← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12010

روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان

ابن قدامة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

ولنا: أن الوصف الطردي بمفرده لا يصلح للتعليل به في موضع، فلا يجوز التعليل به مع غيره، كما لو كان خاليًا عن الطرد والتأثير. وهذا صحيح؛ فإن ما ليس أثر إذا كان مفردًا لا يؤثر بغيره، كالفاسق في الشهادة١. وإن احترز٢ عن النقض بشرط ذكَرَه في الحكم، مثل أن يقول:

стр. 1017

"حرّان مكلفان محقونا الدم، فوجب أن يثبت بينهما القصاص في العمد كالمسلمين": فقيل: هذا اعتراف بالنقض؛ لأن علته: الأوصاف المذكورة أولًا، فيجب أن يثبت حكمها حيث وجدت: فإذا قال، في العمد: اعترف بتخلف حكمها في الخطإ، فتكون العلة قاصرة، ويجب أن يذكر العمد، إن كان وصفًا من العلة مع الأوصاف المتقدمة. وقال آخرون: هو صحيح؛ لأن الوصف المذكور آخرًا وهو العمد متقدم في المعنى، وهذا جائز، كتقديم المفعول على الفاعل، وإن كان متأخرًا في اللفظ، فإن للعمد أثرًا في القصاص، فيجب أن يكون من جملة العلة، واختاره أبو الخطاب. الوجه الثامن -في الاعتراض- القلب. ومعناه: أن يذكر لدليل المستدل حكمًا ينافي حكم المستدل، مع تبقية الأصل والوصف بحالهما١. وهو قسمان: أحدهما: أن يبين أنه يدل على مذهبه. مثاله: أن يعلل حنفي -في الاعتكاف بغير صوم- بأنه لبث محض، فلا يكون قربة بمفرده، كالوقوف بعرفة. فيقول المعترض: لبث محض، فلا يعتبر الصوم في كونه قربة، كالوقوف بعرفة٢.

стр. 1018

القسم الثاني: أن يتعرض لبطلان مذهب خصمه. كما لو قال حنفي، في مسح الرأس: ممسوح في الطهارة، فلا يجب استيعابه كالخف. فيقول خصمه: ممسوح في الطهارة، فلا يتقدر بالربع كالخف. أو يقول، في بيع الغائب: عقد معاوضة فينعقد مع جهل العوض كالنكاح. فيقول خصمه: فلا يعتبر فيه خيار الرؤية كالنكاح١. فيلزم من الوفاء بموجب ذلك: امتناع التصحيح؛ فإنه لازم لذلك في مذهب الخصم، ويلزم من انتفاء اللازم: انتفاء الملزوم لا محالة٢.

стр. 1019

[الفرق بين القلب والمعارضة] والقلب نوع من المعارضة، لكنه يزيد على مطلق المعارضة بكونه يعارضه بعين١ المذكور، فيستغنى عن مؤن كثيرة يحتاج إليها في المعارضة: من الأصل، وبيان الجامع. ويجيب عن هذا السؤال بما يجيب به عن المعارضة، إلا أنه يسقط منه: منع وجود الوصف٢.

стр. 1020

الوجه التاسع -من السؤال- المعارضة ١: وهو قسمان: معارضة في الأصل. ومعارضة في الفرع. وأحسنهما: المعارضة في الأصل؛ لأنه لا يحتاج إلى ذكر غير صلاحية ما يذكره، ولا يحتاج إلى أصل. وفي المعارضة في الفرع يحتاج إلى ذكر صلاحية ما يذكره للتعليل، وأصل يشهد له، ثم ينقلب مستدلًا، والمستدل معترضًا عليه. ومعنى المعارضة في الأصل: أن يبين في الأصل الذي قاس عليه المستدل معنى يقتضي الحكم٢.

стр. 1021

فقد قال قوم١: إنه لا يحتاج المستدل إلى حذفه؛ لأنه لو انفرد ما ذكره صح التعليل به. وإنما صح، لصلاحيته، لا لعدم غيره، إذ العدم ليس من جملة العلة، وصلاحيته لا تختلف٢. ولأن معنى العلة: أنه إذا وجدت: ثبت الحكم عقبه، فعند ذلك لا تتحقق المعارضة بين الوصفين إذا أمكن الجمع، بأن قال: إذا وجد كل واحد منهما: ثبت الحكم. فإن بين المعترض أن الوصف الذي ذكره يناسب إثبات الحكم عند وجود ما ذكره المستدل، فيكون من قبيل المانع في الفرع٣. والصحيح: أن المستدل يلزمه حذف ما ذكره المعترض، إذ المناسب العرى عن شهادة الأصل غير معمول به.

стр. 1022

فإذا استند إلى أصل ثبت الحكم على وقفه. فالناظر المجتهد ليس له العمل به ما لم يبحث، بحيث يستفيد ظنًّا غالبًا أنه ليس ثم مناسب آخر. وأما المناظر: فيكفيه مجرد تقرير المناسبة، وإثبات الحكم على وفقه، دفعًا لشغب الخصم، إلى أن يبين المعترض في الأصل مناسبًا آخر، فعند ذلك يتعارض احتمالات ثلاثة: أحدها: أن يثبت الحكم؛ رعاية لما ذكره المستدل. "واحتمال ثبوته، رعاية لما ذكره المعترض"١ واحتمال ثبوته، رعاية لهما جميعًا. ولعل هذا الاحتمال أظهر، فإنه لو قدر ثبوت الحكم لأحدهما بعينه: كان إعراضًا عن اعتبار الآخر، وهو خلاف دأب الشارع؛ فإنه لا يزال يسعى في اعتبار المصالح، ويمتنع التعليل بكل واحد من المناسبين استقلالًا، فإن معنى تعليل الحكم بالمناسب: ثبوته لمصلحته لا غير، أي: هي كافية. فعند ذلك: يمتنع مثل هذا القول بالنسبة إلى الآخر، لما بينهما من

стр. 1023

التضاد، فإنا إذا قلنا: لهذا لا غير: فقد نفينا ما عداه. فإذا قلنا: ثبت لهذا الثاني لا غير: كان هذا القول على نقيض الأول. ولا يمكن تعليل الحكم بواحد بعينه بدون ضميمة قولنا: لا غير، فإن هذا موجود بالنسبة إلى كل واحد من أجزاء العلة، والعلة: المجموع، لا كل جزء بمفرده. وإن فسرت العلة بأنها أمارة، فمتى عرف ثبوت الحكم بشيء: استحال معرفة ثبوته، بغيره، إذ المعلوم لا يعلم ثانيًا. وبيان أن الاحتمال الثالث أظهر: أن لو رأينا إنسانًا أعطى فقيرًا ذا قربة له: غلب على الظن: أنه أعطاه لهما جميعا. ثم لا حاجة للمعترض إلى ترجيح احتمال، بل يكفيه تعارض الاحتمالات، فيحتاج المستدل إلى دليل ترجيح ما يذكره، فإنه لا أقل من الدليل المظنون في إثبات الغرض. ثم غرض المعترض يحصل بأحد الاحتمالين. احتمال ثبوت الحكم بمجرد ما ذكره واحتمال ثبوته بالمناسبين جميعًا. وغرض المستدل لا يحصل إلا من احتمال ثبوت الحكم بمجرد ما ذكره، ووجود أحد الاحتمالين لا بعينه أقرب من احتمال واحد متعين في نفسه، إذا تساوت الاحتمالات.

стр. 1024

[طرق الجواب في المعارضة] وللمستدل -في الجواب- طرق أربعة: أحدها: أن يبين أن مثل ذلك الحكم ثابت١ بدون ما ذكره المعترض، فيدل على استقلال ما ذكره المستدل بالحكم. فإن بين المعترض في الأصل الآخر مناسبًا آخر: لزم المستدل أيضًا حذفه. ولا يكفيه أن يقول: كل واحد من المناسبين ملغي بالأصل الآخر، لجواز أن يكون الحكم في كل أصل معللًا بعلة مختصة به، فإن العكس غير لازم في العلل الشرعية. الطريق الثاني: أن يبين إلغاء ما ذكره المعترض في جنس الحكم المختلف فيه، كظهور إلغاء صفة الذكورية في جنس أحكام العتق. ولذلك ألحقنا الأمة بالعبد في السراية٢.

стр. 1025

الطريق الثالث: أن يبين أن العلة ثابتة بنص، أو تنبيه من الشارع، على ما ذكرناه فيما تقدم١. الطريق الرابع: يختص ما يدعي المعترض فيه أن ما ذكره علة مستقلة بدون ضمه إلى ما ذكره المستدل. وهو أن يبين رجحان ما ذكره على ما أبرزه المعترض. فإن ظهر ذلك، إما بدليل، وإما بتسليم المعترض: لزم أن يكون هو العلة، إذا توافقنا على كون الحكم معللًا بأحدهما، كالكيل مع الطعم، لامتناع اعتبار المرجوح وإلغاء الراجح؛ فإن تحصيل المصلحة على وجه يفوت مصلحة أعظم منها: ليس من شأن العقلاء، فلا يمكن نسبته إلى الشارع. إذا ثبت هذا: فإذا كان ما ذكره المستدل مناسبًا فلا يكفي المعترض أن يذكر وصفًا شبيهًا؛ لأن المناسب أقوى، على ما لا يخفى. القسم الثاني: في المعارضة: المعارضة في الفرع. وهو: أن يذكر في الفرع ما يمتنع معه ثبوت الحكم وهو ضربان: أحدهما: أن يعارضه بدليل آكد منه، من نص أو إجماع٢.

стр. 1026

وقد ذكرناه في فساد الاعتبار. الثاني: أن يعارضه بإبداء وصف في الفرع. وقد يذكر في معرض كونه مانعًا للحكم في الفرعللسببية. فإن ذكر مانعًا للحكم: احتاج في إثبات كونه مانعًا إلى مثل طريق المستدل في إثبات حكمه، من العلة والأصل. ويفتقر إلى أن تكون علة المعترض في القوة كعلة المستدل، إن كان طريق المستدل النص أو التنبيه، فلا يكفي المعترض: المعارضة بوصف مخيل١. وإن كان طريقه المناسبة: فلا يكفي المعترض المعارضة بوصف شبهي. وإن ادّعى كونه مانعًا للسببية: فقد قيل: لا يحتاج إلى أصل، فإن الحكم ثبت للحكمة، وقد علمنا انتفاءها. وإن بقي احتمال الحكمة، -ولو على بعد: لم يضر المستدل، لما عرف من دأب الشارع الاكتفاء -بعد المظنة- باحتمال الحكمة، وإن بعد، فيحتاج إلى أصل يشهد له بالاعتبار، ليبين به أن الشارع لا يكتفي بما وجد من احتمال الحكمة معه. وفي المعارضة في الفرع ينقلب المستدل معترضًا فيعترض على دليل المعترض بما أمكنه من الأسئلة التي ذكرناها.

стр. 1027

وقال قوم: لا تقبل المعارضة؛ لأن حق المعترض هدم ما بناه المستدل، وذكر المعارضة بناء، فلا يليق بحاله١. والصحيح: أنها تقبل؛ إذ فيه هدم ما بناه؛ فإن دليل المستدل إذا صار معارضًا: لم تبق دلالته؛ إذ المعارض له حكم العدم في إثبات الحكم. الوجه العاشر في السؤال: عدم التأثير٢. ومعناه: أن يذكر في الدليل ما يستغنى عنه في إثبات الحكم في الأصل: إما لأن الحكم يثبت بدونه. وإما لكونه وصفًا طرديًّا٣. مثال الأول: ما لو قال، في بيع الغائب: "مبيع لم يره فلا يصح بيعه، كالطير في الهواء". فذكر عدم الرؤية ضائع٤؛ فإن الحكم يثبت في الأصل بدونه، فإنه

стр. 1028

لا يصح بيع الطير في الهواء، ولو كان مرئيًّا، فيعلم: أن العلة فيه غير ما ذكره المستدل. ومثال الثاني: قولهم، في الصبح: صلاة لا يجوز قصرها، فلا يجوز تقديمها على الوقت كالمغرب١. فإن هذا وصف طردي، على ما لا يخفى. وإن ذكر الوصف لدفع النقض، لكونه يشير إلى خلو الفرع عن المانع، أو إلى اشتماله على شرط الحكم، فلا يكون من هذا القسم. وهكذا لو كان الوصف المذكور يشير إلى اختصاص الدليل ببعض صور الخلاف، فيكون مفيدًا للغرض في بعض الصور، فيكون مقبولًا، إذا لم تكن الفتيا عامة. وإن عمم الفتيا: فليس له أن يخص الدليل ببعض الصور؛ لأنه لا يفي بالدليل على ما أفتى به٢. والله أعلم.

стр. 1029

الوجه الحادي عشر -في السؤال- التركيب: وهو: القياس المركب من اختلاف مذهب الخصم١: كما لو قيل، في المرأة البالغة: "إنها أنثى فلا تزوج نفسها كابنة خمس عشرة" فالخصم يعتقد أنها لا تزوج نفسها؛ لصِغرها. فقد قيل: هذا قياس فاسد؛ لأنه فرار عن فقه المسألة برد الكلام إلى مقدار سن البلوغ، وهي مسألة أخرى، وليس ذلك بأولى من عكسه. وقيل: يصح التمسك به؛ لأن حاصل السؤال راجع إلى المنازعة في

стр. 1030

الأصل، وإبطال ما يدعى المعترض تعليل الحكم به، ليسلم ما يدعيه من الجامع في الأصل. ولا يلزم من ذلك: فساد القياس، كما في سائر المواضع. الوجه الثاني عشر- في السؤال: القول بالموجَب ١. وحقيقته: تسليم ما جعله المستدل موجبًا لدليله، مع بقاء الخلاف وإذا توجه: انقطع المستدل. وهو آخر الأسئلة، إذ بعد تسليم الحكم والعلة لا تجوز له المنازعة في واحد منهما. بل: إما أن يصح، فينقطع المستدل. وإما أن يفسد، فينقطع المعترض. ومورد ذلك موضعان٢: أحدهما: أن ينصب الدليل فيما يعتقده مأخذًا للخصم. كما لو قال- في القتل بالمثقل: "التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في المتوسل إليه"٣.

стр. 1031

فيقول المعترض: أنا قائل بموجب الدليل، والتفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القتل، ولا يلزم القصاص؛ فإنه لا يلزم من عدم المانع ثبوت الحكم. وهذا النوع يتفق كثيرًا. وطريق المستدل في دفعه: أن يبين لزوم محل النزاع منه إن قدر عليه١. أو يبين أن الخلاف مقصود فيما يعرض له في الدليل. كما في مسألة "المدين"٢ لو ذكر في الدليل حكمًا: أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة. أو في مسألة "وطء الثيب": أن الوطء لا يمنع الرد. ونحو ذلك مما اشتهرت المسألة به، فإن اشتهار المسألة به يدل على وقوع الخلاف فيه٣.

стр. 1032

أو يقول: عن هذا الحكم سئلت، وبه أفتيت، وعن دليله سئلت، فالقول بموجبه تسليم لما وقع التنازع بيننا فيه. [هل يكلف المعترض إبداء مستند القول بالموجب] . واختلف في تكليف المعترض إبداء مستند القول بالموجب. فقيل: يلزمه ذلك؛ كيلا يأتي به نكرًا وعنادًا. ومنهم من قال: لا يلزمه ذلك؛ فإنه إذا سلم ما ذكره المستدل، وعرف أنه لا يلزم منه الحكم: فقد وفّى بما هو حقيقة القول بالموجب، وبقي الخلاف بحاله، فيتبين أن ما ذكره ليس بدليل١. المورد الثاني: أن يتعرض [المستدل] لحكم يمكن المعترض تسليمه مع بقاء الخلاف. مثاله: لو قال- في وجوب زكاة الخيل: "حيوان تجوز المسابقة عليه، فتجب الزكاة فيه كالإبل".

стр. 1033

فيقول المعترض: "أنا قائل بموجبه"، وعندي: "أنه تجب فيه زكاة التجارة، والنزاع في زكاة العين". وطرق المستدل في الدفع أن يقول: النزاع في زكاة العين، وقد عرّفنا الزكاة بالألف واللام في سياق الكلام، فينصرف إلى موضع الخلاف ومحل الفتيا. ولو أورد "القول بالموجب" على وجه بغير الكلام عن ظاهره: فلا يتوجه، فيكون منقطعًا١. مثاله: ما لو قال المستدل- في إزالة النجاسة: "مائع لا يرفع الحدث، فلا يزيل النجس كالمرق". فيقول المعترض: "أقول به، فإن الخل النجس عندي لا يزيل النجاسة ولا الحدث" فلا يصح ذلك، فإنه يعلم من حال المستدل: أنه يعني بقوله: "مائع": الخل الطاهر؛ إذ هو محل النزاع، واللفظ يتناوله ٢، والله سبحانه أعلم.

стр. 1034

[أسئلة أخرى ترد على القياس] وقد يعترض على القياس بغير ما ذكرناه: كقول نفاة القياس: هذا استعمال للقياس في الدين، ولا نسلم أنه حجة١. وقول الحنفية: هذا استعمال للقياس في الحدود والكفارات أو في "المظانّ"٢، ونحو ذلك مما بينا مسائله فيما مضى، وذكرنا حجة خصومنا، والجواب عنها، فلا حاجة إلى إعادته٣. وقد اختلف في وجوب ترتيب الأسئلة. ولا خلاف في أنه أحسن وأولى. والله أعلم.

стр. 1035

باب: [كتاب الاجتهاد] فصل: في حكم المجتهد اعلم أن الاجتهاد في اللغة: بذل المجهود، واستفراغ الوسع في فعل١. ولا يستعمل إلا فيما فيه جهد، يقال: اجتهد في حمل الرحى، ولا يقال: اجتهد في حمل خردلة. وهو في عرف الفقهاء: مخصوص ببذل المجهود في العلم بأحكام الشرع٢.

стр. 1036

والاجتهاد التام: أن يبذل الوسع في الطلب إلى أن يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب١.

стр. 1037

فصل: [شروط المجتهد] . وشروط المجتهد: إحاطته بمدارك الأحكام المثمرة لها، وهي: الأصول التي فصلناها: الكتاب والسنة، والإجماع، واستصحاب الحال، والقياس التابع لها، وما يعتبر في الحكم في الجملة، وتقديم ما يجب تقديمه منها. فأما العدالة: فليست شرطًا لكونه مجتهدًا، بل متى كان عالًما بما ذكرناه: فله أن يأخذ باجتهاد نفسه، لكنها شرط لجواز الاعتماد على قوله، فمن ليس عدلًا لا تقبل فتياه. والواجب عليه في معرفة الكتاب: معرفة ما يتعلق منه بالأحكام وهي: قدر خمسمائة آيةٍ٢. ولا يشترط حفظها، بل علمه بمواقعها حتى يطلب الآية المحتاج إليها وقت حاجته.

стр. 1038

والمشترط في معرفة السنة: معرفة أحاديث الأحكام، وهي وإن كانت كثيرة فهي محصورة١. ولا بد من معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، ويكفيه أن يعرف أن المستدل به في هذه الحادثة غير منسوخ٢. ويحتاج أن يعرف الحديث الذي يعتمد عليه فيها أنه صحيح غير ضعيف، إما بمعرفة رواته وعدالتهم، وإما بأخذه من الكتب الصحيحة

стр. 1039

التي ارتضى الأئمة رواتها١. وأما الإجماع: فيحتاج إلى معرفة مواقعه، ويكفيه أن يعرف أن المسألة التي يفتي فيها هل هي من المجمع عليه، أم من المختلف فيهن أم هي حادثة؟ ويعلم استصحاب الحال على ما ذكرناه في بابه. ويحتاج إلى معرفة نصب الأدلة وشروطها٢ ومعرفة شيء من النحو واللغة، يتيسر به فهم خطاب العرب، وهو: ما يميز به بين صريح الكلام، وظاهره، ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه.

стр. 1040

ولا يلزمه من ذلك: إلا القدر الذي يتعلق به الكتاب والسنة، ويستولي به على مواقع الخطاب، ودرك دقائق المقاصد فيه. فأما تفاريع الفقه: فلا حاجة إليها؛ لأنها مما ولَّدها المجتهدون بعد حيازة منصب الاجتهاد، فكيف يكون شرطًا لما تقدم وجوده عليها؟! ١ [تجزؤ الاجتهاد] فليس من شرط الاجتهاد في مسألة: بلوغ رتبة الاجتهاد في جميع المسائل، بل متى علم أدلة المسألة الواحدة، وطرق النظر فيها: فهو مجتهد فيها، وإن جهل حكم غيرها. فمن نظر في مسألة "المشرّكة"٢: يكفيه أن يكون فقيه النفس عارفًا بالفرائض: أصولها ومعانيها، وإن جهل الأخبار الواردة في تحريم المسكرات، والنكاح بلا ولي؛ إذ لا استمداد لنظر هذه المسألة منها، فلا تضر الغفلة عنها٣. ولا يضره- أيضًا- قصوره عن علم "النحو" الذي يعرفه به قوله

стр. 1041

-تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ وقس عليه كل مسألة. ألا ترى أن الصحابة- ﵃ والأئمة من بعدهم قد كانوا يتوقفون في مسائل. وسئل مالك عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين: "لا أدري"٢. ولم يكن توَقُّفُه في تلك المسائل مخرجًا له عن درجة الاجتهاد. والله أعلم.

стр. 1042

فصل: مسألة: [في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمن النبي ﷺ -] ... مسألة: [في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمن النبي ﷺ ] ويجوز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمن النبي ﷺ -للغائب. فأما الحاضر: فيجوز له ذلك بإذن النبي ﷺ . وأكثر الشافعية يجوزون ذلك بغير اشتراط.

стр. 1043

وأنكر قوم التعبد بالقياس في زمن النبي ﷺ ؛ لأنه يمكن الحكم بالوحي الصريح، فكيف يردهم إلى الظن؟ وقال آخرون: يجوز للغائب، ولا يجوز للحاضر١. ولنا: قصة معاذ حين قال: "أجتهد رأيي": فصوّبه٢. وقال لعمرو بن العاص٣: "احكم" في بعض القضايا، فقال: "أجتهد وأنت حاضر؟! " فقال: "نعم، إن أصبت فلك أجران، وإن أخطأت فلك أجر" ٤.

стр. 1044

وقال لعقبة بن عامر١ ولرجل من الصحابة: "اجتهد فإن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما حسنة" ٣. وفوض الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ٤، فحكم، وصوّبه النبي ﷺ .

стр. 1045

ولأنه ليس في التعبد به استحالة في ذاته، ولا يفضي إلى محال، ولا مفسدة. ولا يبعد أن يعلم الله – تعالى- لطفًا فيه يقتضي أن يناط به صلاح العباد بتعبدهم بالاجتهاد، لعلمه أنه لو نصَّ لهم على قاطع: لعصوا، كما ردّهم في قاعدة الربا إلى الاستنباط من الأعيان الستة، مع إمكان التنصيص على كل مكيل وموزون، أو مطعوم. وكان الصحابة- ﵃ – يروي بعضهم عن بعض، مع إمكان مراجعة النبي ﷺ . كيف ورسول الله ﷺ -قد تُعُبِّد بالقضاء بالشهود والحكم بالظاهر، حتى قال: "إنكم لتختصمون إليَّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي على نحو ما أسمع" ١؟!. وكان يمكن نزول الوحي بالحق الصريح في كل واقعة. وإمكان النص لا يجعل النص موجودًا. والله- أعلم.

стр. 1046

فصل: [في تعبد النبي ﷺ -بالاجتهاد] ويجوز أن يكون النبي ﷺ متعبَّدًا بالاجتهاد فيما لا نص فيه وأنكر ذلك قوم؛ لأنه قادر على استكشاف الحكم بالوحي الصريح.

стр. 1047

ولأن قوله نص قاطع، والظن يتطرق إليه احتمال الخطأ، فهما متضادان١. ولنا: أنه ليس بمحال في ذاته، ولا يفضي إلى محال ولا مفسدة. ولأن الاجتهاد طريق لأمته، وقد ذكرنا أنه يشاركهم فيما ثبت لهم من الأحكام٢. وقولهم: "هو قادر على الاستكشاف". قلنا: فإذا استكشف: فقيل له: حكمنا عليك أن تجتهد، فهل له أن ينازع الله – تعالى – فيه؟!

стр. 1048

وقولهم: "إن قوله نص". قلناك إذا قيل له: ظنك علامة الحكمن فهو يستيقن الظن والحكم جميعا، فلا يحتمل الخطأ. ومنع هذا "القدرية"١ وقالوا: إن وافق الصلاح في البعض، فيمتنع أن يوافق الجميع. وهو باطل؛ لأنه لا يبعد أن يلقي الله – تعالى- في اجتهاد رسوله ما فيه صلاح عباده. وأما وقوع ذلك: فاختلف أصحابنا فيه. واختلف أصحاب الشافعي فيه أيضًا. وأنكره أكثر المتكلمين٢: لقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ . ولأنه لو كان مأمورًا به لأجاب عن كل واقعة، ولما انتظر الوحي، ولنقل ذلك واستفاض. ولأنه كان يختلف اجتهاده فيتهم بسبب تغيُّر الرأي٤.

стр. 1049

ولنا: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ١. وهو عام. ولأنه عوتب في أساري بدر، ولو حكم بالنص: لما عوتب٢. ولما قال- في مكة: "لا يُخْتَلى خَلَالها" قال العباس٣: إلا الإذخر. فقال: "إلّا الإذخَرَ" ٤. ولما سئل عن الحج: ألعامنا هو أم للأبد؟ فقال: للأبد، ولو قلت لعامنا لوجب"٥.

стр. 1050

ولما نزل ببدر للحرب قال له الحباب١: إن كان بوحي: فسمعًا وطاعة، وإن كان باجتهاد: فليس هذا هو الرأي. قال: "بل باجتهاد" ورحل٢. ولما أراد صلح الأحزاب على شطر نخل في المدينة، وكتب بعض الكتاب ذلك، جاء سعد بن معاذ٣، وسعد بن عبادة٤، فقالا له: مثل مقالة الحباب، قال: "بل هو رأي رأيته لكم". فقالا: ليس ذاك برأي، فرجع إلى قولهما، ونقض رأيه٥.

стр. 1051

ولأن داود وسليمان ﵉ حكَما بالاجتهاد، بدليل قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ . ولو حكما بالنص: لم يخص سليمان بالتفهيم، ولو لم يكن الحكم بالاجتهاد جائزًا، لما مدحهما الله – تعالى- بقوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ . وأما انتظار الوحي٢: فلعله حيث لم ينقدح له اجتهاد، أو حكم لا يدخله الاجتهاد. وأما الاستفاضة: فلعله لم يطلع عليه الناس٣. وأما التهمة بتغير الرأي: فلا تعويل عليه؛ فقد اتهم بسبب النسخ ولم يبطله ٤.

стр. 1052

وعورض بأنه لو لم يتعبد بالاجتهاد: لفاته ثواب المجتهدين١.

стр. 1053

فصل: [في خطأ المجتهد وإصابته] الحق في قول واحد من المجتهدين، ومن عداه مخطئ، سواء كان في فروع الدين، أو أصوله٢. لكنه إن كان في فروع الدين، مما ليس فيه دليل قاطع -من نص أو إجماع- فهو معذور غير آثم، وله أجر على اجتهاده. وبه قال بعض الحنفية والشافعية.

стр. 1054

وقال بعض المتكلمين: كل مجتهد "في الظنيات" مصيب، وليس على الحق دليل مطلوب. واختلف فيه عن أبي حنيفة والشافعي. وزعم بعض من يرى تصويب كل مجتهد: أن دليل هذه المسألة قطعي٢. وفَرَضَ ٣ الكلام في طرفين. أحدهما: مسألة فيها نص فينظر: فإن كان مقدورًا عليه، فقصّر المجتهد- في طلبه: فهو مخطئ آثم؛ لتقصيره. وإن لم يكن مقدورًا عليه لبعد المسافة، وتأخير المبلّغ: فليس بحكم في حقه. بدليل أن الله- تعالى- لما أمر جبريل أن يخبر محمدًا ﷺ بتحويل القبلة إلى الكعبة، فصلَّى قبل إخبار جبريل إياه لم يكن مخطئًا٤. ولما بُلِّغ النبي ﷺ -وأهل قباء يصلون إلى بيت المقدس لم

стр. 1055

يبلغهم: لم يكونوا مخطئين. ولو بلغ أهل قباء فاستمر أهل مكة على الصلاة إلى أن بلغهم: لم يكونوا مخطئين. وإذا ثبت هذا فيما فيه نصُّ: ففيما لا نصَّ فيه أولى. ولا يخلو: إما أن تكون الإصابة ممكنة، أو محالًا. ولا تكليف بالمحال. ومن أمر بممكن، فتركه، أثم وعصى؛ إذ يستحيل أن يكون مأمورًا ولم يعص ولم يأثم بالمخالفة؛ لمناقضة ذلك للإيجاب. وزعم: أن هذا تقسيم قاطع يرفع الخلاف مع كل مصنف. ثم قال١: الظنيات لا دليل فيها؛ فإن الأمارات الظنية ليست أدلة لأعيانها، بل تختلف بالإضافات من دليل يفيد الظن لزيد، ولا يفيده لعمرو، مع إحاطته به. بل ربما يفيد الظن لشخص واحد في حالة دون حالة. بل قد يقوم في حق شخص واحد في حالة واحدة دليلان متعارضان، ولا يتصور في القطعية تعارض. ولذلك ذهب أبو بكر الصديق – ﵁ إلى التسوية في العطاء، وعمر إلى التفضيل٢، وكل واحد منهما كشف لصاحبه دليله وأطلعه عليه، فغلب على ظن كل واحد منهما ما صار إليه، وكان مغلّبًا
следующие страницы →