ولأن داود وسليمان ﵉ حكَما بالاجتهاد، بدليل قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ . ولو حكما بالنص: لم يخص سليمان بالتفهيم، ولو لم يكن الحكم بالاجتهاد جائزًا، لما مدحهما الله – تعالى- بقوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ .
وأما انتظار الوحي٢:
فلعله حيث لم ينقدح له اجتهاد، أو حكم لا يدخله الاجتهاد.
وأما الاستفاضة:
فلعله لم يطلع عليه الناس٣.
وأما التهمة بتغير الرأي:
فلا تعويل عليه؛ فقد اتهم بسبب النسخ ولم يبطله ٤.
стр. 1052
وعورض بأنه لو لم يتعبد بالاجتهاد: لفاته ثواب المجتهدين١.
стр. 1053
فصل: [في خطأ المجتهد وإصابته]
الحق في قول واحد من المجتهدين، ومن عداه مخطئ، سواء كان في فروع الدين، أو أصوله٢.
لكنه إن كان في فروع الدين، مما ليس فيه دليل قاطع -من نص أو إجماع- فهو معذور غير آثم، وله أجر على اجتهاده.
وبه قال بعض الحنفية والشافعية.
стр. 1054
وقال بعض المتكلمين: كل مجتهد "في الظنيات" مصيب، وليس على الحق دليل مطلوب.
واختلف فيه عن أبي حنيفة والشافعي.
وزعم بعض من يرى تصويب كل مجتهد: أن دليل هذه المسألة قطعي٢.
وفَرَضَ ٣ الكلام في طرفين.
أحدهما: مسألة فيها نص فينظر:
فإن كان مقدورًا عليه، فقصّر المجتهد- في طلبه: فهو مخطئ آثم؛ لتقصيره.
وإن لم يكن مقدورًا عليه لبعد المسافة، وتأخير المبلّغ: فليس بحكم في حقه.
بدليل أن الله- تعالى- لما أمر جبريل أن يخبر محمدًا ﷺ بتحويل القبلة إلى الكعبة، فصلَّى قبل إخبار جبريل إياه لم يكن مخطئًا٤.
ولما بُلِّغ النبي ﷺ -وأهل قباء يصلون إلى بيت المقدس لم
стр. 1055
يبلغهم: لم يكونوا مخطئين.
ولو بلغ أهل قباء فاستمر أهل مكة على الصلاة إلى أن بلغهم: لم يكونوا مخطئين.
وإذا ثبت هذا فيما فيه نصُّ: ففيما لا نصَّ فيه أولى.
ولا يخلو: إما أن تكون الإصابة ممكنة، أو محالًا. ولا تكليف بالمحال. ومن أمر بممكن، فتركه، أثم وعصى؛ إذ يستحيل أن يكون مأمورًا ولم يعص ولم يأثم بالمخالفة؛ لمناقضة ذلك للإيجاب.
وزعم: أن هذا تقسيم قاطع يرفع الخلاف مع كل مصنف.
ثم قال١: الظنيات لا دليل فيها؛ فإن الأمارات الظنية ليست أدلة لأعيانها، بل تختلف بالإضافات من دليل يفيد الظن لزيد، ولا يفيده لعمرو، مع إحاطته به.
بل ربما يفيد الظن لشخص واحد في حالة دون حالة.
بل قد يقوم في حق شخص واحد في حالة واحدة دليلان متعارضان، ولا يتصور في القطعية تعارض.
ولذلك ذهب أبو بكر الصديق – ﵁ إلى التسوية في العطاء، وعمر إلى التفضيل٢، وكل واحد منهما كشف لصاحبه دليله وأطلعه عليه، فغلب على ظن كل واحد منهما ما صار إليه، وكان مغلّبًا
стр. 1056
على ظنه دون صاحبه؛ لاختلاف أحوالهما.
فمن خُلِقَ خِلْقَتُهما١ يميل ميلهما، ويصير إلى ما صارا إليه في الاختلاف، ولكن اختلاف الأخلاق والأحوال والممارسة يوجب اختلاف الظنون.
فمن مارس الكلام: ناسب طبعه أنواعًا من الأدلة يتحرك بها ظنه، لا يناسب ذلك طبع من مارس الفقه.
ومن غلب عليه الغضب: مالت نفسه إلى ما فيه "شهامة وانتقام"٢.
ومن رقَّ طبعه: مال إلى الرفق والمساهلة.
بخلاف أدلة العقول؛ فإنها لا تختلف.
وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الإثم غير محطوط في الفروع٣، بل فيها حقّ معين٤ عليه دليل قاطع؛ لأن العقل قاطع بالنفي الأصلي، إلا ما استثناه دليل سمعي قاطع.
وإنما استقام لهم هذا؛ لإنكارهم القياس وخبر الواحد.
وبما أنكروا الحكم بالعموم والظاهر٥.
وزعم الجاحظ٦: أن مخالف ملة الإسلام إذا نظر، فعجز عن درك الحقِّ: فهو معذور غير آثم.
стр. 1057
وقال عبيد الله بن الحسن العنبري١: كل مجتهد مصيب في الأصول والفروع جميعًا.
وهذه كلها أقاويل باطلة.
أما الذي ذهب إليه الجاحظ:
فباطل يقينًا، وكفر بالله- تعالى- وردٌّ عليه وعلى رسوله ﷺ -النبي ﷺ فإنا نعلم – قطعًا – أن النبي ﷺ -أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتِّباعه، وذمهم على إصرارهم.
ونقاتل جميعهم، ونقتل البالغ منهم.
ونعلم: أن المعاند العارف مما يقل، وإنما الأكثر مقلدة، اعتقدوا دين آبائهم تقليدًا، ولم يعرفوا معجزة الرسول وصدقه.
والآيات الدالّة في القرآن على هذا كثيرة:
كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٢، ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ٤، ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ ٥، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
стр. 1058
مُهْتَدُونَ﴾ ١، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِه ِ ... ﴾ ٢.
وفي الجملة: ذم المكذبين لرسول الله ﷺ -مما لا ينحصر في الكتاب والسنة.
وقول العنبري: "كل مجتهد مصيب".
إن أراد: أنهم لم يؤمروا إلا بما هم عليه: فهو كقول الجاحظ.
وإن أراد: أن ما اعتقده فهو على اعتقاده: فمحال؛ إذ كيف يكون قِدَمُ العالم وحدوثه حقًّا، وتصديق الرسول وتكذيبه، ووجود الشيء ونفيه وهذه أمور ذاتية، لا تتبع الاعتقاد، بل الاعتقاد يتبعها؟!.
فهذا شر من مذهب الجاحظ، بل شر من مذهب السوفسطائية٣:
فإنهم نفوا حقائق الأشياء، وهذا أثبتها، وجعلها تابعة للمعتقدات.
وقد قيل: إنما أراد٤ اختلاف المسلمين.
وهو٥ باطل كيفما كان؛ إذ كيف يكون القرآن قديمًا مخلوقًا، والرؤية محالًا ممكنًا وهذا محالٌ؟! ٦.
стр. 1059
والدليل على أن الحق في جهة واحدة١: الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعنى٢.
أما الكتاب:
فقول الله – تعالى- ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ٣.
فلو استويا في إصابة الحكم: لم يكن لتخصيص سليمان بالفهم معنى. وهو يدلُّ على فساد مذهب من قال: "الإثم غير محطوط عن المخطئ"، فإن الله- تعالى- مدح كلا منهما وأثنى عليه بقوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ٤.
فإن قيل: فيكف يجوز أن ينسب الخطأ إلى داود وهو نبيٌّ؟! ومن أين
стр. 1060
لكم أنه حكم باجتهاده، وقد علمتم الاختلاف في جواز ذلك١؟!.
ثم لو كان مخطئًا: كيف يمدح المخطئ وهو يستحق الذم؟!
ثم يحتمل: أنهما كانا مصيبين فنزل الوحي بموافقة أحدهما
قلنا:
يجوز وقوع الخطأ منهم، لكن لا يقرّون عليه، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى.
وإذا تُصُوِّر وقوع الصغائر منهم: فكيف يمتنع وجود خطأ لا مأثمَ فيه، وصاحبه مثاب مأجور؟!
ولولا ذلك: ما عوتب نبينا- ﵇ – على الحكم في أسارى بدر، ولا في الإذن في التخلف عن غزوة تبوك فقال- تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ....﴾ ٢.
وقال النبي ﷺ : "إنكم لتختصمون إليَّ، ولعلّ بعضَكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعضٍ، وإنما أقضي على نحو ما أسمعُ، فمن قضيت له بشيء من حقِّ أخيه فلا يأخذْهُ؛ فإنما أقْطعُ له قطعةً من النار" ٣.
فبين أنه يقضي للرجل بشيء من حقِّ أخيه.
قولهم: "من أين لكم أنه حكم بالاجتهاد؟! "
قلنا:
الآية دليل عليه؛ فإنه لو حكم بنص: لما اختصَّ سليمان بالفهم دونه.
стр. 1061
وقولهم: "إن النص نزل بموافقة سليمان".
قلنا:
لو كان ما حكم به داود – ﵇ صوابًا وهو الحق، فتغير الحكم بنزول النص: لا يمنع أن يكون فهمهما وقت الحكم، ولا يوجب اختصاص "سليمان" بالإصابة، كما لو تغير بالنسخ.
وأما السنة:
فما تقدم من الخبر، فإن النبي ﷺ -أخبر بأنه يقضي للإنسان بحق أخيه.
ولو كان يأثم بذلك: لم يفعله النبي ﷺ .
ولو كان ما قضي به هو الحكم عند الله – تعالى- لما قال: "قضيت له بشيء من حق أخيه" ولا قال: "إنما أقطع له قطعة من النار".
ولأن الحكم عند الله تعالى- لا يختلف باختلاف لحن١ المتخاصمين، أو تساويهما.
وروي أن النبي ﷺ كان إذا بعث جيشًا أوصاهم فقال: "إذا حاصرتم حصنًا أو مدينة، فطلبوا منكم أن تنزلوهم على حكم الله فلا تنزلوهم على حكم الله؛ فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم" ٢.
стр. 1062
وروى ابن عمر وعمرو بن العاص وأبو هريرة، وغيرهم: أن النبي ﷺ قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر".
هذا لفظ رواية عمرو. أخرجه مسلم١.
وهو حديث تلقته الأمة بالقبول.
وهو صريح في: أنه يحكم باجتهاده فيخطئ ويؤجر دون أجر المصيب.
فإن قيل: المراد به: أنه أخطأ مطلوبه، دون ما كلّفه، كخطأ الحاكم، ردّ المال إلى مستحقيه٢، مع إصابته حكم الله عليه، وهو اتباع موجب ظنه. وخطأ المجتهد جهة القبلة مع أن فرضه جهة يظن أن مطلوبه فيها. وهذا يتحقق في كل مسألة فيها نص، أو اجتهاد يتعلق بتحقيق المناط، كأروش الجنايات، وقدر كفاية القريب؛ فإن فيها حقيقة معينة عند الله، وإن لم يكلف المجتهد طلبها٣.
قلنا:
فإذا سلم هذا: ارتفع النزاع، فإننا لا نقول: إن المجتهد يُكلَّف إصابة الحكم، وإنما لكل مسألة حكم معين يعلمه الله، كلف المجتهد طلبه، فإن اجتهد فأصابه فله أجران، وإن أخطأه فله أجر على اجتهاده،
стр. 1063
وهو مخطئ، وإثم الخطأ محطوط عنه.
كما في مسألة القبلة؛" فإن المصيب لجهة الكعبة عند اختلاف المجتهدين واحد، ومن عداه مخطئ يقينًا، يمكن أن يبين له خطأه، فيلزمه إعادة الصلاة عند قوم، ولا يلزمه عند آخرين، لا لكونه مصيبًا لها، بل سقط عنه التوجه إليها، لعجزه عنها.
وهكذا كون حق زيد عند عمرو، إذا اختلف فيه مجتهدان، فالمصيب أحدهما، والآخر مخطئ؛ إذ لا يمكن كون ذمة عمرو مشغولة بريئة.
وتخصيص ذلك بما فيه نص خلاف موجب العموم، وهو باطل- أيضًا- فإن القياس [في] معنى النص، ونحن نتعرف بالبحث المعني الذي قصده النبي ﷺ فهو كالنص.
وأما الإجماع:
فإن الصحابة- ﵃ – اشتهر عنهم في وقائع لا تحصى: إطلاق الخطأ على المجتهدين.
من ذلك: قول أبي بكر- ﵁: في الكلالة: "أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان"١.
وعن ابن مسعود في قصة "برْوع" مثل ذلك٢.
وقال عمر – ﵁ لكاتبه: "اكتب: هذا ما رآه عمر، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمن عمر"٣.
стр. 1064
وقال- في قضية قضاها: "والله، ما يدري عمر أصاب أم أخطأ" ذكره الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد١ عن أبيه.
وقال علي لعمر- في المرأة التي أرسل إليها فأجهضت ذا بطنها، وقد استشار عثمان وعبد الرحمن، فقالا: "لا شيء عليك، إنما أنت مؤدب"- فقال علي: "إن يكونا قد اجتهدا: فقد أخطآ، وإن يكونا ما اجتهد فقد غشّاك، عليك الدية". فرجع عمر إلى رأيه٢.
وقال علي- في إحراق الخوارج٣:
стр. 1065
لقد عثرت عثرة لا تنجبر ... سوف أليسُ١ بعدها أو أستمر
.............................. ... وأجمع الرأي الشتيت المنتشر٢
وقال ابن عباس: "ألا يتقي الله زيد؛ يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا"٣.
وقال: "من شاء باهلته في العول"٤.
وقالت عائشة: "أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ -إلا أن يتوب"٥.
وهذا اتفاق منهم على أن المجتهد يخطئ.
فإن قيل٦: لعلهم نسبوا الخطأ إليه، لتقصيره في النظر، أو لكونه من غير أهل الاجتهاد.
стр. 1066
أو يكون القائل لذلك يذهب مذهب من يرى التخطئة١.
قلنا:
أما الأول: فجهل قبيح، وخطأ صريح، كيف يستحل مسلم: أن "أن يقول: إن"٢ الخلفاء الراشدين، والأئمة المجتهدين ومن سمينا معهم من البحر: ابن عباس، والأمين: عبد الرحمن بن عوف، وفقيه الصحابة وأفرضهم وقارئهم: زيد بن ثابت ليسوا من أهل الاجتهاد؟!
وإذا لم يكونوا من أهل الاجتهاد: فمن الذي يبلغ درجتهم؟!
ولا يكاد يتجاسر على هذا القول من له في الإسلام نصيب.
ونسبته لهم -أنهم قصّروا في الاجتهاد- إساءة ظنٍّ بهم، مع تصريحهم بخلافه، فإن عليًّا ﵁ قال: "إن يكونا قد اجتهدا فقد أخطآ" وتوقف ابن مسعود في قصة "برْوع" شهرًا. وهذا في القبح قريب من الذي قبله؛ لكونه نسب هؤلاء الأئمة إلى الحكم بالجهل والهوى، وارتكاب ما لا يحل، ليصحح به قوله الفاسد، فلا ينبغي أن يلتفت إلى هذا.
وقولهم: "يذهب مذهب من يرى التخطئة".
فكذلك هو، لكن هو إجماع منهم، فلا تحل مخالفته.
وأما المعنى: فوجوه:
أحدها: أن مذهب من يقول بالتصويب٣ محالٌ في نفسه؛ لأنه
стр. 1067
يؤدي إلى الجمع بين النقيضين، وهو: أن يكون يسير النبيذ حرامًا حلالًا، والنكاح بلا وليٍّ صحيحًا فاسدًا، ودم المسلم- إذا قتل الذمي- مهدرًا معصومًا، وذمة المحيل- إذا امتنع المحتال من قبول الحوالة على المليء- بريئة مشغولة؛ إذ ليس في المسألة حكم معين.
وقول كل واحد من المجتهدين حقٌّ وصواب مع تنافيهما.
قال بعض أهل العلم: هذا المذهب أوَّله سفسطة، وآخره زندقة؛ لأنه في الابتداء: يجعل الشيء ونقيضه حقًّا، وبالآخرة يخير المجتهدين بين النقيضين عند تعارض الدليلين، ويختار من المذاهب أطيبها.
قالوا: لا يستحيل كون الشيء حلالًا وحرامًا في حقّ شخصين، والحكم ليس وصفًا للعين.
فلا يتناقض أن يحل لزيد ما حرم على عمرو، كالمنكوحة، حلال لزوجها، حرام على غيره، وهذا ظاهر.
بل لا يمتنع في حق شخص واحد مع اختلاف الأحوال كالصلاة واجبة في حق المحدث، إذا ظن أنه متطهر، حرام إذا علم بحدثه.
وركوب البحر: مباح لمن غلب على ظنه السلامة، حرام على الجبان الذي يغلب على ظنه العطب١.
والجواب٢:
أنه يؤدي إلى الجمع بين النقيضين في حق شخص واحد؛ فإن المجتهد لا يَقْصُرُ الحكم على نفسه، بل يحكم بأن يسير النبيذ حرام على كل واحد، والآخر يقضي بإباحته في حق الكل.
стр. 1068
فكيف يكون حرامًا على الكل، مباحًا لهم؟!
أم كيف تكون المنكوحة بلا وليٍّ مباحة لزوجها، حرامًا عليه؟!
ثم لو لم يكن محالًا في نفسه، لكنه يؤدي إلى المحال في بعض الصور: فإنه إذا تعارض عند المجتهد دليلان، فيتخير بين الشيء ونقيضه.
ولو نكح مجتهد امرأة بلا وليٍّ، ثم نكحها آخر يرى بطلان الأول، فكيف تكون مباحة للزوجين؟
المسلك الثاني١:
لو كان كل مجتهد مصيبًا: جاز لكل واحد من المجتهدين في القبلة أن يقتدي كل واحد منهما بصاحبه؛ لأن كل واحد منهما مصيب، وصلاته صحيحة، فلِمَ لا يقتدي بمن صلاته صحيحة في نفسه؟! ٢
ثم يجب أن يُطوى بساط المناظرات في الفروع، لكون كل واحد منهم مصيبًا لا فائدة في نقله عن ما هو عليه، ولا تعريفه ما عليه خصمه.
المسلك الثالث:
أن المجتهد يكلف الاجتهاد بلا خلاف، والاجتهاد: طلب يستدعي مطلوبًا لا محالة، فإن لم يكن للحادثة حكم: فما الذي يطلب؟ فمن يعلم – يقينًا- أن زيدًا ليس بجاهل ولا عالم، هل يتصور أن يطلب الظن بعلمه؟!
ومن يعتقد أن النبيذ ليس بحلال ولا حرام، كيف يطلب أحدهما؟! فإن قالوا: إن المجتهد لا يطلب حكم الله – تعالى- بل إنما يطلب غلبة
стр. 1069
الظن، فيكون حكمه، ما غلب على ظنه.
كمن يريد ركوب البحر فقيل له: إن غلب على ظنك الهلاك: حرم عليك الركوب، وإن غلب على ظنك السلامة: أُبِيْحَ لك الركوب، وقبل الظن لا حكم لله – تعالى- عليك سوى اجتهادك في تتبع ظنك.
فالحكم يتجدد١ بالظن، ويوجد بعده.
ولو شهد عند قاض شاهدان، فحكم الله – تعالى – عليه يترتب عليه ظنه:
إن غلب عليه الصدق: وجب قبوله.
وإن غلب على ظنه الكذب: لم يجب قبوله.
قلنا:
قولهم: "إنما يطلب غلبة٢ الظن".
فالظن- أيضًا- لا يكون إلا لشيء مظنون، ومن يقطع بانتفاء الحكم كيف يتصور أن يظن وجوده؟!؛ فإن الظن لا يتصور إلا لموجود، والموجود يتتبع الظن، فيؤدي إلى الدور.
وراكب البحر لا يطلب الحكم، إنما يطلب تعرّف الهلاك أو السلامة، وهذا أمر يمكن تعرّفه.
والحاكم إنما يطلب الصدق أو الكذب، وهذا غير الحكم الذي يلزمه، بخلاف ما نحن فيه؛ فإن المطلوب: هو الحكم الذي يعلم أنه لا وجود له، فكيف يتصور طلبه له؟!
ثم إذا علمنا أنه لا حكم لله- تعالى- في الحادثة، فلِمَ يجب الاجتهاد؟!
стр. 1070
فإننا إذا علمنا بالعقل قبل ورود الشرع: انتفاء الواجبات، وسقوط الحرج عن الحركات والسكنات، فيجب أن يطلق في الأشياء من غير اجتهاد، والعامِّي الذي لا اجتهاد له لا يؤاخذ على فعل من الأفعال؛ فإن الحكم إنما يحدث بالاجتهاد، وهو لا اجتهاد له، فلا حكم عليه إذًا، ولا خطاب في حقه، وهذا فاحش.
وقولهم: "إن النص إذا لم يقدر عليه المجتهد لا يكون حكمًا في حقه": ممنوع، بل الحكم بنزول النص إلى الخلق، بلغهم أو لم يبلغهم.
فلو وقف الحكم على سماع الخطاب، وبلوغ النص: لم يكن على العامّي حكم في أكثر المسائل؛ لكونه لم يبلغه النص، ولكان المجتهد إذا امتنع من الاجتهاد لا حكم عليه لتلك الحادثة، ولا يجب عليه قضاء ما ترك من العبادات والواجبات، ولا يكون مخطئًا إلا بترك الاجتهاد لا غير.
أما النص إذا نزل به "جبريل" فقد قال أبو الخطاب: يكون نسخًا، وإن لم يعلم به المنسوخ عنه١.
وإنما اعتدّ أهل قباء بما مضى من صلاتهم؛ لأن القبلة يعذر فيها بالعذر٢.
جواب ثانٍ:
أن هذا فرض في مسألة لا يتوهم أن لها دليلًا يطلب، وإنما الخطأ فيما نصب الله – تعالى- عليه دليلًا، وأوجب على المكلف طلبه، ثم يحتاج إلى بيان تصور ذلك، وإمكان خلو بعض المسائل من الدليل، وهو باطل؛ إذ لا خلاف في وجوب الاجتهاد في الحادثة، وتعرّف حكمها،
стр. 1071
والشرع قد نصب عليها: إما دليلًا قاطعًا، أو ظنيًّا.
قولهم: "إن الأدلة الظنية ليست أدلة لأعيانها بدليل: اختلاف الإضافات".
قلنا:
هذا باطل، فإنّا قد بينّا في كل مسألة دليلًا، وذكرنا وجه دلالته. ولو لم يكن فيها أدلة: لاستوى١ المجتهد والعامّي.
ولجاز للعامّي الحكم بظنه، لمساواته المجتهد في عدم الدليل.
وهل الفرق بينهما إلا معرفة الأدلة، ونظره في صحيحها وسقيمها٢؟!
ونبوّ٣ بعض الطباع عن قبول الدليل لا يخرجه عن دلالته؛ فإن كثيرًا من العقليات يختلف فيها الناس مع اعتقادهم أنها قاطعة.
ولا ينكر أن منها ما تضعف دلالته، ويخفى وجهه، ويوجد معارض له، فتشتبه على المجتهد، وتختلف فيه الآراء.
ومنها: ما يظهر ويتبين خطأ مخالفيه، وكلها أدلة.
стр. 1072
ولأن الظن إذا لم يكن دليلًا: فبِمَ عرفتم أنه ليس بدليل١؟
ويلزم من انتفاء ذلك: انتفاء الدليل على أنه ليس بدليل!.
وقولهم: "إنه لا يخلو إما أن يكون مكلفًا بممكن، أو بغير ممكن".
قلنا:
لا يكلف إلا ما يمكن.
ولا نقول: إنه يكلف الإصابة في محل التعذر، بل يكلف طلب الصواب، والحكم بالحق الذي هو حكم الله.
فإن أصابه: فله أجر اجتهاده، وأجر إصابته.
وإن أخطأ: فله ثواب اجتهاده، والخطأ محطوط عنه. والله – تعالى- أعلم.
стр. 1073
فصل: [في تعارض الأدلة]
إذا تعارض دليلان عند المجتهد، ولم يترجح أحدهما: وجب عليه التوقف، ولم يكن له الحكم بأحدهما، ولا التخيير فيهما.
وبه قال أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية.
وقال بعضهم وبعض الحنفية: يكون المجتهد مخيرًا في الأخذ بأيهما شاء؛ لأنه لا يخلو:
إما أن يعمل بالدليلين
أو يسقطهما.
стр. 1074
أو يتحكم بتعيين أحدهما.
أو يتخير فيهما.
لا سبيل إلى الجمع بينهما، عملًا وإسقاطًا؛ لأنه متناقض، ولا إلى التوقف إلى غير غاية، فإن فيه تعطيلًا، وربما لم يقبل الحكم التأخير.
ولا سبيل إلى التحكم.
لم يبق إلا التخيير، والتخيير بين الحكمين مما ورد به الشرع في العامّي، إذا أفتاه مجتهدان، وفي خصال الكفارة١، والتوجه إلى أي جدران الكعبة شاء لمن دخلها.
والتخيير في زكاة مائتين من الإبل بين الحقاق وبنات اللبون ٢. وأمثال ذلك.
فإن قلتم: التخيير بين التحريم ونقيضه، والإيجاب وعكسه، يرفع التحريم والإيجاب.
قلنا:
إنما يناقض الإيجاب: جواز الترك مطلقًا، أما جوازه بشرط فلا،
стр. 1075
بدليل الواجب الموسع، يجوز تركه بشرط١.
والركعتان الأخيرتان في الرباعية من المسافر، يجوز تركهما بشرط قصد القصر. كذا هاهنا: يجوز ترك الواجب بشرط قصد الدليل المسقط له.
وإذا سمع قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ ٢: حرم عليه الجمع "بين المملوكتين"٣، وإنما يجوز له الجمع إذا قصد الدليل الثاني، وهو قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ... ﴾ ٤ كما قال عثمان: "أحلتهما آية وحرمتهما آية".
стр. 1076
ولنا:
أن التخيير: جمع بين النقيضين، واطّراح لكلا الدليلين، وكلاهما باطل.
أما بيان اطّراح الدليلين: فإذا تعارض الموجَب والمحرَّم فيصير على التخيير المطلق، وهو حكم ثالث غير الدليلين معًا، فيكون اطّراحًا لهما، وتركًا لموجبهما.
وأما الجمع بين النقيضين: فإن المباح نقيض المحرَّم، فإذا تعارض المبيح والمحرِّم، فخيرناه بين كونه محرَّمًا يأثم بفعله، وبين كونه مباحًا لا إثم على فاعله: كان جمعًا بينهما، وذلك محال.
ولأن في التخيير بين الموجِب والمبيح رفعًا للإيجاب، فيصير عملًا بالدليل المبيح عينًا، وهو تحكم، قد سلموا بطلانه١.
قولهم٢: "إنما جاز بشرط القصد".
قلنا:
فقبل أن يقصد العمل بأحدهما: ما حكمه؟
إن قلتم: حكمه الوجوب والإباحة معًا، والتحريم والحل معًا، فقد جمعتم بين النقيضين.
وإن قلتم: حكمه التخيير، فقد نفيتم الوجوب قبل القصد، واطّرحتم دليله، وأثبتم حكم الإباحة من غير شرط.
وإن قلتم: لا حكم له قبل القصد، وإنما يصير له بالقصد حكم.
فهذا إثبات حكم بمجرد الشهوة، والاختيار من غير دليل؛ فإن
стр. 1077
الدليلين وجدا، فلم يثبت لهما حكم، وثبت بمجرد شهوته وقصده بلا دليل، وهذا باطل.
قولهم: "إن التوقف لا سبيل إليه".
قلنا:
نلزمك ما إذا لم يجد المجتهد دليلًا في المسألة، والعامّي إذا لم يجد مفتيًا، فماذا يصنع؟
وهل ثَمَّ طريق إلا التوقف في المسألة؟
ثم لا نسلم تصور خلوِّ المسألة عن دليل؛ فإن الله تعالى – كلّفنا حكمه، ولا سبيل إليه إلا بدليل.
فلو لم يجعل له دليلًا كان تكليفًا لِمَا لا يطاق.
فعند ذلك إذا تعارض دليلان، وتعذر الترجيح أسقطهما، وعدل إلى غيرهما، كالحاكم إذا تعارضت عنده بينتان.
أما العامّي:
فقد قيل: يجتهد في أعيان المفتين، فيقلد أعلمهما وأدينهما. وهو ظاهر قول الخرقي١؛ لأنه قال في الأعمى إذا كان مع مجتهدَيْن في القبلة، قلّد أوثقهما في نفسه٢.
وقيل٣: يخير فيهما.
стр. 1078
والفرق بينهما١: أن العامّي ليس عليه دليل، ولا هو متعبد باتباع موجب ظنه.
بخلاف المجتهد؛ فإنه متعبد بذلك، ومع التعارض لا ظنّ له، فيجب عليه التوقف.
ولهذا لا يحتاج العامّي إلى الترجيح بين المفتين على هذا الوجه، ولا يلزمه العمل بالراجح، بخلاف المجتهد.
ولا ينكر التخيير في الشرع٢، لكن التخيير بين النقيضين ليس له في الشرع مجال، وهو في نفسه محال. والله أعلم.
стр. 1079
فصل: [هل للمجتهد أن يقول قولين في مسألة واحدة]
وليس للمجتهد أن يقول في المسألة قولين في حالٍ واحدة، في قول عامّة الفقهاء.
وقال ذلك الشافعي في مواضع١.
منها: قال في المسترسل من اللحية قولان:
أحدهما: يجب غسله.
стр. 1080
والآخر: لا يجب١.
فقيل عنه: لعله تكافأ عنده الدليلان، فقال بهما على التخيير. أو علم الحق في أحدهما لا بعينه فقال ذلك، لينظر فيهما، فاخترمه الموت، أو نبه أصحابه على طريق الاجتهاد.
ولا يصح شيء من ذلك؛ فإن القولين لا يخلو:
إما أن يكونا صحيحين، أو فاسدين.
أو أحدهما صحيح، والآخر فاسد.
فإن كانا فاسدين: فالقول بهما حرام.
وإن كانا صحيحين، وهما ضدان: فكيف يجتمع ضدان؟!
وإن كان أحدهما فاسدًا، لم يخلُ:
إما أن يعلم فساد الفاسد، أولا يعلمه.
فإن علمه، فكيف يقول قولًا فاسدًا؟! أم كيف يلبّس٢ على الأمة بقول يحرم القول به؟!
وإن اشتبه عليه الصحيح بالفاسد، لم يكن عالمًا بحكم المسألة، ولا قول له فيها أصلًا، فكيف يكون له قولان؟!.
قولهم: "تكافأ عنده دليلان". قد أبطلناه٣.
ثم لو صح، فحكمه التخيير، وهو قول واحد.
وقولهم: "إنه علم الحق في أحدهما لا بعينه".
стр. 1081
قد بينا أن ما كان كذلك لم يكن له في المسألة قول أصلًا. ثم كان ينبغي أن ينبه على ذلك، ويقول:
لي في المسألة نظر" أو يقول: "الحق في أحد هذين القولين".
إما إطلاقه فلا وجه له.
وهذا هو الجواب عن الآخر١.
أما ما يحكى عن غيره من الأئمة من الروايتين، فإنما يكون ذلك في حالتين، لاختلاف الاجتهاد، والرجوع عما رأى إلى غيره "ثم إن علمنا المتأخر عملنا به وألغينا المتقدم، وإن لم نعلم"٢ المتقدم منهما، فيكونان كالخبرين المتعارضين.
стр. 1082
فصل: [المجتهد لا يقلد غيره]
اتفقوا على أن المجتهد إذا اجتهد فغلب على ظنه الحكم، لم يجزْ له تقليد غيره.
стр. 1083
وعلى أن العامّي له تقليد المجتهد.
فأما المتمكن من الاجتهاد في بعض المسائل، ولا يقدر على الاجتهاد في البعض إلا بتحصيل علم على سبيل الابتداء، كالنحو في مسألة نحوية، وعلم صفات الرجال في مسألة خبرية، فالأشبه: أنه كالعامّي فيما لم يُحصّل علمُه؛ فإنه كما يمكنه تحصيله، فالعامّي يمكنه ذلك مع المشقة التي تلحقه.
إنما المجتهد الذي صارت العلوم عنده حاصلة بالقوة القريبة من الفعل، من غير حاجة إلى تعب كثير بحيث لو بحث عن المسألة، ونظر في الأدلة استقل بها، ولم يفتقر إلى تعلُّمٍ من غيره.
فهذا المتجهد هل يجوز له تقليد غيره.
قال أصحابنا: ليس له تقليد مجتهد آخر، مع ضيق الوقت، ولا سعته، لا فيما يخصه، ولا فيما يفتي به.
لكن يجوز له أن ينقل للسمتفتي مذهب الأئمة، كأحمد والشافعي، ولا يفتي مِنْ عند نفسه بتقليد غيره؛ لأن تقليدَ مَنْ لا تثبت عصمته، ولا تعلم إصابته: حكمٌ شرعيٌّ لا يثبت إلا بنص، أو قياس، ولا نص ولا قياس؛ إذ المنصوص عليه العامّي مع المجتهد، وليس ما اختلفنا فيه مثله؛ فإن العامّي عاجز عن تحصيل العلم والظن بنفسه، والمجتهد قادر، فلا يكون في معناه.
فإن قيل: هو لا يقدر على غير الظن، وظن غيره كظنه.
قلنا:
مع هذا إذا حصل ظنه: لم يجزْ له اتباع ظن غيره، فكان ظنه أصلًا، وظن غيره بدلًا، فلا يجوز إثباته إلا بالدليل.
ولأنه إذا لم يجزْ له العدول إليه مع وجود المبدل، لم يجزْ مع
стр. 1084
القدرة عليه، كسائر الأبدال والمبدلات.
فإن قيل: "لا نسلم عدم النص في المسألة، بل فيها نصوص: كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١. وهذا لا يعلم هذه المسألة.
وقوله: ﴿ ... أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ٢.
قلنا:
المراد بالأولى: أمر العامّة بسؤال العلماء؛ إذ ينبغي أن يتميز السائل عن المسؤول، فالعالم مسؤول غير سائل، ولا يخرج عن العلماء بكون المسألة غير حاضرة في ذهنه إذا كان متمكنًا من معرفتها من غير تعلُّمٍ من غيره.
الثاني٣:
يحتمل أن يكون معناه: اسألوا لتعلموا، أي: سلوا عن الدليل ليحصل العلم، كما يقال: "كُلْ لتشبع" و"اشرب لتروي" والمراد بـ ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾ : الولاة، لوجوب طاعاتهم؛ إذ لا يجب على المجتهد طاعة المجتهد.
وإن كان المراد به العلماء، فالطاعة على العوامّ.
ثم هو معارض بعمومات أخرى أقوى مما ذكروه، يمكن التمسك بها في المسألة:
كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ٤، وقوله تعالى:
стр. 1085
﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ١، وقوله سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ٢ وقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٣.
وهذا أمر بالتدبر والاستنباط، والخطاب مع العلماء.
ثم لا فرق بين المماثل والأعلم؛ فإن الواجب أن ينظر إن وافق اجتهاده الأعلم: فذاك.
وإن خالفه فمن أين ينفع كونه أعلم وقد صار مزيفًا؟! ٤ عنده، وظنه عنده أقوى من ظن غيره، وله الأخذ بظن نفسه اتفاقًا، ولم يلزمه الأخذ بقول غيره؟! وإن كان أعلم، فينبغي أن لا يجوز تقليده.
فإن قيل: فلم ينقل عن طلحة والزبير ونظرائهما نظر في الأحكام، مع ظهور الخلاف، فالأظهر أنهم أخذوا بقول غيرهم.
قلنا:
كانوا لا يفتون، اكتفاءً بغيرهم، وأما علمهم لنفوسهم: لم يكن إلا بما عرفوه، فإن أشكل عليهم شاوروا غيرهم، لتعرّف الدليل، لا للتقليد، والله أعلم.
стр. 1086
فصل: [إذا نصّ المجتهد على حكم لعلة في مسألة فهو مذهبه في كل ما توجد فيه هذه العلة]
إذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلة بيّنها توجد في مسائل سوى المنصوص عليه: فمذهبه في تلك المسائل كمذهبه في المسألة المعللة؛ لأنه يعتقد الحكم تابعًا للعلة، ما لم يمنع منها مانع.
فإن لم يبين العلة: لم يجعل ذلك الحكم مذهبه في مسألة أخرى. وإن أشبهتها شبهًا يجوز خفاء مثله على بعض المجتهدين.
فإنا لا ندري لعلها لو خطرت له: لم يَصِرْ فيها إلى ذلك الحكم. ولأن ذلك إثبات مذهب بالقياس.
ولذلك افترقا في منصوص الشارع: فما١ نصَّ على علته كان كالنص، يُنسخ وينسخ به، وما لم ينص على علته: لم ينسخ ولم ينسخ به.
ولو نص المجتهد- على مسألتين متشابهتين بحكمين مختلفين: لم ينقل حكم إحداهما إلى الأخرى؛ ليكون له في المسألتين روايتان؛ لأنّا إذا لم نجعل مذهبه في المنصوص عليه مذهبًا في المسكوت عنه، فالطريق الأولى: أن لا نجعله مذهبًا له فيما نُصّ على خلافه.
ولأنه إنما يضاف إلى الإنسان مذهب في المسألة، بنصه، أو دلالة تجري مجرى نصه، ولم يوجد أحدهما.
وإن وجد منه نوع دلالة على الأخرى، لكن قد نص فيها على خلاف تلك الدلالة، فالدلالة٢ الضعيفة لا تقاوم النص الصريح.
стр. 1087
فإن نص في مسألة واحدة على حكمين مختلفين، ولم يعلم تقدم أحدهما: اجتهدنا في أشبههما بأصوله، وأقواهما في الدلالة فجعلناها له مذهبًا، وكنا شاكِّين في الأخرى. وإن علمنا الآخرة: فهي المذهب؛ لأنه لا يجوز أن يجمع بين قولين مختلفين- على ما بينا١- فيكون نصه الأخير رجوعًا عن رأيه الأول، فلا يبقى مذهبًا له، كما لو صرح بالرجوع.
وقال بعض أصحابنا: يكون الأول مذهبًا له؛ لأنه لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد.
ولا يصح٢.
فإنهم إن أرادوا أن لا يترك ما أداه إليه اجتهاده الأول باجتهاده الثاني، فهو باطل يقينًا؛ فإنّا نعلم أن المجتهد في القبلة إذا تغير اجتهاده: ترك الجهة التي كان مستقبلًا لها، وتوجه على غيرها، والمفتي إذا أفتى في مسألة بحكم، ثم تغير اجتهاده: لم يجزْ أن يفتي فيها بذلك الحكم٣، وكذلك الحاكم.
وإن أرادوا: أن الحكم الذي حكم به على شخص لا ينقضه، أو ما أداه من الصلوات لا يعيده: فليس هذا نظيرًا لمسألتنا.
إنما الخلاف فيما إذا تغير اجتهاده، هل يبقى الأول مذهبًا له أم لا، وقد بينا أنه لا يبقى٤.
стр. 1088
ثم يبطل ما ذكروه بما [لو] صرح بالرجوع عن القول الأول، فكيف يجعل مذهبًا له مع قوله: "رجعت عنه، واعتقدت بطلانه"؟! فلا بد من نقض الاجتهاد بالاجتهاد.
وعند ذلك ينبه على أن المجتهد لو تزوج امرأة خالعها ثلاثًا١ وهو يرى أن الخلع فسخ، ثم تغير اجتهاده، واعتقد أن الخلع طلاق، لزمه تسريحها، ولم يجزْ له إمساكها على خلاف اعتقاده.
فإن حكم بصحة ذلك النكاح حاكم، ثم تغير اجتهاده، لم يفرق بين الزوجين، لمصلحة الحكم، فإنه لو نقض الاجتهاد بالاجتهاد. لنقض النقض، وتسلسل، واضطربت الأحكام، ولم يوثق بها.
أما إذا نكح المقلد بفتوى مجتهد، ثم تغير اجتهاد المجتهد: فهل يجب على المقلد تسريح زوجته؟
الظاهر: أنه لا يجب؛ لأن عمله بفتياه جري مجرى حكم الحاكم، فلا ينقض ذلك، كما لا ينقض ما حكم به الحاكم٢.
стр. 1089
فصل: في التقليد
التقليد في اللغة: وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به.
ويسمى ذلك قلادة، والجمع قلائد١.
قال الله تعالى: ﴿ ... وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ﴾ ٢.
ومنه قول النبي ﷺ في الخيل: "لا تقلِّدوها الأوتار"٣.
قال الشاعر٤:
قلدوها تمائمًا ... خوف واش وحاسد
стр. 1090
ثم يستعمل في تفويض الأمر إلى الشخص استعارة، كأنه ربط الأمر بعنقه. كما قال لقيط الإيادي١:
وقلِّدا أمركم لله دركم
رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعًا.
وهو في عرف الفقهاء.
قبول قول الغير من غير حجة، أخذًا من هذا المعنى٢، فلا يسمى الأخذ بقول النبي ﷺ والإجماع تقليدًا؛ لأن ذلك هو الحجة في نفسه.
قال أبو الخطاب: العلوم على ضربين:
منها ما لا يسوغ التقليد فيه وهو: معرفة الله ووحدانيته، وصحة