Полный текст (1 205 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
[الواجب وتقسيماته]
وحد الواجب: ما توعد بالعقاب على تركه.
وقيل: ما يعاقب تاركه.
وقيل: ما يذم تاركه شرعًا١.
الحواشي
(١) = ثالثًا: أن الحكم التكليفي لا يتعلق إلا بالمكلف، أما الحكم الوضعي: فإنه يتعلق بالجميع، فالصبي -مثلًا- تجب الزكاة في ماله وإن كان غير مكلف، لوجود سبب الزكاة، وهو ملك النصاب، ويضمن وليه ما يتلفه وهكذا. انظر: "أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي ١/ ٤٣-٤٤".
١ هذه التعريفات التي أوردها المصنف للواجب هي باعتبار الاصطلاح الشرعي. أما الواجب في اللغة: فيطلق على معنيين:
أحدهما: الساقط، مأخوذ من: "وجب" بمعنى "سقط" قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَر﴾ [سورة الحج الآية: ٣٦] . ومعنى "وجبت جنوبها": أي سقطت جنوبها على الأرض بسبب الذبح.
ثانيهما: اللزوم، يقال: وجب الشيء وجوبًا، أي: لزم لزومًا.
وقول المصنف: "ما توعد بالعقاب على تركه" لا ينافي عفو الله تعالى ومغفرته، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [سورة النساء الآية: ١١٦] فإن الله تعالى قد يخلف إيعاده، لكنه -جل شأنه- لا يخلف وعده.
ولذلك رجح كثير من العلماء التعريف الثالث وهو: "ما يذم تاركه شرعًا" لأن الذم أمر ناجز يترتب على الترك، أما العقوبة فمشكوك فيها، لأنه ربما لا يعاقب، وإن كان يذم على ترك الواجب.
وهو مأخوذ من تعريف أبي بكر الباقلاني وعبارته: "هو الذي يذم تاركه ويلام شرعًا بوجه ما" وقوله "بوجه ما" ليشمل الواجب المخير، فإنه يلام على تركه مع بدله، والواجب الموسع، فإنه على تركه مع ترك العزم على الامتثال، =стр. 107
والفرض هو الواجب على إحدى الروايتين١؛ لاستواء حدهما٢، وهو قول الشافعي٣.
الحواشي
(١) = وكذلك الواجب الكفائي، فإنه يلام إذا لم يفعله، ولم يفعله غيره أيضًا. انظر: "روضة الناظر مع الشرح لبدران ١/ ٩١".
١ أي: المنقولتين عن الإمام أحمد ﵁ وهو رأي الجمهور من الأصوليين، وقد وافق الجمهور الحنفية في التفرقة بين الفرض والواجب في بعض الفروع الفقهية، كما في باب الحج: فقالوا: إن الفرض إذا تركه الحاج بطل حجه كالوقوف بعرفة، أما الواجب: فإنه يجبر بدم كرمي الجمرات.
٢ هذا هو دليل الجمهور، وقد أورد الإمام الطوفي من النصوص ما يدل على أن السقوط يأتي في اللغة بمعنى وقوع الشيء من أعلى إلى أسفل، كقولنا: سقط الحجر من الجبل، وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سورة سبأ الآية: ٩] ، كما يأتي بمعنى: وقوعه على المكلف من الله ، الذي هو فوق عباده. "شرح مختصر الروضة جـ١ ص٢٦٦".
على أن علماء اللغة قد نصوا أن الوجوب يأتي بمعنى السقوط، كما يأتي بمعنى الثبوت واللزوم، على سبيل الاشتراك اللفظي، فيحمل هنا على اللزوم ليتناسب مع المعنى المراد من الواجب، وهي قرينة ترجح حمله على أحد معنييه كما هو الشأن في المشترك اللفظي.
٣ هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي، أبو عبد الله، الإمام الجليل، صاحب المذهب المعروف، ولد بغزة سنة ١٥٠هـ من أشهر مؤلفاته: كتاب الأم، والرسالة، وأحكام القرآن. توفي في مصر سنة ٢٠٤هـ.
انظر: في ترجمته: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي "١/ ١٩٢"، شذرات الذهب "٢/ ٩"، وفيات الأعيان "٣/ ٣٠٥".
وهذا الرأي ليس للشافعي وحده، وإنما هو رأي الإمام مالك، وكثير من الحنابلة: انظر: "العدة ٢/ ٣٧٦، المستصفى ١/ ٦٥، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ١/ ٢٢٨".стр. 108
والثانية: الفرض آكد.
فقيل: هو١ اسم لما يقطع بوجوبه، كمذهب أبي حنيفة٢.
وقيل: ما لا يتسامح في تركه عمدًا ولا سهوًا، نحو: أركان الصلاة، فإن الفرض في اللغة: التأثير، ومنه فُرضة النهر والقوس٣.
والوجوب: السقوط، ومنه: "وجبت الشمس والحائط" إذا سقطا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ ٤ فاقتضى تأكد الفرض على الواجب شرعا؛ ليوافق معناه لغة.
الحواشي
(١) ١ الضمير عائد على الفرض، وهو تفريع على مذهب من يفرق بين الفرض والواجب.
٢ هو: النعمان بن ثابت بن زوطي، أحد الأئمة الأربعة المشهورين، ولد عام ٨٠هـ. كان فقيه العراق وإمام أهلها بلا منازع، قال عنه الشافعي: "الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه" توفى سنة ١٥٠هـ "وفيات الأعيان ٥/ ٣٩، الشذرات ١/ ٢٢٧".
٣ قال الجوهري في الصحاح "مادة فرض": الفرض: الحز في الشيء، وفرض القوس: هو الحز الذي يقع فيه الوتر، والفريض: السهم المفروض فوقه، والتفريض: التحزيز، والمفرض: الحديدة التي يحز بها، والفراض: فوهة النهر.
قال الطوفي: "وإذا ثبت ذلك، فالفرض أخص من السقوط، إذ لا يلزم -مثلًا- من سقوط الحجر ونحوه على الأرض أن يحزّ ويؤثر فيها، ويلزم من حزّه وتأثيره في الأرض أن يكون قد سقط واستقر عليها، وإذا كان كذلك وجب اختصاص الفرض بقوة في الحكم، كما اختص بقوة في اللغة، حملًا للمسميات الشرعية على مقتضياتها اللغوية" "شرح مختصر الروضة ١/ ٢٧٥".
٤ سورة الحج من الآية: ٣٦.стр. 109
ولا خلاف في انقسام الواجب إلى، مقطوع ومظنون، ولا حجر في الاصطلاحات بعد فهم المعنى١.
الحواشي
(١) ١ في هذا إشارة إلى أن الخلاف لفظي. قال الطوفي: "إن النزاع في المسألة إنما هو في اللفظ، مع اتفاقنا على المعنى، إذ لا نزاع بيننا وبينهم في انقسام ما أوجبه الشرع علينا وألزمنا إياه من التكاليف، إلى قطعي وظني، واتفقنا على تسمية الظني واجبًا، وبقي النزاع في القطعي، فنحن نسميه واجبًا وفرضًا بطريق الترادف، وهم يخصونه باسم الفرض، وذلك مما لا يضرنا وإياهم، فليسموه ما شاءوا" "شرح المختصر ١/ ٢٧٦".стр. 110
فصل: [في تقسيم الواجب باعتبار ذاته]
والواجب ينقسم إلى معين، وإلى مبهم في أقسام محصورة، فيسمى واجبًا مخيرًا، كخصلة من خصال الكفارة.
وأنكرت المعتزلة ذلك وقالوا: لا معنى للوجوب مع التخيير.
ولنا: أنه جائز عقلًا وشرعًا:
أما العقل٢: فإن السيد لو قال لعبده: أوجبت عليك خياطة هذا القميص، أو بناء هذا الحائط في هذا اليوم، أيهما فعلت اكتفيت به، وإن تركت الجميع عاقبتك، ولا أوجبهما عليك معًا، بل أحدهما لا بعينه، أيهما شئت، كان كلامًا معقولًا. ولا يمكن دعوى إيجاب الكل؛ لأنه
الحواشي
(١) ١ في هذا إشارة إلى أن الخلاف لفظي. قال الطوفي: "إن النزاع في المسألة إنما هو في اللفظ، مع اتفاقنا على المعنى، إذ لا نزاع بيننا وبينهم في انقسام ما أوجبه الشرع علينا وألزمنا إياه من التكاليف، إلى قطعي وظني، واتفقنا على تسمية الظني واجبًا، وبقي النزاع في القطعي، فنحن نسميه واجبًا وفرضًا بطريق الترادف، وهم يخصونه باسم الفرض، وذلك مما لا يضرنا وإياهم، فليسموه ما شاءوا" "شرح المختصر ١/ ٢٧٦".
٢ المصنف استدل على الجواز من وجهين:
الأول: قوله "فلأن السيد لو قال لعبده ... إلخ".
والوجه الثاني: قوله بعد ذلك: "ولأنه لا يمتنع في العقل ... إلخ" ومعناه:
أن الشارع قد يقصد عدم التعيين تخفيفًا وتيسيرًا على المكلفين، حتى يستطيع كل مكلف أن يأتي بما هو مقدور له، وهذا من محاسن التشريع الإسلامي.стр. 111
صرح بنقيضه ولا دعوى أنه ما أوجب شيئًا أصلًا؛ لأنه عرضه للعقاب بترك الكل، ولا أنه أوجب واحدًا معينًا، لأنه صرح بالتخيير، فلم يبق إلا أنه أوجب واحدا لا بعينه.
ولأنه لا يمتنع في العقل أن يتعلق الغرض بواحد غير معين، لكون كل واحد منهما وافيًا بالغرض حسب وفاء صاحبه، فيطلب منه قدر ما يفي بغرضه، والتعيين فضلة لا يتعلق بها الغرض، فلا يطلبه منه.
وأما الشرع: فخصال الكفارة١، بل إعتاق الرقبة بالإضافة إلى إعتاق العبيد٢، وتزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفؤين الخاطبين، وعقد الإمامة لأحد الرجلين الصالحين لها، ولا سيبل إلى إيجاب الجميع، وأجمعت الأمة٣ على أن جميع خصال الكفارة غير واجب.
الحواشي
(١) ١ المراد: خصال كفارة اليمين الواردة في سورة المائدة آية ٩٢ وهي قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ .
٢ قصده من هذه العبارة: أن التخيير وارد في الرقبة التي سيكفّر بها، فيجزئ أي رقبة كانت، سواء أكانت مؤمنة أم كافرة.
٣ قوله "أجمعت الأمة إلخ" جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال: الواجب جميع خصال الكفارة، فلو تركها عوقب على الجميع، ولو أتى بجميعها وقع الجميع واجبًا، ولو أتى بواحد سقط عنه الآخر، وقد يسقط الواجب بأسباب دون الأداء وذلك محال. فأجاب: أن هذا لا يطرد في الإمامين والكفؤين، فإن الجمع فيه حرام، فكيف يكون الكل واجبًا، ثم هو خلاف الإجماع في خصال الكفارة، إذ الأمة مجمعة على أن الجميع غير واجب. انظر: "نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٩٧".стр. 112
فإن قيل١: إن كانت الخصال متساوية عند الله -تعالى- بالنسبة إلى صلاح العبد، ينبغي أن يوجب الجميع، تسوية بين المتساويات.
وإن تميز بعضها بوصف ينبغي أن يكون هو الواجب عينًا.
قلنا: ولمَ قلتم: إن للإفعال صفات في ذاتها لأجلها يوجبها الله -سبحانه- بل الإيجاب إليه، له أن يخصص من المتساويات واحدًا بالإيجاب، وله أن يوجب واحدًا غير معين. ويجعل مناط التكليف اختيار المكلف، ليسهل عليه الامتثال.
جواب ثان٢: أن التساوي يمنع التعيين؛ لكونه عبثًا، وحصول المصلحة بواحد يمنع من إيجاب الزائد، لكونه إضرارًا مجردًا حصلت المصلحة بدونه، فيكون الواجب واحدًا غير معين.
فإن قيل٣: فالله -سبحانه- يعلم ما يتعلق به الإيجاب، ويعلم ما يتأدى به الواجب، فيكون معينًا في علم الله -سبحانه-.
قلنا: الله -سبحانه- إذا أوجب واحدًا لا بعينه علمه على ما هو عليه من نعته، ونعتُه أنه غير معين، فيعلمه كذلك، ويعلم أنه يتعين بفعل المكلف ما لم يكن متعينًا قبل فعله، والله أعلم.
الحواشي
(١) ١ هذا هو الدليل الأول للمعتزلة، أورده المصنف في صورة اعتراض.
٢ جواب آخر من المصنف على دليل المعتزلة المتقدم.
٣ هذا هو الدليل الثاني للمعتزلة، أورده المصنف في صورة اعتراض.
وخلاصة القول في الواجب المخير أن فيه ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أن الوجوب يتعلق بواحد مبهم من أمور معينة، وهو مذهب الجمهور. ويعبرون عنه بالأحد الدائر بينها، وتارة بواحد لا بعينه، وتارة بالقدر المشترك، فالذي تعلق به الإيجاب: هو الواحد المبهم، وليس فيه تخيير والذي حصل فيه التخيير: هو الأمور المعينة، ولم يتعلق به الإيجاب، فلا تعارض بين الإيجاب والتخيير، كما قد يتوهمه البعض.стр. 113
فصل: [في تقسيم الواجب باعتبار وقت الأداء]
والواجب ينقسم -بالإضافة إلى الوقت- إلى مضيق وموسع.
وأنكر أصحاب أبي حنيفة التوسع، وقالوا: هو يناقض الوجوب١.
ولنا٢: أن السيد لو قال لعبده: ابْن هذا الحائط في هذا اليوم: إما في أوله، وإما في وسطه، وإما في آخره وكيف أردت، فمهما فعلت امتثلت إيجابي، وإن تركت عاقبتك، كان كلامًا معقولًا.
ولا يمكن دعوى أنه ما أوجب شيئًا أصلًا، ولا أنه أوجب مضيقًا؛
الحواشي
(١) = المذهب الثاني: أن الأمر بالأشياء على التخيير يقتضي وجوب الكل، ويسقط بفعل واحد منها، وهو مذهب بعض المعتزلة، وهو قريب من مذهب الجمهور، فلا خلاف بينهما في المعنى.
المذهب الثالث: أن الواجب معين عند الله تعالى دون الناس، وهو مذهب ضعيف ترويه المعتزلة عن الجمهور، ويرويه الجمهور عن المعتزلة، ولذلك يسمى بمذهب التراجم، لأن كل فريق يرجم به الآخر، فلا أصل له.
انظر: "الإبهاج للسبكي جـ١ ص٨٦، المعتمد لأبي الحسين البصري جـ١ ص٨٧".
١ هذا هو الدليل الذي تمسك به الحنفية على أنكاء الواجب الموسع وخلاصته: أنه لو وجب الفعل فيما قبل الوقت الأخير لما جاز تركه، لكن التالي باطل، وهو أنه يجوز ترك الواجب، فبطل المقدم، وثبت نقيضه، وهو عدم الوجوب فيما قبل الجزء الأخير من الوقت.
وأجيب عنه: بأن جواز ترك الفعل فيما عدا الجزء الأخير لا يقتضي عدم الوجوب، لأن الوجوب فيما عدا الجزء الأخير وجوب موسع، والذي ينافي الوجوب: هو الترك في جميع الأوقات، لا الترك في بعض الأوقات.
٢ هذا هو الدليل العقلي للجمهور، وسيأتي -بعد ذلك- الدليل الشرعي.стр. 114
لأنه صرح بضد ذلك، فلم يبق إلا أنه أوجب موسعًا.
وقد عهدنا من الشارع تسمية هذا القسم واجبًا، بدليل أن الصلاة تجب في أول الوقت١.
وكذلك انعقد الإجماع على أنه يثاب ثواب الفرض، وتلزمه نيته٢، ولو كانت نفلًا لأجزأت نية النفل، بل لاستحالت نية الفرض من العالِمِ كونها نفلًا؛ إذ النية قصد يتبع العلم.
فإن قيل٣: الواجب ما يعاقب على تركه، والصلاة إن أضيفت إلى
الحواشي
(١) ١ هذا هو الدليل الشرعي، وهو: أن الصلاة تجب في أول الوقت وجوبًا موسعًا والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى في سورة الإسراء من الآية ٧٨: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْل﴾ وقوله تعالى في سورة طه من الآية ١٣٠: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وروي أن الله -تعالى- لما فرض الصلاة أرسل جبريل ﵇ ليعلّم النبي -صلى الله عليه وسلام- كيفية الصلاة وأوقاتها، فأم جبريل النبي ﷺ وصلى به الصلاة في أول يوم في أول الوقت، وفي اليوم الثاني صلاها في آخر الوقت، ثم قال له: "الوقت ما بين هذين" وهو حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه "١/ ١٠١" وأبو داود في سننه "١/ ١٦١"، وأحمد في مسنده "١/ ٣٣٣" والنسائي في سننه "١/ ٢٦٢".
قال البخاري: "هو أصح شيء في المواقيت".
وإذا كان الحديث قد قيد الوجوب بجميع الوقت، وهو صريح في هذا، فتخصيصه ببعض الأوقات دون البعض، تخصيص بلا دليل.
٢ هذا هو الدليل الثالث للجمهور، وهو: أن الإجماع منعقد على أن من أدى الصلاة في أول وقتها أثيب عليها ثواب الفرض، وتلزمه النية، إذ النية تابعة لعلم المكلف وقصده، ولذلك يقول الآمدي في الإحكام "جـ١ ص١٠٨" "أجمع السلف على أن من فعل الصلاة في أول الوقت ومات، أنه أدى فرض الله عليه".
٣ هذا دليل من أدلة المنكرين للواجب الموسع، أورده المصنف في صورة اعتراض وأجاب عليه بما قاله -بعد- من أن القسمة ثلاثية، مندوب، وواجب مضيق، =стр. 115
أخر الوقت فيعاقب على تركها، فتكون واجبه حينئذ، وإن أضيقت إلى أوله، فخيّر بين فعلها وتركها، وفعلها خير من تركها، وهذا حد الندب.
وإنما أثيب ثواب الفرض ولزمته نيته؛ لأن مآله إلى الفرضية، فهو كمعجّل الزكاة، والجامع بين الصلاتين في وقت أولاهما.
قلنا: الأقسام ثلاثة:
قسم: لا يعاقب على تركه مطلقًا، وهو: المندوب.
وقسم: يعاقب على تركه مطلقًا، وهو الواجب المضيق.
وقسم: يعاقب على تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت، ولا يعاقب بالإضافة إلى بعض أجزاء الوقت، وهذا القسم ثالث، يفتقر إلى عبارة ثالثة، وحقيقته لا تعدو "الواجب، والندب" وأولى عباراته: "الواجب الموسع".
قالوا: ليس هذا قسمًا ثالثًا، بل هو بالإضافة إلى أول الوقت ندب، وبالإضافة إلى آخره واجب، بدليل أنه في أول الوقت يجوز تركه، دون آخره١.
الحواشي
(١) وهذا القسم الثالث لا نستطيع أن نلحقه بالمندوب، لأن المندوب يجوز تركه مطلقًا، ولا نستطيع أن نلحقه بالواجب المضيق لأنه يخالفه، فلم يبق إلا أن نسميه باسم يختص به، وهو "الواجب" فهو واجب، لأن الشارع طلب فعله طلبًا جازمًا، وهو -أيضًا- موسع؛ لأن الشارع وسّع وقت الأداء، تيسيرًا على المكلفين، وما دام الشارع هو الذي رخص في ذلك فلا ينبغي المعارضة فيه، فلا اجتهاد مع النص، كما يقول العلماء.
١ خلاصة هذا الاعتراض: عدم التسليم بأن هذا قسم ثالث، بل هو داخل في القسمين، المندوب والواجب، فهو في أول الوقت ندب، لأنه يجوز تركه، وهذا هو الندب، وفي آخر الوقت واجب، لأنه لا يجوز تركه، وهذا هو حد الواجب.
وأجاب المصنف على هذا الاعتراض: بأن الندب يجوز تركه مطلقًا، =стр. 116
قلنا: بل حد الندب: ما يجوز تركه مطلقًا، وهذا لا يجوز إلا بشرط وهو: "الفعل بعده" أو: "العزم على الفعل"، وما جاز تركه بشرط فليس بندب، كما أن كل واحد من خصال الكفارة يجوز تركه إلى بدل.
ومن أمر بالإعتاق فما من عبد إلا يجوز تركه بشرط عتق ما سواه، ولا يكون ندبًا، بل واجبًا مخيرًا، كذا هذا يسمى واجبًا موسعًا١.
وما جاز تركه بشرط يفارق ما جاز تركه مطلقًا، وما لا يجوز تركه مطلقًا فهو قسم ثالث٢.
وإذا كان المعنى متفقًا عليه وهو: الانقسام إلى الأقسام الثلاثة، فلا معنى للمناقشة في العبارة.
وأما تعجيل الزكاة: فإنه يجب بنية التعجيل، وما نوى أحد من السلف في الصلاة في أول الوقت غير ما نواه في آخره، ولم يفرقوا أصلًا فهو مقطوع به٣.
الحواشي
(١) = والواجب الموسع يجوز تركه في أول الوقت مع نية فعله بعد ذلك، فهو مخالف للمندوب من هذا الوجه.
١ أراد المصنف بذلك: التنظير للواجب الموسع بالواجب المخير، فكما أنه في الواجب المخير مخير بين أمور معينة كذلك هنا مخير بين الوقت الأول: وما بعده. وهذا لا ينافي أن الوقت الأول أفضل من غيره، فالأفضلية شيء، وجواز التأخير شيء أخر.
٢ هو: الواجب الموسع -كما سبق توضيحه-.
٣ هذا رد على من قال: إن أداء الصلاة في أول الوقت يعتبر تعجيلًا كتعجيل دفع الزكاة قبل حولان الحول. وخلاصة الرد: أن الصلاة تفعل في أول الوقت كما تفعل في آخره بنية واحدة، ولم يفرق السلف الصالح بين النيتين، أما الزكاة فلا تجب ولا يتوجه الأمر بها إلا بعد حولان الحول، فدفعها قبل ذلك لا بد فيه من نية التعجيل، فهذا قياس مع الفارق.стр. 117
فإن قيل١. قولكم: "إنما جاز تركه بشرط العزم أو الفعل بعده" باطل، فإن لو ذهل أو غفل عن العزم ومات لم يكن عاصيًا".
ولأن الواجب المخير: "ما خير الشارع فيه بين شيئين" وما خير بين العزم والفعل.
ولأن قوله: "صل في الوقت" ليس فيه تعرض للعزم أصلًا، فإيجابه زيادة.
قلنا: إنما لم يكن عاصيًا، لأن الغافل لا يكلف.
فأما إذا لم يغفل، فلا يترك العزم على الفعل إلا عازمًا على الترك مطلقًا، وهو حرام، وما لا خلاص عن الحرام إلا به يكون واجبًا.
فهذا دليل وجوبه، وإن لم تدل عليه الصيغة، والله أعلم.
الحواشي
(١) ١ القائل: هم الذين لا يشترطون العزم على الفعل في الوقت اللاحق للوقت الذي لم تفعل فيه العبادة. وخلاصة ما حكاه المصنف عنهم: أنهم ردوا على مذهب القائلين باشتراط العزم بثلاثة أوجه. فيقول: "فإنه لو ذهل.... الخ" هذا هو الوجه الأول، وقوله: "ولأن الواجب المخير ... الخ" هو الوجه الثاني، وقوله: "ولأن قوله: صل الخ" هو الوجه الثالث. وقوله -بعد ذلك-: "قلنا" رد على الوجوه الثلاثة المتقدمة.
وخلاصة ما قيل في الواجب الموسع: أن العلماء متفقون على ذلك، إلا أنهم مختلفون في جزء الوقت الذي يتعلق به الوجوب ويمثلون في الجملة اتجاهين:
أ- اتجاه يعترف بالواجب الموسع.
ب- اتجاه آخر ينكر ذلك.
وتفرع على ذلك عد١١٢
فإن قيل١. قولكم: "إنما جاز تركه بشرط العزم أو الفعل بعده" باطل، فإن لو ذهل أو غفل عن العزم ومات لم يكن عاصيًا".
ولأن الواجب المخير: "ما خير الشارع فيه بين شيئين" وما خير بين العزم والفعل.
ولأن قوله: "صل في الوقت" ليس فيه تعرض للعزم أصلًا، فإيجابه زيادة.
قلنا: إنما لم يكن عاصيًا، لأن الغافل لا يكلف.
فأما إذا لم يغفل، فلا يترك العزم على الفعل إلا عازمًا على الترك مطلقًا، وهو حرام، وما لا خلاص عن الحرام إلا به يكون واجبًا.
فهذا دليل وجوبه، وإن لم تدل عليه الصيغة، والله أعلم.стр. 118
....................................................................................................
الحواشي
(١) = المذهب الأول:
أن الوجوب يتعلق بالوقت كله وجوبًا موسعًا، فيجوز إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت، فيجوز ترك الفعل في أول الوقت بدون بدل، ولا يعتبر عاصيًا ولا يأثم بالتأخير، إلا إذا تضيق الوقت فيحرم التأخير.
ومع ذلك فهم يقولون: إن أداء العبادة في أول الوقت أفضل، ففرق بين الأفضلية والجواز.
وهو مذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين.
واستدلوا على ذلك بدليلين: أحدهما من القرآن، وثانيهما من السنة.
أولا- من القرآن الكريم:
فقد استدلوا بقوله -تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] .
ووجه الاستدلال بالآية: أن الأمر بإقامة صلاة الظهر المفهوم من قوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ عام في جميع الأوقات، ولم يقتصر على وقت معين، فلا دلالة في الآية على إيقاع الصلاة في وقت معين، فقصره على بعض الأوقات لا دليل عليه. "الإحكام للآمدي ١/ ٩٩".
ويؤكد هذا الفهم دليل السنة الآتي:
ثانيًا: استدلوا من السنة بما تقدم من حديث جبريل ﵇ والذي جاء فيه "الوقت ما بين هذين" وهو نص في الموضوع من جهة، ومفسر للآية الكريمة من جهة ثانية.
المذهب الثاني: أن الإيجاب يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت، لكن لا يجوز ترك الواجب في الجزء الأول إلا ببدل، وهو العزم على إيقاع الفعل في الجزء الذي يليه، ثم إذا لم يفعل في ذلك الوقت تجدد البدل، وهكذا، حتى يدخل الوقت الأخير فيتعين هذا الجزء للأداء، وإلا خرج الوقت.
وهو مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة من الأشاعرة والمعتزلة. =стр. 119
..............................................................................................
الحواشي
(١) = وهذا المذهب يتفق مع المذهب المتقدم في أن الإيجاب يتعلق بأول الوقت وجوبًا موسعًا، إلا أنهم يخالفونهم من حيث إنهم يوجبون العزم في الوقت الذي لم يحصل فيه الفعل. ومن هنا كان دليلهم على الشق الأول هو نفس أدلة أصحاب المذهب الأول.
أما أنه يجب العزم فدليلهم على ذلك: أنه لو لم يجب العزم عند عدم الإتيان بالفعل للزم ترك الواجب بلا بدل: وترك الواجب بلا بدل باطل، لأنه يجعل الواجب غير واجب، ضرورة أن الواجب هو: ما لا يجوز تركه بلا بدل، وغير الواجب يجوز تركه بلا بدل، فثبت بذلك أنه لا بد من العزم عند عدم الفعل وهو المدّعي.
وأجاب الجمهور على ذلك: بأن العزم لا يصلح أن يكون بدلًا عن الواجب، لأنه لو صح أن يكون بدلًا لتأدى به الواجب، لأن بدل الشيء يقوم مقامه، والكل متفق على أن العزم هنا لا يقوم مقام الفعل، ولترتب على ذلك أن من أخر الصلاة عن أول الوقت مع الغفلة عن العزم يكون عاصيًا، لأنه ترك الواجب وبدله، ولم تتعرض النصوص الدالة على إيجاب الصلاة لشيء من ذلك، فإيجاب العزم زيادة على مقتضى الأمر الوارد بالصلاة.
يضاف إلى ذلك: أنه لو عزم على الفعل في الجزء الأول من أجزاء الوقت، فهل يجب العزم في الجزء الثاني والثالث وهكذا أو لا؟
فإن قلنا: إنه لا يجب فقد ترك الواجب بلا بدل، ولزم على ذلك تخصيص جزء من الوقت بدون مخصص، حيث أوجبنا العزم في الجزء الأول، دون بقية الأجزاء.
وإن قلنا: يجب تعدد العزم لزم على ذلك تعدد البدل، والمبدل منه واحد، وهذا لا يجوز، لأن البدل -دائما- تابع للأصل وهو المبدل منه.
ثانيًا- اتجاه المنكرين للواجب الموسع:
وتفرع عن هذا الاتجاه ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أن الوجوب يختص بأول الوقت، فإن فعل في آخره كان قضاء. =стр. 120
.................................................................................................
الحواشي
(١) = وهو منقول عن بعض المتكلمين، ونسب خطأ إلى الشافعية، فهي نسبة غير صحيحة.
واستدل القائلون بذلك بأدلة ضعيفة لا تصلح للاحتجاج بها.
منها: ما روي أن الرسول ﷺ : قال: "الصلاة في أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله" "رواه الترمذي والدراقطني: الترغيب والترهيب جـ١ ص٢٥٦".
وقالوا في وجه الدلالة: إن النبي ﷺ قد أخبرنا بأن الصلاة في أول الوقت سبب رحمة الله ورضائه عن فاعلها، وأن فعلها في آخر الوقت يعد معصية، بدليل قوله ﷺ : "عفو الله" لأن العفو إنما يكون عن شيء فيه مخالفة.
وأجيب عن هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا الحديث ضعيف جدًّا. قال البيهقي في المعرفة: هذا الحديث كذبه أحمد بن حنبل، وقد روي بأسانيد كلها ضعيفة.
"تحفة الأحوذي ١/ ٥١٧، سبل السلام ١/ ١٧".
الوجه الثاني: أنه مع فرض التسليم بصحته فإنه لا يثبت المدّعي، لأن العفو الوارد في الحديث لا يدل على أن الصلاة في آخر الوقت معصية، لكنه يلج على أن المكلف قد تباطأ في أداء العبادة في أول وقتها، ولا شك أن الوقت الأول وقت فضيلة بلا خلاف، فإهمال لوقت الفضيلة يستحق العفو من الله تعالى. فغاية ما يدل عليه الحديث: هو حث المكلف على المبادرة بأداء العبادة في أول وقتها حتى يستحق رضا الله تعالى ومغفرته.
بالإضافة إلى أن أن هذا الحديث مخالف لحديث جبريل المتقدم وهو حديث صحيح.
المذهب الثاني:
أن الوجوب يختص بآخر الوقت، فإن فعل أوله كان من قبيل التعجيل، وهو مروي عن بعض الحنفية.
واستدلوا على ذلك: بأنه لو وجب الفعل فيما قبل الوقت الأخير لما جاز تركه لكن التالي باطل، وهو أنه لا يجوز ترك الواجب، فبطل المقدم، وثبت نقيضه، =стр. 121
فصل: [في تضييق الواجب الموسع]
إذا أخر الواجب الموسع فمات في أثناء وقته قبل ضيقه١ لم يمت عاصيًا، لأنه فعل ما أبيح له فعله، لكونه جُوِّز له التأخير٢.
الحواشي
(١) = وهو عدم الوجوب فيما قبل الجزء الأخير من الوقت.
وأجيب عن هذا الدليل: بأن جواز ترك الفعل فيما عدا الجزء الأخير لا يقتضي عدم وجوب الفعل، لأن الوجوب فيما عدا الجزء الأخير وجوب موسع، والذي ينافي الوجوب هو الترك في جميع أوقات الفعل، لا الترك في بعض الأجزاء والإتيان به في البعض الآخر.
والوجوب في الوقت الأخير أصبح مضيقًا، بحيث إذا لم يفعله فيه خرج وقته كله.
المذهب الثاني: أن المكلف إذا أتى بالفعل في أول الوقت، فإن جاء آخر الوقت والمكلف على صفة التكليف، بأن كان بالغًا، عاقلًا، خاليًا من الموانع الشرعية، كان فعله في أول الوقت واجبًا.
وإن جاء آخر الوقت وقد زالت عن المكلف صفة التكليف، بأن جن المكلف، أو حاضت المرأة مثلًا، كان الفعل الذي فعله في أول الوقت مندوبًا، وهذا المذهب مروي عن الإمام الكرخي من أئمة الحنفية.
وهذا المذهب من الضعف بحيث لا يحتاج إلى استدلال أو مناقشة. فهو مذهب مخالف لما عليه عامة الفقهاء، كما أنه مخالف لظاهر الآيات، وللأحاديث الصحيحة التي تثبت أن الواجب الموسع يجوز فعله في أي جزء من أجزاء هذا الوقت، وإن كان الأداء في أول الوقت فضلية.
١ يريد: قبل تضييق وقته، فلو أخره حتى ضاق الوقت فإنه يموت عاصيًا، كما لو أخر الصلاة لوقت لا يكفي لأدائها.
٢ هذا تعليل كونه لا يموت عاصيًا، وهذا الرأي هو الراجح عند المحققين من =стр. 122
فإن قيل١: إنما جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة؟
قلنا: هذا محال؛ فإن العاقبة مستورة عنه٢.
ولو سألنا فقال: "عليّ صوم يوم فهل يحل لي تأخيره إلى غد" فما جوابه؟
إن قلنا: "نعم" فلم أثم بالتأخير؟
وإن قلنا: "لا" فخلاف الإجماع.
وإن قلنا إن كان في علم الله أنك تموت قبل غدٍ، لم يحل، وإلا فهو يحل.
فيقول: وما يدريني ما في علم الله، فلا بد من الجزم بجواب.
فإذًا: معنى الوجوب وتحقيقه: أنه لا يجوز له التأخير، إلا بشرط العزم، ولا يؤخر إلا إلى وقت يغلب على ظنه البقاء إليه. والله أعلم.
الحواشي
(١) = الأصوليين، حتى حكى بعضهم الإجماع على ذلك.
١ هذا يعتبر مذهبًا ثالثًا، وهو: أنه يجوز التأخير بشرط سلامة العاقبة، مثل: عدم المرض، أو كبر السن وما أشبه ذلك.
٢ صحيح هي مستورة، لكن لها أمارات، والأحكام العملية يكتفى فيها بغلبة الظن.
وتفرع على ذلك: أنه لو تخلف ظنه وعاش بعد الوقت الذي ظن أنه لن يعيش بعده، وأدى الفرض -بعد هذا الوقت-، فهل يعتبر أداء، باعتبار الواقع، لا عبرة بهذا الظن الذي تخلف. أو يعتبر قضاء باعتبار ظنه رأيان في المسألة.стр. 123
فصل: [في مقدمة الواجب وحكمها]
ما لا يتم الواجب إلا به ينقسم إلى: ما ليس إلا المكلف، كالقدرة واليد في الكتابة، وحضور الإمام والعدد في الجمعة، فلا يوصف بوجوب.
وإلى ما يتعلق باختيار العبد، كالطهارة للصلاة، والسعي إلى الجمعة، وغسل جزء من الرأس مع الوجه، وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم، فهو واجب.
وهذا أولى من قولنا: يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب؛ إذ قولنا: "يجب ما ليس بواجب" متناقض، لكن الأصل: وجب بالإيجاب قصدًا، والوسيلة وجبت بواسطة وجوب المقصود، فهو واجب كيف ما كان، وإن اختلفت علة إيجابهما١.
الحواشي
(١) ١ خلاصة ذلك: أنه من المباحث المتعلقة بالواجب: ما يسمى بمقدمة الواجب، أو ما لا يتم الواجب إلا به، أو ما يتوقف عليه الواجب، أو الوسيلة، وكلها تنزل على معنى واحد. ومقدمة الواجب نوعان:
١- مقدمة وجوب: وهي ما يتوقف عليها وجوب الواجب، وقد تكون سببًا كملك النصاب للزكاة، وقد تكون شرطًا كالبلوغ، فإنه شرط للتكليف، وقد تكون مانعًا، كالدين، فإنه مانع من وجوب الزكاة. وهذا النوع لا خلاف بين العلماء في عدم التكليف به، لعدم قدرة المكلف على تحصيله.
٢- مقدمة وجود: وهي ما يتوقف عليها وجود الواجب وإيقاعه على صفة الكمال، كما أراد الشارع. وهي أيضًا نوعان:
أ- نوع غير مقدور للمكلف، مثل: حضور الإمام والعدد المشترط لصحة صلاة الجمعة. وهذا النوع متفق على عدم التكليف به أيضًا، لعدم قدرة المكلف على تحصيله. =стр. 124
فإن قيل: لو كان واجبًا لأثيب على فعله، وعوقب على تركه، وتارك الوضوء والصوم لا يعاقب على ما ترك من غسل الرأس وصوم الليل١.
قلنا: ومن أنبأكم أن ثواب القريب من البيت في الحج مثل ثواب البعيد وأن الثواب لا يزيد بزيادة العمل في الوسيلة؟
وأما العقوبة: فإنه يعاقب على ترك الوضوء والصوم، ولا يتوزع على أجزاء الفعل، فلا معنى لإضافته إلى التفصيل.
الحواشي
(١) = ب- النوع الثاني: مقدمة مقدورة للمكلف. وهي محل خلاف بين العلماء في: هل إذا أمر الشارع أمرًا مطلقًا بفعل يتوقف وجوده على شرط أو سبب، يكون أمرًا بالمقدمة، أو أنها تكون بأمر آخر؟
وقد اختار المصنف أن الأمر بالشيء الواجب يقتضي وجوب المقدمة، ولذلك قال: "فهو واجب كيفما كان".
١ اعتاد المصنف: أن يورد المذهب المخالف ضمنًا في صورة اعتراض، يدل على المذهب وعلى دليله، وهذا هو دليل المذهب الثاني الذي يرى أن الأمر بالشيء ليس أمرًا بما يتوقف عليه، سواء أكان سببًا أم شرطًا.
وهناك مذهبان آخران أغفلهما المصنف:
أحدهما: أن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يدل على إيجاب السبب، دون الشرط، وحجة أصحاب هذا المذهب: أن ارتباط السبب بالمسبب أقوى وأشد من ارتباط الشرط بالمشروط، ولذلك يلزم من وجود السبب وجود المسبب، بخلاف الشرط، فلا يلزم من وجوده الوجود.
ثانيهما: أن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يستلزم إيجاب ما يتوقف عليه إن كان شرطًا شرعيًّا، أما إن كان شرطًا عقليًّا أو عاديًّا، أو سببًا فلا يقتضي ذلك، وهذا الرأي منسوب لإمام الحرمين.
ومن خلال استعراض هذه المذاهب الأربعة نرى رجحان ما ذهب إليه ابن قدامة، من أن الأمر بالشيء يستلزم وجوب ما يتوقف عليه مطلقًا، سواء أكان =стр. 125
فصل: [في بعض الفروع المخرجة على مقدمة الواجب]
وإذا اختلطت أخته بأجنبية١، أو ميتة بمذكاة حرمتا: الميتة بعلة الموت، والأخرى بعلة الاشتباه.
وقال قوم: المذكاة حلال، لكن يجب الكف عنها.
وهذا متناقض٢، إذ ليس الحل والحرمة وصفًا ذاتيًّا لهما، بل هو متعلق بالفعل، فإذا حرم فعل الأكل فيهما فأي معنًى لقولنا: هي حلال؟!
وإنما وقع هذا في الأوهام، حيث ضاهى الوصف بالحل والحرمة الوصف بالسواد والبياض، والأوصاف الحسية، وذلك وَهْم على ما ذكرناه. والله أعلم.
الحواشي
(١) = سببًا أم شرطًا، لأنه لا يعقل أن يكلف الشارع بشيء يتوقف وجوده على شيء آخر بدون تكليف بهذا الشيء، ما دام مقدورًا للمكلف.
انظر في هذه المسألة: الإبهاج للإمام السبكي "١/ ١١٠"، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد "١/ ٢٤٤".
١ وكذا لو اختلطت زوجته بأجنبية، حرمتا أيضًا، الأجنبية حرام، لأنها أجنبية، وحرمت زوجته لاشتباهها بالأجنبية، ولا يمكن اجتناب الأجنبية إلا باجتناب الاثنتين، ويقال مثل ذلك في الميتة والمذكاة، الميتة حرام أصلًا، والمذكاة حرام لاشتباهها بالميتة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والواجب هنا هو الكف عن أخته فلا يتزوجها، وعن الأجنبية فلا يقربها، وعن الميتة فلا يأكلها، ولا يتحقق ذلك إلا بالكف عما اختلط بالمحرم، فاجتناب ما اشتبه بالمحرم بالأصالة واجب.
٢ لأنه يؤدي إلى أنهما يباحان ويحرمان في وقت واحد. وهذا الرد من "ابن قدامة" فيه مبالغة، لأن المخالفين نظروا إلى الواقع ونفس الأمر, والواقع: أن الأجنبية =стр. 126
فصل: [في الواجب غير المحدد] ١
الواجب الذي لا يتقيد بحد محدود، كالطمأنينة في الركوع والسجود، ومدة القيام والعقود، إذا زاد على أقل الواجب: فالزيادة ندب، واختاره أبو الخطاب٢.
الحواشي
(١) = حلال، والمذكاة حلال، لكنهما وجب الكف عنهما -مؤقتًا- لحين التمييز بينهما، ولم يقل أحد من العلماء إن التحريم متوجه إلى الذوات، وهذا ما قاله البيضاوي -تبعًا للإمام الرازي ومختصريه- قال: "لو اشتبهت المنكوحة بالأجنبية حرمتا: على معنى أنه يجب الكف عنهما" قال الإسنوي -شرحا على ذلك-: "المراد بتحريم الأجنبية: إنما هو الكف، لا تحريم ذاتها" انظر: نهاية السول على منهاج البيضاوي جـ١ ص٢١٢ وبهامشه سلم الوصول للشيخ المطيعي.
١ هذا فرع آخر من الفروع المخرجة على ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ووجه تخريجه عليه: أن غير الواجب فيه وهو الزيادة لاحق له من آخره، ومقدمة الواجب لاحقة له من أوله.
وقد بين الطوفي في شرح مختصر الروضة "١/ ٣٤٨" محل الخلاف فقال: "الزيادة على الواجب إما أن تكون متميزة عنه أو لا: فإن تميزت عنه: كصلاة التطوع بالنسبة إلى المكتوبات فهي -يعني الزيادة المتميزة- ندب اتفاقًا. إذ لا نص في وجوبها ولا إجماع، ولا جامع بينها وبين الواجب حتى تقاس عليه، ولا اشتدت ملابستها للواجب حتى تلحق به، ولا مدرك لثبوت الأحكام شرعًا إلا هذه الأدلة: النص والإجماع والقياس والاستدلال.
وإن لم تتميز الزيادة على الواجب ولا تنفصل حقيقتها من حقيقته حسًّا، كالزيادة في الطمأنينة..... واجبة عند القاضي أبي يعلى، ندب عند أبي الخطاب وهو الصواب".
٢ محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني الحنبلي. ولد سنة ٤٣٢هـ، كان أحد =стр. 127
وقال القاضي١: الجميع واجب؛ لأن نسبة الكل إلى الأمر واحد، والأمر في نفسه أمر واحد، وهو أمر إيجاب، ولا يتميز البعض عن البعض، فالكل امتثال.
ولنا: أن الزيادة يجوز تركها مطلقًا من غير شروط ولا بدل، وهذا هو الندب.
ولأن الأمر إنما اقتضى إيجاب ما تناوله الاسم فيكون هو الواجب، والزيادة ندب، وإن كان لا يتميز بعضه عن البعض، فيعقل كونه بعضه واجبًا، وبعضه ندبًا، كما لو أدى دينارًا عن عشرين"*".
الحواشي
(١) = أئمة المذهب وأعيانه، صنف العديد من الكتب منها "التمهيد" في أصول الفقه. توفي سنة ٥١٠هـ.
انظر في ترجمته: "المنهج الأحمد ٢/ ١٩٨، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص٢١١-٢٣٩".
١ محمد بن الحسين بن محمد، أبو يعلى الفراء الحنبلي، كان عالم زمانه وفريد عصره، إمامًا في الأصول والفروع. ولد سنة ٣٨٠هـ. وتوفي سنة ٤٥٠هـ. من مؤلفاته في الأصول "العدة" "طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٣-٢٣٠".
"*" الواجب العيني والواجب الكفائي.
ترك المصنف تقسيمًا من تقسيمات الواجب، وهو: تقسيمه إلى واجب عيني، وواجب كفائي، فلزم إضافة هذا التقسم هنا فنقول:
الواجب العيني: هو ما توجه فيه الطلب إلى كل مكلف، أي طلب الشارع فعله من كل واحد من المكلفين، فلا يكفي فيه قيام البعض دون البعض الآخر، ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بأدائه، ومن يأثم بالترك، ولا يغني عنه فعل غيره، ولذلك سمي بفرض العين، لأن المنظور إليه في هذا الواجب: الفعل نفسه، والفاعل نفسه، مثل: فرائض الصلاة، والصيام، والوفاء بالعقود، وإعطاء كل ذي حق حقه.
والواجب الكفائي: هو ما طلب الشارع حصوله من جماعة المكلفين من غير =стр. 128
..........................................................................................
الحواشي
(١) نظر إلى فاعله، لأن مقصود الشارع حصول الفعل فقط، فإذا فعله البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يفعل نهائيًّا أثم الجميع، لتعلق الطلب بالكل.
فالطلب هنا منصب على إيجاد الفعل في حد ذاته لا إلى الفاعل.
ومن أمثلته: الجهاد، والقضاء، وأداء الشهادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإيجاد الصناعات والحرف المختلفة والعلوم التي تحتاج إليها الأمة، وإعداد القوة بأنواعها ونحو ذلك مما يحقق مصلحة الأمة.
ولا خلاف بين الأصوليين في أن الواجب الكفائي يتحقق المقصود منه بفعل بعض المكلفين، وعلى أن ترك الواجب الكفائي من جميع المكلفين يستوجب تأثيم الجميع، لأنهم فوّتوا ما قصد من الفعل، وكذلك لو قام به عدد أقل ممن يسد بهم الحاجة، فالفاعلون مثابون، وغيرهم آثمون.
لكنهم مختلفون في الخطاب المتعلق بهذا الفعل، هل هو موجه إلى جميع المكلفين، ويسقط بفعل البعض، أو هو موجه إلى بعض غير معين؟
فالجمهور على أنه متعلق بجميع المكلفين، بمعنى أن القادر على الفعل عليه أن يقوم بنفسه، وغير القادر يحث غيره على القيام به.
وذهب بعض الأصوليين ومنهم المعتزلة إلى أن فرض الكفاية يتعلق بطائفة غير معينة، لأنه لو تعلق بالكل لما سقط إلا بفعل الكل.
وتظهر ثمرة هذا الخلاف: فيمن علم بشيء من فروض الكفايات، كتغسيل ميت وتكفينه، والصلاة عليه، وشك هل هناك من قام بهذا الواجب أو لا؟
فعلى رأي الجمهور يجب عليه السعي ليتبين حقيقة الأمر، لأن الأمر متعلق به على سبيل الوجوب المحقق، ولا يسقط بالشك.
أما على الرأي الثاني فلا يلزمه ذلك، لأن الخطاب لم يتوجه إليه.
وقد يصير الواجب الكفائي واجبًا عينيًّا، إذا انحصر الفعل المطلوب في شخص معين أو فئة معينة، كالجهاد، فإنه يصبح فرض عين على كل قادر عليه، إذا لم يحصل بعدد محدد.
ومثل ذلك: إذا شهد المكلف القادر دون غيره منكرًا، فعليه إنكاره بقدر استطاعته. =стр. 129
فصل: القسم الثاني: المندوب
...
القسم الثاني: المندوب ١
والندب في اللغة: الدعاء إلى الفعل. كما قال:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائبات على ما قال برهانا٢
الحواشي
(١) = ومثله الطبيب في مكان ناء عن المدن، ولم يوجد غيره أصبح إسعاف المريض بالنسبة له فرض عين.
أيهما أفضل: فرض العين أم فرض الكفاية؟
للعلماء في هذه المسألة رأيان:
الرأي الأول: أن فرض العين أفضل، لشدة اعتناء الشارع به، ولذلك طلب فعله من كل مكلف ولذلك يكره ترك فرض العين لأداء فرض الكفاية، فلا يحسن ترك الطواف المفروض لصلاة الجنازة، لأن الأول فرض عين، والثاني فرض كفاية.
وهذا هو رأي الشافعية وغيرهم.
الرأي الثاني: أن فرض الكفاية أفضل، لأن فاعل الكفاية ساع في صيانة الأمة كلها عن المأثم، أما فرض العين فإنه يصان به الإثم عن الفاعل فقط، ولا شك أن ما يتعلق بالأمة كلها أهم، وأولى مما يتعلق بالبعض.
وإلى هذا ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وإمام الحرمين ووالده.
انظر: "التمهيد اللإسنوي، حاشية البناني على شرح جمع الجوامع جـ١ ص١٨٣، الإبهاج للسبكي ١/ ١٠٠ طبعة الكليات الأزهرية، نهاية السول للإسنوي ١/ ٩٤، الوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان ص٣٧، الطبعة الثانية.
١ القسم الثاني: من أقسام الحكم التكليفي: المندوب. ويسمى: سنة ومستحبًّا وتطوعًا وطاعة ونفلًا وقربة ومرغبًا فيه وإحسانًا. وهي اصطلاحات مستحدثة في المذاهب، والمتفق عليه بين المتقدمين: الفرض والسنة.
٢ الشاعر هو: قريط بن أنيف العنبري، والبيت من القصيدة له يهجو بها قومه، ويمدح بني مازن الذين استنقذوا إبله بعد أن تخلى عنه قومه. انظر: شرح ديوان الحماسة للتبريزي "١/ ١٩".стр. 130
وحده في الشرع: مأمور لا يلحق بتركه ذم، من حيث تركه من غير حاجة إلى بدل١.
وقيل: هو ما في فعله ثواب، ولا عقاب في تركه.
والمندوب مأمور [به] . وأنكر قوم كونه مأمورًا [به] قالوا: لأن الله -سبحانه- قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ ٢. والمندوب لا يحذر فيه ذلك.
ولأن٣ النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"٤. وقد ندبهم إلى السواك، علم أن الأمر لا يتناول المندوب.
الحواشي
(١) ١ قوله: "مأمور" جنس يتناول الواجب والمندوب، وقوله: "لا يحلق بتركه ذم...." أعم من أن يكون تركه مطلقًا أو إلى بدل، فيشمل: الواجب الموسع، والمخير، وفرض الكفاية، لأن جميعها مأمورات يجوز تركها، لكن إلى بدل، فلما قال: "من غير حاجة إلى بدل" أخرج ذلك كله وأبقى المندوب.
٢ سورة النور من الآية: ٦٣ وهي الدليل الأول للقائلين بأن المندوب غير مأمور به.
٣ هذا هو الدليل الثاني للقائلين بأن المندوب غير مأمور به.
٤ حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب التمني "٨٨٧" ومسلم: كتاب الطهارة، باب السواك "٢٥٢" وأبو داود: كتاب الطهارة، باب السواك "٤٦" والنسائي: كتاب الطهارة، باب السواك "١/ ١٢" والترمذي حديث رقم "٢٣" وابن ماجه "٢٨٧"، والطحاوي في شرح معاني الآثار "١/ ٤٠٣" من حديث أبي هريرة ﵁. كما رواه عن زيد بن خالد الجهني: أحمد في مسنده "٤/ ١١٤، ١١٦"، وأبو داود "٤٧" والترمذي "٢٣" وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه أحمد والطحاوي عن علي بن أبي طالب ﵁.
ووجه الدلالة من الحديث -كما قال أصحاب هذا المذهب-: أن السواك مندوب، مع أن الرسول ﷺ لم يأمر أمته =стр. 131
ولأن١ الأمر: اقتضاء جازم لا تخيير معه، وفي الندب تخيير، ولم يسم تاركه عاصيًا.
ولنا٢ أن الأمر: استدعاء وطلب، والمندوب مستدعًى ومطلوب، فيدخل في حقيقة الأمر. قال الله تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٤. ومن ذلك ما هو مندوب.
ولأنه٦: شاع في ألسنة الفقهاء: أن الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب وأمر استحباب.
الحواشي
(١) = بالسواك، فلا يكون المندوب مأمورًا به. وقد أجاب المصنف على ذلك كما سيأتي.
١ هذا هو الدليل الثالث وخلاصته: أن الأمر طلب فعل جازم لا تخيير فيه، وتاركه يسمى عاصيًا، لقول الله تعالى -عن موسى ﵇ لأخيه-: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣] والمعنى: عصيتني بمخالفة أمري، والمندوب على عكس ذلك، فليس فيه طلب جازم، وإنما فيه تخيير بين الفعل والترك، كما أن تاركه لا يسمى عاصيًا، فدل ذلك على أن ليس مأمورًا به.
٢ من هنا سيبدأ المصنف في إيراد الأدلة على أن المندوب مأمور به.
٣ سورة النحل من الآية: ٩٠.
٤ سورة لقمان من الآية: ١٧.
٥ ومثلهما قوله تعالى في سورة الحج الآية: ٧٧: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
ووجه الدلالة من هذه الآيات: أن من المأمور به ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب، فمن الإحسان وإيتاء ذي القربى ما هو على سبيل الجزم، ومنه ما هو على سبيل الاستحباب والندب، وكذلك الأمر بالمعروف، وفعل الخير، فثبت بذلك: أن الأمر يطلق على المندوب، كما يطلق على الواجب، وهذا هو الدليل الأول.
٦ هذا هو الدليل الثاني.стр. 132
ولأن١: فعله طاعة، وليس ذلك لكونه مرادًا، إذ الأمر يفارق الإرادة، ولا لكونه موجودًا؛ فإنه موجود في غير الطاعات "أو حادثًا، أو لذاته، أو صفة نفسه؛ إذ يجري ذلك في المباحات"٢. ولا لكونه مثابًا؛ فإن الممتثل يكون مطيعًا وإن لم يثب، وإنما الثواب للتراغيب في الطاعات.
وقولهم٣: "إن الأمر ليس فيه تخيير" ممنوع.
الحواشي
(١) ١ هذا هو الدليل الثالث.
٢ ما بين القوسين من المستصفى، والذي في الروضة "فإنه في غير الطاعات" وهي توهم أن المندوب كما يكون في الطاعات يكون غير غيرها، وهو خطأ، فالمصنف بحذفه هذه العبارات جعل المعنى مختلًا. وخلاصة هذا الدليل: أن الندب أمر وفيه طاعة، وهذه العبارة ليست باعتبار كون الأمر مرادًا، لأن الأمر يفارق الإرادة، ولا باعتبار كونه موجودًا أو حادثًا أو لذاته أو صفة نفسه، فهذا كله موجود في المباحات، ولا باعتبار كونه مثابًا عليه، فإن المأمور يعتبر مطيعًا حتى ولو لم يثب، فإن الثواب للترغيب، فقد يحبط عمله بالفكر، فثبت بذلك كله أن المندوب داخل في الأمر.
انظر: "نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص١١٥".
٣ بدأ المصنف ينافش أدلة المخالفين. فبدأ بمناقشة الدليل الأول: وهو: "أن الطلب والتخيير متنافيان" فقال: هذا غير صحيح، لأن الطلب قد يكون جازمًا وقد يكون غير جازم.
ولو سلمنا -جدلًا- بأن الطلب والتخيير متنافيان، فنقول: إن الندب ليس تخييرًا مطلقًا، بدليل أن الفعل فيه أرجح من الترك، للثواب على فعله، وعدم الثواب في تركه. ولم يسم تاركه عاصيًا، لأن الله تعالى هو الذي أسقط عنه هذا، لأن الأمر فيه ليس جازمًا.
وقول النبي ﷺ : "..... لأمرتهم بالسواك...." لا يدل على مدّعاكم، لأن المنفي في الحديث: هو الأمر على سبيل الجزم والوجوب، بدليل أنه ﷺ ندبهم إلى هذه السنة وأمرهم بها في بعض الأحاديث الأخرى، كقوله ﷺ : =стр. 133
وإن سلمنا: فالمندوب كذلك، لأن التخيير عبارة عن التسوية، فإذا ترجح جهة الفعل ارتفعت التسوية والتخيير.
ولم يسم تاركه عاصيًا، لأنه اسم ذم، وقد أسقط الله -تعالى- الذم عنه، لكن يسمى مخالفًا وغير ممتثل، ويسمى فاعله موافقًا ومطيعًا.
وقول النبي ﷺ : ".... لأمرتهم بالسواك....." أي: أمرتهم أمر جزم وإيجاب.
وقوله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب، ونحن نقول به، لكن يجوز صرفه إلى الندب بدليل، ولا يخرج بذلك عن كونه أمرًا، كما ذكرناه في دليلنا. والله أعلم.
القسم الثالث: المباح
وحدّه: ما أذن الله في فعله وتركه، غير مقترن بذم فاعله وتاركه ولا مدحه١.
الحواشي
(١) = "تسننوا ولا تدخلوا عليّ قُلْحًا بُخْرا" [رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من حديث عبد الله بن بشر المازني. والقلح: الذي أصفرت اسنانه حتى بخرت من باطنها] . والجمع بين الحديثين يكون بحمل الأول على الندب، والحديث الذي معنا الذي نفى الأمر على الإيجاب، حتى لا يكون هناك تعارض في الأدلة الشرعية، والرد على الاستدلال بالآية الكريمة واضح.
١ هذا أحد التعريفات الشرعية للمباح، وعرفه البعض بأنه: ما اقتضى خطاب الشرع التسوية بين فعله وتركه من غير مدح يترتب عليه ولا ذم.
أما معناه في اللغة: فمأخوذ من الإباحة، وهي: الإظهار، يقال: باح بسره، إذا أظهره: وقيل: مأخوذ من باحة الدار وهي ساحتها، إذ فيه معنى السعة =стр. 134
وهو من الشرع١.
الحواشي
(١) وانتفاء العائق، لأن الساحة تتسع للتصرف فيها بالسعي والحركة بحسبها، والعائق من ذلك منتف فيها.
انظر: "القاموس المحيط فصل الباء، باب الحاء، شرح مختصر الروضة ١/ ٣٨٦".
١ وهذا هو رأي جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك: بأن الإباحة عبارة عن خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك، فمعنى الإباحة: قول الشارع: أبحت لكم هذا، أو أنتم مخيرون في فعله وتركه، وهذا يتوقف على خطاب الشارع، فتكون الإباحة حكمًا شرعيًّا.
وذهب بعض المعتزلة ومنهم الكعبي: "عبد الله بن أحمد، رأس طائفة من المعتزلة تسمى الكعبية. توفي سنة ٣١٩هـ" ذهب إلى أن الإباحة حكم عقلي، إذ إنها عبارة عن انتفاء الحرج عن المكلف، وذلك ثابت قبل ورود الشرع.
وأجاب الجمهور على ذلك: بأن الإباحة عبارة عن خطاب الشارع بالتخيير، وهذا متوقف على ورود الشرع. والخلاف بين الجمهور والمعتزلة في هذه المسألة متفرع على مسألة أخرى هي: الحسن والقبح في الأشياء، هل هي شرعية أو عقلية، فلا بد من بيان ذلك.
معنى الحسن والقبح:
يطلق الحسن والقبح على معان ثلاثة:
المعنى الأول: أن الحسن: ما يلائم الفطرة الإنسانية المائلة إلى جلب المنافع ودفع المضار.
والقبح: ما ينافر الفطرة: فإنقاذ الإنسان من تهلكة حسن، وترك إنقاذه قبيح.
المعنى الثاني: أن الحسن: صفة كمال يستحق فاعله المدح من العباد في الدنيا.
والقبح: صفة نقص يستحق فاعله الذم من العباد في الدنيا. فالعلم حسن، والجهل قبيح.
وهذان المعنيان لا خلاف بين العلماء في أنهما عقليان أي أن الفعل يستقل بإدراك ما فيهما من حسن أو قبيح من غير توقف على الشرع.стр. 135
........................................................................................................
الحواشي
(١) = المعنى الثالث: الحسن: ما يستحق فاعله المدح من الله تعالى، والثواب في الآخرة، كالصدق والتواضع، والجود.
والقبح: ما يستحق فاعله الذم من الله تعالى، والعقاب في الآخرة، كالكذب والتكبر، والبخل.
وهذا النوع هو الذي جرى فيه الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة.
فالمعتزلة يرون أنهما عقليان، أي أن العقل يستطيع أن يدرك ما فيهما من حسن أو قبح، وأن الوقوف على حكم الله تعالى لا يفتقر إلى ورود الشرع، لاعتقادهم وجوب مراعاة المصالح والمفاسد، وهذا أمر يدركه العقل، والشرائع تأتي مؤكدة لذلك، وأن الله تعالى عليه أن يأمر وينهى على وفق ما في الأفعال من حسن أو قبح.
أما أهل السنة: فإنهم يقولون: لا يعلم ذلك إلا من جهة الشرع، إذ لا حاكم إلا الله تعالى، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح، ما قبحه الشرع، وأما العقل فلا يحسّن، ولا يقبّح، ولا يوجب ولا يحرّم.
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة: أن المعتزلة يرون أن حسن الأشياء أو قبحها ذاتي، وأهل السنة يرون أنهما تابعان لصفات قائمة بهما.
ومن المؤكد أن رأي أهل السنة: هو الأرجح، وإلا لو كان حسن الأشياء أو قبحها ذاتيًّا، لكان الصدق حسنًا في كل الأحوال، ولكان الكذب قبيحًا في كل صوره، مع أن هذا مخالف للواقع.
وقد أطال العلماء في الرد على مسلك المعتزلة ومن معهم، ومن أقوى الأدلة الدالة على بطلان مذهبهم: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فإن هذا النص الكريم يقتضي نفي التعذيب بمباشرة بعض الأفعال وترك بعضها قبل بعثة الرسل، ومذهب المعتزلة يستلزم تعذيب تارك الأفعال ومباشرة بعضها قبل بعثة الرسل، لأن الحسن والقبح -على مذهبهم- يتحقق قبل البعثة، والحسن في بعض الأفعال مستلزم لكونه واجبًا، والقبح في بعضها مستلزم لكونه حرامًا، فيكون بعض الأفعال قبل البعثة واجبًا، =стр. 136
وأنكر بعض المعتزلة ذلك؛ إذ معنى الإباحة: نفي الحرج عن الفعل والترك، وذلك ثابت قبل ورود السمع، فمعنى إباحة الشيء: تركه على ما كان قبل السمع.
قلنا١: الأفعال ثلاثة أقسام:
قسم صرح فيه الشرع بالتخيير بين فعله وتركه، فهذا خطاب، ولا معنى للحكم إلا الخطاب.
وقسم لم يرد فيه خطاب بالتخيير، لكن دل دليل السمع على نفي الحرج عن فعله وتركه، فقد عرف بدليل السمع، ولولا هو لعرف بدليل العقل نفي الحرج عنه، فهذا اجتمع عليه دليل العقل والسمع.
وقسم لم يتعرض الشرع له بدليل من أدلة السمع، فيحتمل أن يقال: قد دل السمع على أن ما لم يرد فيه طلب فعل ولا ترك، فالمكلف فيه مخير.
وهذا دليل على العموم فيما لا يتناهى من الأفعال، فلا يبقى فعل لا مدلول عليه سمعًا، فتكون إباحته من الشرع.
ويحتمل أن يقال: لا حكم له، والله أعلم.
الحواشي
(١) = وبعضها حرامًا، وترك الواجب يقتضي استحقاق العقاب، كما أن فعل الحرام يستوجب العقاب أيضًا. فيؤدي ذلك في النهاية إلى إثبات أحكام شرعية، قبل البعثة وهو مخالف لمقتضى الآية الكريمة. انظر: "بيان المختصر للأصفاني جـ١ ص٢٨٧ وما بعدها".
١ بدأ المصنف يرد على المعتزلة الذين قالوا: إن الإباحة حكم عقلي، فبين أن المسألة فيها عدة احتمالات، وبعضها للعقل فيه مجال، إلا أنها في النهاية ترجع إلى الشرع، وهي -كما سبق- راجعة إلى مسألة الحسن، والقبح هل هما عقليان أو شرعيان؟стр. 137
فصل: [في حكم الأشياء قبل ورود الشرع]
اختلف في الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع ما حكمها١:
فقال التميمي٢، وأبو الخطاب، والحنفية: هي على الإباحة: إذ
الحواشي
(١) ١ وضح الشيخ الشنقيطي محال الاتفاق ومحل الخلاف في المسألة فقال: "الأعيان المنتفع بها لها ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون فيها ضرر محض، ولا نفع فيها -ألبتة- كأكل الأعشاب السامة القاتلة.
الحالة الثانية: أن يكون فيها نفع محض، ولا ضرر فيها أصلًا.
الحالة الثالثة: أن يكون فيها نفع من جهة، وضرر من جهة أخرى.
فإن كان فيها ضرر محض، ولا نفع فيها، أو كان ضررها أرجح من نفعها أو مساويا له، فهي حرام؛ لقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" وإن كان نفعها خالصًا لا ضرر معه، أو معه ضرر خفيف، والنفع أرجح منه فأرجح الأقوال الجواز، وقد أشار المصنف إلى هذا التفصيل بقوله: "المنتفع بها" فمفهومه: أن ما لا نفع فيه لا يدخل في كلامه" انتهى ببعض تصرف. "مذكرة أصول الفقه ص٢٠".
وهذه المسألة مفرعة على مسألة: الحسن والقبح العقليين. وللعلماء فيها مذاهب كثيرة منها: ما رجحه المصنف، وهي أنها مباحة مطلقًا، وقيل: إنها على الحظر حتى يأتي الشرع بالإباحة، ومنهم من توقف في الجزم برأي معين.
يراجع في ذلك: المستصفى "١/ ٦٣"، والإحكام للآمدي "١/ ٩١".
٢ هو: عبد العزيز بن حارث بن أسد، أبو الحسن التميمي، المولود سنة ٣١٧هـ. صحب أبا القاسم الخرقي وأبا بكر بن عبد العزيز، كان من أعيان علماء الحنابلة، له مؤلفات في الأصول والفروع. توفي سنة ٣٧١هـ.
انظر: "طبقات الحنابلة جـ٢ ص١٣٩، المنهج الأحمد جـ٢ ص٦٦".стр. 138
قد علم انتفاعنا بها من غير ضرر علينا، ولا على غيرنا، فليكن مباحًا.
ولأن الله -سبحانه- خلق هذه الأعيان لحكمة لا محالة، ولا يجوز أن يكون ذلك لنفع يرجع إليه، فثبت أنه لنفعنا.
وقال ابن حامد١، والقاضي٢، وبعض المعتزلة: هي على الحظر؛ لأن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح، والله -سبحانه- المالك ولم يأذن٣.
ولأنه٤ يحتمل أن في ذلك ضررًا، فالإقدام عليه خطر٥.
الحواشي
(١) ١ هو: الحسن بن حامد بن علي بن مروان، إمام الحنابلة في عصره ومعلمهم ومفتيهم. من مؤلفاته: "الجامع" في الفقه وكتاب في أصول الفقه. توفي سنة ٤٠٣هـ. انظر: "طبقات الحنابلة جـ٢ ص١٧١، شذرات الذهب جـ٣ ص١٦٦".
٢ تقدمت ترجمته قريبًا.
٣ هذا هو الدليل الأول للقائلين بالحظر: قياس تصرف العبد في ملك الله -تعالى- على التصرف في ملك العباد، وهو ما يسميه الأصوليون: قياس أحكام الله تعالى على أحكام الخلق فيما بينهم، ونظم القياس هكذا: الواحد منا لا يجوز له أكل طعام غيره أو شرب شرابه، أو ركوب دابته، أو لبس ثوبه بغير إذنه، فكذلك أحكام الله تعالى، لا يجوز لنا التصرف فيها أن الحكم عليها بدون إذنه سبحانه.
٤ هذا هو الدليل الثاني للقائلين بالحظر، وتقريره: أن الإقدام على هذا الانتفاع خطر، أي مخاطرة بالنفس، فالإمساك عنه أحوط لها في العقل.
أما أنه خطر، فلأن بتقدير الحل في نفس الأمر أمَنَةً من العذاب، وبتقدير التحريم تكون معرضة له، فهذا وجه المخاطرة، وهو: ركوب أمر يلحق فيه الضرر على بعض الاحتمالات. وأما أن الإمساك عن الانتفاع المذكور يكون أحوط، فهو من القضايا الضرورية عقلًا وشرعًا وعرفًا. "شرح مختصر الروضة جـ١ ص٣٩٥".
٥ في الأصل "حظر" وصححناه من شرح مختصر الروضة.стр. 139
وقال أبو الحسن الجزري١، وطائفة من الواقفية٢: لا حكم لها؛ إذ معنى الحكم: الخطاب، ولا خطاب قبل ورود السمع.
والعقل لا يبيح شيئا ولا يحرمه، وإنما هو معرف للترجيح والاستواء، وقبح التصرف في ملك الغير إنما يعلم بتحريم الشارع ونهيه.
ولو حكمت فيه العادة [لقضت بأنه] إنما يقبح في حق من يتضرر بالتصرف في ملكه، بل يقبح المنع مما لا ضرر فيه، كالظل وضوء النار.
وهذا القول هو اللائق بالمذهب، إذ العقل لا دخل له في الحظر والإباحة، على ما سنذكره -إن شاء الله تعالى- وإنما تثبت الأحكام بالسمع.
وقد دل السمع على الإباحة على العموم بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٣.
الحواشي
(١) ١ هو: أحمد بن نصر بن محمد، أبو الحسن الجزري -نسبة إلى جزيرة ابن عمر بالعراق- من قدماء الحنابلة، ومن المبرزين في المناظرة، والجدل والأصول والفروع. توفي سنة ٣٨٠هـ "طبقات الحنابلة ٢/ ١٦٧".
٢ هم الذين يقفون في المسائل المختلف فيها، ولا يجزمون فيها برأي معين، والتوقف له معنيان، أو سببان: إما لعدم الدليل أصلًا، وإما لتعارض الإدلة.
٣ سورة البقرة من الآية: ٢٩ وقد بين الشيخ "ابن بدران" وجه الاستدلال بالآية الكريمة فقال: "وجه الاستدلال: أنه أخبرهم -في معرض الامتنان عليهم وتذكيرهم النعمة- أنه خلق لهم ما في الأرض وسخره لهم، واللام للاختصاص أو الملك، إذا صادفت قابلًا له، والخلق قابلون للملك، وهو في الحقيقة: تخصيص من الله -سبحانه- لهم بانتفاعهم به؛ إذ لا مالك -على الحقيقة- إلا الله فاقتضى ذلك: أنهم متى اجتمعوا وما خلق لهم وسخر لهم في الوجود ملكوه، وإذا ملكوه جاز انتفاعهم به؛ إذ فائدة الملك: جواز الانتفاع". "نزهة الخطر جـ١ ص١٩".стр. 140
وبقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِش﴾ الآية١.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ٢.
وبقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية٣. ونحو ذلك.
وقول النبي ﷺ : "...... وما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه" ٤ وقوله: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا: من سأل عن شيء لم
الحواشي
(١) ١ سورة الأعراف من الآية: ٣٣.
٢ سورة الأنعام من الآية: ١٥١.
٣ سورة الأنعام من الآية: ١٤٥.
ووجه الاستدلال بالآيات الثلاث: أن الله -تعالى- حصر المحرمات فيما ذكر فيها، فدل ذلك على أن غير المذكورات في الآيات على الإباحة.
٤ رواه الترمذي في سننه حديث رقم "١٧٢٦" وابن ماجه في سننه رقم "٣٣٦٧" والحاكم في المستدرك "٤/ ١١٥"، والبيهقي "٩/ ٣٢٠" عن سلمان الفارسي ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء فقال:
"الحلال: ما أحل الله في كتابه، والحرام: ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه".
والفراء: جمع "الفرا" بفتح: حمار الوحش. وقيل: جمع "الفرو" الذي يلبس. ويشهد لهذا القول: ما فعله الترمذي؛ فإنه ذكر في باب لبس الفرو وإنما سألوه عنه حذرًا من صنيع الكفر من اتخاذ الفرو من جلود الميتة غير مدبوغة.
وفي سند الحديث مقال، حيث ضعف المحدثون أحد رواته وهو: "سيف بن هارون". قال الترمذي: وكأن الموقوف أصح.
ومع ذلك فللحديث: ما يؤيده ويقويه من أحاديث أخرى تؤدي نفس المعنى، =стр. 141
يحرم على الناس، فحرم من أجل مسألته"١.
وفائدة الخلاف: أن من حرم شيئًا أو أباحه كفاه فيه استصحاب حال الأصل.
الحواشي
(١) = منها قوله ﷺ : "إن الله -تعالى- فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" انظر: "مجمع الزوائد ٧/ ٧٥".
١ حديث صحيح رواه البخاري: كتاب الاعتصام، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، ومسلم في الفضائل، وأبو داود في السنة، ووجه الدلالة من الحديث ظاهر.стр. 142
فصل: [هل المباح مأمور به]
المباح غير مأمور به، لأن الأمر: استدعاء وطلب، والمباح مأذون فيه ومطلق له، غير مستدعى ولا مطلوب. وتسميته مأمورًا تجوّز٢.
الحواشي
(١) = منها قوله ﷺ "إن الله -تعالى- فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" انظر: "مجمع الزوائد ٧/ ٧٥".
١ حديث صحيح رواه البخاري: كتاب الاعتصام، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، ومسلم في الفضائل، وأبو داود في السنة، ووجه الدلالة من الحديث ظاهر.
٢ الخلاف في هذه المسألة بين علماء الأصول وبين عبد الله بن أحمد الكعبي من المعتزلة. فالجمهور يرون أن المباح غير مأمور به، لأن الأمر استدعاء وطلب والمباح ليس كذلك. بيانه أن الأمر يستلزم ترجيح إيجاد الفعل ولا ترجيح في المباح. وقوله: "وتسميته مأمورًا تجوز" جواب عن سؤال مقدر هو: كيف يكون غير مأمور به، وهو يسمى مأمورًا؟ فأجاب المصنف: أن هذا من قبيل الأمر المجازي لا الحقيقي.
وذهب الكعبي إلى أن المباح مأمور به، محتجًّا: بأن المباح ترك الحرام، وترك الحرام واجب، فيكون المباح واجبًا.
وأجاب المصنف على ذلك: بأن المباح يستلزم ترك الحرام ويحصل به، لا أن المباح هو ترك الحرام بعينه، وإلا فترك الحرام كما يحصل بالمباح يحصل بالواجب والمندوب إلى آخر التصورات التي ذكرها المصنف.стр. 143
فإن قيل: ترك الحرام مأمور به، والسكوت المباح يترك به الكفر، والكذب الحرام، فيكون مأمورًا به.
قلنا: فليكن المباح واجبًا إذًا، وقد يترك الحرام إلى المندوب فليكن واجبًا.
وقد يترك الحرام بحرام آخر, فليكن الشيء حرامًا واجبًا، ولتكن الصلاة حرامًا إذا تحرّم بها من عليه الزكاة، وهذا باطل.
فإن قيل: فهل الإباحة تكليف؟
قلنا: من قال التكليف: الأمر والنهي، فليست الإباحة كذلك.
ومن قال: التكليف: ما كلف اعتقاد كونه من الشرع، فهذا كذلك. وهذا ضعيف؛ إذ يلزم عليه جميع الأحكام١.
القسم الرابع: المكروه
وهو: ما تركه خير من فعله٢.
وقد يطلق ذلك على المحظور٣.
الحواشي
(١) ١ خلاصة ذلك راجع إلى معنى "التكليف" فمن قال هو: طلب ما فيها كلفة ومشقة -وهم الجمهور- قال: المباح غير داخل فيه هو اعتقاد كونه مباحًا، قال: هو داخل في التكليف، وهو ضعيف كما قال المصنف.
٢ اعترض بعض العلماء على هذا التعريف بأنه يتناول المحرم، لأن تركه خير من فعله، ولذلك أضافوا إلى التعريف قيدًا يخرج الحرام وهو: "من غير ذم".
٣ وقد ورد في آيات القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ إلى أن قال سبحانه ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الآيات: ٣١-٣٨ من سورة الإسراء] . =стр. 144
وقد يطلق على ما نهي عنه نهي تنزيه١، فلا يتعلق بفعله عقاب.
فصل: والأمر المطلق لا يتناول المكروه٢؛
لأن الأمر: استدعاء وطلب، والمكروه غير مستدعى ولا مطلوب.
ولأن الأمر ضد النهي، فيستحيل أن يكون الشيء مأمورًا ومنهيًّا.
وإذا قلنا: إن المباح ليس مأمورًا، فالمنهي عنه أولى.
الحواشي
(١) = كما أنه وارد في لغة الفقهاء: يقول الإمام الخرقي: "ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة" أي: يحرم.
١ الجمهور على أن المكروه قسم واحد: أما الحنفية فقسّموه إلى قسمين:
أ- المكروه كراهة تحريم: وهو: ما نهى عنه الشرع نهيًا جازمًا بدليل ظني، كأخبار الآحاد والقياس. ومثلوا له بقول الرسول ﷺ : "لا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر" رواه مسلم وابن ماجه. وهو حديث آحاد، فهو ظني الثبوت.
فالفارق -عندهم- بين الحرام والمكروه تحريمًا: أن الحرام ثابت بدليل قطعي، والمكروه ثابت بدليل ظني، وهو أقرب إلى الحرام، حتى عده بعضهم من الحرام، وإن كان لا يكفر جاحده.
ب- المكروه تنزيهًا: وهو: ما طلب الشارع الكف عنه طلبًا غير جازم، وهو المقابل للمندوب، مثل: نهي الرسول ﷺ عن أن يشبك الشخص بين أصابعه في المسجد.
روى أبو داود وأحمد أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبك بين أصابعه" انظر: نيل الأوطار "٢/ ٣٧٣".
٢ وهو مذهب جمهور العلماء، وذهب بعض الحنفية، وبعض المالكية وبعض الحنابلة إلى أنه يتناوله.стр. 145
فصل: القسم الخامس: الحرام
الحرام ضد الواجب١: فيستحيل أن يكون الشيء الواحد واجبًا حرامًا، طاعة معصية من وجه واحد، إلا أن الواحد بالجنس ينقسم إلى: واحد بالنوع، وإلى واحد بالعين، أي بالعدد.
والواحد بالنوع يجوز أن ينقسم إلى واجب وحرام، ويكون انقسامه بالإضافة، لأن اختلاف الإضافات والصفات توجب المغايرة، والمغايرة
الحواشي
(١) = وقد استدل المصنف لمذهب الجمهور: بأن تعريف الأمر لا يتناول المكروه، كما أن الأمر ضد النهي، فلو دخل المكروه في الأمر لكان جمعًا بين الضدين، وإذا كان الراجح في المباح أنه غير مأمور به، فكون المكروه غير مأمور به أولى.
وتوضيح ذلك: أن المأمور به إذا كان بعض جزيئاته منهيًا عنه، نهي تنزيه أو تحريم، فلا يدخل المنهي عنه في المأمور به -كما يقول الجمهور- خلافًا لمن ذهب إلى دخوله فيه. ومن أمثلة ذلك: تحية المسجد، فهي سنة ومأمور بها، فلو دخل المصلي في وقت الكراهة، هل يصلي تحية المسجد أو لا؟
للفقهاء في ذلك خلاف مبني على هذه المسألة.
هذا ما أفهمه في هذه المسألة، وإلا فلا يعقل أن يكون الشيء مأمورًا به ومنهيًّا عنه في وقت واحد، وبصفة واحدة، ولذلك قال المصنف: "فيستحيل أن يكون الشيء مأمورًا ومنهيًّا".
١ يعني: أنه تقدم في تعريف الواجب أنه: "ما توعد بالعقاب على تركه" أو "ما يعاقب تاركه" أو "ما يذم تاركه شرعًا" فإذا كان الحرام ضد الواجب فيكون تعريفه "ما توعد بالعقاب على فعله"، أو "ما يعاقب فاعله" أو "ما يذم فاعله شرعًا" وإن شئت قلت: ما طلب الشارع تركه جازمًا. هذا هو معناه شرعًا أما في اللغة: فهو الممنوع. قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْل....﴾ [القصص: ١٢] مأخوذ من الحرمة، وهو: ما لا يحل انتهاكه.следующие страницы →