحد وزرائه وهو الموكل بالضيوف فقال مولانا يسلم عليكم ويقول لكم قدمتم خير مقدم ثم وضع الطعام فأكلنا وطعامهم الأرز المطبوخ بالسمن يجعلونه في صحفة خشب كبيرة ويجعلون فوقه صحاف الكوشان وهو الأدام من الدجاج واللحم والحوت والبقول ويطبخون الموز قبل نضجه في اللبن والحليب ويجعلونه في صحفة ويجعلون اللبن المروّب في صحفة ويجعلون عليه الليمون المصبر وعناقيد الفلفل المصبر المخلل والمملوح والزنجبيل الأخضر والعنبا وهي مثل التفاح ولكن لها نواة وهي إذا نضجت شديدة الحلاوة وتؤكل كالفاكهة وقبل نضجها حامضة كالليمون يصبرونها في الخل وهم إذا أكلوا لقمة من الأرز أكلوا بعدها من هذه الموالح والمخللات. والواحد من أهل مقدشو يأكل قدر ما تأكله الجماعة منا عادة. وهم في نهاية من ضخامة الأجسام وسمنها. ثم لما أطعمنا انصرف عنا القاضي وأقمنا ثلاثة أيام يؤتى إلينا بالطعام ثلاث مرات في اليوم، وتلك عادتهم. فلما كان اليوم الرابع وهو يوم الجمعة جاءني القاضي والطلبة وأحد وزراء الشيخ وأتوني بكسوة وكسوتهم فوطة خز يشدها الإنسان في وسطه عوض السراويل فإنهم لايعرفونها ودراعة من المقطع المصري معلمة وفرجية من المقدسي مبطنة وعمامة مصرية معلمة وأتو لأصحابي بكُسى تناسبهم وأتينا الجامع فصلينا خلف المقصورة فلما خرج الشيخ من باب المقصورة سلمت عليه مع القاضي فرحب وتكلم بلسانه مع القاضي ثم قال

стр. 212

باللسان العربي: قدمت خير مقدم وشرفت بلادنا وآنستنا وخرج إلى صحن المسجد فوقف على قبر والده وهو مدفون هناك فقرأ ودعا ثم جاء الأمراء والوزراء ووجوه الأجناد فسلموا وعادتهم في السلام كعادة أهل اليمن يضع سبابته في الأرض ثم يجعلها على رأسه ويقول أدام الله عزك ثم خرج الشيخ من باب المسجد فلبس نعليه وأمر القاضي أن ينتعل وأمرني أن أنتعل وتوجه إلى منزله ماشياً وهو بالقرب من المسجد ومشى الناس كلهم حفاة ورفعت فوق رأسه أربع قباب من الحرير الملون وعلى أعلى كل قبة صورة طائر من ذهب وكان لباسه في ذلك اليوم فرجية قدسي أخضر وتحتها من ثياب مصر وطروحاتها الحسان وهو متقلد بفوطة حرير معتم بعمامة كبيرة وضربت بين يديه الطبول والأبواق والأنفار وأمراء الأجناد أمامه وخلفه والقاضي والفقهاء والشرفاء معه ودخل إلى مشورة على تلك الهيئة وقعد الوزراء والأمراء ووجوه الأجناد في سقيفة هنالك وفرش للقاضي بساط لا يجلس معه غيره عليه والفقهاء والشرفاء معه ولم يزالوا كذلك إلى صلاة العصر فلما صلوا العصر مع الشيخ أتى جميع الأجناد ووقفوا صفوفاً على قدر مراتبهم ثم ضربت الأطبال والأنفار والأبواق والصرنايات وعند ضربها لا يتحرك أحد ولا يتزحزح من مقامه ومن كان ماشيا وقف فلم يتحرك إلى خلف ولا إلى أمام فإذا فرغ من ضرب الطلبلخانة سلموا بأصابعهم كما ذكرناه وانصرفوا وتلك عادة لهم في كل يوم جمعة وإذا كان يوم السبت يأتي الناس إلى باب الشيخ فيقعدون في سقائف خارج الدار ويدخل القاضي والفقهاء والشرفاء والصالحون والمشايخ والحجاج إلى المشور الثاني فيقعدون على دكاكين خشب معدة لذلك ويكون القاضي على دكانة وحده وكل صنف على دكانة تخصهم لا يشاركهم فيها سواهم ثم يجلس الشيخ بمجلسه ويبعث إلى القاضي فيجلس عن يساره ثم يدخل الفقهاء فيقعد كبراؤهم بين يديه ويسلم سائرهم وينصرفون وإن كانوا ضيوفاً جلسوا عن يمينه ثم يدخل المشايخ والحجاج فيجلس كبراؤهم ويسلم سائرهم وينصرفون ثم يدخل الوزراء ثم الأمراء ثم وجوه الأجناد طائفة بعد طائفة أخرى فيسلمون وينصرفون ويؤتى بالطعام فيأكل بين يدي الشيخ القاضي والشرفاء ومن كان قاعدا بالمجلس ويأكل الشيخ معهم وإن أراد تشريف أحد من كبار أمرائه بعث إليه فأكل معهم.

стр. 213

ويأكل سائر الناس بدار الطعام وأكلهم على ترتيب مثل ترتيبهم في الدخول على الشيخ ثم يدخل الشيخ إلى داره ويقصد القاضي والوزراء وكاتب السر وأربعة من كبار الأمراء للفصل بين الناس وأهل الشكايات فما كان متعلقاً بالأحكام الشرعية حكم فيه القاضي وما كان من سوى ذلك حكم فيه أهل الشورى وهم الوزراء والأمراء وما كان مفتقراً إلى مشاورة السلطان كتبوا إليه فيخرج لهم الجواب من حينه على ظهر البطاقة بما يقتضيه نظره وتلك عادتهم. ثم ركبت من مدينة مقدشو متوجها إلى بلاد السواحل قاصدا مدينة كُلْوَا١ من بلاد الزنوج فوصلنا إلى جزيرة مَنْبِسَى٢ "وضبط اسمها ميم مفتوح ونون مسكن وباء موحدة مفتوحة وسين مهمل مفتوح، وياء". وهيَ كبيرة، بينها وبين أرض السواحل مسيرة يومين في البحر ولا برّ لها وأشجارها: الموز والليمون والأترج، ولهم فاكهة يسمونها الجمون وهي شبه الزيتون ولها نواة كنواه إلا انها شديدة الحلاوة. ولا زرع عند أهل هذه الجزيرة وإنما يجلب إليهم من السواحل وأكثر طعامهم الموز والسمك وهم شافعية المذهب أهل دين وعفاف وصلاح ومساجدهم من الخشب محكمة الإتقان وعلى كل باب من أبواب المساجد البئر والثنتان وعمق آبارهم ذراع أو ذراعان فيسقون منها الماء بقدح خشب قد غرز فيه عود رقيق في طول الذراع والأرض حول البئر والمسجد مسطحة فمن أراد دخول المسجد غسل رجليه ودخل ويكون على بابه قطعة حصير غليظ يمسح بها رجليه ومن أراد الوضوء أمسك القدح بين فخذيه وصب على يديه ويتوضأ وجميع الناس يمشون حفاة الأقدام. وبتنا بهذه الجزيرة ليلة، وركبنا البحر إلى مدينة كُلْوا "وضبط اسمها بضم الكاف وإسكان اللام وفتح الواو" وهي مدينة عظيمة ساحلية أكثر أهلها الزنوج المستحكمو السواد. ولهم شرطات في وجوههم كما هي في وجوه الليميين من جنادة. وذكر لي بعض التجار أن مدينة سفالة على مسيرة نصف شهر من مدينة كلوا، وأن بين سفالة ويوفي من بلاد الليميين مسيرة شهر، ومن يوفي يؤتى بالتبر إلى سفالة. ومدينة كلوا

стр. 214

من أحسن المدن وأتقنها عمارة، وكلها بالخشب. وسقف بيوتها الديس. والأمطار بها كثيرة، وهم أهل جهاد لأنهم في بر واحد مع كفار الزنوج. والغالب عليهم الدين والصلاح وهم شافعية المذهب. وكان سلطان كُلْوا في عهد دخولي إليها أبو المظفر حسن ويكنى أيضا أبو المواهب لكثرة مواهبه ومكارمه وكان كثير الغزو إلى أرض الزنوج يغير عليهم ويأخذ الغنائم فيخرج خمسها ويصرفه في مصارفه المعينة في كتاب الله تعالى ويجعل نصيب ذوي القربى في خزانة على حدة فإذا جاء الشرفاء دفعه إليهم وكان الشرفاء يقصدونه من العراق والحجاز وسواها، ورأيت عنده من شرفاء الحجاز جماعة منهم محمد بن جماز ومنصور بن لبيد بن أبي نمي ومحمد بن شميلة بن أبي نمي، ولقيت بمقدشو أتيل بن كبش بن جماز وهو يريد القدوم عليه وهذا السلطان له تواضع شديد ويجلس مع الفقراء ويأكل معهم ويعظم أهل الدين والشرف. ومن مكارمه أنه حضرته يوم جمعة وقد خرج من الصلاة قاصداً إلى داره فتعرض له أحد الفقراء اليمنيين فقال له أبا المواهب فقال له: لبيك يا فقير ما حاجتك؟ قال اعطني هذه الثياب التي عليك. فقال له: نعم أعطيكها. فقال: الساعة. قال. نعم الساعة. فرجع إلى المسجد ودخل بيت الخطيب فلبس ثياباً سواها، وخلع تلك الثياب وقال للفقير أدخل فخذها. فدخل الفقير وأخذها وربطها في منديل وجعلها فوق رأسه وانصرف. فعظم شكر الناس للسلطان على ما ظهر من تواضعه وكرمه وأخذ ابنه ولي عهده تلك الكسوة من الفقير وعوضه عنا بعشرة من العبيد. وبلغ السلطان ما كان من شكر الناس له على ذلك فأمر للفقير أيضا بعشرة رؤوس من الرقيق وحملين من العاج. ومعظم عطاياهم من العاج، وقلما يعطون الذهب. ولما توفي هذا السلطان الفاضل الكريم رحمة الله عليه ولي أخوه داود فكان على الضد إذا أتاه سائل يقول له مات الذي كان يعطي ولم يترك من بعده ما يعطى ويقيم الوفود عنده الشهور الكثيرة وحينئذ يعطيهم القليل حتى انقطع الوافدون عن بابه.

стр. 215

وركبنا البحر من كُلْوَا إلى مدينة ظفار الحموض١ "وضبط اسمها بفتح الظاء المعجم والفاء وآخره راء مبنية على الكسر" وهي آخر بلاد اليمن على ساحل البحر الهندي ومنها تحمل الخيل العتاق إلى الهند ويقطع البحر فيما بينها وبين الهند مع مساعدة الريح في شهر كامل قد قطعته مرة من قالقوط في بلاد الهند إلى ظفار في ثمانية وعشرين يوماً بالريح ولم ينقطع لنا جري بالليل ولا بالنهار وبين ظفار وعدن في البر مسيرة شهر في صحراء، وبينها وبين حضرموت ستة وعشر يوماً، وبينها وبين عمان عشرون يوماً. ومدينة ظفار في صحراء لا قرية بها ولا عمالة لها والسوق خارج المدينة بربض يعرف بالحرجاء وهي من أقذر الأسواق وأشدها نتناً وأكثرها ذباباً لكثرة ما يباع بها من الثمرات وأكثر سمكها النوع المعروف بالسردين، وهو بها في النهاية من السمن. ومن العجائب أن دوابهم إنما علفها من هذا السردين وكذلك غنمهم ولم أر ذلك في سواها. وأكثر باعتها الخدم وهن يلبسن السواد. وزرع أهلها الذرة وهم يسقونها من آبار بعيدة الماء وكيفية سقيهم أنهم يصنعون دلواً كبيرة ويجعلون لها حبالاً كثيرة ويتحزم بكل حبل عبد أو خادم ويجرون الدلو على عود كبير مرتفع عن البئر ويصبونها في صهريج يسقون منه، ولهم قمح يسمونه العلس وهو في الحقيقة نوع من السلت، والأرز يجلب إليهم من بلاد الهند وهو أكثر طعامهم، ودراهم هذه المدينة من النحاس والقصدير ولا تنفق في سواها وهم أهل تجارة ولا عيش لهم إلا منها. ومن عاداتهم أنه إذا وصل مركب من الهند أو غيرها خرج عبيد السلطان إلى الساحل وصعدوا في صنبوق إلى المركب ومعهم الكسوة الكاملة لصاحب المركب أو وكيله وللربان وهو الرئيس وللكراني وهو كاتب المركب ويؤتى إليهم ثلاثة أفراس فيركبونها وتضرب أمامهم الأطبال والأبواق من ساحل البحر إلى دار السلطان فيسلمون على الوزير وأمير الجند وتبعث الضيافة لكل من بالمركب ثلاثاً وبعد الثلاث يأكلون بدار السلطان. وهم يفعلون ذلك استجلاباً لأصحاب المراكب. وهم أهل تواضع وحسن أخلاق وفضيلة ومحبة للغرباء، ولباسهم القطن وهو يجلب إليهم من بلاد

стр. 216

الهند ويشدون الفوط في أوساطهم عوضاً عن السروال وأكثرهم يشد فوطة في وسطه وتجعل فوق ظهره أخرى من شدة الحر ويغتسلون مرّات في اليوم. وهي كثيرة المساجد ولهم في كل مسجد مطاهر كثيرة معدة للإغتسال ويصنع بها ثياب من الحرير والقطن والكتان حسان جدّاً. والغالب على أهلها رجالاً ونساءً المرض المعروف بداء الفيل، وهو انتفاخ القدمين. وأكثر رجالهم مبتلون بالأدر١ والعياذ بالله. ومن عوائدهم الحسنة التصافح في المسجد أثر صلاة الصبح والعصر يستند أهل الصف الأول إلى القبلة ويصافحهم الذين يلونهم وكذلك يفعلون بعد صلاة الجمعة يتصافحون أجمعون. ومن خواص هذه المدينة وعجائبها أنه لا يقصدها أحد بسوء إلا عاد عليه مكروه وحيل بينه وبينها. وذكر لي أن السلطان قطب الدين تمهتن بن طوران شاه صاحب هرمز نازلها مرة من البر والبحر فأرسل الله سبحانه ريحاً عاصفاً كسرت مراكبه ورجع عن حصارها وصالح ملكها وكذلك ذكر أن الملك المجاهد سلطان اليمن عيّن ابن عم له بعسكر كبير برسم انتزاعها من يد ملكها وهو أيضا ابن عمه فلما خرج ذلك الأمير من داره سقط عليه حائط وعلى جماعة من أصحابه فهلكوا جميعاً ورجع الملك عن رأيه وترك حصارها وطلبها. ومن الغرائب أن أهل هذه المدينة أشبه الناس بأهل المغرب في شئونهم نزلت بدار الخطيب بمسجدها الأعظم وهو عيسى بن علي كبير القدر كريم النفس فكان له جوار مسميات بأسماء خدام المغرب إحداهن اسمها بخيتة والأخرى زاد المال ولم أسمع هذه الأسماء في بلد سواها. وأكثر أهلها رؤوسهم مكشوفة لا يجعلون عليها العمائم وفي كل دار من دورهم سجادة الخوص معلقة في البيت يصلي عليها صاحب البيت كما يفعل أهل المغرب وأكلهم الذرة وهذا التشابه كله مما يقوي القول بأن صنهاجة وسواهم من قبائل المغرب أصلهم من حمير. وبقرب من هذه المدينة بين بساتينها زاوية الشيخ الصالح العابد أبي محمد بن أبي بكر بن عيسى من أهل ظفار. وهذه الزاوية معظمة عندهم

стр. 217

يأتون إليها غدواً وعشياً ويستجيرون بها. فإذا دخل المستجير لم يقدر السلطان عليه. رأيت بها شخصا ذكر لي أن له بها مدة سنين مستجيرا لم يتعرض له السلطان. وفي الأيام التي كنت بها استجار بها كاتب السلطان وأقام فيها حتى وقع بينهما الصلح أتيت هذه الزاوية فبت بها في ضيافة الشيخين أبي العباس أحمد وأبي عبد الله محمد ابني الشيخ أبي بكر المذكور وشاهدت لهما فضلاً عظيماً ولما غسلنا أيدينا من الطعام أخذ أبو العباس منهما ذلك الماء الذي غسلنا به فشرب منه وبعث الخادم بباقيه إلى أهله وأولاده فشربوه وكذلك يفعلون بمن يتوسمون فيه الخير من الواردين عليهم، وكذلك أضافني قاضيها الصالح أبو هاشم عبد الملك الزبيدي وكان يتولى خدمتي وغسل يدي بنفسه ولا يكل ذلك إلى غيره، وبمقربة من هذه الزاوية تربة سلف السلطان الملك المغيث وهي معظم عندهم ويستجير بها من طلب حاجة فتقضى له ومن عادة الجند أنه إذا تم الشهر ولم يأخذوا أرزاقهم استجاروا بهذه التربة وأقاموا في جوارها إلى أن يعطوا أرزاقهم. وعلى مسيرة نصف يوم من هذه المدينة الأحقاف وهي منازل عاد وهنالك زاوية ومسجد على ساحل البحر وحوله قرية لصيادي السمك وفي الزاوية قبر مكتوب عليه هذا قبر هود بن عابر عليه أفضل الصلاة والسلام وقد ذكرت أن بمسجد دمشق موضعاً مكتوب عليه قبر هود بن عابر والأشبه أن يكون قبره بالأحقاف لأنها بلاده والله أعلم. ولهذه المدينة بساتين فيها موز كثير كبير الجرم وزنت بمحضري حبة منه فكان وزنها ثنتي عشرة أوقية وهو طيب الطعم شديد الحلاوة وبها أيضا التنبول والنارجيل، المعروف بجوز الهند، ولا يكونان إلا ببلاد الهند وبمدينة ظفار هذه لشبهها بالهند وقربها منه، اللهم إلا أن في مدينة زبيد في بستان السلطان شجيرات من النارجيل. وإذ قد وقع ذكر التنبول والنارجيل فلنذكرهما ولنذكر خصائصهما.

стр. 218

خبر شجر التنبول: والتنبول شجر يغرس كما تغرس دوالي العنب، ويصنع له معرشات من

стр. 219

القصب كما تصنع لدوالي العنب أو يغرس في مجاورة النارجيل فيصعد فيها كما تصعد الدوالي وكما يصعد الفلفل ولا ثمر للتنبول وإنما المقصود منه ورقه وهو يشبه ورق العليق وأطيبه الأصفر وتجنى أوراقه في كل يوم وأهل الهند يعظمون التنبول تعظيماً شديداً وإذا أتى الرجل دار صاحبه فأعطاه خمس ورقات منه فكأنما أعطاه الدنيا وما فيها ولا سيما أن كان أمير اً وكبيراً. وإعطاؤه عندهم أعظم شأناً وأدل على الكرامة من إعطاء الفضة والذهب. وكيفية استعماله أن يؤخذ قبله الفوفل وهو شبه جوز الطيب فيكسر حتى يصير أطرافاً صغاراً ويجعله الإنسان في فمه ويعلكه ثم يأخذ ورق التنبول فيجعل عليها شيئاً من النورة ويمضغها مع الفوفل وخاصيته أنه يطيب النكهة ويذهب بروائح الفم ويهضم الطعام ويقطع ضرر شرب الماء على الريق ويفرح آكله ويعين على الجماع. ويجعله الإنسان عند رأسه ليلاً فإذا استيقظ من نومه أو أيقظته زوجته أو جاريته أخذ منه فيذهب بما في فمه من رائحة كريهة. ولقد ذكر لي أن جواري السلطان والأمراء ببلاد الهند لا يأكلن غيره، وسنذكره عند ذكر بلاد الهند.

стр. 220

خبر شجر النارجيل: وهو جوز الهند وهذا الشجر أغرب الأشجار شأناً وأعجبها أمراً وشجره شبه شجر النخل لا فرق بينهما إلا أن هذه تثمر جوزاً وتلك تثمر تمراً وجوزها يشبه رأس ابن آدم لأن فيها شبه العينين والفم وداخلها شبه الدماغ إذا كانت خضراء وعليها ليف شبه الشعر وهم يصنعون به حبالا يخيطون به المراكب عوضا عن مسأمير الحديد، ويصنعون منه الحبال للمركب. والجوزة منها وخصوصا التي بجزائر ذيبة المهل تكون بمقدار رأس الآدمي. ويزعمون أن حكيماً من حكماء الهند في غابر الزمان كان متصلاً بملك من الملوك ومعظماً لديه وكان للملك وزير بينه وبين هذا الحكيم معاداة فقال الحكيم للملك: أن رأس هذا الوزير إذا قطع ودفن تخرج منه نخلة تثمر بثمر عظيم يعود نفعه على أهل الهند وسواهم من أهل الدنيا. فقال له الملك. فإن لم تظهر من رأس الوزير ما ذكرته قال أن لم يظهر فاصنع برأسي كما صنعت برأسه. فأمر الملك برأس الوزير فقطع. وأخذه الحكيم وغرس نواة تمر في

стр. 221

دماغه وعالجها، حتى صارت شجرة وأثمرت بهذا الجوز. وهذه الحكاية من الأكاذيب ولكن ذكرناها لشهرتها عندهم. ومن خواص هذا الجوز تقوية البدن وإسراع السمن والزيادة في حمرة الوجه، وإما الإعانة على الباءة ففعله فيها عجيب. ومن عجائبه أنه يكون في ابتداء أمره أخضر. فمن قطع بالسكين قطعة من قشرة وفتح رأس الجوزة شرب منها، ماء وجده في النهاية من الحلاوة والبرودة ومزاجه حار معين على الباءة. فإذا شرب ذلك الماء أخذ قطعة القشرة وجعلها شبه الملعقة وجرد بها ما في داخل الجوزة من الطعم فيكون طعمه كطعم البيضة إذا شربت ولم يتم نضجها كل التمام ويتغذى به. ومنه كان غذائي أيام إقامتي بجزائر ذيبة المهل مدة عام ونصف عام. وعجائبه أنه يصنع منه الزيت والحليب والعسل. فأما كيفية صناعة العسل منه فإن خدام النخل منه ويسمون الفازانية يصعدون إلى النخلة غدواً وعشياً إذا أراد أخذ مائها الذي يصنعون منه العسل وهم يسمونه الأطواق فيقطعون العذق الذي يخرج منه الثمر ويتركون منه مقدار أصبعين ويربطون عليه قدرا صغيرا فيها الماء الذي يسيل من العذق فإذا ربطها غدوة صعد إليها عشيا ومعه قدحان من قشر الجوز المذكور أحدهما مملوء ماء فيصب ما اجتمع من ماء العذق في أحد القدحين ويغسله بالماء الذي في القدح الآخر وينجر من العذق قليلاً ويربط عليه القدر ثانية ثم يفعل غدوة كفعله عشيا فإذا اجتمع له الكثير من ذلك الماء طبخه كما يطبخ ماء العنب إذا صنع منه الرب فيصير عسلاً عظيم النفع طيباً ويشتريه تجار الهند واليمن والصين ويحملونه إلى بلادهم ويصنعون منه الحلواء. وأما كيفية صنع الحليب منه فإن بكل دار شبه الكرسي تجلس فوقه المرأة ويكون بيدها عصى في أحد طرفيها حديدة مشرفة فيفتحون في الجوزة مقدار ما تدخل تلك الحديدة ويجرشون ما في باطن الجوزة وكل ما ينزل منها يجتمع في صحفة حتى لا يبقى في داخل الجوزة شيء ثم يمرس ذلك الجريش بالماء فيصير كلون الحليب بياضاً ويكون طعمه كطعم الحليب ويأتدم به الناس. وأما كيفية صنع الزيت فإنهم يأخذون الجوز بعد نضجه وسقوطه عن شجره فيزيلون قشره ويقطعونه قطعا ويجعل في الشمس فإذا ذبل طبخوه في القدور واستخرجوا زيته وبه يستصبحون ويضعه الناس في شعورهم وهو عظيم النفع.

стр. 222

خبر سلطان ظفار: هو السلطان الملك المغيث بن الملك الفائز ابن عم ملك اليمن وكان أبوه أمير اً على ظفار من قبل صاحب اليمن وله عليه هدية يبعثها له في كل سنة ثم استبد الملك المغيث بملكها وامتنع عن إرسال الهدية وكان من عزم ملك اليمن على محاربته تعيين ابن عمه ووقوع الحائط عليه ما ذكرناه آنفاً. وللسلطان قصر بداخل المدينة يسمى الحصن عظيم فسيح والجامع بإزائه. ومن عاداته أن تضرب الطبول والباقات والأنفار والصرنايات على بابه كل يوم بعد صلاة العصر وفي كل يوم اثنين وخميس تأتي العساكر إلى بابه فيقفون خارج المشور ساعة وينصرفون والسلطان لا يخرج ولا يراه أحد إلا في يوم الجمعة فيخرج للصلاة ثم يعود إلى داره ولا يمنع أحد من دخول المشور وأمير جندار قاعد على بابه وإليه ينتهي كل صاحب حاجة أو شكاية وهو يطالع السلطان ويأتيه الجواب للحين. وإذا أراد السلطان الركوب خرجت مراكبه من القصر وسلاحه ومماليكه إلى خارج المدينة وأتى بجمل مستور بستر أبيض منقوش بالذهب فيركب السلطان ونديمه في المحمل بحيث لا يرى وإذا خرج إلى بستانه وأحب ركوب الفرس ركبه ونزل عن المحمل. وعادته أن لا يعارضه أحد في طريقه ولا يقف لرؤيته ولا لشكاية وغيرها ومن تعرض لذلك ضرب أشد الضرب فتجد الناس إذا سمعوا بخروج السلطان فروا عن الطريق وتحاموها. ووزير هذا السلطان الفقيه محمد العدني وكان معلم صبيان فعلم هذا السلطان القراءة والكتابة وعاهده على أن يستوزره أن ملك فلما ملك استوزره فلم يكن يحسنها فكان الإسم له والحكم لغيره. ومن هذه المدينة ركبنا البحر نريد عمان في مركب صغير لرجل يعرف بعلي بن إدريس المصيري من أهل جزيرة مصيرة. وفي الثاني لركوبنا نزلنا بمرسى حاسك وبه ناس من العرب صيادون للسمك ساكنون هنالك وعندهم شجر الكندر وهو رقيق الورق وإذا شرطت الورقة منه قطر منها ماء شبه اللبن ثم عاد صمغا وذلك الصمغ هو اللبان وهو كثير جدّاً هنالك ولا معيشة لأهل ذلك المرسى إلا من صيد السمك، وسمكهم يعرف باللخم "بخاء معجم مفتوح" وهو شبيه كلب البحر. يُشرّح ويقدّد ويقتات به، وبيوتهم من عظام السمك وسقفها من جلود الجمال. وسرنا من مرسى حاسك أربعة أيام ووصلنا إلى جبل لُمعان "بضم اللام"، وهو في وسط البحر، وبأعلاه رابطة مبنية بالحجارة وسقفها من عظام السمك، وبخارجها غدير ماء يجتمع من المطر.

стр. 223

خبر الولي لقيناه في الجبل ... خبر الولي الذي لقيناه في الجبل: ولما أرسينا تحت هذا الجبل صعدنا إلى هذه الرابطة فوجدنا بها شيخا نائما فسلمنا عليه فاستيقظ وأشار برد السلام فكلمناه فلم يكلمنا وكان يحرك رأسه فأتاه أهل المركب بطعام فأبى أن يقبله فطلبنا منه الدعاء فكان يحرك شفتيه ولا نعلم ما يقول وعليه مرقعة وقلنسوة لبد وليس معه ركوة ولا إبريق ولا عكاز ولا نعل. وقال أهل المركب إنهم ما رأوه قط بهذا الجبل وأقمنا تلك الليلة بساحل الجبل وصلينا معه العصر والمغرب وجئناه بطعام فرده وأقام يصلي إلى العشاء الآخرة ثم أذن وصلينا معه. وكان حسن الصوت بالقراءة مجيداً لها ولما فرغ من صلاة العشاء الآخرة أومأ إلينا بالانصراف فودعناه وانصرفنا ونحن نعجب من أمره ثم إني أردت الرجوع إليه لما انصرفنا فلما دنوت منه غلب علي الخوف ورجعت إلى أصحابي وانصرفت معهم. وركبنا البحر ووصلنا بعد يومين إلى جزيرة الطير وليست بها عمارة فأرسينا وصعدنا إليها فوجدناها ملآنة بطيور تشبه الشقاشق إلا أنها أعظم منها وجاءت الناس ببيض تلك الطيور فطبخوها وأكلوها واصطادوا جملة من تلك الطيور فطبخوها دون ذكاة وأكلوها. وكان يجالسني تاجر من أهل جزيرة مصيرة ساكن بظفار اسمه مسلم، ورأيته يأكل معهم تلك الطيور فأنكرت عليه ذلك فاشتد خجله. وقال لي: ظننت أنهم ذبحوها، وانقطع عني بعد ذلك من الخجل فكان لا يقربني حتى أدعوه. وكان طعامي في تلك الأيام بذلك المركب التمر والسمك. وكانوا يصطادون بالغدو والعشي سمكاً يسمى بالفارسية شير ماهي، ومعناه أسد السمك، لأن شير هو الأسد وماهي السمك، وهو يشبه الحوت المسمى عندنا بتارزت، وهم يقطعونه قطعاً ويشوونه ويعطون كل من في المركب قطعة لا يفضلون أحداً على أحد ولا صاحب المركب ولا سواه ويأكلونه بالتمر وكان عندي خبز وكعك استصحبتهما من ظفار، فلما نفدا كنت أقتات من ذلك السمك في جملتهم وعيدنا عيد الأضحى على ظهر البحر، وهبت علينا في يومه ريح عاصف بعد طلوع الفجر ودامت إلى طلوع الشمس وكادت تغرقنا. وكان معنا في المركب حاج من أهل الهند يسمى بخضر، ويدعى بمولانا،

стр. 224

لأنه يحفظ القرآن ويحسن الكتابة فلما رأى هول البحر لف رأسه بعباءة كانت له وتناوم فلما فرج الله ما نزل بنا قلت له يا مولانا خضر كيف رأيت قال كنت عند الهول أفتح عيني أنظر هل أرى الملائكة الذين يقبضون الأرواح جاءوا فلا أراهم فأقول الحمد لله لو كان الغرق لأتوا لقبض الأرواح ثم أغلق عيني ثم أفتحها فأنظر كذلك إلى أن فرّج الله عنا. وقد كان تقدمنا مركب لبعض التجار فغرق ولم ينج منه إلا رجل واحد خرج عوماً بعد جهد شديد وأكلت في ذلك المركب نوعاً من الطعام لم أذقه قبل ولا بعد صنعه بعض تجار عمان وهو من الذرة طبخها من غير طحن وصب عليها السيلان وهو عسل التمر وأكلناه. ثم وصلنا إلى جزيرة مصيرة التي منها صاحب المركب الذي كنا فيه وهي على لفظ مصير وزيادة تاء التأنيث جزيرة كبيرة لا عيش لأهلها إلا من السمك ولم ننزل إليها لبعد مرساها عن الساحل وكنت قد كرهتهم لما رأيتهم يأكلون من غير ذكاة وأقمنا بها يوماً وتوجه صاحب المركب إلى داره وعاد إلينا، ثم سرنا يوماً وليلة ووصلنا إلى مرسى قرية كبيرة على ساحل البحر تعرف بصور ورأينا منها مدينة قلهات في سفح جبل فخيل إلينا أنها قريبة وكان وصولنا إلى المرسى وقت الزوال أو قبله فلما ظهرت لنا المدينة أحببت المشي إليها والمبيت بها وكنت قد كرهت صحبة أهل المركب وسألت عن طريقها فأخبرت أني أصل إليها العصر فاكتريت أحد البحريين ليدلني على طريقها وصحبني خضر الهندي الذي تقدم ذكره وتركت أصحابي مع ما كان لي بالمركب ليلحقوا بي في غد ذلك اليوم وأخذت أثواباً كانت لي فدفعتها للدليل ليكفيني مؤنة حملها وحملت في يدي رمحا فإذا ذلك الدليل يحب أن يستولي على أثوابي فأتى بنا إلى خليج يخرج من البحر فيه المد والجزر فأراد عبوره بالثياب فقلت له إنما تعبر وحدك وتترك الثياب عندنا فإن قدرنا على الجواز جزنا وإلا صعدنا نطلب المجاز فرجع ثم رأينا رجالاً جازوه عوماً فتحققنا أنه كان قصده أن يغرقنا ويذهب بالثياب فحينئذ أظهرت النشاط وأخذت بالحزم وشددت وسطي وكنت أهز الرمح فهابني ذلك الدليل وصعدنا حتى وجدنا مجازاً، ثم خرجنا إلى صحراء لا ماء بها واشتد بنا الأمر فبعث الله لنا فارساً في جماعة من أصحابه وبيد أحدهم ركوة ماء فسقاني وسقى صاحبي وذهبنا نحسب المدينة قريبة منا وبيننا وبينها خنادق نمشي فيها الأميال الكثيرة فلما جاء العشى أراد الدليل أن يميل بنا إلى ناحية البحر وهو لا طريق له لأن

стр. 225

ساحله حجارة. فأراد أن ننشب فيها ويذهب بالثياب فقلت له إنما تمشي على هذه الطريق التي نحن عليها وبينها وبين البحر نحو ميل فلما أسلم الليل قال لنا أن المدينة قريبة فتعالوا نمشي حتى نبيت بخارجها إلى الصباح فخفت أن يتعرض لنا أحد في الطريق ولم أحقق مقدار ما بقي إليها فقلت له إنما الحق أن نخرج عن الطريق فننام فإذا أصبحنا أتينا المدينة أن شاء الله وكنت قد رأيت جملة من الرجال في سفح جبل هنالك فخفت أن يكونوا لصوصاً، وقلت التستر أولى وغلب العطش على صاحبي فلم يوافق على ذلك فخرجت عن الطريق وقصدت شجرة أم غيلان وقد أعييت وأدركني الجهد لكني أظهرت قوة وتجلداً خوف الدليل وأما صاحبي فمريض لا قوة له فجعلت الدليل بيني وبين صاحبي وجعلت الثياب بين ثوبي وجسدي وأمسكت الرمح بيدي ورقد صاحبي ورقد الدليل وبقيت ساهراً فكلما تحرك الدليل كلمته وأريته أني مستيقظ ولم نزل كذلك حتى الصبح. ثم خرجنا إلى الطريق فوجدنا الناس ذاهبين بالمرافق إلى المدينة فبعثت الدليل ليأتينا بماء وأخذ صاحبي الثياب وكان بيننا وبين المدينة مهاو وخنادق فأتانا بالماء فشربنا وذلك أوان الحر، ثم وصلنا إلى مدينة قَلْهات "وضبط اسمها بفتح القاف وإسكان اللام وأخره تاء مثناة" فأتيناها ونحن في جهد عظيم وكنت قد ضاقت نعلي على رجلي حتى كاد الدم يخرج من تحت أظفارها فلما وصلنا باب المدينة كان ختام المشقة أن قال لنا الموكل بالباب لا بد أن تذهب معي إلى أمير ليعرف قضيتك ومن أين قدمت فذهبت معه فرأيته فاضلاً حسن الأخلاق وسألني عن حالي وأنزلني وأقمت عنده ستة أيام لا قدرة لي فيها على النهوض على قدمي لما لحقها من الآلام. ومدينة قَلْهات على الساحل وهي حسنة الأسواق ولها مسجد من أحسن المساجد حيطانه بالقاشاني وهو شبه الزليج وهو مرتفع ينظر منه إلى البحر والمرسى وهو من عمارة الصالحة بيبي مريم ومعنى بيبي عندهم الحرة. وأكلت بهذه المدينة سمكاً لم آكل مثله في إقليم من الأقاليم وكنت أفضله على جميع اللحوم فلا آكل سواه وهم يشوونه على ورق الشجر ويجعلونه على الأرز ويأكلونه. والأرز يجلب إليهم من أرض الهند وهم أهل

стр. 226

تجارة ومعيشتهم مما يأتي إليهم في البحر الهندي. وإذا وصل إليهم مركب فرحوا به أشد الفرح وكلامهم ليس بالفصيح مع أنهم عرب وكل كلمة يتكلمون بها يصلونها بلا، فيقولون تأكل لا، تمشي لا، تفعل كذا لا، وأكثرهم خوارج لكنهم لا يقدرون على إظهار مذهبهم لأنهم تحت طاعة السلطان قطب الدين تمهتن ملك هرمز وهو من أهل السنة. وبمقربة من قلهات قرية طيبي واسمها على نحو الطيب إذا أضافه المتكلم لنفسه وهي من أجمل القرى وأبدعها حسناً ذات أنهار جارية وأشجار ناضرة وبساتين كثيرة ومنها تجلب الفواكه إلى قلهات وبها الموز المعروف بالمرواري والمرواري بالفارسية هو الجوهري "المروار الجوهر"، وهو كثير وجلب منها إلى هرمز وسواها وبها أيضا التنبول لكن ورقته صغيرة والتمر يجلب إلى هذه الجهات من عمان. ثم قصدنا بلاد عمان فسرنا ستة أيام في صحراء ثم وصلنا عمان اليوم السابع وهي خصيبة ذات أنهار وأشجار وبساتين وحدائق ونخل وفاكهة كثيرة مختلفة الأجناس ووصلنا إلى قاعدة هذه البلاد وهي مدينة نَزْوَا "وضبط اسمها بنون مفتوح وزاي مسكن وواو مفتوح" مدينة في سفح جبل١ تحف بها البساتين والأنهار. يأتي كل إنسان بما عنده ويجتمعون للأكل في صحن المسجد ويأكل معهم الوارد والصادر. ولهم نجدة وشجاعة والحرب قائمة فيما بينهم أبداً وهم إباضية المذهب٢ ويصلون ظهرا أربعاً فإذا فرغوا منها قرأ الإمام آيات من القرآن ونثر كلاماً شبه الخطبة يرضى فيه عن أبي بكر وعمر، ويسكت عن عثمان وعلي. وهم إذا أرادوا ذكر علي ﵁ كنوا عنه، فقالوا ذكر عن الرجل أو قال. ويرضون عن الشقي اللعين ابن ملجم، ويقولون فيه العبد الصالح قامع الفتنة. ونساؤهم يكثرون الفساد، ولا غيرة عندهم ولا إنكار لذلك. وسنذكر حكاية إثر هذا مما يشهد بذلك.

стр. 227

خبر سلطان عمان: إنه عربي من قبيلة الأزد بن الغوث ويعرف بأبي محمد بن نبهان وأبو محمد عندهم سمة لكل سلطان يلي عمان كما هي أتابك عند ملوك اللور. وعادته أن يجلس خارج باب داره في مجلس هنالك ولا حاجب له ولا وزير ولا يمنع أحداً من الدخول إليه من غريب أو غيره ويكرم الضيف على عادة العرب ويعين له الضيافة ويعطيه على قدره. وله أخلاق حسنة ويؤكل على مائدته لحم الحمار الإنسي ويباع بالسوق لأنهم قائلون بتحليله ولكنهم يخفون ذلك عن الوارد عليهم ولا يظهرونه بمحضره. ومن مدن عمان مدينة زكي لم أدخلها وهي على ما ذكر لي مدينة عظيمة ومنها القريات وشبا وكلبا وخورفكان وصحار وكلها ذات أنهار وحدائق وأشجار ونخل، وأكثر هذه البلاد في عمالة هرمز. كنت يوما عند السلطان أبي محمد بن نبهان فأتته امرأة صغيرة السن حسنة الصورة بادية الوجه فوقفت بين يديه وقالت يا أبا محمد: طغى الشيطان في رأسي فقال لها اذهبي واطردي الشيطان، فقالت له: لا أستطيع وأنا في جوارك يا أبا محمد، فقال لها: اذهبي فافعلي ماشئت. فذكر لي لما انصرفت عنه أن هذه ومن فعل مثل فعلها تكون في جوار السلطان وتذهب للفساد ولا يقدر أبوها ولا ذوو قرابتها أن يغيروا عليها وإن قتلوها قتلوا بها لأنها في جوار السلطان. ثم سافرت من بلاد عمان إلى بلاد هرمز وهرمز مدينة على ساحل البحر وتسمى أيضا موغ استان وتقابلها في البحر هرمز الجديدة وبينهما في البحر ثلاثة فراسخ. ووصلنا إلى هرمز الجديدة وهي جزيرة ومدينتها تسمى جَروَن "بفتح الجيم والراء وآخرها نون"، وهي مدينة حسنة كبيرة لها أسواق حافلة وهي مرسى الهند والسند ومنها تحمل سلع الهند إلى العراقيين وفارس وخراسان وهذه المدينة سكنى السلطان والجزيرة التي فيها المدينة مسيرة يوم وأكثرها سباخ وجبال ملح وهو الملح الدرابي ومنه يصنعون الأواني المزينة والمنارات التي يضعون السرج عليها وطعامهم السمك والتمر المجلوب إليهم من البصرة وعمان. ويقولون بلسانهم: خرما وما هي لوت بادشاهي، معناها بالعربي التمر والسمك طعام الملوك. وللماء في الجزيرة قيمة

стр. 228

وبها عيون ماء وصهاريج مصنوعة، يجتمع فيها ماء المطر. وهي على بعد من المدينة ويأتون إليها بالقرب فيملؤونها ويرفعونها على ظهورهم إلى البحر ويسقونها في القوارب ويأتون بها إلى المدينة. ورأيت من العجائب عند باب الجامع فيما بينه وبين السوق رأس سمكة كأنه رابية وعيناه كأنهما بابان فترى الناس يدخلون من إحداهما ويخرجون من الأخرى ولقيت بهذه المدينة الشيخ الصالح السائح أبا الحسن الأقطاراني وأصله من بلاد الروم فأضافني وزارني وألبسني ثوبا وأعطاني كمر الصحبة وهو يحتبي به فيعين الجالس فيكون كأنه مستند وأكثر فقراء العجم يتقلدونه. وعلى ستة أميال من هذه المدينة مزار ينسب إلى الخضر وإلياس ﵉ يذكر أنهما كانا يصليان فيه وظهرت له بركات وبراهين. وهنالك زاوية يسكنها أحد المشايخ يخدم بها الوارد والصادر وأقمنا عنده يوماً، وقصدنا من هنالك زيارة رجل صالح منقطع في آخر هذه الجزيرة قد نحت غاراً لسكناه. فيه زاوية ومجلس ودار صغيرة له. فيها جارية وله عبيد خارج الغار يرعون بقراً له وغنماً وكان هذا الرجل من كبار التجار فحج البيت وقطع العلائق وانقطع هنالك للعبادة ودفع ماله لرجل من إخوانه يتجر له به. وبتنا عنده ليلة فأحسن القرى وأجمل رضي الله تعالى عنه وسمة الخير والعبادة لائحة عليه

стр. 229

خبر سلطان هرمز: هو السلطان قطب الدين تَمَهْتَن بن طوران شاه "وضبط اسمه بفتح التاءين المعلوتين وبينهما ميم مفتوح وهاء مسكنة وآخره نون"، وهو من كرماء السلاطين كثير التواضع حسن الأخلاق وعادته أن يأتي لزيارة كل من يقدم عليه من فقيه أو صالح أو شريف ويقوم بحقه ولما دخلنا جزيرته وجدناه مهيأ للحرب مشغولاً بها مع ابني أخيه نظام الدين. فكان في كل ليلة يتسير للقتال. والغلاء مستول على الجزيرة فأتى إلينا وزيره شمس الدين محمد بن علي وقاضيه عماد الدين الشونكاري وجماعة من الفضلاء فاعتذروا بما هم عليه من مباشرة الحرب وأقمنا عندهم ستة عشر يوماً فلما أردنا الإنصراف قلت لبعض الأصحاب: كيف ننصرف ولا نرى هذا السلطان؟ فجئنا على الوزير وكان في جوار الزاوية التي نزلت بها فقلت له: إني أريد السلام على الملك. فقال:

стр. 230

بسم الله وأخذ بيدي فذهب بي إلى داره وهي على ساحل البحر والأجفان مجلسة عندها فإذا شيخ عليه أقبية ضيقة داسة وعلى رأسه عمامة وهو مشدود الوسط بمنديل فسلم عليه الوزير وسلمت عليه ولم أعرف أنه الملك وكان إلى جانبه ابن أخته وهو علي شاه بن جلال الدين الكيجي وكانت بيني وبينه معرفة فأنشأت أحادثه وأنا لا أعرف الملك فعرفني الوزير بذلك فخجلت منه لإقبالي بالحديث على ابن أخته دونه واعتذرت ثم قام فدخل داره وتبعه الأمراء والوزراء وأرباب الدولة ودخلت مع الوزير فوجدناه قاعداً على سرير ملكه وثيابه عليه لم يبدلها وفي يده سبحة جوهر لم تر العيون مثلها لأن مغاصات الجوهر تحت حكمه فجلس أحد الأمراء إلى جانبه وجلست إلى جانب ذلك الأمير وسألني عن حالي ومقدمي وعمن لقيته من الملوك فأخبرته بذلك. وحضر الطعام فأكل الحاضرون ولم يأكل معهم ثم قام فوادعته وانصرفت. وسبب الحرب التي بينه وبين ابني أخيه أنه ركب البحر يوماً من مدينته الجديدة برسم النزهة في هرمز القديمة وبساتينها وبينهما في البحر ثلاثة فراسخ كما قدمناه فخالف عليه أخوه نظام الدين ودعى لنفسه وبايعه أهل الجزيرة وبايعته العساكر فخاف قطب الدين على نفسه وركب البحر إلى مدينة قَلْهَات التي تقدم ذكرها وهي من جملة بلاده فأقام بها شهوراً وجهز المراكب وأتى الجزيرة فقاتله أهلها مع أخيه وهزموه وعاد إلى قَلْهَات وفعل ذلك مراراً فلم تكن له حيلة إلا أن يراسل بعض نساء أخيه فسمته ومات. وأتى هو إلى الجزيرة فدخلها وفر ابنا أخيه بالخزائن والأموال والعساكر إلى جزيرة قيس حيث مغاص الجوهر وصاروا يقطعون الطريق على من يقصد الجزيرة من أهل الهند والسند ويغيرون على بلاده البحرية حتى تخرب معظمها، ثم سافرنا من مدينة جرون برسم لقاء رجل صالح ببلد خنج بال. فلما عدينا البحر اكترينا دواب من التركمان وهم سكان تلك البلاد ولا يسافرون فيها إلا معهم لشجاعتهم ومعرفتهم بالطرق وفيها صحراء مسيرة أربع يقطع بها الطريق لصوص الأعراب وتهب فيها ريح السموم في شهر تموز وحزيران فمن صادفته فيها قتلته. ولقد ذكر لي أن الرجل إذا قتلته تلك الريح وأراد أصحابه غسله ينفصل كل عضو منه عن سائر الأعضاء. وبها قبور كثيرة للذين ماتوا فيها بهذه الريح. وكنا نسافر فيها بالليل فإذا طلعت الشمس نزلنا تحت ظلال الأشجار من أم غيلان، ونرحل بعد العصر إلى طلوع الشمس. وفي هذه الصحراء وما والاها

стр. 231

كان يقطع الطريق بها جمال اللُّك الشهير الاسم هنالك. وجمال اللُّك من أهل سجستان أعجمي الأصل "واللُّك بضم اللام" ومعناه الأقطع. وكانت يده قطعت في بعض حروبه. وكانت له جماعة كثيرة من فرسان الأعراب والأعاجم يقطع بهم الطريق وكان يبني الزوايا ويطعم الوارد والصادر من الأموال التي يسلبها من الناس. ويقال إنه كان يدعي أنه لا يسلط إلا على من لا يزكي ماله وأقام على ذلك دهراً وكان يغير هو وفرسانه ويسلكون براري لا يعرفها سواهم ويدفنون بها قرب الماء فإذا تبعهم عسكر السلطان دخلوا الصحراء واستخرجوا المياه ويرجع العسكر عنهم خوفاً من الهلاك وأقام على هذه الحالة مدة لا يقدر عليه ملك العراق ولا غيره ثم تاب وتعبد حتى مات وقبره يزار ببلده. وسلكنا هذه الصحراء إلى أن وصلنا إلى كَوْراستان "وضبط اسمه بفتح الكاف وإسكان الواو وراء"، وهو بلد صغير فيه الأنهار والبساتين وهو شديد الحر. ثم سرنا منه ثلاثة أيام في صحراء مثل التي تقدمت ووصلنا إلى مدينة لار "وآخر اسمها راء" مدينة كبيرة كثيرة العيون والمياه المطردة والبساتين ولها أسواق حسان ونزلنا بزاوية الشيخ العابد أبي دلف محمد وهو الذي قصدنا زيارته بخنج بال. وبهذه الزاوية ولد أبو زيد عبد الرحمن ومعه جماعة من الفقراء. ومن عادتهم أنهم يجتمعون بالزاوية بعد صلاة العصر من كل يوم ويطوفون على دور المدينة فيعطاهم من كل دار الرغيف والرغيفان فيطعمون منها الوارد والصادر. وأهل الدور قد ألفوا ذلك فهم يجعلوه في جملة قوتهم ويعدونه لهم إعانة على إطعام الطعام. وفي كل ليلة جمعة يجتمع في هذه الزاوية فقراء المدينة وصلحائها ويأتي كل منهم بما تيسر له من الدراهم فيجمعونها وينفقونها تلك الليلة ويبيتون في عبادة من الصلاة والتلاوة وينصرفون بعد صلاة الصبح.

стр. 232

خبر سلطان لار: وفي هذه المدينة سلطان يسمى بجلال الدين، تركماني الأصل، بعث إلينا بضيافه ولم نجتمع به ولا رأيناه، ثم سافرنا إلى مدينة خُنْجُ وبال "وضبط اسمها بضم الخاء المعجم وقد يعوض منها هاء وإسكان النون وضم الجيم وباء معقودة وألف ولام"، وبها سكنى الشيخ أبي دلف الذي قصدنا زيارته وبزاويته نزلنا.

стр. 233

ولما دخلت الزاوية، رأيت قاعدة بناحية منها على التراب وعليه جبة صوف خضراء بالية وعلى رأسه عمامة صوف سوداء فسلمت عليه فأحسن الرد فسألني عن مقدمي وبلادي وأنزلني وكان يبعث الي الطعام والفاكهة مع ولد له من الصالحين كثير الخشوع والتواضع صائم الدهر كثير الصلاة. ولهذا الشيخ أبي دلف شأن عجيب وأمر غريب فإن نفقته في هذه الزاوية عظيمة وهو يعطي العطاء الجزيل ويكسو الناس ويركبهم الخيل ويحسن لكل وارد وصادر ولم أر في تلك البلاد مثله ولا يعلم له جهة إلا يصله من الإخوان والأصحاب حتى زعم كثير من الناس أنه ينفق من الكون. وفي زاويته المذكورة قبر الشيخ الولي الصالح القطب دانيال وله اسم بتلك البلاد شهير وشأن في الولايه كبير وعلى قبره قبة عظيمة بناها السلطان قطب الدين تمهتن بن طوران شاه وأقمت عند الشيخ أبي دلف يوماً واحداً لاستعجال الرفقة التي كنت في صحبتها. وسمعت أن بمدينة خنج بال زاوية فيها جملة من الصالحين المتعبدين فرُحْت إليها بالعشي وسلمت على شيخهم وعليهم ورأيت جماعة مباركة قد أثرت فيهم العبادة فهم صفر الألوان نحاف الجسوم كثيرو البكاء غزيرو الدموع، وعند وصولي إليهم أتوا بالطعام فقال كبيرهم ادعوا إلي ولدي محمدا وكان معتزلا في بعض نواحي الزاوية. فجاء إلينا الولد وهو كأنما خرج من قبر مما نهكته العبادة فسلم وقعد. فقال له أبوه: يا بني شارك هؤلاء الواردين في الأكل تنل من بركاتهم وكان صائما فأفطر معنا وهم شافعية المذهب. فلما فرغنا من أكل الطعام دعوا لنا وانصرفنا. ثم سافرنا منها إلى مدينة قيس وتسمى أيضا بسيراف وهي على ساحل بحر الهند المتصل ببحر اليمن وفارس وعدادها في كوار فارس مدينة لها انفساح وسعة طيبة البقعة في دورها بساتين عجيبة فيها الرياحين والأشجار الناضرة وشرب أهلها من عيون منبعثة من جبالها وهم عجم من الفرس أشراف وفيهم طائفة من عرب بني سفاف وهم الذين يغوصون على الجوهر. مغاص الجوهر: يقع مغاص الجوهر فيما بين سيراف والبحرين في خور راكد مثل الوادي العظيم، فإذا كان شهر إبريل وشهر مايو تأتي إليها القوارب الكثيرة فيها

стр. 234

الغواصون وتجار فارس والبحرين والقطيف ويجعل الغواص على وجهه مهما أراد أن يغوص شيئا يكسوه من عظم الغليم، وهي السلحفاء ويصنع من هذا العظم أيضاً شكلاً شبه المقراض يشده على أنفه ثم يربط حبلا في وسطه ويغوص ويتفاوتون في الصبر في الماء فمنهم من يصبر الساعة والساعتين فما دون ذلك فإذا وصل إلى قعر البحر يجد الصدف هنالك فيما بين الأحجار الصغار مثبتا في الرمل فيقتلعه بيده أو يقطعه بحديدة عنده معدة لذلك ويجعلها في مخلاة جلد منوطة بعنقه فإذا ضاق نفسه حرك الحبل فيحس به الرجل الممسك للحبل على الساحل فيرفعه إلى القارب فتؤخذ منه المخلاة ويفتح الصدف فيوجد في أجوافها قطع لحم تقطع بحديدة فإذا باشرت الهواء جمدت فصارت جواهر١ فيجمع جميعها من صغير أو كبير فيأخذ السلطان خمسة والباقي يشتريه التجار الحاضرون بتلك القوارب وأكثرهم يكون له الدين على الغواصين فيأخذ الجواهر في دينه، أو ما وجب له منه. ثم سافرنا من سيراف إلى مدينة البحرين وهي مدينة كبيرة حسنة ذات بساتين وأشجار وأنهار وماؤها قريب المؤنة يحفر عليه بالأيدي فيوجد وبها حدائق النخل والرمان والأترج والليمون ويزرع بها القطن وهي شديدة الحر كثيرة الرمال وربما غلب الرمل على بعض منازلها وكان فيما بينها وبين عمان طريق٢ استولت عليه الرمال وانقطع فلا يوصل من عمان إليها إلا في البحر وبالقرب منها جبلان عظيمان يسمى أحدهما بكسير وهو في غربيها ويسمى الآخر بعوير وهو في شرقيها وبهما ضرب المثل فقيل كسير وعوير وكل غير خير، ثم سافرنا إلى مدينة القطيف "وضبط اسمها بضم القاف" كأنه تصغير قطف وهي مدينة كبيرة حسنة ذات نخل كثير تسكنها طوائف العرب، وهم رافضية غلاة يظهرون الرفض جهاراً لا يخافون أحداً ويقول مؤذنهم في أذانه بعد الشهادتين أشهد أن عليا ولي الله ويزيد بعد الحيعلتين: حي على خير العمل، ويزيد بعد التكبيرة الأخير محمد

стр. 235

وعلي خير البشر، من خالفهما فقد كفر، ثم سافرنا منها إلى مدينة هجر وتسمى الآن بالحسا "بفتح الحاء والسين وإهمالها" وهي التي يضرب بها المثل، فيقال: كجالب التمر إلى هجر، وبها من النخل ما ليس ببلد سواها ومنه يعلفون دوابهم، وأهلها عرب وأكثرهم من قبيلة عبد القيس بن أفصى، ثم سافرنا منها إلى مدينة اليمامة وتسمى أيضا بحجر "بفتح الحاء المهمل وإسكان الجيم" مدينة حسنة خصبة ذات أنهار وأشجار يسكنها طوائف من العرب وأكثرهم من بني حنيفة وهي بلدهم قديماً وأمير هم طفيل بن غانم، ثم سافرت منها في صحبة هذا الأمير برسم الحج وذلك في سنة ثنتين وثلاثين، فوصلت إلى مكة شرفها الله تعالى. وحج في تلك السنة الملك الناصر سلطان مصر ﵀ وجملة من أمرائه وهي آخر حجة حجها وأجزل الإحسان لأهل الحرمين الشريفين وللمجاورين، وفيها قتل الملك الناصر أمير أحمد الذي يذكر أنه ولده وقتل أيضاً كبير أمرائه بكتمور الساقي. ذكر أن الملك الناصر وهب لبكتمور الساقي جارية فلما أراد الدنو منها قالت إني حامل من الملك الناصر فاعتزلها وولدت ولداً سماه بالأمير أحمد ونشأ في حجره فظهرت نجابته واشتهر بابن الملك الناصر، فلما كان في هذه الحجة تعاهد على الفتك بالملك الناصر وأن يتولى أمير أحمد الملك وحمل بكتمور معه العلامات والطبول والكسوات والأموال فنمي الخبر إلى الملك الناصر، فبعث إلى الأمير أحمد في يوم شديد الحر فدخل عليه وبين يديه أقداح الشراب فشرب الملك الناصر قدحاً وناول إلى الأمير أحمد قدحاً ثانياً فيه السم فشربه وأمر بالرحيل في تلك الساعة ليشغل الوقت فرحل الناس ولم يبلغوا المنزل حتى مات الأمير أحمد فاكترث بكتمور لموته وقطع أثوابه وامتنع من الطعام والشراب وبلغ خبره إلى الملك الناصر فأتاه بنفسه ولاطفه وسلاّه وأخذ قدحاً فيه سم فناوله إياه وقال بحياتي عليك ألا شربت فبردت نار قلبك فشربه ومات من حينه ووجد عنده خلع السلطنة والأموال فتحقق مانسب إليه من الملك الناصر. ولما انقضى الحج توجهت إلى جدة برسم ركوب البحر إلى اليمن والهند فلم يقضى لي ذلك ولا تأتى لي رفيق وأقمت بجدة نحو أربعين يوماً وكان بها مركب لرجل يعرف بعبد الله التونسي يروم السفر إلى القصير من عمالة قوص فصعدت إليه لأنظر حاله فلم يرضني ولا طابت نفسي

стр. 236

بالسفر فيه وكان ذلك لطفا من الله تعالى فإنه سافر فلما توسط البحر غرق بموضع يقال له رأس أبي محمد فخرج صاحبه وبعض التجار في العشاوي بعد جهد عظيم، وأشرفوا على الهلاك وهلك بعضهم وغرق سائر الناس وكان فيه نحو سبعين من الحجاج، ثم ركبت البحر بعد ذلك في صنبوق برسم عيذاب فردتنا الريح إلى جبل يعرف برأس دواير، وسافرنا منه في البر مع البجاة فسلكنا صحراء كثيرة النعام والغزلان فيها عرب جهينة وبني كاهل وطاعتهم للبجاة. ووردنا ماء يعرف بمفرور وماء يعرف بالجليد ولما نفد منا زادنا اشترينا من قوم البجاة وجدناهم بالفلاة أغناماً وتزودنا لحومها. ورأيت بهذه الفلاة صبياً من العرب كلمني باللسان العربي وأخبرني أن البجاة أسروه وزعم أنه منذ عام لم يأكل طعاماً إنما يقتات بلبن الإبل ونفذ منا بعد ذلك اللحم الذي اشترينها ولم يبق لنا زاد وكان عندي نحو حمل من التمر الصيحاني والبرني برسم الهدية لأصحابي ففرقته على الرفقة وتزودناه ثلاثاً، وبعد مسيرة تسعة أيام من رأس دواير وصلنا إلى عيذاب وكان قد تقدم إليها بعض الرفقة فتلقانا أهلها بالخبز والتمر والماء وأقمنا بها أياماً، واكترينا الجمال وخرجنا صحبة طائفة من عرب دغيم وردنا ماء يعرف بالجنيب ولعله "الخبيب"، وحللنا بحميثرا، حيث قبر ولي الله تعالى أبي الحسن الشاذلي وحصلت لنا زيارته الثانية وبتنا في جواره، ثم وصنا إلى قرية العطواني وهي على ضفة النيل مقابلة لمدينة إدفو من الصعيد الأعلى وأجزنا النيل إلى مدينة أسنا ثم إلى مدينة أرمنت ثم إلى الأقصر وزرنا الشيخ أبي الحجاج الأقصري ثانية ثم إلى مدينة قوص ثم إلى مدينة قنا وزرنا الشيخ عبد الرحيم القناوي ثانية ثم إلى مدينة هو ثم إلى مدينة اخميم ثم إلى مدينة أسيوط ثم إلى منفلوط ثم إلى مدينة منلوي ثم إلى مدينة الأشمونين ثم إلى مدينة منية ابن الخصيب ثم إلى مدينة البهنسة ثم إلى مدينة بوش ثم إلى مدينة منية القائد، وقد تقدم لنا ذكر هذه البلاد ثم إلى مصر وأقمت بها أياماً. وسافرت على طريق بلبيس إلى الشام ورافقني الحاج عبد الله بن أبي بكر ابن الفرحان التوزري ولم يزل في صحبتي سنين إلى أن خرجنا من بلاد الهند فتوفي بسندابور وسنذكر ذلك. فوصلنا إلى مدينة غزة ثم إلى مدينة الخليل وتكررت لنا زيارته ثم إلى بيت المقدس ثم إلى مدينة الرملة ثم إلى مدينة عكا ثم إلى مدينة طرابلس ثم إلى مدينة جبلة وزرنا إبراهيم بن أدهم

стр. 237

رضي الله عنه ثانية ثم إلى مدينة اللاذقية وقد تقدم لنا ذكر هذه البلاد كلها. ومن اللاذقية ركبنا البحر في قرقورة كبيرة للجنوبين يسمى صاحبها بِمَرْتَلْمين وقصدنا بر التركية المعروف ببلاد الروم وإنما نسبت إلى الروم لأنها كانت بلادهم في القديم، ومنها الروم الأقدمون واليونانية ثم استفتحها المسلمون وبها الآن كثير من النصارى تحت ذمة المسلمين من التركمان وسرنا في البحر عشراً بريح طيبة وأكرمنا النصراني ولم يأخذ منا نولاً. وفي العاشر وصلنا إلى مدينة العلايا وهي أول بلاد الروم وهذا الإقليم المعروف ببلاد الروم من أحسن أقاليم الدنيا وقد جمع الله ما تفرق من المحاسن في البلاد فأهله أجمل الناس صوراً وأنظفهم ملابس وأطيبهم مطاعم وأكثر خلق الله شفقة، ولذلك يقال البركة في الشام والشفقة في الروم وإنما عنى به أهل هذه البلاد وكنا متى نزلنا بهذه البلاد زاوية أو داراً يتفقد أحوالنا جيراننا من الرجال والنساء وهن لا يحتجبن فإذا سافرنا عنهم ودعونا كأنهم أقاربنا وأهلنا ترى النساء باكيات لفراقنا متأسفات. ومن عادتهم بتلك البلاد أن يخبزوا الخبز في يوم واحد من الجمعة يعدون فيه ما يقوتهم سائرها فكان رجالهم يأتون إلينا بالخبز الحار في يوم خبزه ومعه الأدام الطيب أطرافا لنا بذلك ويقولون لنا أن النساء بعثن هذا إليكم وهن يطلبن منكم الدعاء وجميع أهل هذه البلاد على مذهب أبي حنيفة ﵁ مقيمين على السنة لا قدري فيهم ولا رافضي ولا معتزلي ولا خارجي ولا مبتدع، وتلك فضيلة خصهم الله تعالى بها إلا أنهم يأكلون الحشيش ولا يعيبون ذلك. ومدينة العلايا التي ذكرناها كبيرة على ساحل البحر يسكنها التركمان وينزلها تجار مصر والإسكندرية والشام، وهي كثيرة الخشب ومنها يحمل إلى إسكندرية ودمياط ويحمل منها إلى سائر بلاد مصر، ولها قلعة بأعلاها عجيبة منيعة بناها السلطان المعظم علاء الدين الرومي، ولقيت بهذه المدينة قاضيها جلاء الدين الأرزنجاني وصعد معي إلى القلعة يوم الجمعة فصلينا بها وأضافني وأكرمني. وأضافني أيضا شمس الدين بن الرجيحاني الذي توفي أبوه علاء الدين بمالي من بلاد السودان.

стр. 238

خبر سبت العلايا ... خبر سلطان العلايا: وفي يوم السبت ركب معي القاضي جلال الدين وتوجهنا إلى لقاء ملك

стр. 239

العلايا وهو يوسف بك ومعنى بك الملك ابن قرمان "بفتح القاف والراء" ومسكنه على عشرة أميال من المدينة فوجدناه قاعداً على الساحل وحده فوق رابية هنالك والأمراء والوزراء أسفل منه والأجناد عن يمينه وعن يساره وهو مخضوب الشعر بالسواد فسلمت عليه وسألني عن مقدمي فأخبرته عما سأل وانصرفت عنه وبعث إلي إحساناً. وسافرت من هنالك إلى مدينة أنطاليا "وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان النون وفتح الطاء المهمل وألف ولام مكسور وياء آخر الحروف" وأما التي بالشام فهي أنطاكية على وزنها إلا أن الكاف عوضا عن اللام وهي من أحسن المدن متناهية في اتساع الساحة والضخامة أجمل ما يرى من البلاد وأكثره عمارة وأحسنه ترتيباً وكل فرقة من سكانها منفردة بأنفسها عن الفرقة الأخرى فتجار النصارى ماكثون منها بالموضع المعروف بالميناء وعليهم سور تسد أبوابه عليهم ليلاً وعند صلاة الجمعة، والروم الذين كانوا أهلها قديماً ساكنون بموضع آخر منفردين به وعليهم أيضاً سور، واليهود في آخر وعليهم سور، والملك وأهل دولته ومماليكه يسكنون ببلدة عليها أيضاً سور يحيط بها ويفرق بينها وبين ما ذكرناه من الفرق، وسائر الناس من المسلمين يسكنون المدينة العظمى وبها مسجد جامع ومدرسة وحمامات كثيرة وأسواق ضخمة مرتبة بأبدع ترتيب وعليها سور عظيم يحيط بها وبجميع المواضع التي ذكرناها، وفيها البساتين الكثيرة والفواكه الطيبة والمشمش العجيب المسمى عندهم بقمر الدين وفي نواته لوز حلو وهو ييبس ويحمل إلى ديار مصر وهو بها مسظرف وفيها عيون الماء الطيب العذب الشديد البرودة في أيام الصيف نزلنا من هذه المدينة بمدرستها وشيخها شهاب الدين الحموي ومن عادتهم أن يقرأ جماعة من الصبيان بالأصوات الحسان بعد العصر من كل يوم في المسجد الجامع وفي المدرسة أيضا سورة الفتح وسورة الملك وسورة عم.

стр. 240

خبر الأخية الفتيان: واحد الأخية أخي على لفظ الأخ إذا أضافه المتكلم إلى نفسه، وهم بجميع البلاد التركمانية الرومية في كل بلد ومدينة وقرية ولا يوجد في الدنيا مثلهم أشد احتفالاً بالغرباء من الناس وأسرع إلى إطعام الطعام وقضاء الحوائج والأخذ على أيدي الظلمة وقتل الشرط ومن ألحق بهم من أهل الشر. والأخي عندهم رجل يجتمع أهل الصناعة وغيرهم من الشبان الأعزاب

стр. 241

والمتجردين ويقدمونه على أنفسهم وتلك هي الفتوة أيضاً ويبني زاوية ويجعل فيها الفرش والسرج وما يحتاج إليه من الآلات ويخدم أصحابه بالنهار في طلب معايشهم ويأتون إليه بعد العصر بما يجتمع لهم فيشترون به الفواكه والطعام إلى غير ذلك مما ينفق في الزاوية فإن ورد في ذلك اليوم مسافر على البلد أنزلوه عندهم وكان ذلك ضيافته لديهم ولا يزال عندهم حتى ينصرف وإن لم يرد وارد اجتمعوا على طعامهم فأكلوا وغنوا ورقصوا وانصرفوا إلى صناعتهم بالغد وأتوا بعد العصر إلى مقدمهم بما اجتمع لهم ويسمون بالفتيان ويسمى مقدمهم كما ذكرنا الأخي ولم أر في الدنيا أجمل أفعالاً منهم ويشبههم في أفعالهم أهل شيراز وأصفهان إلا أن هؤلاء أحب في الوارد والصادر وأعظم إكراماً له وشفقة عليه. وفي الثاني من يوم وصولنا إلى هذه المدينة أتى أحد هؤلاء الفتيان إلى الشيخ شهاب الدين الحموي وتكلم معه باللسان التركي ولم أكن يومئذ أفهمه، وكان عليه أثواب خلقة وعلى رأسه قلنسوة لبد فقال لي الشيخ: أتعلم ما يقول هذا الرجل؟ فقلت: لا أعلم ما قال. فقال لي: إنه يدعوك إلى ضيافته أنت وأصحابك، فعجبت منه وقلت: نعم، فلما انصرف قلت للشيخ هذا رجل ضعيف ولا قدرة له على تضييفنا ولا نريد أن نكلفه. فضحك الشيخ وقال لي: هذا أحد شيوخ الفتيان الأخية وهو من الخرازين١ وفيه كرم نفس وأصحابه نحو مائتين من أهل الصناعات قدموه على أنفسهم وبنوا زاوية للضيافة وما يجتمع لهم بالنهار أنفقوه بالليل، فلما صليت المغرب عاد إلينا ذلك الرجل وذهبنا معه إلى زاويته فوجدناها زاوية حسنة مفروشة بالبسط الرومية الحسان وبها الكثير من ثريات الزجاج العراقي وفي المجالس خمسة من البياسيس والبيسوس شبه المنارة من النحاس له أرجل ثلاث وعلى رأسه شبه جلاس من النحاس وفي وسطه أنبوب للفتيلة ويملأ من الشحم المذاب وإلى جانبه آنية نحاس ملآنة بالشحم وفيها مقراض لإصلاح الفتيل وأحدهم موكل بها ويسمى عندهم الجراجي "الجراغجي" وقد اصطف في المجلس جماعة من الشبان ولباسهم الأقبية وفي أرجلهم الأخفاف وكل واحد منهم متحزم على وسطه سكين في طول ذراعين وعلى رؤوسهم قلانس بيض من الصوف، بأعلى

стр. 242

كل قلنسوة قطعة موصلة بها في طول ذراع، وعرض أصبعين فإذا استقر بهم المجلس نزع كل واحد منهم قلنسوة ووضعها بين يديه. وتبقى على رأسه قلنسوة أخرى من الزردخاني وسواه حسنة المنظر، وفي وسط مجلسهم شبه مرتبة موضوعة للواردين ولما استقر بنا المجلس عندهم، أتوا بالطعام الكثير والفاكهة والحلواء ثم أخذوا في الغناء والرقص فراقنا حالهم وطال عجبنا من سماحهم وكرم أنفسهم وانصرفنا عنهم آخر الليل وتركناهم بزاويتهم.

стр. 243

خبر سلطان انطالية: كان سلطانها خضر بك بن يونس بك، وجدناه عند وصولنا إليها عليلاً ودخلنا عليه بداره وهو في فراش المرض فكلمنا بألطف كلام وأحسنه وودعناه وبعث إلينا بإحسان، وسافرنا إلى بلد بُردُور "وضبط اسمها بضم الباء الموحدة وإسكان الراء وضم الدال المهمل وواو وراء" وهي بلدة صغيرة كثيرة البساتين والأنهار ولها قلعة في رأس جبل شاهق نزلنا بدار خطيبها واجتمعت الأخية وأرادوا نزولنا عندهم فأبى عليهم الخطيب فصنعوا لنا ضيافة في بستان لأحدهم وذهبوا بنا إليها فكان من العجائب إظهارهم السرور بنا والاستبشار والفرح وهم لا يعرفون لساننا ونحن لا نعرف لسانهم ولا ترجمان فيما بيننا. وأقمنا عندهم يوماً وانصرفنا، ثم سافرنا من هذه البلدة إلى بلدة سَبَرْنا "وضبط اسمها بفتح السين المهمل والباء الموحدة وإسكان الراء وفتح التاء المعلوة وألف" وهي بلدة حسنة العمارة والأسواق كثيرة البساتين والأنهار، لها قلعة في جبل شامخ وصلنا إليها بالعشي، ونزلنا عند قاضيها، وسافرنا منها إلى مدينة أكْريدُور " وضبط اسمها بفتح الهمزة وسكون الكاف وكسر الراء وياء مد ودال مهمل مضموم وواو مد وراء" مدينة عظيمة كثيرة العمارة حسنة الأسواق ذات أنهار وبساتين، ولها بحيرة عذبة الماء يسافر المركب فيها يومين إلى أقشهر وبقشهر وغيرها من البلاد والقرى، ونزلنا منها بمدرسة تقابل الجامع الأعظم بها المدرس العام الحاج المجاور الفاضل مصلح الدين قرأ بالديار المصرية والشام وسكن بالعراق. وهو فصيح اللسان حسن البيان، أطروفة من طرف الزمان، أكرمنا غاية الإكرام، وقام بحقنا أحسن قيام.

стр. 244

خبر سلكان أكريدور ... خبر سلطان أكريدور: كان سلطانها أبو اسحاق بك بن الداندار بك من كبار سلاطين تلك البلاد، سكن ديار مصر أيام أبيه وحج وله سيرة حسنة. ومن عاداته أنه يأتي كل يوم إلى صلاة العصر بالمسجد الجامع فإذا قضيت صلاة العصر استند إلى جدار القبلة وقعد القراء بين يديه على مصطبة خشب عالية فقرءوا سورة الفتح والملك وعم بأصوات حسان فعالة في النفوس تخشع لها القلوب وتقشعر الجلود وتدمع العيون، ثم ينصرف إلى داره. وأظلنا عنده شهر رمضان فكان يقعد في كل ليلة منه على فراش لاصق بالأرض من غير سرير ويستند إلى مخدة كبيرة، ويجلس الفقيه مصلح الدين إلى جانبه وأجلس إلى جانب الفقيه، ويلينا أرباب دولته وأمراء حضرته، ثم يؤتى بالطعام فيكون أول ما يفطر عليه ثريد في صفحة صغيرة عليه العدس مسقى بالسمن والسكر ويقدمون الثريد تبركاً ويقولون أن النبي ﷺ فضله على سائر الطعام فنحن نبدأ به لتفضيل النبي له ثم يأتي بسائر الأطعمة وهكذا فعلهم في جميع ليالي رمضان. وتوفي في بعض تلك الأيام ولد السلطان فلم يزيدوا على بكاء الرحمة كما يفعله أهل مصر والشام، خلافاً لما قدمناه من فعل أهل اللور حين مات ولد سلطانهم. فلما دفن أقام السلطان والطلبة ثلاثة أيام يخرجون إلى قبره بعد صلاة الصبح. وثاني يوم من دفنه خرجت مع الناس فرآني السلطان ماشياً على رجلي فبعث لي بفرس واعتذر فلما وصلت المدرسة بعثت الفرس فرده وقال إنما أعطيته لا عارية وبعث إلي بكسوة ودراهم، فانصرفنا إلى مدينة قُلْ حِصار "وضبط اسمها بضم القاف وإسكان اللام ثم جاء مهمل مكسور وصاد مهمل وآخره راء" مدينة صغيرة بها المياه من كل جانب قد نبتت فيها القصب فلا طريق لها إلا طريق كالجسر مهيأ بين القصب والمياه، لا يسع إلا فارساً واحداً، والمدينة على تل في وسط المياه منيعة لا يقدر عليها ونزلنا بزاوية أحد الفتيان الأخية بها.

стр. 245

خبر سلطان قُلْ حِصار: كان سلطانها محمد جلبي وجلبي "بجيم معقود ولام مفتوحين وباء

стр. 246

موحدة وياء"، وتفسيره بلسان الروم سيدي، وهو أخو السلطان أبي إسحاق ملك أكريدور، ولما وصلنا بمدينته كان غائبا عنها فأقمنا بها أياماً ثم قدم فأكرمنا وأركبنا وزودنا، وانصرفا على طريق قرا "بفتح القاف" وتفسيره أسود، "وأغاج بفتح الهمزة والغين المعجم وآخره جيم" تفسيره الخشب. وهي صحراء خضراء يسكنها التركمان، وبعث معنا السلطان فرساناً يبلغوننا إلى مدينة لاذق بسبب أن هذه الصحراء يقطع فيها الطريق طائفة يقال لهم الجرميان يذكر أنهم من ذرية يزيد بن معاوية ولهم مدينة يقال لها كوتاهية فعصمنا الله منهم، ووصلنا إلى مدينة لاذق "وهي بكسر الذال المعجم وبعده قاف" وتسمى أيضاً دون غزله وتفسيره بلد الخنازير، وهي من أبدع المدن وأضخمها وفيها سبعة من المساجد لإقامة الجمعة ولها البساتين الرائقة والأنهار المطردة والعيون المنبعة وأسواقها حسان وتصنع بها ثياب قطن معلمة بالذهب لا مثيل لها تطول أعمارها لصحة قطنها وقوة غزلها وهذه الثياب معروفة بالنسبة إليها وأكثر الصناع بها نساء الروم وبها من الروم كثير تحت الذمة وعليهم وظائف للسلطان من الجزية وسواها، وعلامة الروم بها القلانس الطوال، منها الحمر والبيض، ونساء الروم لهن عمائم كبار وأهل هذه المدينة لا يغيرون المنكر، بل كذلك أهل هذا الإقليم كلهم وهم يشترون الجواري الروميات الحسان ويتركونهن للفساد، وكل واحدة عليها وظيف لمالكها توديه له. وسمعت هنالك أن الجواري يدخلن الحمام مع الرجال فمن أراد الفساد فعل ذلك بالحمام من غير منكر عليه. وذكر لي أن القاضي بها له جواري على هذه الصورة وعند دخولنا لهذه المدينة ومرورنا بإحدى أسواقها تقدم إلينا رجال من حوانيتهم وأخذوا بأعنة الخيل ونازعهم آخرون حتى سل بعضهم السكاكين على بعض ونحن لا نعلم ما يقولون فخفنا منهم وظننا أنهم الجرميان الذين يقطعون الطرق وأن تلك مدينتهم وحسبنا أنهم يريدون نهبنا. ثم بعث الله لنا رجلاً حاجاً يعرف اللسان العربي فسألته عن مرادهم منا. فقال: إنهم من الفتيان، وإنّ الذين سبقوا إلينا أولاً هم أصحاب الفتى أخي سنان، والآخرون أصحاب الفتى أخي طومان، وكل طائفة ترغب أن يكون نزولكم عندهم. فعجبنا من كرم نفوسهم. ثم وقع بينهم الصلح على المقارعة، فمن كانت قرعته نزلنا عنده أولاً، فوقعت قرعة أخي سنان وبلغه ذلك، فأتى إلينا في جماعة من أصحابه فسلموا علينا ونزلنا

стр. 247

بزاوية له. وأتى بأنواع الطعام، ثم ذهب بنا إلى الحمام ودخل معنا. وتولى خدمتى بنفسي، وتولى أصحابه خدمة أصحابي يخدم الثلاثة والأربعة الواحد منهم. ثم خرجنا من الحمام فأتوا بطعام عظيم وحلواء وفاكهة كثيرة. وبعد الفراغ من الأكل قرأ القراء آيات من القرآن العزيز، ثم أخذوا في السماع والرقص وأعلموا السلطان بخبرنا، فلما كان من الغد بعث في طلبنا بالعشي فتوجهنا إليه وإلى ولده كما نذكره، ثم عدنا إلى الزاوية فألفينا الأخي طومان وأصحابه في انتظارنا فذهبوا بنا إلى زاويتهم ففعلوا في الطعام والحمام مثل أصحابهم وزادوا عليه أن صبوا علينا ماء الورد صباً بعد خروجنا من الحمام، ثم مضوا بنا إلى الزاوية ففعلوا أيضا من الاحتفال في الأطعمة والحلواء والفاكهة وقراءة القرآن بعد الفراغ من الأكل ثم السماع والرقص كمثل ما فعله أصحابهم أو أحسن، وأقمنا عندهم بالزاوية أياماً.

стр. 248

خبر سلطان لاذق: هو سلطان لاذق يَنَنْج بك "واسمه بياء آخر الحروف مفتوحة ثم نونين أولادهما مفتوحة والثانية مسكنة وجيم"، وهو من كبار سلاطين بلاد الروم ولما نزلنا بزاوية أخي سنان كما قدمناه بعث إلينا الواعظ المذكور العالم علاء الدين القسطموني واصطحب معه خيلاً بعددنا وذلك في شهر رمضان فتوجهنا إليه وسلّمنا عليه. ومن عادة ملوك هذه البلاد التواضع للواردين ولين الكلام وقلة العطاء فصلينا معه المغرب وحضرنا طعامه فأفطرنا عنده وانصرفنا وبعث إلينا بدراهم، ثم بعث إلينا ولده مراد بك وكان ساكناً في بستان خارج المدينة وذلك في أبان الفاكهة وبعث أيضا خيلاً على عددنا كما فعل أبوه فأتينا بستانه وأقمنا عنده تلك الليلة وكان له فقيه يترجم بيننا وبينه، ثم انصرفنا غدوة، وأظلنا عيد الفطر بهذه البلدة فخرجنا إلى المصلّى وخرج السلطان في عساكره والفتيان الأخية كلهم بالأسلحة. ولأهل كل صناعة الأعلام والبوقات والطبول والأنفار وبعضهم يفاخر بعضاً ويباهيه في حسن الهيئة وكمال الشكة، ويخرج أهل كل صناعة معهم البقر والغنم وأحمال الخبز فيذبحون البهائم بالمقابر ويتصدقون بها بالخبز ويكون خروجهم أولا إلى المقابر ومنها إلى المصلى.

стр. 249

ولما صلينا صلاة العيد دخلنا مع السلطان إلى منزله وحضر الطعام فجُعل للفقهاء والمشايخ والفتيان سماط على حدة، وجُعل للفقراء والمساكين سماط على حدة. ولا يرد على بابه في ذلك اليوم فقير ولا غني وأقمنا بهذه البلدة مدة بسبب مخاوف الطريق، ثم تهيأت رفقة فسافرنا معهم يوماً وبعض ليلة ووصلنا إلى حصن طَوَاس واسمه "بفتح الطاء وتخفيف الواو وآخره سين مهمل"، وهو حصن كبير ويذكر أن صهيباً صاحب رسول الله ﷺ ورضي الله عنه من أهل هذا الحصن وكان مبيتنا بخارجه، ووصلنا بالغد إلى بابه فسألنا أهله من أعلى السور عن مقدمنا فأخبرناهم. وحينئذ خرج أمير الحصن ميناس١ بك في عسكره ليختبر نواحي الحصن والطريق خوفاً من إغارة السراق على الماشية فلما طافوا بجهاته خرجت مواشيهم وهكذا فعلهم أبداً، ونزلنا من هذا الحصن بربضة في زاوية رجل فقير وبعث إلينا أمير الحصن بضيافة وزاد، وسافرنا منه إلى مُغْلَة "وضبط اسمها بضم الميم وإسكان الغين المعجم وفتح اللام" ونزلنا بزاوية أحد المشايخ بها وكان من الكرماء الفضلاء يكثر الدخول علينا بزاويته لا يدخل إلا بطعام أو فاكهة أو حلواء، ولقينا بهذه البلدة إبراهيم بك ولد سلطان مدينة مِيلاس وسنذكره، فأكرمنا وكسانا. ثم سافرنا إلى مدينة مِيلاَس "وضبط اسمها بكسر الميم وياء مد وآخره سين مهمل" وهي من أحسن بلاد الروم وأضخمها، كثيرة الفواكه والبساتين والمياه نزلنا بها بزاوية أحد الفتيان الأخية ففعل أضعاف ما فعله قبله من الكرماء منن الضيافة ودخول الحمام وغير ذلك من حميد الأفعال وجميل الأعمال، ولقينا بمدينة ميلاس رجلاً صالحاً معمراً يسمى بأبي الششتري ذكروا أن عمره يزيد على مائة وخمسين سنة وله قوة وحركة وعقله ثابت وذهنه جيّد دعا لنا وحصلت لنا بركته.

стр. 250

سلطان ميلاس: هو السلطان المكرم شجاع الدين أُرْخَان بك ابن المنتشا "وضبط اسمه بضم الهمزة وإسكان الراء وخاء معجم وآخره نون"، وهو من خيار الملوك، حسن
следующие страницы →