← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 12009

رحلة ابن بطوطة ط دار الشرق العربي

ابن بطوطة

Полный текст (582 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

موحدة وياء"، وتفسيره بلسان الروم سيدي، وهو أخو السلطان أبي إسحاق ملك أكريدور، ولما وصلنا بمدينته كان غائبا عنها فأقمنا بها أياماً ثم قدم فأكرمنا وأركبنا وزودنا، وانصرفا على طريق قرا "بفتح القاف" وتفسيره أسود، "وأغاج بفتح الهمزة والغين المعجم وآخره جيم" تفسيره الخشب. وهي صحراء خضراء يسكنها التركمان، وبعث معنا السلطان فرساناً يبلغوننا إلى مدينة لاذق بسبب أن هذه الصحراء يقطع فيها الطريق طائفة يقال لهم الجرميان يذكر أنهم من ذرية يزيد بن معاوية ولهم مدينة يقال لها كوتاهية فعصمنا الله منهم، ووصلنا إلى مدينة لاذق "وهي بكسر الذال المعجم وبعده قاف" وتسمى أيضاً دون غزله وتفسيره بلد الخنازير، وهي من أبدع المدن وأضخمها وفيها سبعة من المساجد لإقامة الجمعة ولها البساتين الرائقة والأنهار المطردة والعيون المنبعة وأسواقها حسان وتصنع بها ثياب قطن معلمة بالذهب لا مثيل لها تطول أعمارها لصحة قطنها وقوة غزلها وهذه الثياب معروفة بالنسبة إليها وأكثر الصناع بها نساء الروم وبها من الروم كثير تحت الذمة وعليهم وظائف للسلطان من الجزية وسواها، وعلامة الروم بها القلانس الطوال، منها الحمر والبيض، ونساء الروم لهن عمائم كبار وأهل هذه المدينة لا يغيرون المنكر، بل كذلك أهل هذا الإقليم كلهم وهم يشترون الجواري الروميات الحسان ويتركونهن للفساد، وكل واحدة عليها وظيف لمالكها توديه له. وسمعت هنالك أن الجواري يدخلن الحمام مع الرجال فمن أراد الفساد فعل ذلك بالحمام من غير منكر عليه. وذكر لي أن القاضي بها له جواري على هذه الصورة وعند دخولنا لهذه المدينة ومرورنا بإحدى أسواقها تقدم إلينا رجال من حوانيتهم وأخذوا بأعنة الخيل ونازعهم آخرون حتى سل بعضهم السكاكين على بعض ونحن لا نعلم ما يقولون فخفنا منهم وظننا أنهم الجرميان الذين يقطعون الطرق وأن تلك مدينتهم وحسبنا أنهم يريدون نهبنا. ثم بعث الله لنا رجلاً حاجاً يعرف اللسان العربي فسألته عن مرادهم منا. فقال: إنهم من الفتيان، وإنّ الذين سبقوا إلينا أولاً هم أصحاب الفتى أخي سنان، والآخرون أصحاب الفتى أخي طومان، وكل طائفة ترغب أن يكون نزولكم عندهم. فعجبنا من كرم نفوسهم. ثم وقع بينهم الصلح على المقارعة، فمن كانت قرعته نزلنا عنده أولاً، فوقعت قرعة أخي سنان وبلغه ذلك، فأتى إلينا في جماعة من أصحابه فسلموا علينا ونزلنا

стр. 247

بزاوية له. وأتى بأنواع الطعام، ثم ذهب بنا إلى الحمام ودخل معنا. وتولى خدمتى بنفسي، وتولى أصحابه خدمة أصحابي يخدم الثلاثة والأربعة الواحد منهم. ثم خرجنا من الحمام فأتوا بطعام عظيم وحلواء وفاكهة كثيرة. وبعد الفراغ من الأكل قرأ القراء آيات من القرآن العزيز، ثم أخذوا في السماع والرقص وأعلموا السلطان بخبرنا، فلما كان من الغد بعث في طلبنا بالعشي فتوجهنا إليه وإلى ولده كما نذكره، ثم عدنا إلى الزاوية فألفينا الأخي طومان وأصحابه في انتظارنا فذهبوا بنا إلى زاويتهم ففعلوا في الطعام والحمام مثل أصحابهم وزادوا عليه أن صبوا علينا ماء الورد صباً بعد خروجنا من الحمام، ثم مضوا بنا إلى الزاوية ففعلوا أيضا من الاحتفال في الأطعمة والحلواء والفاكهة وقراءة القرآن بعد الفراغ من الأكل ثم السماع والرقص كمثل ما فعله أصحابهم أو أحسن، وأقمنا عندهم بالزاوية أياماً.

стр. 248

خبر سلطان لاذق: هو سلطان لاذق يَنَنْج بك "واسمه بياء آخر الحروف مفتوحة ثم نونين أولادهما مفتوحة والثانية مسكنة وجيم"، وهو من كبار سلاطين بلاد الروم ولما نزلنا بزاوية أخي سنان كما قدمناه بعث إلينا الواعظ المذكور العالم علاء الدين القسطموني واصطحب معه خيلاً بعددنا وذلك في شهر رمضان فتوجهنا إليه وسلّمنا عليه. ومن عادة ملوك هذه البلاد التواضع للواردين ولين الكلام وقلة العطاء فصلينا معه المغرب وحضرنا طعامه فأفطرنا عنده وانصرفنا وبعث إلينا بدراهم، ثم بعث إلينا ولده مراد بك وكان ساكناً في بستان خارج المدينة وذلك في أبان الفاكهة وبعث أيضا خيلاً على عددنا كما فعل أبوه فأتينا بستانه وأقمنا عنده تلك الليلة وكان له فقيه يترجم بيننا وبينه، ثم انصرفنا غدوة، وأظلنا عيد الفطر بهذه البلدة فخرجنا إلى المصلّى وخرج السلطان في عساكره والفتيان الأخية كلهم بالأسلحة. ولأهل كل صناعة الأعلام والبوقات والطبول والأنفار وبعضهم يفاخر بعضاً ويباهيه في حسن الهيئة وكمال الشكة، ويخرج أهل كل صناعة معهم البقر والغنم وأحمال الخبز فيذبحون البهائم بالمقابر ويتصدقون بها بالخبز ويكون خروجهم أولا إلى المقابر ومنها إلى المصلى.

стр. 249

ولما صلينا صلاة العيد دخلنا مع السلطان إلى منزله وحضر الطعام فجُعل للفقهاء والمشايخ والفتيان سماط على حدة، وجُعل للفقراء والمساكين سماط على حدة. ولا يرد على بابه في ذلك اليوم فقير ولا غني وأقمنا بهذه البلدة مدة بسبب مخاوف الطريق، ثم تهيأت رفقة فسافرنا معهم يوماً وبعض ليلة ووصلنا إلى حصن طَوَاس واسمه "بفتح الطاء وتخفيف الواو وآخره سين مهمل"، وهو حصن كبير ويذكر أن صهيباً صاحب رسول الله ﷺ ورضي الله عنه من أهل هذا الحصن وكان مبيتنا بخارجه، ووصلنا بالغد إلى بابه فسألنا أهله من أعلى السور عن مقدمنا فأخبرناهم. وحينئذ خرج أمير الحصن ميناس١ بك في عسكره ليختبر نواحي الحصن والطريق خوفاً من إغارة السراق على الماشية فلما طافوا بجهاته خرجت مواشيهم وهكذا فعلهم أبداً، ونزلنا من هذا الحصن بربضة في زاوية رجل فقير وبعث إلينا أمير الحصن بضيافة وزاد، وسافرنا منه إلى مُغْلَة "وضبط اسمها بضم الميم وإسكان الغين المعجم وفتح اللام" ونزلنا بزاوية أحد المشايخ بها وكان من الكرماء الفضلاء يكثر الدخول علينا بزاويته لا يدخل إلا بطعام أو فاكهة أو حلواء، ولقينا بهذه البلدة إبراهيم بك ولد سلطان مدينة مِيلاس وسنذكره، فأكرمنا وكسانا. ثم سافرنا إلى مدينة مِيلاَس "وضبط اسمها بكسر الميم وياء مد وآخره سين مهمل" وهي من أحسن بلاد الروم وأضخمها، كثيرة الفواكه والبساتين والمياه نزلنا بها بزاوية أحد الفتيان الأخية ففعل أضعاف ما فعله قبله من الكرماء منن الضيافة ودخول الحمام وغير ذلك من حميد الأفعال وجميل الأعمال، ولقينا بمدينة ميلاس رجلاً صالحاً معمراً يسمى بأبي الششتري ذكروا أن عمره يزيد على مائة وخمسين سنة وله قوة وحركة وعقله ثابت وذهنه جيّد دعا لنا وحصلت لنا بركته.

стр. 250

سلطان ميلاس: هو السلطان المكرم شجاع الدين أُرْخَان بك ابن المنتشا "وضبط اسمه بضم الهمزة وإسكان الراء وخاء معجم وآخره نون"، وهو من خيار الملوك، حسن

стр. 251

الصور والسيرة، جلساؤه الفقهاء وهم معظمون لديه، وببابه منهم جماعة منهم الفقيه الخوارزمي عارف بالفنون فاضل وكان السلطان في أيام لقائي له واجداً عليه بسبب رحلته إلى مدينة أيا سلوق ووصوله إلى سلطانها وقبوله ما أهداه. فسأل مني هذا الفقيه أن أتكلم عند الملك في شأنه بما يذهب ما في خاطره فأثنيت عليه عند السلطان وذكرت ما علمته من علمه وفضله ولم أزل به حتى ذهب ما كان يجده عليه، وأحسن إلينا هذا السلطان وأركبنا وزودنا. وسكناه في مدينة بَرْجِين وهي قرية من ميلاس بينهما ميلان "وضبط اسمها بفتح الموحدة وإسكان الراء وجيم وياء مد وآخره نون"، وهي جديدة على تل هنالك، بها العمارات الحسان والمساجد، وكان قد بنى بها مسجداً جامعاً لم يتم بناؤه بعد، وبهذه البلد لقيناه ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي علي، ثم انصرفنا بعد ما أحسن إلينا كما قدمناه إلى مدينة قُونِية "وضبط اسمها بضم القاف وواو مد ونون مسكن مكسور وياء آخر الحروف" مدينة حسنة العمارة كثيرة المياه والأنهار والبساتين والفواكه، وبها المشمش المسمى بقمر الدين وقد تقدّم ذكره ويحمل منه أيضا إلى ديار مصر والشام، وشوارعها متسعة جدًّا، وأسواقها بديعة الترتيب وأهل كل صناعة على حدة ويقال أن هذه المدينة من بناء الإسكندر وهي من بلاد السلطان بدر الدين بن قرمان وسنذكره. وقد تغلّب عليها صاحب العراق في بعض الأوقات لقربها من بلاده التي بهذا الإقليم. نزلنا بزاوية قاضيها ويعرف بابن قلم شاه وهو من الفتيان وزاويته من أعظم الزوايا وله طائفة كبيرة من التلاميذ ولهم للفتوة سند يتصل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ ولباسها عندهم السراويل كما تلبس الصوفية الخرقة وكان صنيع هذا القاضي في إكرامنا وضيافتنا أعظم من صنيع من قبله وأجمل وبعث ولده عوضاً عنه لدخول الحمام معنا، وبهذه المدينة تربة الشيخ الإمام الصالح القطب جلال الدين المعروف بمولانا، وكان كبير القدر وبأرض الروم طائفة ينتمون إليه ويعرفون باسمه فيقال لهم الجلالية كما تعرف الأحمدية بالعراق والحديرية بخراسان، وعلى تربته زاوية عظيمة فيها الطعام للوارد. وقيل إنه في ابتداء أمره فقيهاً مدرسًا يجتمع إليه الطلبة بمدرسته بقونية فدخل يوماً إلى المدرسة رجل يبيع الحلواء وعلى رأسه طبق منها وهي مقطعة قطعا يبيع القطعة منها بفلس فلما أتى مجلس التدريس قال له الشيخ هات

стр. 252

طبقك فأخذ الحلواني قطعة منه وأعطاها الشيخ فأخذها الشيخ بيده وأكلها فخرج الحلواني ولم يطعم أحداً سوى الشيخ فخرج الشيخ في اتباعه وترك التدريس فأبطأ على الطلبة وطال انتظارهم إياه فخرجوا في طلبه فلم يعرفوا له مستقراً، ثم إنه عاد إليهم بعد أعوام وصار لا ينطق إلا بالشعر الفارسي المتعلق الذي لا يفهم. فكان الطلبة يتبعونه ويكتبون ما يصدر عنه من ذلك الشعر وألفوا منه كتابا سموه المثنوي. وأهل تلك البلاد يعظمون ذلك الكتاب ويعتبرون كلامه ويعلمونه ويقرءونه بزواياهم في ليالي الجمعات. وفي هذه المدينة أيضاً قبر الفقيه أحمد الذي يذكر أنه كان معلم جلال الدين المذكور. ثم سافرنا إلم مدينة اللارَنْدَة، وهي "بفتح الراء التي بعد الألف واللام وإسكان النون وفتح الدال المهمل" مدينة حسنة كثيرة المياه والبساتين.

стр. 253

خبر سلطان اللاَّرَنْدَة: هو الملك بدر الدين بن قَرَمان "بفتح القاف والراء" وكانت قبله لشقيقه موسى، فنزل عنها للملك الناصر وعوّضه عنها بعوض، وبعث إليه أمير اً وعسكراً، ثم تغلب عليها السلطان بدر الدين وبنى بها دار مملكته واستقام أمره بها، ولقيت هذا السلطان خارج المدينة وهو عائد من تصيده، فنزلت عن دابتي فنزل هو عن دابته وسلمت عليه وأقبل علي، ومن عادة ملوك هذه البلاد أنه إذا نزل لهم الوارد عن دابته نزلوا له وأعجبهم فعله وزادوا في إكرامه وإن سلّم عليهم راكباً ساءهم ذلك ولم يرضهم ويكون سبباً لحرمان الوارد، وقد جرى لي ذلك مع بعضهم وسأذكره. ولما سلّمت عليه وركب وركبت سألني عن حالي وعن مقدمي ودخلت معه المدينة فأمر بإنزالي إلى أحسن نزل وكان يبعث الطعام الكثير والفاكهة والحلواء في طيافير الفضة والشمع، وكسا وأركب وأحسن، ولم يطل مقامنا عنده، وانصرفنا إلى مدينة أَقْصَرا "وضبطها بفتح الهمزة وسكون القاف وفتح الصاد المهمل والراء"، وهي من أحسن بلاد الروم وأتقنها تحف بها العيون الجارية والبساتين من كل ناحية ويشق المدينة ثلاثة أنهار ويجري الماء بدورها وفيها الأشجار ودوالي العنب وداخلها بساتين كثيرة وتصنع بها البسط المنسوبة إليها من صوف الغنم لا مثيل لها في بلد من البلاد ومنها تحمل إلى الشام ومصر والعراق والهند والصين وبلاد

стр. 254

الأتراك، وهذه المدينة في طاعة ملك العراق، ونزلنا منها بزاوية الشريف حسين النائب بها عن الأمير أرتنا، وأرتنا هوالنائب عن ملك العراق، فيما تغلب عليه من بلاد الروم. وهذا الشريف من الفتيان وله طائفة كثيرة وأكرمنا إكراما متناهيا وفعل أفعال من تقدمه. ثم رحلنا إلى مدينة نَكْدة "وضبط اسمها بفتح النون وإسكان الكاف ودال مهمل مفتوح"، وهي من بلاد ملك العراق مدينة كبيرة كثيرة العمارة قد تخرّب بعضها ويشقها النهر المعروف بالنهر الأسود وهو من كبار الأنهار عليه ثلاث قناطر: إحداها بداخل المدينة واثنتان بخارجها وعليه النواعير بالداخل والخارج منها تسقى البساتين والفواكه بها كثيرة. ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي جاروق وهو الأمير بها فأكرمنا على عادة الفتيان وأقمنا ثلاثاً. وسرنا منها بعد ذلك إلى مدينة قيسارية وهي من بلاد صاحب العراق وهي إحدى المدن العظام بهذا الإقليم بها عساكر أهل العراق وإحدى خواتين الأمير علاء الدين أرتنا المذكور، وهي من أكرم الخواتين وأفضلهن ولها نسبة من ملك العراق وتدعى أغا "بفتح الهمزة والغين المعجم" ومعنى أغا الكبير وكل من بينه وبين السلطان نسبة يدعى بذلك واسمها طغى خاتون، ودخلنا عليها فقامت وأحسنت السلام والكلام، وأمرت بإحضار الطعام فأكلنا. ولما انصرفنا بعث إلينا بفرس مسرج ملجم وخلعة ودراهم مع أحد غلمانها واعتذرت. ونزلنا من هذه المدينة بزاوية الفتى الأخي أمير علي وهو أمير كبير من كبار الأخية بهذه البلاد وله طائفة تتبعه من وجوه المدينة وكبرائها، وزاويته من أحسن الزوايا فرشاً وقناديلاً وطعاماً كثيراً وإتقاناً، والكبراء من أصحابه وغيرهم يجتمعون كل ليلة ويفعلون في إكرام الوارد أضعاف ما يفعله سواهم. ومن عوائد هذه البلاد أنه ما كان منها ليس به سلطان فالأخي هو الحاكم به وهو يركب الوارد ويكسوه ويحسن إليه على قدره وترتيبه في أمره ونهيه وركوبه ترتيب الملوك. ثم سافرنا إلى مدينة سِيوَاس "وضبط اسمها بكسر السين المهمل وياء مد وآخره سين مهمل" وهي من بلاد ملك العراق وأعظم ماله بهذا الإقليم من البلاد وبها منزل أمرائه وعماله، وهي مدينة حسنة العمارة واسعة الشوارع أسواقها غاصة بالناس، وبها دار مثل المدرسة تسمى دار السيادة لا ينزلها إلا الشرفاء ونقيبهم ساكن بها وتجري لهم فيها مدة مقامهم الفرش والطعام والشمع وغيره فيزيدون

стр. 255

إذا انصرفوا. ولما قدمنا هذه المدينة خرج إلى لقائنا أصحاب الفتى بِجَقْجِي وبجق بالتركية السكين وهذا منسوب إليه، والجيمان منه معقودان بينهما قاف، وباؤه مكسورة، وكانوا جماعة منهم الركبان والمشاة. ثم لقينا بعدهم أصحاب الفتى جلبي وهو من كبار الأخية وطبقته أعلى من طبقة أخي بِجَقْجِي فطلبوا أن أنزل عندهم فلم يمكن لي ذلك لسبق الأولين، ودخلنا المدينة معهم جميعاً وهم يتفاخرون والذين سبقوا إلينا قد فرحوا أشد الفرح بنزولنا عندهم ثم كان من صنيعهم في الطعام والحمام والبيت مثل صنيع من تقدم وأقمنا عندهم ثلاثة أيام في أحسن ضيافة، ثم أتاني القاضي وجماعة من الطلبة ومعهم الأمير علاء الدين أرتنا نائب ملك العراق ببلاد الروم، فركبنا معه واستقبلنا الأمير إلى دهليز داره فسلم علينا ورحب، وكان فصيح اللسان بالعربية وسألني عن العراقيين وأصبهان وشيراز وكرمان وعن السلطان أتابك وبلاد الشام ومصر وسلاطين التركمان. وكان مراده أن أشكر الكريم منهم وأذم البخيل فلم أفعل ذلك بل شكرت الجميع. فسر بذلك مني وشكرني عليه. ثم أحضر الطعام وأكلنا وقال: تكونون في ضيافتي فقال له الفتى أخي جلبي إنهم لم ينزلوا بزاويتي فليكونوا عندي وضيافتك تصلهم، فقال: أفعل. فانتقلنا إلى زاويته وأقمنا بها ستا في ضيافته وفي ضيافة الأمير، ثم بعث الأمير بفرس وكسوة ودراهم وكتب لنوابه بالبلاد أن يضيفونا ويكرموننا ويزودونا. وسافرنا إلى مدينة أَمَاصية "وضبط اسمها بفتح الهمزة والميم وألف وصاد مهمل مكسور وياء آخر الحروف مفتوحة"، مدينة كبيرة حسنة ذات أنهار وبساتين وأشجار وفواكه وعلى أنهارها النواعير تسقي جنانها ودورها وهي فسيحة الشوارع والأسواق وملكها صاحب العراق، وبقرب منها بلدة سُونَسَى "وضبط اسمها بضم السين المهمل وواو مد ونون مضموم وسين مهمل مفتوح"، وهي لصاحب العراق أيضا، وبها سكنى وأولاد ولي الله تعالى أبي العباس أحمد الرفاعي، منهم الشيخ عز الدين وهو الآن شيخ الرواق وصاحب سجادة الرفاعي وإخوته الشيخ علي والشيخ يحيى أولاد الشيخ أحمد كوجك ومعناه الصغير ابن تاج الدين الرفاعي، ونزلنا بزاويتهم ورأينا لهم الفضل على من سواهم.

стр. 256

ثم سافرنا إلى مدينة كُمِش "وضبط اسمها بضم الكاف وكسر الميم وشين معجم" وهي من بلاد ملك العراق مدينة كبيرة عامرة يأتيها التجار من العراق والشام وبها معادن الفضة وعلى مسيرة يومين منها جبال شامخة وعرة لم أصل إليها ونزلنا منها بزاوية الأخي مجد الدين وأقمنا بها ثلاثا في ضيافته وفعل أفعال من قبله، وجاء نائب الأمير أرتنا وبعث بضيافة وزاد، وانصرفنا عن تلك البلاد، فوصلنا إلى أرزنجان "وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الزاي وسكون النون وجيم وألف ونون"، وهي من بلاد صاحب العراق، مدينة كبيرة عامرة وأكثر سكانها الأرمن. والمسلمون يتكلمون بها التركية ولها أسواق حسنة الترتيب ويصنع بها ثياب حسان تنسب إليها وفيها معادن النحاس ويصنعون منه الأواني والبياسيس التي ذكرناها وهي شبه المنار عندنا. ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي نظام الدين وهي من أحسن الزوايا وهو أيضاً من خيار الفتيان وكبارهم أضافنا أحسن ضيافة، وانصرفنا إلى مدينة أرز الروم وهي من بلاد ملك العراق كبيرة الساحة خرب أكثرها بسبب فتنة وقعت بين طائفتين من التركمان بها ويشقها ثلاثة أنهار وفي أكثر دورها بساتين فيها الأشجار والدوالي. ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي طومان وهو كبير السن يقال أنه أناف على مائة وثلاثين سنة ورأيته ينصرف على قدميه متوكئاً على عصا ثابت الذهن مواظباً للصلاة في أوقاتها لم ينكر من نفسه شيئا إلا أنه لا يستطيع الصوم وخدمنا بنفسه في الطعام وخدمنا أولاده في الحمام، وأردنا الانصراف عنه ثاني يوم نزولنا فشق عليه ذلك وأبى منه وقال أن فعلتم نقصتم حرمتي وإن أقل الضيافة ثلاث فأقمنا لديه ثلاثاً. ثم انصرفنا إلى مدينة بِركِي "وضبط اسمها بباء موحدة مكسورة وكاف معقود مكسور بينها راء مسكن"، ووصلنا إليها بعد العصر، فلقينا رجلاً من أهلها، فسألناه عن زاوية الأخي بها فقال أنا أدلكم عليها فاتبعناه فذهب بنا إلى منزله نفسه في بستان له فأنزلنا بأعلى سطح بيته والأشجار مظللة، وذلك أوان الحر الشديد وأتى إلينا بأنواع الفاكهة وأحسن في ضيافته وعلف دوابنا وبتنا عنده تلك الليلة. وكنا قد تعرفنا أن بهذه المدينة مدرساً فاضلاً يسمى بمحي الدين فأتى بنا ذلك الرجل الذي بتنا عنده، وكان من الطلبة إلى المدرسة وإذا بالمدرس قد أقبل راكباً على بغلة فارهة، ومماليكه وخدامه عن جانبيه والطلبة

стр. 257

بين يديه وعليه ثياب مفرجة حسان مطرزة بالذهب. فسلمنا عليه فرحب بنا وأحسن السلام والكلام وأمسك بيدي وأجلسني إلى جانبه ثم جاء القاضي عز الدين فرشتي ومعنى فرشتي الملك لقب بذلك لدينه وعفافه وفضله فقعد عن يمين المدرس وأخذ في تدريس العلوم الأصلية والفرعية ثم لما فرغ من ذلك أتى دويرة بالمدرسة فأمر بفرشها وأنزلني فيها وبعث ضيافة حافلة ثم وجه إلينا بعد المغرب فمضيت إليه فوجدته في مجلس ببستان له وهنالك صهريج ماء ينحدر إليه الماء من خصة رخام أبيض يدور بها القاشاني وبين يديه جملة من الطلبة ومماليكه وخدامه وقوف على جانبيه وهو قاعد على مرتبة عليها أقطاع منقوشة حسنة فخلته لما شاهدته ملكاً من الملوك فقام إلي واستقبلني وأخذ بيدي وأجلسني إلى جانبه على مرتبته وأتى بالطعام فأكلنا وانصرفنا إلى المدرسة. وذكر لي بعض الطلبة أن جميع من حضر تلك الليلة من الطلبة عند المدرس فعادتهم الحضور لطعامه كل ليلة. وكتب هذا المدرس إلى السلطان بخبرنا وأثنى في كتابه، والسلطان على جبل هنالك يصيف فيه لأجل شدة الحر، وذلك الجبل بارد. وعادته أن يصيف فيه.

стр. 258

خبر سلطان بِرْكِي: كان السلطان محمد بن آيدين من خيار السلاطين وكرمائهم وفضلائهم، ولما بعث إليه المدرس يعلمه بخبري وجه نائبه إلي لآتيه فأشار إلي المدرس أن أقيم حتى يبعث إلي ثانية وكان المدرس إذ ذاك قد خرجت برجله قرحة لا يستطيع الركوب بسببها وانقطع عن المدرسة ثم أن السلطان بعث في طلبي ثانية فشق ذلك على المدرس فقال أنا لا أستطيع الركوب ومن غرضي التوجه معك لأقرر لدى السلطان ما يجب لك ثم إنه تحامل ولف على رجله خرقاً وركب ولم يضع رجله في الركاب وركبت أنا وأصحابي وصعدنا إلى الجبل في طريق نحتت وسويت فوصلنا إلى موضع السلطان عند الزوال فنزلنا على نهر ماء تحت ظلال شجر الجوز وصادفنا السلطان في قلق وشغل بسبب فرار ابنه الأصغر سليمان عنه إلى صهره السلطان أرخان بك فلما بلغه خبر وصولنا بعث إلينا خضر بك وعمر بك فسلمّا على الفقيه وأمرهما بالسلام عليّ ففعلا ذلك، وسألاني عن حالي ومقدمي وانصرفا. وبعث

стр. 259

إلي ببيت يسمى عندهم الخرقة "خركاء" وهو عصي من الخشب تجمع شبه القبة وتجعل عليها اللبود ويفتح أعلاه لدخول الضوء والريح مثل البادهنج ويسد متى احتيج إلى سده وأتوا بالفرش ففرشوه وقعد الفقيه وقعدت معه وأصحابه وأصحابي خارج البيت تحت ظلال شجر الجوز وذلك الموضع شديد البرد ومات لي تلك الليلة فرس من شدة البرد. ولما كان من الغد ركب المدرس إلى السلطان وتكلم في شأني مما اقتضته فضائله ثم عاد إليّ وأعلمني بذلك وبعد ساعة وجه السلطان في طلبنا معا، فجئنا إلى منزله ووجدناه قائماً فسلمنا عليه وقعد الفقيه عن يمينه وأنا مما يلي الفقيه فسألني عن حالي ومقدمي وسألني عن الحجاز ومصر والشام واليمن والعراقين وبلاد الأعاجم، ثم حضر الطعام فأكلنا وانصرفنا وبعث الأرز والدقيق والسمن في كروش الأغنام وكذلك فعل الترك وأقمنا على تلك الحال أياماً يبعث إلينا كل يوم فنحضر طعامه وأتى يوماً إلينا بعد الظهر وقعد الفقيه في صدر المجلس وأنا على يساره وقعد السلطان عن يمين الفقيه وذلك لعزة الفقهاء عند الترك وطلب مني أن أن أكتب له أحاديث من حديث رسول الله ﷺ فكتبتها له وعرضها الفقيه عليه في تلك الساعة فأمره أن يكتب له شرحها باللسان التركي ثم قام فخرج ورأى الخدام يطبخون لنا الطعام تحت ظلال الجوز بغير أدام ولا خضر فأمر بعقاب صاحب خزانته وبعث بالابزار والسمن. وطالت إقامتنا بذلك الجبل فأدركني الملل وأردت الانصراف وكان الفقيه أيضا قد ملّ من المقام هنالك فبعث إلى السلطان يخبره أني أريد السفر فلما كان من الغد بعث إلي السلطان نائبه فتكلم مع المدرس بالتركية ولم أكن إذا ذاك أفهمها فأجابه عن كلامه وانصرف، فقال لي المدرس أتدري ماذا قال؟ قلت: لا أعرف ما قال. قال: أن السلطان بعث إلي ليسألني ماذا يعطيك؟ فقلت له: عنده الذهب والفضة والخيل والعبيد فليعطه ما أحب من ذلك. فذهب إلى السلطان ثم عاد إلينا، فقال: أن السلطان يأمر أن تقيما هنا اليوم وتنزلا معه غداً إلى داره بالمدينة ولما كان من الغد بعث فرساً جيداً من مراكبه ونزل ونحن معه إلى المدينة فخرج الناس لاستقباله وفيهم القاضي المذكور آنفاً وسواه ودخل السلطان ونحن معه فلما نزل بباب داره ذهبت مع المدرس إلى ناحية المدرسة فدعا بنا وأمرنا بالدخول معه إلى داره. ولما وصلنا إلى دهليز الدار وجدنا من خدامه نحو عشرين صورهم فائقة الحسن وعليهم ثياب الحرير وشعورهم مفروقة

стр. 260

وألوانهم ساطعة البياض مشربة بحمرة، فقلت للفقيه: ما هذه الصور الحسان؟ قال: هؤلاء فتيان روميون، وصعدنا مع السلطان درجاً كثيرة إلى أن انتهينا إلى مجلس حسن في وسطه صهريج ماء وعلى كل ركن من أركانه صورة سبع نحاس يمج ماء من فيه وتدور بهذا المجلس مصاطب متصلة مفروشة وفوق أحداها مرتبة للسلطان فلما انتهينا إليها نحى السلطان مرتبته بيده وقعد معنا على الإطلاع وقعد الفقيه على يمينه والقاضي مما يلي الفقيه وأنا مما يلي القاضي وقعد القراء أسفل المصطبة والقراء لا يفارقونه حيث كان من مجالسه. ثم جاءوا بصحاف من الذهب والفضة مملوة بالجلاب المحلول قد عصر فيه ماء الليمون وجعل فيه كعكات صغار مقسومة وفيها ملاعق ذهب وفضة وجاءوا معها بصحاف صيني فيها مثل ذلك وفيها ملاعق خشب فمن تورع استعمل صحاف الصيني وملاعق الخشب وتكلمت بشكر السلطان وأثنيت على الفقيه وبالغت في ذلك فأعجب ذلك السلطان وسره. وفي أثناء قعودنا مع السلطان أتى شيخ على رأسه عمامة لها ذؤابة فسلم عليه وقام له القاضي والفقيه وقعد أمام السلطان فوق المصطبة والقراء أسفل منه، فقلت للفقيه من هذا الشيخ؟ فضحك وسكت، ثم أعدت السؤال، فقال لي هذا يهودي طبيب؟ وكلنا محتاج إليه فلأجل هذا فعلنا ما رأيت من القيام له، فأخذني ما حدث وقدم من الامتعاض، فقلت لليهودي: يا ملعون يا ابن ملعون كيف تجلس فوق قراء القرآن وأنت يهودي؟ وشتمته ورفعت صوتي، فعجب السلطان وسأل عن معنى كلامي فأخبره الفقيه به. وغضب اليهودي فخرج عن المجلس في أسوأ حال، ولما انصرفنا، قال الفقيه: أحسنت بارك الله فيك أن أحداً سواك لا يتجاسر على مخاطبته بذلك ولقد عرفته بنفسه. وسألني السلطان في هذا المجلس فقال لي هل رأيت قط حجراً نزل من السماء؟ فقلت ما رأيت ذلك ولا سمعت به، فقال لي: إنه قد نزل بخارج بلدنا هذا حجر من السماء ثم دعا رجالاً وأمرهم أن يأتوا بالحجر فأتوا بحجر أسود أصم شديد الصلابة له بريق قدرت أن زنته تبلغ قنطاراً وأمر السلطان بإحضار القطاعين فحضر أربعة منهم فأمرهم أن يضربوه فضربوا عليه ضربة رجل واحد أربع مرات بمطارق الحديد فلم يؤثروا عليه فيه شيئا، فعجبت من أمره.

стр. 261

وأمر بردّه إلى حيث كان. وفي ثالث يوم من دخولنا إلى المدينة مع السلطان صنع صنيعاً عظيماً ودعا الفقراء والمشايخ وأعيان العسكر ووجوه أهل المدينة فطعموا وقرأ القراء القرآن بالأصوات الحسان وعدنا إلى منزلنا بالمدرسة وكان يوجه الطعام والفاكهة والحلواء والشمع في كل ليلة ثم بعث إلي مائة مثقال ذهباً وألف درهم وكسوة كاملة وفرساً ومملوكاً رومياً يسمى ميخائيل وبعث لكل من أصحابي كسوة ودراهم كل هذا بمشاركة المدرس محيي الدين جزاه الله تعالى خيراً، وودعناه وانصرفنا وكانت مدة مقامنا عنده بالجبل والمدينة أربعة عشر يوماً، ثم قصدنا مدينة تِيرَة وهي من بلاد هذا السلطان "وضبط اسمها بكسر التاء المعاوة وياء مد وراء" مدينة حسنة ذات أنهار وبساتين وفواكه نزلنا منها بزاوية الفتى محمد وهو من كبار الصالحين صائم الدهر وله أصحاب على طريقته فأضافنا ودعا لنا، وسرنا إلى مدينة أياسُلُوق "وضبط اسمها بفتح الهمزة والياء آخر الحروف وسين مهمل مضموم ولام مضموم وآخره قاف" مدينة كبيرة قديمة معظمة عند الروم وفيها كنيسة كبيرة مبنية بالحجارة الضخمة ويكون طول الحجر منها عشرة أذرع فيما دونها منحوتة أبدع نحت والمسجد الجامع بهذه المدينة من أبدع مساجد الدنيا لا نظير له في الحسن وكان كنيسة للروم معظمة عندهم يقصدونها من البلاد فلما فتحت هذه المدينة جعلها المسلمون مسجداً جامعاً وحيطانه من الرخام الملون وفرشه الرخام الأبيض وهو مسقف بالرصاص فيه إحدى عشرة قبة متنوعة في وسط كل قبة صهريج ماء والنهر يشقه وعن جانبي النهر الأشجار المختلفة الأجناس ودوالي العنب ومعرشات الياسمين وله خمسة عشر باباً وأمير هذه المدينة خضر بك ابن السلطان محمد بن آيدين، وقد كنت رأيته عند أبيه ببركي ثم لقيته بهذه المدينة خارجها فسلّمت عليه وأنا راكب فكره ذلك مني وكان سبب حرماني لديه، فإن عادتهم إذا نزل لهم الوارد نزلوا وأعجبهم ذلك، ولم يبعث إلا ثوباً واحداً من الحرير المذهب يسمونه النخ "بفتح النون وخاء معجم" واشتريت بهذه المدينة جارية رومية بكراً بأربعين ديناراً ذهباً، ثم سرنا إلى مدينة يَزْمِير١ "وضبط اسمها بياء آخر الحروف مفتوحة وزاي مسكن وميم مكسورة

стр. 262

وياء مد وراء" مدينة كبيرة على ساحل البحر، معظمها خراب. ولها قلعة متصلة بأعلاها. نزلنا منها بزاوية الشيخ يعقوب وهو من الأحمدية صالح فاضل. ولقينا بخارجها الشيخ عز الدين بن أحمد الرفاعي ومعه زاد الأخلاطي من كبار المشايخ ومعه مائة فقير من المولهين وقد ضرب لهم الأمير الأخية وصنع الشيخ يعقوب ضيافة وحضرتها واجتمعت بهم، وأمير هذه المدينة عمر بك بن السلطان محمد آيدين المذكور آنفاً، وسكناه بقلعتها وكان حين قدومنا عليها عند أبيه ثم قدم بعد خمس من نزولنا بها فكان من مكارمه أن آتى إلي بالزاوية فسلم علي واعتذر وبعث ضيافة عظيمة وأعطاني بعد ذلك مملوكا رومياً خماسياً اسمه نقوله، وثوبين من الكمخا، وهي ثياب حرير وتصنع ببغداد وتبريز ونيسابور وبالصين وذكر لي الفقيه الذي يؤم به أن الأمير لم يبق له مملوك سوى ذلك المملوك الذي أعطاني بسبب كرمه ﵀ وأعطى أيضاً للشيخ عز الدين ثلاثة أفراس مجهزة وآنية فضية كبيرة تسمى عندهم المشربة مملوءة دراهم وثياباً من الملف والمرعز والقسي والكمخا وجواري وغلماناً. وكان هذا الأمير كريماً صالحاً كثير الجهاد له أجفان غزوية يضرب بها على نواحي القسطنطينية العظمى فيسبي ويغنم ويفني ذلك كرماً وجوداً، ثم يعود إلى الجهاد إلى أن اشتدت على الروم وطأته فرفعوا أمرهم إلى البابا فأمر نصارى جنوة وإفرانسة بغزوه. وجهز جيشاً من رومية وطرقوا مدينته ليلاً في عدد كثيرر من الأجفان وملكوا المرسى والمدينة ونزل إليهم الأمير عمر من القلعة فقاتلهم فاستشهد هو وجماعة من ناسه واستقر النصارى بالبلد ولم يقدروا على القلعة لمنعتها. ثم سافرنا من هذه المدينة إلى مدينة مَغْنِيسِيَّة "وضبط اسمها بميم مفتوحة وغين معجمة مسكنة ونون مكسورة وياء مد وسين مهملة مكسورة وياء آخر الحروف مشددة" نزلنا بها عشى يوم عرفة بزاوية رجل من الفتيان، وهي مدينة كبيرة حسنة في سفح جبل وبسيطها كثير الأنهار والعيون والبساتين والفواكه.

стр. 263

خبر سلطان مغنيسية: وكان سلطانها يسمى صاروخان، ولما وصلنا إلى هذه البلدة وجدناه بتربة ولده وكان قد توفي منذ أشهر فكان هو وأم الولد ليلة العيد وصبيحتها

стр. 264

بتربته والولد قد صُبِّر، وجعل في تابوت خشب ومغشى بالحديد المقزدر وعلق في قبة لا سقف لها لأن تذهب رائحته وحينئذ تسقف القبة ويجعل تابوته ظاهراً على وجه الأرض وتجعل ثيابه عليه وهكذا رأيت غيره أيضا من الملوك فعل ذلك وسلمنا عليه بذلك الموضع وصلينا معه صلاة العيد، وعدنا إلى الزاوية فأخذ الغلام الذي كان لي أفراسنا وتوجه مع غلام لبعض الأصحاب برسم سقيها فأبطأ ثم لما كان العشى لم يظهر لهما أثر، وكان بهذه المدينة الفقيه المدرس الفاضل مصلح الدين فركب معي إلى السطان وأعلمناه بذلك. فبعث في طلبهما فلم يوجدا واشتغل الناس في عيدهم وقصدا مدينة للكفار على ساحل البحر تسمى فوجة على مسيرة يوم من مغنيسية وهؤلاء الكفار في بلد الحصين وهم يبعثون هدية في كل سنة إلى سلطان مغنيسية فيقنع منهم بها لحصانة بلدهم فلما كان بعد الظهر أتى بهما بعض الأتراك وبالأفراس وذكروا أنهما اجتازا بهم عشية النهار فأنكروا أمرهما واشتدوا عليهما حتى أقرا بما عزما عليه من الفرار. ثم سافرنا إلى مغنيسية وبتنا ليلة عند قوم من التركمان قد نزلوا في مرعى لهم ولم نجد عندهم ما نعلف به داوبنا تلك الليلة وبات أصحابنا يحترسون١ مداولة بينهم خوف السرقة فأتت نوبة الفقيه عفيف الدين التوزري فسمعته يقرأ سورة البقرة فقلت له إذا أردت النوم فأعلمني لأنظر من يحرس ثم نمت فما أيقظني إلا الصباح وقد ذهب السراق بفرس لي كان يركبه عفيف الدين بسرجه ولجامه وكان من جياد الخيل اشتريته بآياسُلُوق. ثم رحلنا من الغد فوصلنا إلى مدينة بَرْغمة "وضبط اسمها بباء موحدة مفتوحة وراء مسكنة وغين معجمة مفتوحة وميم مفتوحة" مدينة خربة لها قلعة عظيمة منيعة بأعلى جبل ويقال أن أفلاطون الحكيم من أهل هذه المدينة وداره تشتهر باسمه إلى الآن. ونزلنا منها بزاوية فقير من الأحمدية ثم جاء أحد كبراء المدينة فنقلناه إلى داره وأكرمنا إكراما كثيراً.

стр. 265

خبر سطان برغمة ... خبر سلطان برغمة: وكان سلطانها يسمى يخشي خان وخان بكسر الشين، وخان عندهم هو السلطان

стр. 266

ويخشي "بياء آخر الحروف وخاء معجم وشين مكسور" ومعناه جيد، صادفناه في مصيف له فأعلم بقدومنا فبعث بضيافة وثوب قدسي من برغمة إلى كينوك، ثم اكترينا مريد يدلنا على الطريق وسرنا في جبال شامخة وعرة إلى أن وصلنا إلى مدينة بَلِي كَسْرِي "وضبط اسمها بباء موحدة مفتوحة ولام مكسورة وياء مد وكاف مفتوح وسين مهمل مسكن وراء مسكن وياء" مدينة حسنة كثيرة العمارات مليحة الأسواق، ولا جامع لها يجتمع فيه وأرادوا بناء جامع خارجها متصل بها فبنوا حيطانه ولم يجعلوا له سقفاً وصاروا يصلون به ويجتمعون تحت ظلال الأشجار ونزلنا من هذه المدينة بزاوية الفتى أخي سنان وهو من أفاضلهم وأتى إلينا قاضيها وخطيبها الفقيه موسى.

стр. 267

خبر سلطان بلي كسرى: ويسمى دمور خان ولا خير فيه. أبوه هو الذي بنا هذه المدينة، وكثرت عمارتها بمن لا خير فيه، في مدة ابنه هذا، والناس على دين الملك ورأيته وبعث إلي ثوب حرير. واشتريت بهذه المدينة جارية رومية تسمى مر غليظة، ثم سرنا إلى مدينة بُرْصَا "وضبط اسمها بضم الباء الموحدة وإسكان الراء وفتح الصاد المهمل" مدينة كبيرة عظيمة حسنة الأسواق فسيحة الشوارع تحفها البساتين من جميع جهاتها والعيون الجارية وبخارجها نهر شديد الحرارة يصب في بركة عظيمة وقد بني عليها بيتان: أحدهما للرجال والآخر للنساء، والمرضى يستشفون بهذه الحمة ويأتون إليها من أقاصي البلاد، وهنالك زاوية للواردين ينزلون بها ويطعمون مدة مقامهم وهي ثلاثة أيام. عمر هذه الزاوية أحد ملوك التركمان. ونزلنا في هذه المدينة بزاوية الفتى أخي شمس الدين من كبار الفتيان ووافقنا عنده يوم عاشوراء فصنع طعاماً كثيراً ودعا وجوه العسكر وأهل المدينة ليلاً وأفطروا عنده وقرأ القراء بالأصوات الحسنة وحضر الفقيه الواعظ مجد الدين القونوي ووعظ وذكر وأحسن ثم أخذوا في السماع والرقص وكانت ليلة عظيمة الشأن، وهذا الواعظ من الصالحين يصوم الدهر ولا يفطر إلا في كل ثلاثة أيام ولا يأكل إلا من كد يمينه. ويقال إنه لم يأكل طعام أحد قط ولا منزل له ولا متاع إلا ما يستتر به ولا ينام إلا في المقبرة. ويعظ في المجالس ويذكر فيتوب على يديه في كل مجلس الجماعة من الناس.

стр. 268

وطلبته بعد هذه الليلة فلم أجده وأتيت الجبانة فلم أجده ويقال أنه يأتيها بعد هجوع الناس. ولما حضرنا ليلة عاشوراء بزاوية شمس الدين وعظ بها مجد الدين آخر الليل فصاح أحد الفقراء صيحة غشي عليه منها فصبوا عليه ماء الورد فلم يفق فأعادوا عليه ذلك فلم يفق واختلفت الناس فيه فمن قائل إنه ميت ومن قائل إنه مغشي عليه وأتم الواعظ كلامه وقرأ القراء وصلينا الصبح وطلعت الشمس فاختبروا حال الرجل فوجدوه فارق الدنيا ﵀. فاشتغلوا بغسله وتكفينه وكنت فيمن حضر الصلاة عليه ودفنه وكان هذا الفقير يسمى الصياح وذكروا أنه كان يتعبد بغار هنالك في جبل فمتى علم أن الواعظ مجد الدين يعظ قصده وحضر وعظه ولم يأكل طعام أحد فإذا وعظ مجد الدين يصيح ويغشى عليه ثم يفيق فيتوضأ ويصلي ركعتين ثم إذا سمع الواعظ صاح يفعل ذلك مراراً في الليلة وسمي الصياح لأجل ذلك وكان أعذر اليد والرجل لا قدرة له على الخدمة، وكانت له والدة تقوته من غزلها فلما توفيت اقتات من نبات الأرض. ولقيت بهذه المدينة الشيخ الصالح عبد الله المصري السائح وهو من الصالحين جال الأرض إلا أنه لم يدخل الصين ولا جزيرة سرنديب ولا المغرب ولا الأندلس ولا بلاد السودان وقد زدت عليه بدخول هذه الأقاليم.

стр. 269

خبر سلكان برصا ... خبر سلطان بُرْصا: وكان سلطانها اختيار الدين أُرْخان بك، وأُرخان "بضم الهمزة وخاء معجم" ابن السلطان عثمان١ جوق، "وجوق بجيم معقود مضموم وآخره قاف" وتفسيره بالتركية الصغير وهذا السلطان أكبر ملوك التركمان وأكثرهم مالاً وبلاداً وعسكراً له من الحصون ما يقارب مائة حصن وهو في أكثر أوقاته لا يزال يطوف عليها ويقيم بكل حصن منها أيام لإصلاح شئونه وتفقد حاله ويقال إنه لم يقم قط شهراً كاملاً ويقاتل الكفار ويحاصرهم، ووالده هو الذي استفتح مدينة بُرصا من أيدي الروم، وقبره بمسجدها. وكان مسجدها كنيسة

стр. 270

للنصارى ويذكر أنه حاصر مدينة برتيك نحو عشرين سنة ومات قبل فتحها، فحاصرها ولده هذا الذي ذكرناه اثنتي عشرة سنة وافتتحها وكان بها لقائي له وبعث إلي بدراهم كثيرة، ثم سافرنا إلى مدينة يَزْنيك "وضبط اسمها بفتح الياء آخر الحروف وإسكان الزاي وكسر النون وياء مد وكاف" وبتنا قبل الوصول إليها ليلة بقرية تدعى كَرْلَه بزاوية فتى من الأخية، ثم سرنا من هذه القرية يوماً كاملاً في أنهار ماء على جوانبها أشجار الرمان الحلو والحامض ثم وصلنا إلى بحيرة ماء تنبت القصب على ثمانية أميال من يزنيك لا يستطاع دخولها إلا على طريق واحد مثل الجسر لا يسلك عليها إلا فارس واحد وبذلك امتنعت هذه المدينة والبحيرة محيطة بها من جميع الجهات وهي خاوية على عروشها لا يسكن بها إلا أناس قليلون من خدام السلطان وبها زوجته بيون١ خاتون وهي الحاكمة عليهم امرأة صالحة فاضلة. وعلى المدينة أسوار أربعة بين كل سورين خندق وفيه الماء ويدخل إليها على جسور خشب متى أرادوا رفعها رفعوها. وبداخل المدينة البساتين والدور والأرض والمزارع فلكل إنسان داره ومزرعته وبستانه مجموعة وشربها من آبار بها قريبة وبها من جميع أصناف الفواكه والجوز، والقسطل عندهم كثير جداً رخيص الثمن ويسمون القسطل قسطنة بالنون والجوز القوز بالقاف، وبها العنب العذاري لم أر مثله في سواها متناهي الحلاوة وعظيم الجرم صافي اللون رقيق القشر للحبة منه نواة واحدة. أنزلنا بهذه المدينة الفقيه الإمام الحاج المجاور علاء الدين السلطانيوكي وهو شيخ الفضلاء والكرماء ما جئت قط لزيارته إلا أحضر الطعام وصورته حسنة وسيرته أحسن وتوجه معي إلى الخاتون المذكورة فأكرمت وأضافت وأحسنت. وبعد قدومنا بأيام وصل إلى هذه المدينة السلطان أرخان بك الذي ذكرناه. وأقمت بهذه المدينة نحو أربعين يوماً بسبب مرض فرس لي، فلما طال علي المكث تركته وانصرفت ومعي ثلاثة من أصحابي وجارية وغلامان. وليس معنا من يحسن اللسان التركي ويترجم عنا. وكان معنا ترجمان فارقنا بهذه المدينة. ثم خرجنا منها فبتنا بقرية يقال لها مَكجَا "بفتح الميم والكاف والجيم" بتنا عند فقيه أكرمنا وأضافنا. وسافرنا من عنده وتقدمتنا

стр. 271

امرأة من الترك على فرس ومعها خديم لها، وهي قاصدة مدينة ينجا ونحن في اتباع أثرها فوصلت إلى واد كبير يقال له سقري كأنه نسب إلى سقر أعاذنا الله فذهبت تجوز الوادي فلما توسطته كادت الدابة تغرق بها ورمتها عن ظهرها وأراد الخديم الذي كان معها استخلاصها فذهب الوادي بهما معا وكان في عدوة الوادي قوم رموا بأنفسهم في أثرهما سباحة فأخرجوا المرأة وبها من الحياة رمق ووجدوا الرجل قد قضى نحبه ﵀. وأخبرنا أولئك الناس أن المعديّة أسفل من ذلك الموضع فتوجهنا إليها وهي أربع خشبات مربوطة بالجبال يجعلون عليها سروج الدواب والمتاع ويجذبها الرجال من العدوة الأخرى ويركب عليها الناس وتجاز الدواب سباحة وكذلك فعلنا. ووصلنا تلك الليلة إلى كاوية واسمها على مثال فاعلة من الكي نزلنا منها بزاوية أحد الأخية فكلمناه بالعربية فلم يفهم، وكلمنا بالتركية فلم نفهم عنه، فقال اطلبوا الفقيه فإنه يعرف العربية فأتى الفقيه فكلمنا بالفارسية وكلمناه بالعربية فلم يفهمها منا، فقال للفتى: ايشان عربي كهنا ميقوان ميكو يندو من عربي نو ميدانم، وإيشان معناه هؤلاء وكهنا قديم وميقوان يقولون ومن أنا ونو جديد وميدانم تعرف، وإنما أراد الفقيه بهذا الكلام ستر نفسه عن الفضيحة عندما ظنوا أنه يعرف اللسان العربي فهو لا يعرفه فقال هؤلاء يتكلمون بالعربي القديم وأنا لا أعرف إلا العربي الجديد فظن الفتى أن الأمر على ما قاله الفقيه. ونفعنا ذلك عنده وبالغ في إكرامنا، وقال هؤلاء تجب كرامتهم لأنهم يتكلمون باللسان العربي القديم وهو لسان النبي ﷺ تسليما وأصحابه، ولم نفهم كلام الفقيه إذا ذاك لكنني حفظت لفظه فلما تعلمت اللسان الفارسي فهمت مراده. وبتنا تلك الليلة بالزاوية. وبعث معنا دليلاً إلى ينجا بلدة كبيرة حسنة بحثنا بها عن زاوية الأخي فوجدنا بها أحد الفقراء المولهين فقلت له زاوية الأخي فقال لي: نعم فسررت عند ذلك إذ وجدت من يفهم اللسان العربي. فلما اختبرته أبرز الغيب أنه لا يعرف من اللسان العربي إلا كلمة نعم خاصة. ونزلنا بالزاوية وجاء إلينا أحد الطلبة بطعام ولم يكن الأخي حاضراً وحصل الأنس بهذا الطالب ولم يكن يعرف اللسان العربي ولكنه تفضل وتكلم مع نائب البلدة فأعطاني فارساً من أصحابه، وتوجه معنا إلى كَبْنوك "وضبط

стр. 272

اسمها بفتح الكاف وسكون الباء وضم النون" وهي بلدة صغيرة يسكنها كفار الروم تحت ذمة المسلمين وليس بها غير بيت واحد من المسلمين وهم الحكام عليهم وهي من بلاد أرخان بك فنزلنا بدار عجوز كافرة وذلك أبان الثلج والشتاء فأحسنا إليها وبتنا عندها تلك الليلة، وهذه البلدة لا شجر فيها ولا دوالي العنب ولا يزرع بها إلا الزعفران وأتتنا هذه العجوز بزعفران كثير وظنت أننا تجار نشتريه منها. ولما كان الصباح ركبنا وأتانا الفارس الذي بعثه معنا الفتى أخي من كَبْنوك فبعث معنا فارساً غيره ليوصلنا إلى مدينة مطرني، وقد وقع في تلك الليلة ثلج كثير عفى عن الطريق١ فتقدمنا ذلك الفارس فأتبعنا أثره إلى أن وصلنا في نصف النهار إلى قرية للتركمان فأتوا بطعام فأكلنا منه وكلمهم ذلك الفارس فركب معنا أحدهم وسلك بنا أوعاراً وجبالاً ومجرى ماء تكرر لنا جوازه أزيد من الثلاثين مرة، فلما خلصنا من ذلك قال لنا الفارس أعطوني شيئاً من الدراهم، فقلنا له إذا وصلنا إلى المدينة نعطيك ونرضيك فلم يرض ذلك منا أو لم يفهم عنا فأخذ قوساً لبعض أصحابي ومضى غير بعيد ثم رجع فرد إلينا القوس فأعطيته شيئا من الدراهم فأخذها وهرب عنا وتركنا لا نعرف أين نقصد ولا طريق لنا فكنا نتلمح أثر الطريق تحت الثلج ونسلكه إلى أن بلغنا عند غروب الشمس إلى جبل يظهر الطريق به لكثرة الحجارة فخفت الهلاك علي ومن معي وتوقعت نزول الثلج ليلاً ولا عمارة هنالك فإن نزلنا عن الدواب هلكنا وإن سرينا ليلتنا لا نعرف أين نتوجه. وكان لي فرس من الجياد فعملت على الخلاص وقلت في نفسي إذا سلمت لعلّي أحتال في سلامة أصحابي فكان كذلك واستودعتهم الله تعالى وسرت وأهل تلك البلاد يبنون على القبور بيوتاً من الخشب يظن رائيها أنها عمارة فيجدها قبوراً فظهر لي منها كثير فلما كان بعد العشاء وصلت إلى البيوت فقلت اللهم اجعلها عامرة فوجدتها عامرة ووفقني الله تعالى إلى باب دار فرأيت عليها شيخاً فكلمته بالعربي فكلمني بالتركي وأشار إلي بالدخول فأخبرته بشأن أصحابي فلم يفهم عني وكان من لطف الله أن تلك الدار زاوية للفقراء والواقف بالباب شيخها. فلما سمع الفقراء الذين بداخل الزاوية كلامي

стр. 273

مع الشيخ خرج بعضهم وكانت بيني وبينه معرفة فسلم علي وأخبرته خبر أصحابي وأشرت إليه بأن يمضي مع الفقراء لاستخلاص الأصحاب ففعلوا ذلك وتوجهوا معي إلى أصحابي وجئنا جميعا إلى الزاوية وحمدنا الله تعالى على السلامة، وكانت ليلة جمعة فاجتمع أهل القرية وقطعوا ليلتهم بذكر الله تعالى، وأتى كل منهم بما تيسر له من الطعام وارتفعت المشقة. ورحلنا عند الصباح فوصلنا إلى مدينة مُطرني عند صلاة الجمعة "وضبط اسمها بضم الميم والطاء المهملة وإسكان الراء وكسر النون وياء مد"، فنزلنا بزاوية أحد الفتيان الأخية وبها جماعة من المسافرين ولم نجد مربطاً للدواب فصلينا الجمعة ونحن في قلق لكثرة الثلج والبرد وعدم المربط فلقينا أحد الحجاج من أهلها فسلم علينا وكان يعرف اللسان العربي فسررت برؤيته وطلبت منه أن يدلنا على مرابط للدواب بالكراء فقال أما ربطها في منزل فلا يتأتى لأن أبواب دور هذه البلدة صغار لا تدخل منها الدواب ولكنني أدلكم على سقيفة بالسوق يربط فيها المسافرون دوابهم والذين يأتون لحضور السوق فدلنا عليها وربطنا بها دوابنا ونزل أحد الأصحاب بحانوت خال إزاءها ليحرس الدواب. وكان من غريب ما اتفق لنا أني بعثت أحد الخدام ليشتري التبن للدواب وبعثت أحدهم يشتري السمن، فأتى أحدهما بالتبن، والآخر دون شيء وهو يضحك، فسألناه عن سبب ضحكه فقال: إنا وقفنا على دكان بالسوق فطلبنا منه السمن فأشار إلينا بالوقوف وكلّم والده فدفعنا إليه الدراهم فأبطأ ساعة وأتى بالتبن فأخذناه منه وقلنا له إنا نريد السمن فقال هذا السمن وأبرز الغيب لنا أنهم يقولون للتبن سمن بلسان الترك، أما السمن يسمى عندهم يسمى رباغ، ولما اجتمعنا بهذا الحاج الذي يعرف اللسان العربي رغبنا منه أن يسافر معنا إلى قصطمونية وبينها وبين هذه البلدة عشرة وكسوته ثوباً مصرياً من ثيابي وأعطيته نفقة تركها لعياله وعينت له دابة لركوبه، ووعدته الخير. وسافر معنا وظهر لنا من حاله أنه صاحب مال كثير وله ديون على الناس غير أنه ساقط الهمة خسيس الطبع سيء الأفعال وكنا نعطيه الدراهم لنفقتنا فيأخذ ما يفضل من الخبز ويشتري به الأبزار والخضر والملح ويمسك ثمن ذلك لنفسه. وذكر أنه كان يسرق من دراهم النفقة دون ذلك وكنا نحتمله لما كنا نكابده من عدم المعرفة بلسان الترك وانتهت حاله إلى أن فضحناه وكنا نقول له في آخر النهار

стр. 274

يا حاج كم سرقت اليوم من النفقة؟ فيقول كذا فنضحك منه ونرضى بذلك. ومن أفعاله الخسيسة أنه مات لنا فرس في بعض المنازل فتولى سلخ جلده بيده وباعه. ومنها أننا نزلنا ليلة عند أخت له في بعض القرى فجاءت بطعام وفاكهة من الإجاص والتفاح والمشمش والخوخ كلها ميبسة وتجعل في الماء حتى ترطب فتؤكل ويشرب ماؤه، افأردنا أن نحسن إليها فعلم بذلك فقال: لا تعطوها شيئاً واعطوا ذلك لي، فأعطيناه إرضاء له، وأعطيناها إحساناً في خفية بحيث لم يعلم بذلك. ثم وصلنا إلى مدينة بُولي "وضبط اسمها بباء موحدة مضمومة وكسر اللام" ولما انتهينا إلى قريب منها وجدنا وادياً يظهر في رأي العين صغيراً فلما دخله بعض أصحابنا وجدوه شديد الجرية والانزعاج فجاوزوه جميعاً وبقيت جارية صغيرة خافوا من تجويزها وكان فرسي خيراً من أفراسهم فأردفتها وأخذت في جواز الوادي فلما توسطته وقع بي الفرس ووقعت الجارية فأخرجها أصحابي وبها رمق وخلصت أنا ودخلنا المدينة فقصدنا زاوية أحد الفتيان الأخية ومن عوائدهم أنه لا تزال النار موقوده في زواياهم أيام الشتاء أبداً يجعلون في كل ركن من أركان الزاوية موقد النار ويصنعون لها منافس يصعد منها الدخان ولا يؤذي الزاوية ويسمونها البخاري واحدها بخيري. قال ابن جزي: وقد أحسن صفي الدين عبد العزيز بن سرايا الحلّي في قوله في التورية، وتذكرته بذكر البخيري: إن البخيري مذ فارقتمون غدا ... يحثو الرماد على كانونه الترِبِ لو شِئْتُم أنّه يُمسي أبا لَهَبٍ ... جاءَتْ بغالُكُم حمّالة الحَطَب قال: فلما دخلنا للزاوية وجدنا النار موقودة، فنزعت ثيابي ولبست ثيابا سواها واصطليت بالنار وأتى الأخي بالطعام والفاكهة وأكثر من ذلك. فلله درهم من طائفة! ما أكرم نفوسهم وأشد إيثارهم وأعظم شفقتهم على الغريب وألطفهم بالوارد وأحبهم فيه وأجملهم احتفالاً بأمره. فليس قدوم الإنسان الغريب عليهم إلاّ كقدومه على أحب أهله إليه. وبنتنا تلك الليلة بحال مرضية، ثم رحلنا بالغداة فوصلنا إلى مدينة كَرَدي بُولي "وضبط اسمها بكاف معقود وفتح الراء والدال المهمل وسكون الياء وباء موحدة مضمومة وواو مد ولام مكسورة وياء" وهي مدينة كبيرة في بسيط من الأرض حسنة، متسعة الشوارع والأسواق من أشد البلاد برداً. وهي محلات مفترقة، كل محلة تسكنها طائفة لا يخالطهم

стр. 275

غيرهم. وكان سلطانها شاه بك، من متوسطي سلاطين هذه البلاد، حسن الصورة والسيرة، جميل الخلق، قليل العطاء، صلينا بهذه المدينة صلاة الجمعة ونزلنا منها، ولقيت بها الخطيب الفقيه شمس الدين الدمشقي الحنبلي وهو من مستوطنيها من سنين وله بها أولاد وهو فقيه هذا السلطان وخطيبه ومسموع الكلام عنده ودخل علينا هذا الفقيه بالزاوية فأعلمنا أن السلطان قد جاء لزيارتنا فشكرته على فعله واستقبلت السلطان فسلمت عليه وجلس فسألني عن حالي وعن مقدمي وعمن لقيته من السلاطين فأخبرته بذلك كله وأقام ساعة ثم انصرف وبعث بدابة مسرجة وكسوة، وانصرفنا إلى مدينة بُرْلُو "وضبط اسمها بضم الباء الموحد وإسكان الراء وضم اللام"، وهي مدينة صغيرة على تل تحتها فندق ولها قلعة بأعلى شاهق نزلنا منها بمدرسة، وكان الحاج الذي سافر معنا يعرف مدرسها وطلبتها ويحضر معهم الدرس وهو على علاقة من الطلبة حنفي المذهب، ودعانا أمير هذه البلدة وهو علي بك بن السلطان المكرم سليمان باد شاه ملك قصطمونية، وسنذكره. فصعدنا إليه إلى القلعة فسلمنا عليه فرحب بنا وأكرمنا وسألني عن أسفاري وحالي فأجبته عن ذلك وأجلسني إلى جانبه وحضر قاضيه وكاتبه الحاج علاء الدين محمد وهو من كبار الكتاب وحضر الطعام فأكلنا ثم قرأ القراء بأصوات مبكية وألحان عجيبة، وانصرفنا. وسافرنا بالغد إلى مدينة قَصْطَمُونِيَة "وضبط اسمها بقاف مفتوح، وصاد مهمل مسكن وطاء مهمل مفتوح وميم مضمومة وواو ونون مكسورة وياء آخر الحروف"، وهي أعظم المدن وأحسنها كثيرة الخيرات رخيصة الأسعار نزلنا منها بزاوية شيخ يعرف بالأطروش لثقل سمعه ورأيت منه عجباً وهو أن أحد الطلبة كان يكتب له في الهواء وتارة ف الأرض بأصبعه فيفهم عنه ويجيبه ويحكي له بذلك الحكايات فيفهمها وأقمنا بهذه المدينة نحو أربعين يوماً فكنا نشتري طابق اللحم الغنمي السمين بدرهمين ونشتري خبزاً بدرهمين فيكفينا ليومنا ونحن عشرة ونشتري حلواء العسل بدرهمين فتكفينا أجمعين ونشتري جوزاً بدرهم وقشطلاً بمثله فنأكل منها أجمعون ويفضل باقيها ونشتري حمل الحطب بدرهم واحد وذلك أوان البرد الشديد ولم أر في البلاد مدينة أرخص أسعاراً منها. ولقيت بها الشيخ الإمام العالم المفتي

стр. 276

المدرس تاج الدين السلطانيوكي من كبار العلماء قرأ بالعراقين وتبريز واستوطنها مدة وقرأ بدمشق وجاور بالحرمين قديماً. ولقيت بها العالم المدرس صدر الدين سليمان الفنيكي من أهل فنيكة من بلاد الروم وأضافني بمدرسته التي بسوق الخيل. ولقيت بها الشيخ المعمر الصالح دادا أمير علي فدخلت عليه بزاويته بمقربة من سوق الخيل فوجدته ملقى على ظهره فأجلسه بعض خدامه ورفع بعضهم حاجبيه عن عينيه ففتحهما وكلمني بالعربي الفصيح وقال قدمت خير مقدم، وسألته عن عمره، فقال: كنت من أصحاب الخليفة المستنصر بالله١ وتوفي وأنا ابن ثلاثين سنة وعمره الآن مائة وثلاث وستون سنة فطلبت منه الدعاء فدعا لي وانصرفت.

стр. 277

خبر سلكان قصطمونية ... خبر سلطان قصطمونية: وهو السلطان المكرم سليمان باد شاه "واسمه بباء معقود وألف ودال مسكن"، وهو كبير السن ينيف على سبعين سنة حسن الوجه طويل اللحية صاحب وقار وهيبة يجالسه الفقهاء والصلحاء دخلت عليه بمجلسه فأجلسني إلى جانبه وسألني عن حالي ومقدمي وعن الحرمين الشريفين ومصر والشام فأجبته وأمر بإنزالي على قرب منه وأعطاني ذلك اليوم فرساً عتيقاً قرطاسي اللون وكسوة، وعيّن لي نفقة وعلفاً وأمر لي بعد ذلك بقمح وشعير نفذ لي في قرية من قرى المدينة على مسيرة نصف يوم منها فلم أجد من يشتريه لرخص الأسعار فأعطيته للحاج الذي كان في صحبتنا. ومن عادة هذا السلطان أن يجلس كل يوم بمجلسه بعد صلاة العصر ويؤتى بالطعام فتفتح الأبواب ولا يمنع أحد من حضري أو بدوي أو غريب أو مسافر من الأكل، ويجلس في أول النهار جلوساً خاصاً ويأتي ابنه فيقبل يديه وينصرف المجلس له ويأتي أرباب الدولة فيأكلون عنده وينصرفون. ومن عادته في يوم الجمعة أن يركب إلى

стр. 278

المسجد، وهو بعيد عن داره. والمسجد المذكور هو ثلاث طبقات من الخشب. فيصلي السلطان وأرباب دولته والقاضي والفقهاء، ووجوه الأجناد في الطبقة السفلى ويصلي الأفندي وهو أخو السلطان وأصحابه وخدامه وبعض أهل المدينة في الطبقة الوسطى ويصلي ابن السلطان وولي عهده وهو أصغر أولاده ويسمى الجواد وأصحابه ومماليكه وخدامه وسائر الناس في الطبقة العليا، ويجتمع القراء فيقعدون حلقة أمام المحراب، ويقعد معهم الخطيب والقاضي ويكون السلطان بإزاء المحراب، ويقرءون سورة الكهف بأصوات حسان ويكررون الآيات بترتيب عجيبٍ، فإذا فرغوا من قراءتها صعد الخطيب المنبر فخطب ثم صلى فإذا فرغوا من الصلاة تنفّلوا، وقرأ القاريء بين يدي السلطان عشراً وانصرف السلطان ومن معه، ثم يقرأ القارىء بين يدي ابن السلطان فإذا فرغ من قراءته قام المعرف وهو المذكر فيمدح السلطان بشعر تركي ويمدح ابنه ويدعو لهما وينصرف، ويأتي ابن الملك إلى دار أبيه بعد أن يقبل يد عمه في طريقه وهو واقف في انتظاره، ثم يدخلان إلى السلطان فيتقدم أخوه ويقبل يده ويجلس بين يديه ثم يأتي ابنه فيقبل يده وينصرف إلى مجلسه فيقعد به مع ناسه، فإذا حانت صلاة العصر صلّوها جميعاً وقبل أخو السلطان يده وانصرف عنه فلا يعود إليه إلا في الجمعة الأخرى، وأما الولد فإنه يأتي كل يوم غدوة كما ذكرناه، ثم سافرنا من هذه المدينة، ونزلنا في زاوية عظيمة بإحدى القرى تعد أحسن زاوية رأيتها في تلك البلاد بناها أمير كبير تاب إلى الله تعالى يسمى فخر الدين وجعل النظر فيها لولده والإشراف لمن أقام بالزاوية من الفقراء وفوائد القرية وقف عليها، وبنى بإزاء الزاوية حماماً للسبيل يدخله الوارد والصادر من غير شيء يلزمه، وبنى سوقا بالقرية ووقفه على المسجد الجامع وعيّن من أوقاف هذه الزاوية لكل فقير يرد من الحرمين الشريفين أو من الشام ومصر والعراقين وخراسان وسواها كسوة كاملة ومائة درهم يوم قدومه، وثلاثمائة درهم يوم سفره، والنفقة أيام مقامه وهي الخبز واللحم والأرز المطبوخ بالسمن والحلواء. ولكل فقير من بلاد الروم عشرة دراهم وضيافة ثلاثة أيام، ثم انصرفنا وبتنا ليلة ثانية بزاوية في جبل شامخ لا عمارة فيه عمرها بعضي الفتيان الأخية، ويعرف بنظام الدين من أهل قصطمونية، ووقف عليها قرية ينفق خراجها على الوارد والصادر بهذه الزاوية. وسافرنا من هذه الزاوية إلى مدينة صَنُوب "وضبط اسمها

стр. 279

بفتح الصاد وضم النون وآخره باء"، وهي مدينة حافلة جمعت بين التحصين والتحسين، يحيط بها البحر من جميع جهاتها إلا واحدة وهي جهة الشرق، ولها هنالك باب واحد لا يدخلها أحد إلا بإذن أمير ها، وأمير ها إبراهيم بك ابن السلطان سليمان باد شاه الدي ذكرناه. لما استؤذن لنا عليه دخلنا البلد ونزلنا بزاوية عز الدين أخي جلبي، وهي خارج باب البحر، ومن هنالك يصعد إلى جبل داخل في البحر، كميناء سبته فيه البساتين والمزارع والمياه، وأكثر فواكهه التين والعنب وهو جبل مانع لا يستطاع الصعود إليه وفيه إحدى عشرة قرية يسكنها كفار الروم تحت ذمة المسلمين، وبأعلاه رابطة تنسب للخضر وإلياس ﵉ لا تخلو من متعبد وعندها عين ماء والدعاء فيها مستجاب، وبسفح هذا الجبل قبر الولي الصالح الصحابي بلال الحبشي وعليه زاوية فيها الطعام للوارد والصادر، والمسجد بمدينة صنوب من أحسن المساجد وفي وسطه بركة ماء عليها قبة تقلها أربعة أرجل ومع كل رجل ساريتان من الرخام وفوقها مجلس يصعد له على درج خشب، وذلك من عمارة السلطان بروانة بن السلطان علاء الدين الرومي وكان يصلي الجمعة بأعلى تلك القبة وملك بعده ابنه غازي جلبي فلما مات تغلب عليها السلطان سليمان المذكور وكان غازي جلبي المذكور شجاعاً مقداماً ووهبه الله خاصية في الصبر تحت الماء وفي قوة السباحة وكان يسافر في الأجفان الحربية لحرب الروم فإذا كانت الملاقاة واشتغل الناس بالقتال غاص تحت الماء وبيده آلة حديد يخرق بها أجفان العدو فلا يشعرون بما حل بهم حتى يدهمهم الغرق، وطرقت مرسى بلده مرة جفان العدو فخرقها وأسر من كان فيها، وكانت كفاية لا كفاء لها إلا أنهم يذكرون أنه كان يكثر أكل الحشيش وبسببه مات فإنه خرج يوماً للتصيد وكان مولعاً به فاتبع غزالة ودخلت له بين أشجار وزاد في ركض فرسه فعارضته شجرة فضربت رأسه فشدخته فمات. وتغلب السلطان سليمان على البلد وجعل به ابنه إبراهيم، ويقال إنه أيضا يأكل ما كان يأكله صاحبه على أن أهل بلاد الروم كلها لا ينكرون أكلها. ولقد مررت يوماً على باب الجامع بِصُنوب وبخارجه دكاكين يقعد الناس عليها فرأيت نفراً من كبار الأجناد وبين أيديهم خديم لهم يده شكارة مملوءة بشيء يشبه الحناء، وأحدهم يأخذ منها بملعقة ويأكل وأنا انظر إليه ولا علم لي بما في الشكارة فسألت من كان معي فأخبرني أنه الحشيش. وأضافنا بهذه المدينة قاضيها ونائب الأمير بها ومعلمه ويعرف بابن عبد الرزاق.

стр. 280

ولما دخلنا هذه المدينة رآنا أهلها ونحن نصلي مسبلي أيدينا وهم حنفية لا يعرفون مذهب مالك ولا كيفية صلاته والمختار من مذهبه هو إسبال اليدين وكان بعضهم يرى الروافض بالحجاز والعراق يصلون مسبلي أيديهم فاتهمونا بمذهبهم وسألونا عن ذلك فأخبرناهم أننا على مذهب مالك فلم يقنعوا بذلك عنا واستقرت التهمة في نفوسهم حتى بعث إلينا نائب السلطان بأرنب وأوصى بعض خدامه أن يلازمنا حتى يرى ما نفعل به فذبحناه وطبخناه وأكلناه، وانصرف الخديم إليه وأعلمه بذلك فحينئذ زالت عنا التهمة وبعثوا لنا بالضيافة والروافض لا يأكلون الأرانب. وبعد أربعة أيام من وصولنا صنوب توفيت أم الأمير إبراهيم بها فخرجت في جنازتها وخرج ابنها على قدميه كاشفاً شعره وكذلك الأمراء والمماليك وثيابهم مقلوبة وأما القاضي والخطيب والفقهاء فإنهم قلبوا ثيابهم ولم يكشفوا رؤوسهم جعلوا عليها مناديل من الصوف الأسود عوضا عن العمائم وظلوا يطعمون الطعام أربعين يوماً وهي مدة العزاء عندهم. وكانت إقامتنا بهذه المدينة نحو أربعين يوماً ننتظر تيسير السفر في البحر إلى مدينة القرم فاكترينا مركباً للروم وأقمنا أحد عشر يوماً ننتظر مساعدة الريح ثم ركبنا البحر فلما توسطناه بعد ثلاث هال علينا واشتد بنا الأمر ورأينا الهلاك عياناً وكنت بالطارمة ومعي رجل من أهل المغرب يسمى أبا بكر فأمرته أن يصعد أعلى المركب لينظر كيف البحر ففعل ذلك وأتاني بالطارمة فقال لي: أستودعكم الله، ودهمنا من الهول ما لم يعهد مثله ثم تغيرت الريح وردتنا إلى مقربة من مدينة صنوب التي خرجنا منها وأراد بعض التجار النزول إلى مرساها فمنعت صاحب المركب من إنزاله، ثم استقامت الريح وسافرنا فلما توسطنا البحر هال علينا وجرى لنا مثل المرة الأولى، ثم ساعدت الريح ورأينا جبال البر وقصدنا مرسى يسمى الكرش فأردنا دخوله فأشار إلينا أناس كانوا بالجبل أن لا تدخلوا فخفنا على أنفسنا وظننا أن هنالك أجفاناً للعدو فرجعنا مع البر فلما قربنا قلت لصاحب المركب أريد أن أنزل ها هنا. فأنزلي بالساحل. ورأيت كنيسة فقصدتها فوجدت بها راهباً ورأيت في أحد حيطان الكنيسة صورة رجل عربي عليه عمامة متقلداً سيفا وبيده رمح وبين يديه سراج يوقد، فقلت للراهب: ما هذه الصورة فقال هذه صورة النبي علي، فأعجبت من قوله، وبتنا تلك الليلة بالكنيسة وطبخنا دجاجاً ولم نستطع أكلها إذ

стр. 281

كانت مما استصحبناه معنا في المركب ورائحة البحر قد غلبت على كل ما كان فيه. وهذا الموضع الذي نزلنا به هو من الصحراء المعروفة بدشت قفجق "والدشت بالشين المعجم والتاء المثناة" بلسان الترك هو الصحرا. وهذه الصحراء واسعة قاحلة لا شجر بها ولا جبل ولا تل ولا أبنية ولا حطب وإنما يوقدون الأرواث ويسمونها التزك فترى كبرائهم يلقطونها ويجعلونها في أطراف ثيابهم ولا يسافر في هذه الصحراء إلا في العجل وهي مسيرة ستة أشهر ثلاثة منها في بلاد السلطان محمد أوزبك وثلاثة في بلاد غيره. لما كان الغد من وصولنا إلى هذا المرسى توجه بعض التجار من أصحابنا إلى من بهذه الصحراء من الطائفة المعروفة بقفجق وهم على دين النصرانية فاكترى منهم عجلة يجرها الفرس فركبناها ووصلنا إلى مدينة الكَفَا "واسمها بكاف وفاء مفتوحين"، وهي مدينة عظيمة مستطيلة على ضفة البحر يسكنها النصارى وأكثرهم الجنويون ولهم أمير يعرف بالدندير ونزلنا منها بمسجد المسلمين. ولما نزلنا بهذا الجامع أقمنا منها ساعة ثم سمعنا أصوات النواقيس من كل ناحية ولم أكن سمعتها قط فهالني ذلك وأمرت أصحابي أن يصعدوا الصومعة ويقرأوا القرآن ويذكروا الله ويؤذنوا ففعلوا ذلك فإذا برجل قد دخل علينا وعليه الدرع والسلاح فسلّم علينا واستفهمناه عن شأنه فأخبرنا أنه قاضي المسلمين هنالك وقال: لما سمعت القراءة والأذان خفت عليكم فجئت كما ترون ثم انصرف عنا وما رأينا إلا خيراً. ولما كان الغد جاء إلينا الأمير وصنع طعاماً فأكلناه عنده وطفنا بالمدينة فرأيناها حسنة الأسواق وكلهم كفار ونزلنا إلى مرساها فرأينا مرسى عجيباً به نحو مائتي مركب ما بين حربي وسفري صغيراً وكبيراً وهو من مراسي الدنيا الشهيرة، ثم اكترينا عجلة وسافرنا إلى مدينة القِرَم وهي "بكسر القاف وفتتح الراء" مدينة كبيرة حسنة من بلاد السلطان المعظم محمد أوزبك خان، وعليها أمير من قبله اسمه "تُلُكْتمُورُ "وضبط اسمه بتاء مثناة مضمومة ولام مضمومة وكاف مسكن وتاء كالأولى مضمومة وميم مضمومة وواو وراء"، وكان أحد خدام هذا الأمير قد صحبنا في طريقنا فعرفه بقدومنا فبعث إليّ مع إمامه سعد الدين بفرس ونزلنا بزاوية شيخها زاده الخرساني فأكرمنا هذا الشيخ ورحب بنا وأحسن إلينا وهو معظم عندهم. ورأيت الناس يأتون للسلام عليه

стр. 282

من قاض وخطيب وفقيه وسواهم. وأخبرني هذاالشيخ زاده أن بخارخ هذه المدينة راهباً من النصارى في دير يتعبد ويكثر الصوم وأنه انتهى إلى أن يواصل أربعين يوماً ثم يفطر على حبة فول وأنه يكاشف بالأمور ورغب أن أصحبه في التوجه إليه فأبيت ثم ندمت بعد ذلك على أن لم أكن رأيته وعرفت حقيقة أمره. ولقيت بهذه المدينة قاضيها الأعظم شمس الدين السائل١ قاضي الحنفية ولقيت بها قاضي الشافعية وهو يسمى بخضر والفقيه المدرس علاء الدين الأصي وخطيب الشافعية أبا بكر وهو الذي يخطب بالمسجد الجامع الذي عمره الملك الناصر ﵀ بهذه المدينة والشيخ الحكيم الصالح مظفر الدين وكان من الروم فأسلم وحسن إسلامه والشيخ الصالح العابد مظهر الدين وهو من الفقهاء المعظمين. وكان الأمير تلكتمور مريضاً فدخلنا عليه فأكرمنا وأحسن إلينا. وكان على التوجه إلى مدينة السرا حضرة السلطان محمد أوزبك فعملت في السير في صحبته واشتريت العجلات برسم ذلك. وكانوا يسمون العجلة عربة "بعين مهملة وراء موحدة مفتوحات" وهي عجلات تكون للواحدة منهن أربع بكرات كبار ومنها ما يجره فرسان ومنها مايجره أكثر من ذلك وتجرها أيضاً البقر والجمال على حال العربة في ثقلها أوخفتها والذي يخدم العربة يركب إحدى الأفراس التي تجرها ويكون عليه سرج وفي يده سوط يحركها للمشي وعود كبير يصوبها إذاعاجت عن القصد ويجعل على العربة شبه قبة من قضبان خشب مربوط بعضها إلى بعض بسيور جلد رقيق وهي خفيفة الحمل وتكسى باللبد أو بالملف ويكون فيها طيقان مشبكة ويرى الذي بداخلها الناس ولا يرونه ويتقلب فيها كما يحب وينام ويأكل يقرأ ويكتب وهو في حال سيره والتي تحمل والأثقال والأزواد وخزائن الأطعمة من هذه العربات يكون عليها شبه البيت كما ذكرنا وعليها قفل. وجهزت لما أردت عربة لركوبي مغشاة باللبد ومعي بها جارية وعربة صغيرة لرفيقي عفيف الدين التوزري وعجلة كبيرة لسائر الأصحاب يجرها ثلاثة من الجمال أحدهما خادم العربة وسرنا في صحبة الأمير تلكتمور وأخيه عيسى وولده قطلود مور وصارر بك، وسار أيضا معه في هذه

стр. 283

الوجهة إمامه سعد الدين والخطيب أبو بكر والقاضي شمس الدين والفقيه شرف الدين موسى، والمعرف علاء الدين. وخطة هذا المعرف أن يكون بين يدي الأمير في مجلسه. فإذا أتى القاضي يقف له هذا المعرف ويقول بصوت عال. بسم الله سيدنا ومولانا قاضي القضاة والحكام مبين الفتاوي والأحكام بسم الله. وإذا أتى فقيه معظم أو رجل مشار إليه قال بسم الله سيدنا ومولانا فلان الدين بسم الله. فتهيأ من كان حاضراً لدخول الداخل ويقوم إليه ويفسح له في المجلس وعادة الأتراك أن يسيروا في هذه الصحراء سيراً كسير الحجاج في درب الحجاز ويرحلون بعد صلاة الصبح وينزلون ضحى ويرحلون بعد صلاة الظهر وينزلون عشياً وإذا حلُّوا الخيل والإبل والبقر عن العربات سرّحوها للرعي ليلاً ونهاراً. ولا يعلف أحد دابة السلطان ولا غيره وخاصية هذه الصحراء أن نباتها يقوم مقام الشعير للدواب وليس لغيرها من البلاد هذه الخاصية ولذلك كثرت الدواب بها ودوابهم لا رعاة لها ولا حراس وذلك لشدة أحكامهم في السرقة وحكمهم فيها أنه من وجد عنده فرس مسروق كلف أن يرده إلى صاحبه ويعطيه معه تسعة مثله فإن لم يقدر على ذلك أخذ أولاده في ذلك فإن لم يكن له أولاد ذبح كما تذبح الشاة. وهؤلاء الأتراك لا يأكلون الخبز ولا الطعام الغليظ وإنما يصنعون طعاما من شيء شبه الآتلي يسمونه الدوقي "بدال مهمل مضموم وواو وقاف مكسور معقود" يجعلون على النار الماء فإذا غلي صبوا عليه شيئا من الدوقي وإن كان عندهم لحم قطعوه قطعاً صغارا وطبخوه ثم يجعل لكل رجل نصيبه في صحفة ويصبون عليه اللبن الرائب ويشربونه ويشربون عليه لبن الخل وهم يسمونه القِمِزّ "بكسر القاف والميم والزاي المشددة" وهم أهل قوة وشدة وحسن مزاج يستعملون في بعض الأوقات طعاماً يسمونه البورخاني، وهو عجين يقطعونه قطيعات صغارا ويثقبون أوساطها ويجعلونها في قدرة فإذا طبخت صبوا عليها اللبن الرائب وشربوها ولهم نبيذ يصنعونه من حب الدُوقِي الذي تقدم ذكره وهم يرون أكل الحلواء عيباً. ولقد حضرت يوما عند السلطان أوزبك في رمضان، فأحضرت لحوم الخيل وهي أكثر ما يأكلون من اللحم ولحوم الأغنام والرشتا وهو شبه الأطرية يطبخ ويشرب باللبن وأتيته تلك الليلة بطبق حلواء صنعها بعض أصحابي

стр. 284

فقدمتها بين يديه، فجعل إصبعه عليها وجعله على فيه ولم يزد على ذلك وأخبرني الأمير تلكتمور أن أحد الكبار من مماليك هذا السلطان وله من أولاده وأولاد أولاده نحو أربعين ولداً قال له السلطان يوماً كل الحلواء وأعتقكم جميعاً فأبى وقال لو قتلتني ما أكلتها. ولما خرجنا من مدينة القرم نزلنا بزاوية الأمير تلكتمور في موضع يعرف بسجاف. فبعث إلي أن أحضره عنده. فركبت إليه وكان لي فرس معد لركوبي يقوده خديم العربة فإذا أردت ركوبه ركبته وأتيت الزاوية فوجدت الأمير قد وضع بها طعاماً كثيراً فيه الخبز ثم أتوا بماء أبيض في صحاف صغار فشرب القوم منه وكان الشيخ مظفر الدين يلي الأمير في مجلسه وأنا أليه فقلت له ما هذا فقال هذا ماء الدهن فلم أفهم ما قال فذقته فوجدت له حموضة فتركته فلما خرجت سألت عنه فقال هو نبيذ يصنعونه من الدوقي وهم حنفية المذهب والنبيذ عندهم حلال ويسمون هذا النبيذ المصنوع من الدوقي البُوزة "بضم الباء الموحدة وواو مد وزاي مفتوح" وإنما قال الشيخ مظفر الدين ماء الدخن ولسانه فيه اللكنة الأعجمية فظننت أنه يقول ماء الدهن. وبعد مسيرة ثمانية عشر منزلاً من مدينة القرم، وصلنا إلى ماء كثير نخوضه يوماً كاملاً وإذا كثر خوض الدواب والعربات في هذا الماء اشتد وحله وزاد صعوبة. فذهب الأمير إلى راحلتي وقدمني أمامه مع بعض خدامه وكتب لي كتاباً إلى أمير أزاق يعلمه أني أريد القدوم على الملك ويحضه على إكرامي. وسرنا حتى انتهينا إلى ماء أخر نخوضه نصف يوم. ثم سرنا بعده ثلاثاً ووصلنا إلى مدينة أَزَاق "وضبط اسمها بفتح الهمزة والزاي وآخره قاف"، وهي على ساحل البحر حسنة العمارة، يقصدها الجنويون وغيرهم بالتجارات. وبها من الفتيان أخي بجقجي وهو من العظماء يطعم الوارد والصادر ولما وصل كتاب الأمير تلكتمور إلى أزاق وهو محمد خواجة الخوارزمي خرج إلى استقبالي ومعه القاضي والطلبة وأخرج الطعام فلما سلمنا عليه نزل بموضع أكلنا فيه ووصلنا المدينة ونزلنا بخارجها بمقربة من رابطة هنالك تنسب للخضر وإلياس ﵉. وخرج شيخ من أهل أَزَاق يسمى برجب النهر ملكي نسبة إلى قرية بالعراق فأضافنا بزاوية له ضيافة حسنة. وبعد يومين من قدومنا قدم الأمير تلكتمور، وخرج الأمير محمد

стр. 285

للقائه، ومعه القاضي والطلبة وأعدوا له الضيافة وضربوا ثلاث قباب متصلا بعضها ببعض إحداها من الحرير عجيبة والثنتان من الكتان وأداروا عليها سراجة وهي المسماة عندنا أفراج وخارجها الدهليز وهو على هيئة البرج عندنا. ولما نزل الأمير بسطت بين يديه شقاق الحرير يمشي عليها فكان من مكارمه وفضله أن قدمني أمامه ليرى ذلك الأمير منزلتي عنده، ثم وصلنا إلى الخباء الأولى وهي المعدة لجلوسه وفي صدرها كرسي من الخشب لجلوسه كبير مرصع وعليه مرتبة حسنة فقدمني الأمير أمامه وقدم الشيخ مظفر الدين وصعد هو فجلس فيما بيننا ونحن جميعا على المرتبة وجلس قاضيه وخطيبه وقاضي هذه المدينة وطلبتها عن يسار الكرسي على فرش فاخرة ووقف ولدا الأمير تلكتمور وأخوه الأمير محمد وأولاده في الخدمة ثم أتوا بالأطعمة من لحوم الخيل وسواها وأتوا بألبان الخيل ثم أتوا بالبوزة وبعد الفراغ من الطعام قرأ القراء بالأصوات الحسان ثم نصب منبر وصعده الواعظ وجلس القراء بين يديه وخطب خطبة بليغة ودعا للسلطان وللأمير وللحاضرين يقول ذلك بالعربي ثم يفسره لهم بالتركي وفي أثناء ذلك يكرر القراء آيات من القرآن بترجيع عجيبٍ ثم أخذوا في الغناء يغنون بالعربي ويسمونه القول ثم بالفارسي يسمونه الملمع، ثم أتوا بطعام آخر، ولم يزالوا على ذلك إلى العشي وكلما أردت الخروج منعني الأمير ثم جاءوا بكسوة للأمير وكساوي لولديه وأخيه والشيخ مظفر الدين ولي وأتوا بعشرة أفراس للأمير ولأخيه ولولديه بستة أفراس ولكل كبير من أصحابه بفرس ولي بفرس. والخيل بهذه البلاد كثيرة جدا وثمنها نزر قيمة الجيد منها خمسون درهماً أو ستون من دراهمهم وذلك صرف دينار من دنانيرنا أو نحوه، وهذه الخيل هي التي تعرف بمصر بالأكاديش ومنها معاشهم وهي ببلادهم كالغنم ببلادنا بل أكثر فيكون للتركي منهم آلاف منها. ومن عادة الترك المستوطنين تلك البلاد أصحاب الخيل أنهم يضعون في العربات التي تركب فيها نساؤهم قطعة لبد في طول الشبر مربوطة إلى عود رقيق في طول الذراع في ركن العربة ويجعل لكل ألف فرس قطعة. ورأيت منهم من يكون له عشر قطع ومن له دون ذلك وتحمل هذه الخيل إلى بلاد الهند فيكون في الرفقة منها ستة آلاف وما فوقها وما دونها، لكل تاجر المائة
следующие страницы →