← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12010

روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان

ابن قدامة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

[الواجب وتقسيماته] وحد الواجب: ما توعد بالعقاب على تركه. وقيل: ما يعاقب تاركه. وقيل: ما يذم تاركه شرعًا١.

стр. 107

والفرض هو الواجب على إحدى الروايتين١؛ لاستواء حدهما٢، وهو قول الشافعي٣.

стр. 108

والثانية: الفرض آكد. فقيل: هو١ اسم لما يقطع بوجوبه، كمذهب أبي حنيفة٢. وقيل: ما لا يتسامح في تركه عمدًا ولا سهوًا، نحو: أركان الصلاة، فإن الفرض في اللغة: التأثير، ومنه فُرضة النهر والقوس٣. والوجوب: السقوط، ومنه: "وجبت الشمس والحائط" إذا سقطا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ ٤ فاقتضى تأكد الفرض على الواجب شرعا؛ ليوافق معناه لغة.

стр. 109

ولا خلاف في انقسام الواجب إلى، مقطوع ومظنون، ولا حجر في الاصطلاحات بعد فهم المعنى١.

стр. 110

فصل: [في تقسيم الواجب باعتبار ذاته] والواجب ينقسم إلى معين، وإلى مبهم في أقسام محصورة، فيسمى واجبًا مخيرًا، كخصلة من خصال الكفارة. وأنكرت المعتزلة ذلك وقالوا: لا معنى للوجوب مع التخيير. ولنا: أنه جائز عقلًا وشرعًا: أما العقل٢: فإن السيد لو قال لعبده: أوجبت عليك خياطة هذا القميص، أو بناء هذا الحائط في هذا اليوم، أيهما فعلت اكتفيت به، وإن تركت الجميع عاقبتك، ولا أوجبهما عليك معًا، بل أحدهما لا بعينه، أيهما شئت، كان كلامًا معقولًا. ولا يمكن دعوى إيجاب الكل؛ لأنه

стр. 111

صرح بنقيضه ولا دعوى أنه ما أوجب شيئًا أصلًا؛ لأنه عرضه للعقاب بترك الكل، ولا أنه أوجب واحدًا معينًا، لأنه صرح بالتخيير، فلم يبق إلا أنه أوجب واحدا لا بعينه. ولأنه لا يمتنع في العقل أن يتعلق الغرض بواحد غير معين، لكون كل واحد منهما وافيًا بالغرض حسب وفاء صاحبه، فيطلب منه قدر ما يفي بغرضه، والتعيين فضلة لا يتعلق بها الغرض، فلا يطلبه منه. وأما الشرع: فخصال الكفارة١، بل إعتاق الرقبة بالإضافة إلى إعتاق العبيد٢، وتزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفؤين الخاطبين، وعقد الإمامة لأحد الرجلين الصالحين لها، ولا سيبل إلى إيجاب الجميع، وأجمعت الأمة٣ على أن جميع خصال الكفارة غير واجب.

стр. 112

فإن قيل١: إن كانت الخصال متساوية عند الله -تعالى- بالنسبة إلى صلاح العبد، ينبغي أن يوجب الجميع، تسوية بين المتساويات. وإن تميز بعضها بوصف ينبغي أن يكون هو الواجب عينًا. قلنا: ولمَ قلتم: إن للإفعال صفات في ذاتها لأجلها يوجبها الله -سبحانه- بل الإيجاب إليه، له أن يخصص من المتساويات واحدًا بالإيجاب، وله أن يوجب واحدًا غير معين. ويجعل مناط التكليف اختيار المكلف، ليسهل عليه الامتثال. جواب ثان٢: أن التساوي يمنع التعيين؛ لكونه عبثًا، وحصول المصلحة بواحد يمنع من إيجاب الزائد، لكونه إضرارًا مجردًا حصلت المصلحة بدونه، فيكون الواجب واحدًا غير معين. فإن قيل٣: فالله -سبحانه- يعلم ما يتعلق به الإيجاب، ويعلم ما يتأدى به الواجب، فيكون معينًا في علم الله -سبحانه-. قلنا: الله -سبحانه- إذا أوجب واحدًا لا بعينه علمه على ما هو عليه من نعته، ونعتُه أنه غير معين، فيعلمه كذلك، ويعلم أنه يتعين بفعل المكلف ما لم يكن متعينًا قبل فعله، والله أعلم.

стр. 113

فصل: [في تقسيم الواجب باعتبار وقت الأداء] والواجب ينقسم -بالإضافة إلى الوقت- إلى مضيق وموسع. وأنكر أصحاب أبي حنيفة التوسع، وقالوا: هو يناقض الوجوب١. ولنا٢: أن السيد لو قال لعبده: ابْن هذا الحائط في هذا اليوم: إما في أوله، وإما في وسطه، وإما في آخره وكيف أردت، فمهما فعلت امتثلت إيجابي، وإن تركت عاقبتك، كان كلامًا معقولًا. ولا يمكن دعوى أنه ما أوجب شيئًا أصلًا، ولا أنه أوجب مضيقًا؛

стр. 114

لأنه صرح بضد ذلك، فلم يبق إلا أنه أوجب موسعًا. وقد عهدنا من الشارع تسمية هذا القسم واجبًا، بدليل أن الصلاة تجب في أول الوقت١. وكذلك انعقد الإجماع على أنه يثاب ثواب الفرض، وتلزمه نيته٢، ولو كانت نفلًا لأجزأت نية النفل، بل لاستحالت نية الفرض من العالِمِ كونها نفلًا؛ إذ النية قصد يتبع العلم. فإن قيل٣: الواجب ما يعاقب على تركه، والصلاة إن أضيفت إلى

стр. 115

أخر الوقت فيعاقب على تركها، فتكون واجبه حينئذ، وإن أضيقت إلى أوله، فخيّر بين فعلها وتركها، وفعلها خير من تركها، وهذا حد الندب. وإنما أثيب ثواب الفرض ولزمته نيته؛ لأن مآله إلى الفرضية، فهو كمعجّل الزكاة، والجامع بين الصلاتين في وقت أولاهما. قلنا: الأقسام ثلاثة: قسم: لا يعاقب على تركه مطلقًا، وهو: المندوب. وقسم: يعاقب على تركه مطلقًا، وهو الواجب المضيق. وقسم: يعاقب على تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت، ولا يعاقب بالإضافة إلى بعض أجزاء الوقت، وهذا القسم ثالث، يفتقر إلى عبارة ثالثة، وحقيقته لا تعدو "الواجب، والندب" وأولى عباراته: "الواجب الموسع". قالوا: ليس هذا قسمًا ثالثًا، بل هو بالإضافة إلى أول الوقت ندب، وبالإضافة إلى آخره واجب، بدليل أنه في أول الوقت يجوز تركه، دون آخره١.

стр. 116

قلنا: بل حد الندب: ما يجوز تركه مطلقًا، وهذا لا يجوز إلا بشرط وهو: "الفعل بعده" أو: "العزم على الفعل"، وما جاز تركه بشرط فليس بندب، كما أن كل واحد من خصال الكفارة يجوز تركه إلى بدل. ومن أمر بالإعتاق فما من عبد إلا يجوز تركه بشرط عتق ما سواه، ولا يكون ندبًا، بل واجبًا مخيرًا، كذا هذا يسمى واجبًا موسعًا١. وما جاز تركه بشرط يفارق ما جاز تركه مطلقًا، وما لا يجوز تركه مطلقًا فهو قسم ثالث٢. وإذا كان المعنى متفقًا عليه وهو: الانقسام إلى الأقسام الثلاثة، فلا معنى للمناقشة في العبارة. وأما تعجيل الزكاة: فإنه يجب بنية التعجيل، وما نوى أحد من السلف في الصلاة في أول الوقت غير ما نواه في آخره، ولم يفرقوا أصلًا فهو مقطوع به٣.

стр. 117

فإن قيل١. قولكم: "إنما جاز تركه بشرط العزم أو الفعل بعده" باطل، فإن لو ذهل أو غفل عن العزم ومات لم يكن عاصيًا". ولأن الواجب المخير: "ما خير الشارع فيه بين شيئين" وما خير بين العزم والفعل. ولأن قوله: "صل في الوقت" ليس فيه تعرض للعزم أصلًا، فإيجابه زيادة. قلنا: إنما لم يكن عاصيًا، لأن الغافل لا يكلف. فأما إذا لم يغفل، فلا يترك العزم على الفعل إلا عازمًا على الترك مطلقًا، وهو حرام، وما لا خلاص عن الحرام إلا به يكون واجبًا. فهذا دليل وجوبه، وإن لم تدل عليه الصيغة، والله أعلم.

стр. 118

....................................................................................................

стр. 119

..............................................................................................

стр. 120

.................................................................................................

стр. 121

فصل: [في تضييق الواجب الموسع] إذا أخر الواجب الموسع فمات في أثناء وقته قبل ضيقه١ لم يمت عاصيًا، لأنه فعل ما أبيح له فعله، لكونه جُوِّز له التأخير٢.

стр. 122

فإن قيل١: إنما جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة؟ قلنا: هذا محال؛ فإن العاقبة مستورة عنه٢. ولو سألنا فقال: "عليّ صوم يوم فهل يحل لي تأخيره إلى غد" فما جوابه؟ إن قلنا: "نعم" فلم أثم بالتأخير؟ وإن قلنا: "لا" فخلاف الإجماع. وإن قلنا إن كان في علم الله أنك تموت قبل غدٍ، لم يحل، وإلا فهو يحل. فيقول: وما يدريني ما في علم الله، فلا بد من الجزم بجواب. فإذًا: معنى الوجوب وتحقيقه: أنه لا يجوز له التأخير، إلا بشرط العزم، ولا يؤخر إلا إلى وقت يغلب على ظنه البقاء إليه. والله أعلم.

стр. 123

فصل: [في مقدمة الواجب وحكمها] ما لا يتم الواجب إلا به ينقسم إلى: ما ليس إلا المكلف، كالقدرة واليد في الكتابة، وحضور الإمام والعدد في الجمعة، فلا يوصف بوجوب. وإلى ما يتعلق باختيار العبد، كالطهارة للصلاة، والسعي إلى الجمعة، وغسل جزء من الرأس مع الوجه، وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم، فهو واجب. وهذا أولى من قولنا: يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب؛ إذ قولنا: "يجب ما ليس بواجب" متناقض، لكن الأصل: وجب بالإيجاب قصدًا، والوسيلة وجبت بواسطة وجوب المقصود، فهو واجب كيف ما كان، وإن اختلفت علة إيجابهما١.

стр. 124

فإن قيل: لو كان واجبًا لأثيب على فعله، وعوقب على تركه، وتارك الوضوء والصوم لا يعاقب على ما ترك من غسل الرأس وصوم الليل١. قلنا: ومن أنبأكم أن ثواب القريب من البيت في الحج مثل ثواب البعيد وأن الثواب لا يزيد بزيادة العمل في الوسيلة؟ وأما العقوبة: فإنه يعاقب على ترك الوضوء والصوم، ولا يتوزع على أجزاء الفعل، فلا معنى لإضافته إلى التفصيل.

стр. 125

فصل: [في بعض الفروع المخرجة على مقدمة الواجب] وإذا اختلطت أخته بأجنبية١، أو ميتة بمذكاة حرمتا: الميتة بعلة الموت، والأخرى بعلة الاشتباه. وقال قوم: المذكاة حلال، لكن يجب الكف عنها. وهذا متناقض٢، إذ ليس الحل والحرمة وصفًا ذاتيًّا لهما، بل هو متعلق بالفعل، فإذا حرم فعل الأكل فيهما فأي معنًى لقولنا: هي حلال؟! وإنما وقع هذا في الأوهام، حيث ضاهى الوصف بالحل والحرمة الوصف بالسواد والبياض، والأوصاف الحسية، وذلك وَهْم على ما ذكرناه. والله أعلم.

стр. 126

فصل: [في الواجب غير المحدد] ١ الواجب الذي لا يتقيد بحد محدود، كالطمأنينة في الركوع والسجود، ومدة القيام والعقود، إذا زاد على أقل الواجب: فالزيادة ندب، واختاره أبو الخطاب٢.

стр. 127

وقال القاضي١: الجميع واجب؛ لأن نسبة الكل إلى الأمر واحد، والأمر في نفسه أمر واحد، وهو أمر إيجاب، ولا يتميز البعض عن البعض، فالكل امتثال. ولنا: أن الزيادة يجوز تركها مطلقًا من غير شروط ولا بدل، وهذا هو الندب. ولأن الأمر إنما اقتضى إيجاب ما تناوله الاسم فيكون هو الواجب، والزيادة ندب، وإن كان لا يتميز بعضه عن البعض، فيعقل كونه بعضه واجبًا، وبعضه ندبًا، كما لو أدى دينارًا عن عشرين"*".

стр. 128

..........................................................................................

стр. 129

فصل: القسم الثاني: المندوب ... القسم الثاني: المندوب ١ والندب في اللغة: الدعاء إلى الفعل. كما قال: لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا٢

стр. 130

وحده في الشرع: مأمور لا يلحق بتركه ذم، من حيث تركه من غير حاجة إلى بدل١. وقيل: هو ما في فعله ثواب، ولا عقاب في تركه. والمندوب مأمور [به] . وأنكر قوم كونه مأمورًا [به] قالوا: لأن الله -سبحانه- قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ ٢. والمندوب لا يحذر فيه ذلك. ولأن٣ النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"٤. وقد ندبهم إلى السواك، علم أن الأمر لا يتناول المندوب.

стр. 131

ولأن١ الأمر: اقتضاء جازم لا تخيير معه، وفي الندب تخيير، ولم يسم تاركه عاصيًا. ولنا٢ أن الأمر: استدعاء وطلب، والمندوب مستدعًى ومطلوب، فيدخل في حقيقة الأمر. قال الله تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٤. ومن ذلك ما هو مندوب. ولأنه٦: شاع في ألسنة الفقهاء: أن الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب وأمر استحباب.

стр. 132

ولأن١: فعله طاعة، وليس ذلك لكونه مرادًا، إذ الأمر يفارق الإرادة، ولا لكونه موجودًا؛ فإنه موجود في غير الطاعات "أو حادثًا، أو لذاته، أو صفة نفسه؛ إذ يجري ذلك في المباحات"٢. ولا لكونه مثابًا؛ فإن الممتثل يكون مطيعًا وإن لم يثب، وإنما الثواب للتراغيب في الطاعات. وقولهم٣: "إن الأمر ليس فيه تخيير" ممنوع.

стр. 133

وإن سلمنا: فالمندوب كذلك، لأن التخيير عبارة عن التسوية، فإذا ترجح جهة الفعل ارتفعت التسوية والتخيير. ولم يسم تاركه عاصيًا، لأنه اسم ذم، وقد أسقط الله -تعالى- الذم عنه، لكن يسمى مخالفًا وغير ممتثل، ويسمى فاعله موافقًا ومطيعًا. وقول النبي ﷺ : ".... لأمرتهم بالسواك....." أي: أمرتهم أمر جزم وإيجاب. وقوله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب، ونحن نقول به، لكن يجوز صرفه إلى الندب بدليل، ولا يخرج بذلك عن كونه أمرًا، كما ذكرناه في دليلنا. والله أعلم. القسم الثالث: المباح وحدّه: ما أذن الله في فعله وتركه، غير مقترن بذم فاعله وتاركه ولا مدحه١.

стр. 134

وهو من الشرع١.

стр. 135

........................................................................................................

стр. 136

وأنكر بعض المعتزلة ذلك؛ إذ معنى الإباحة: نفي الحرج عن الفعل والترك، وذلك ثابت قبل ورود السمع، فمعنى إباحة الشيء: تركه على ما كان قبل السمع. قلنا١: الأفعال ثلاثة أقسام: قسم صرح فيه الشرع بالتخيير بين فعله وتركه، فهذا خطاب، ولا معنى للحكم إلا الخطاب. وقسم لم يرد فيه خطاب بالتخيير، لكن دل دليل السمع على نفي الحرج عن فعله وتركه، فقد عرف بدليل السمع، ولولا هو لعرف بدليل العقل نفي الحرج عنه، فهذا اجتمع عليه دليل العقل والسمع. وقسم لم يتعرض الشرع له بدليل من أدلة السمع، فيحتمل أن يقال: قد دل السمع على أن ما لم يرد فيه طلب فعل ولا ترك، فالمكلف فيه مخير. وهذا دليل على العموم فيما لا يتناهى من الأفعال، فلا يبقى فعل لا مدلول عليه سمعًا، فتكون إباحته من الشرع. ويحتمل أن يقال: لا حكم له، والله أعلم.

стр. 137

فصل: [في حكم الأشياء قبل ورود الشرع] اختلف في الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع ما حكمها١: فقال التميمي٢، وأبو الخطاب، والحنفية: هي على الإباحة: إذ

стр. 138

قد علم انتفاعنا بها من غير ضرر علينا، ولا على غيرنا، فليكن مباحًا. ولأن الله -سبحانه- خلق هذه الأعيان لحكمة لا محالة، ولا يجوز أن يكون ذلك لنفع يرجع إليه، فثبت أنه لنفعنا. وقال ابن حامد١، والقاضي٢، وبعض المعتزلة: هي على الحظر؛ لأن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح، والله -سبحانه- المالك ولم يأذن٣. ولأنه٤ يحتمل أن في ذلك ضررًا، فالإقدام عليه خطر٥.

стр. 139

وقال أبو الحسن الجزري١، وطائفة من الواقفية٢: لا حكم لها؛ إذ معنى الحكم: الخطاب، ولا خطاب قبل ورود السمع. والعقل لا يبيح شيئا ولا يحرمه، وإنما هو معرف للترجيح والاستواء، وقبح التصرف في ملك الغير إنما يعلم بتحريم الشارع ونهيه. ولو حكمت فيه العادة [لقضت بأنه] إنما يقبح في حق من يتضرر بالتصرف في ملكه، بل يقبح المنع مما لا ضرر فيه، كالظل وضوء النار. وهذا القول هو اللائق بالمذهب، إذ العقل لا دخل له في الحظر والإباحة، على ما سنذكره -إن شاء الله تعالى- وإنما تثبت الأحكام بالسمع. وقد دل السمع على الإباحة على العموم بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٣.

стр. 140

وبقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِش﴾ الآية١. وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ٢. وبقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية٣. ونحو ذلك. وقول النبي ﷺ : "...... وما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه" ٤ وقوله: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا: من سأل عن شيء لم

стр. 141

يحرم على الناس، فحرم من أجل مسألته"١. وفائدة الخلاف: أن من حرم شيئًا أو أباحه كفاه فيه استصحاب حال الأصل.

стр. 142

فصل: [هل المباح مأمور به] المباح غير مأمور به، لأن الأمر: استدعاء وطلب، والمباح مأذون فيه ومطلق له، غير مستدعى ولا مطلوب. وتسميته مأمورًا تجوّز٢.

стр. 143

فإن قيل: ترك الحرام مأمور به، والسكوت المباح يترك به الكفر، والكذب الحرام، فيكون مأمورًا به. قلنا: فليكن المباح واجبًا إذًا، وقد يترك الحرام إلى المندوب فليكن واجبًا. وقد يترك الحرام بحرام آخر, فليكن الشيء حرامًا واجبًا، ولتكن الصلاة حرامًا إذا تحرّم بها من عليه الزكاة، وهذا باطل. فإن قيل: فهل الإباحة تكليف؟ قلنا: من قال التكليف: الأمر والنهي، فليست الإباحة كذلك. ومن قال: التكليف: ما كلف اعتقاد كونه من الشرع، فهذا كذلك. وهذا ضعيف؛ إذ يلزم عليه جميع الأحكام١. القسم الرابع: المكروه وهو: ما تركه خير من فعله٢. وقد يطلق ذلك على المحظور٣.

стр. 144

وقد يطلق على ما نهي عنه نهي تنزيه١، فلا يتعلق بفعله عقاب. فصل: والأمر المطلق لا يتناول المكروه٢؛ لأن الأمر: استدعاء وطلب، والمكروه غير مستدعى ولا مطلوب. ولأن الأمر ضد النهي، فيستحيل أن يكون الشيء مأمورًا ومنهيًّا. وإذا قلنا: إن المباح ليس مأمورًا، فالمنهي عنه أولى.

стр. 145

فصل: القسم الخامس: الحرام الحرام ضد الواجب١: فيستحيل أن يكون الشيء الواحد واجبًا حرامًا، طاعة معصية من وجه واحد، إلا أن الواحد بالجنس ينقسم إلى: واحد بالنوع، وإلى واحد بالعين، أي بالعدد. والواحد بالنوع يجوز أن ينقسم إلى واجب وحرام، ويكون انقسامه بالإضافة، لأن اختلاف الإضافات والصفات توجب المغايرة، والمغايرة
следующие страницы →