← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12010

روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان

ابن قدامة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يحرم على الناس، فحرم من أجل مسألته"١. وفائدة الخلاف: أن من حرم شيئًا أو أباحه كفاه فيه استصحاب حال الأصل.

стр. 142

فصل: [هل المباح مأمور به] المباح غير مأمور به، لأن الأمر: استدعاء وطلب، والمباح مأذون فيه ومطلق له، غير مستدعى ولا مطلوب. وتسميته مأمورًا تجوّز٢.

стр. 143

فإن قيل: ترك الحرام مأمور به، والسكوت المباح يترك به الكفر، والكذب الحرام، فيكون مأمورًا به. قلنا: فليكن المباح واجبًا إذًا، وقد يترك الحرام إلى المندوب فليكن واجبًا. وقد يترك الحرام بحرام آخر, فليكن الشيء حرامًا واجبًا، ولتكن الصلاة حرامًا إذا تحرّم بها من عليه الزكاة، وهذا باطل. فإن قيل: فهل الإباحة تكليف؟ قلنا: من قال التكليف: الأمر والنهي، فليست الإباحة كذلك. ومن قال: التكليف: ما كلف اعتقاد كونه من الشرع، فهذا كذلك. وهذا ضعيف؛ إذ يلزم عليه جميع الأحكام١. القسم الرابع: المكروه وهو: ما تركه خير من فعله٢. وقد يطلق ذلك على المحظور٣.

стр. 144

وقد يطلق على ما نهي عنه نهي تنزيه١، فلا يتعلق بفعله عقاب. فصل: والأمر المطلق لا يتناول المكروه٢؛ لأن الأمر: استدعاء وطلب، والمكروه غير مستدعى ولا مطلوب. ولأن الأمر ضد النهي، فيستحيل أن يكون الشيء مأمورًا ومنهيًّا. وإذا قلنا: إن المباح ليس مأمورًا، فالمنهي عنه أولى.

стр. 145

فصل: القسم الخامس: الحرام الحرام ضد الواجب١: فيستحيل أن يكون الشيء الواحد واجبًا حرامًا، طاعة معصية من وجه واحد، إلا أن الواحد بالجنس ينقسم إلى: واحد بالنوع، وإلى واحد بالعين، أي بالعدد. والواحد بالنوع يجوز أن ينقسم إلى واجب وحرام، ويكون انقسامه بالإضافة، لأن اختلاف الإضافات والصفات توجب المغايرة، والمغايرة

стр. 146

تارة تكون بالنوع، وتارة تكون باختلاف في الوصف، كالسجود لله -تعالى- واجب، والسجود للصنم حرام، والسجود لله -تعالى- غير السجود للصنم. قال الله -تعالى- ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنّ﴾ ٢. والإجماع منعقد على أن الساجد للصنم عاص، بنفس السجود والقصد جميعًا، والساجد لله مطيع بهما جميعًا. وأما الواحد بالعين: كالصلاة في الدار المغصوبة من عمرو، فحركته في الدار واحد بعينه. واختلفت الرواية في صحتها: فروي أنها لا تصح، إذ يؤدي إلى أن تكون العين الواحدة من الأفعال حرامًا واجبًا، وهو متناقص؛ فإن فعله في الدار وهو: "الكون في الدار، وركوعه وسجوده وقيامه وقعوده" وأفعال اختيارية هو معاقب عليها، منهي عنها، فكيف يكون متقربًا بما هو معاقب عليه، مطيعًا بما هو عاص به؟! وروي أن الصلاة تصح؛ لأن هذا الفعل الواحد له وجهان متغايران، هو مطلوب من أحدهما، مكروه من الآخر، فليس ذلك محالًا، إنما المحال: أن يكون مطلوبًا من الوجه الذي يكره منه. ففعله من حيث إنه صلاة مطلوب. مكروه من حيث إنه غصب.

стр. 147

والصلاة معقولة بدون الغصب، والغصب معقول بدون الصلاة١، وقد اجتمع الوجهان المتغايران. فنظيره: أن يقول السيد لعبده: خط هذا الثوب ولا تدخل هذه الدار، فإن امتثلت أعتقتك، وإن ارتكبت النهي عاقبتك، فخاط الثواب في الدار، حسن من السيد عتقه وعقوبته. ولو رمى سهمًا إلى كافر فمرق منه إلى مسلم لاستحق سَلَب الكافر٢، ولزمته دية المسلم؛ لتضمن الفعل الواحد أمرين مختلفين. ومن اختار الرواية الأولى٣ قال: ارتكاب النهي متى أخل بشرط العبادة أفسدها بالإجماع، كما لو نهى المحدث عن الصلاة، فخالف وصلى، ونية التقرب بالصلاة شرط، والتقرب بالمعصية محال، فكيف يمكن التقرب به، وقيامه وقعوده في الدار فعل هو عاص به، فكيف يكون متقربًا بما هو عاص به؟! وهذا محال. وقد غلط من زعم أن في هذه المسألة إجماعًا٤؛ لأن السلف لم

стр. 148

يكونوا يأمرون من تاب من الظلمة بقضاء الصلوات في أماكن الغصب، إن هذا جهل بحقيقة الإجماع، فإن حقيقته: الاتفاق من علماء أهل العصر، وعدم النقل عنهم ليس بنقل الاتفاق. ولو نقل عنهم أنهم سكتوا فيحتاج إلى أنه اشتهر فيما بينهم كلهم: القول بنفي وجوب القضاء فلم ينكروه. فيكون -حينئذ- فيه اختلاف هل هو إجماع أم لا؟ على ما سنذكره في موضعه.

стр. 149

.................................................................

стр. 150

فصل: [في أقسام النهي] مصححو الصلاة في الدار المغصوبة قسموا النهي ثلاثة أقسام: الأول: ما يرجع إلى ذات المنهي عنه، فيضاد وجوبه، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى....﴾ ١. وإلى ما لا يرجع إلى ذات المنهي عنه، فلا يضاد وجوبه، مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ ٢ مع قول النبي ﷺ : "لا تلبسوا الحرير" ٣. ولم يتعرض في النهي للصلاة، فإذا صلى في ثوب حرير أتى بالمطلوب والمكروه٤ جميعًا. القسم الثالث: أن يعود النهي إلى المنهي عنه دون أصله، كقوله -تعالى-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاة﴾ ٥ مع قوله -تعالى-: ﴿لاََ

стр. 151

تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيل﴾ ١ وقوله ﵇: "دعي الصلاة أيام أقرائك" ٢، ونهيه عن الصلاة في المقبرة٣، وقارعة الطريق، والأماكن السبعة٤. ونهيه عنها في الأوقات الخمسة٥.

стр. 152

فأبو حنيفة يسمي المأتي به على هذا الوجه فاسدا وغير باطل١. وعندنا: أن هذا من القسم الأول١، وهو قول الشافعي، فإن المكروه الصلاة في زمن الحيض٣، لا الوقوع في الحيض مع بقاء الصلاة مطلوبة، إذ ليس الوقوع في الوقت شيئا منفصلا عن الإيقاع، ولذلك بطلت الصلاة في هذه المواضع كلها٤.

стр. 153

فصل: [الأمر بالشيء نهي عن ضده] الأمر بالشيء نهي عن ضده من حيث المعنى، فأما الصيغة فلا؛ فإن قوله "قم" غير قوله لا "تقعد".

стр. 154

وإنما النظر في المعنى وهو: أن طلب القيام هل هو بعينه طلب ترك القعود١؟

стр. 155

......................................................................................................

стр. 156

فقالت المعتزلة: ليس بنهي عن ضده، لا بمعنى أنه عينه ولا يتضمنه ولا يلازمه؛ إذ يتصور أن يأمر بالشيء من هو ذاهل عن ضده، فكيف يكون طالبا لما هو ذاهل عنه، فإن لم يكن ذاهلا عنه فلا يكون طالبًا له إلا من حيث يعلم أنه لا يمكن فعل المأمور به إلا بترك ضده، فيكون تركه ذريعة بحكم الضرورة، لا بحكم ارتباط الطلب به، حتى لو تصور -مثلًا- الجمع بين الضدين ففعل، كان ممتثلًا، فيكون من قبيل: ما لا يتم الواجب إلا به واجب، غير مأمور به. وقال قوم: فعل الضد: هو عين ترك ضده الآخر، فالسكون عين ترك الحركة، وشغل الجوهر حيزا عين تفريغه للحيز المنتقل عنه، والبعد من المغرب هو: عين القرب من المشرق وهو بالإضافة إلى المشرق قرب، وإلى المغرب بعد. فإذًا: طلب السكون بالإضافة إليه أمر، وإلى الحركة نهي. وفي الجملة: إنا لا نعتبر في الأمر الإرادة١، بل المأمور: ما اقتضى الأمر امتثاله.

стр. 157

والأمر يقتضي ترك الضد؛ ضرورة أنه لا يتحقق الامتثال إلا به، فيكون مأمورا به، والله أعلم. فهذه أقسام أحكام التكليف١. ولنبين -الآن- التكليف، ما هو شروطه.

стр. 158

..........................................................

стр. 159

فصل: [في معنى التكليف وشروطه] التكليف في اللغة: إلزام ما فيه كلفة. أي: مشقة١. قالت الخنساء٢ في صخر٣: يكلفه القوم ما نابهم٤ ... وإن كان أصغرهم مولدًا٥

стр. 160

وهو في الشريعة: الخطاب بأمر أو نهي١. وله شروط بعضها يرجع إلى المكلف، وبعضها يرجع إلى نفس المكلف به. أما ما يرجع إلى المكلف: فهو أن يكون عاقلا يفهم الخطاب٢. فأما الصبي والمجنون: فغير مكلفين؛ لأن مقتضى التكليف: الطاعة والامتثال: ولا تمكن إلا بقصد الامتثال، وشرط القصد: العلم بالمقصود، والفهم للتكليف إذ من لا يفهم كيف يقال له افهم؟ "ومن لا يسمع الصوت كالجماد كيف يكلم؟ وإن سمع ولم يفهم كالبهيمة، فهو كمن لا يسمع"٣. ومن يفهم فهما ما "لكنه لا يفهم ولا يثبت كالمجنون وغير المميز"٤ فخطابه ممكن، لكن اقتضاء الامتثال منه -مع أنه لا يصح منه قصد صحيح- غير ممكن. ووجوب الزكاة٥ والغرامات في مال الصبي

стр. 161

والمجنون ليس تكليفًا لهما، إذ يستحيل التكليف بفعل الغير١. وإنما معناه: أن الائتلاف وملك النصاب سبب لثبوت هذه الحقوق في ذمتهما، بمعنى أنه سبب لخطاب الولي بالأداء في الحال، وسبب لخطاب الصبي بعد البلوغ، وهذا ممكن، إنما المحال أن يقال لمن لا يفهم: افهم. وإنما أهلية ثبوت الأحكام في الذمة بالإنسانية التي بها يستعد لقبول قوة العقل الذي به يفهم التكليف في ثاني الحال. والبهيمة ليس لها أهلية فهم الخطاب، لا بالقوة ولا بالفعل، فلم يتهيأ ثبوت الحكم في ذمتها. والشرط لا بد أن يكون حاصلا أو ممكن الحصول على القرب فنقول: هو موجود بالقوة. كما أن شرط الملكية: الإنسانية، وشرط الإنسانية الحياة، والنطفة يثبت لها الملك مع عدم الحياة التي هي شرط الإنسانية؛ لوجودها بالقوة. فكذا الصبي مصيره إلى العقل، فصلح لثبوت الحكم في ذمته ولم يصلح للتكليف في الحال. فأما الصبي المميز: فتكليفه ممكن؛ لأنه يفهم ذلك، إلا أن الشرع حط التكليف عنه تخفيفا "لأن العقل خفي، وإنما يظهر فيه على التدريج"٢ إذ لا يمكن الوقوف بغتة على الحد الذي يفهم به خطاب

стр. 162

الشارع، ويعلم الرسول والمرسِل، فنصب له علامة ظاهرة. وقد روي أنه مكلف١.

стр. 163

فصل: [في عدم تكليف الناسي والنائم والسكران] والناسي والنائم غير مكلف؛ فكيف يقال له: افهم؟ وكذا السكران الذي لا يعقل١.

стр. 164

وثبوت أحكام أفعالهم: من الغرامات، ونفوذ طلاق السكران، من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، وذلك مما لا ينكر. فأما قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ١ فقد قيل: هذا كان في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر، والمراد منه: المنع من إفراط الشرب في وقت الصلاة، كيلا يأتي عليه وقت الصلاة وهو سكران، كما يقال: لا تقرب التهجد وأنت شبعان. معناه لا تشبع فيثقل عليك التهجد. وقال الله -تعالى-: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾ ٢. أي: الزموا الإسلام ولا تفارقوه، حتى إذا جاءكم الموت أتاكم وأنتم مسلمون. وقيل: هو خطاب لمن وجد منه مبادىء النشاط والطرب ولم يزل عقله؛ لأنه إذا ظهر بالبرهان استحالة توجه الخطاب: وجب تأويل الآية.

стр. 165

فصل: [في حكم تكليف المكره] فأما المكره١: فيدخل تحت التكليف؛ لأنه يفهم ويسمع ويقدر على تحقيق ما أُمر به وتركه.

стр. 166

وقالت المعتزلة: ذلك محال؛ لأنه لا يصح منه فعل غير ما أكره عليه، ولا يبقى له خيرة. وهذا غير صحيح؛ فإنه قادر على الفعل وتركه، ولهذا يجب عليه ترك القتل إذا أكره على قتل مسلم، ويأثم بفعله. ويجوز أن يكلف ما هو على وفق الإكراه، كإكراه الكافر على الإسلام، وتارك الصلاة على فعلها، فإذا فعلها قيل: أدى ما كلف، لكن إنما تكون منه طاعة إذا كان الانبعاث بباعث الأمر، دون باعث الإكراه. فإن كان إقدامه للخلاص من سيف المكرِه لم تكن طاعة، ولا يكون مجيبا داعي الشرع. وإن كان يفعلها ممتثلًا لأمرالشارع، بحيث كان يفعلها لولا الإكراه فلا يمتنع وقوعها طاعة. وإن وجدت صورة التخويف.

стр. 167

فصل: [في حكم تكليف الكفار بفروع الإسلام] واختلفت الرواية١: هل الكفار مخاطبون بفروع الإسلام؟

стр. 168

فروي أنهم لا يخاطبون منها بغير النواهي؛ إذ لا معنى لوجوبها مع استحالة فعلها في الكفر، وانتفاء قضائها في الإسلام، فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله؟ وهذا قول أكثر أصحاب الرأي١.

стр. 169

وروي أنهم مخاطبون بها، وهو قول الشافعي١؛ لأنه جائز عقلًا وقد قام دليله شرعًا٢.

стр. 170

أما الجواز العقلي: فإنه لا يمتنع أن يقول الشارع: بني الإسلام على خمس، وأنتم مأمورون بجميعها، وبتقديم الشهادتين من جملتها، فتكون الشهادتان مأمورا بهما لنفسهما، ولكونهما شرطا لغيرهما، كالمحدث يؤمر بالصلاة١. فإن منع مانع الحكم في المحدث وقال: إنما يؤمر بالوضوء، فإذا توضأ أمر بالصلاة؛ إذ لايتصور الأمر بالصلاة مع الحدث؛ لعجزه عن الامتثال. قلنا: فإذًا لو ترك الصلاة طول عمره لا يعاقب على تركها، وهو خلاف الإجماع٢. وينبغي أن لا يصح أمره بالصلاة بعد الوضوء. بل بالتكبيرة الأولى، لاشتراط تقديمها٣.

стр. 171

وأما الدليل الشرعي: فعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ... ﴾ ١ وإخبار الله -سبحانه- عن المشركين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين﴾ ٢. ذكر هذا في معرض التصديق لهم تحذيرًا من فعلهم، ولو كان كذبا لم يحصل التحذير منه، كيف وقد عطف عليه ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ٣ كيف يعطف ذلك على ما لا عذاب عليه. وقال الله- تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَر ... ﴾ الآية. لأنه نص في مضاعفة العذاب في حق من جمع بين المحظورات.

стр. 172

وفائدة الوجوب١: أنه لو مات عوقب على تركه، وإن أسلم سقط عنه؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله. ولا يبعد النسخ قبل التمكن من الامتثال، فكيف يبعد سقوط الوجوب بالإسلام٣؟.

стр. 173

فصل: [شروط الفعل المكلف به] فأما الشروط المعتبرة للفعل المكلف به فثلاثة: أحدهما: أن يكون معلومًا للمأمور به، حتى يتصور قصده إليه، وأن يكون معلومًا كونه مأمورًا به من جهة الله -تعالى- حتى يتصور منه قصد الطاعة والامتثال. وهذا يختص بما يجب به قصد الطاعة والتقرب١.

стр. 174

الثاني: أن يكون معدومًا، أما الموجود: فلا يمكن إيجاده، فيستحيل الأمر به١. الثالث: أن يكون ممكنًا، فإن كان محالًا، كالجمع بين الضدين ونحوه لم يجز الأمر به٢.

стр. 175

.....................................................

стр. 176

وقال قوم: يجوز ذلك ١: وبدليل قوله تعالى: ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ ٢. والمحال لا يسأل دفعه. ولأن الله -تعالى- علم أن أبا جهل ٣ لا يؤمن، وقد أمره بالإيمان وكلفه إياه.

стр. 177

ولأن تكليف المحال لا يستحيل لصيغته، إذ ليس يستحيل أن يقول: ﴿كُونُوا قِرَدَة﴾ ١. ﴿كُونُوا حِجَارَة﴾ ٢. وإن أحيل طلب المستحيل للمفسدة، ومناقضة الحكمة: فإن بناء الأمور على ذلك في حق الله -تعالى- محال؛ إذ لا يقبح منه شيء، ولا يجب عليه الأصلح. ثم الخلاف فيه وفي العباد واحد فالسفه من المخلوق ممكن. ووجه استحالته٣. قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٤ و ﴿لا نُكَلِّف

стр. 178

نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا..﴾ ١. ولأن الأمر: استدعاء وطلب، والطلب يستدعي مطلوبًا، وينبغي أن يكون مفهومًا بالاتفاق، ولو قال "أبجد هوّز" لم يكن ذلك تكليفا؛ لعدم عقل معناه. ولو علم الأمر دون المأمور: به لم يكن تكليفا، إذ التكليف: الخطاب بما فيه كلفة، وما لا يفهمه المخاطب ليس بخطاب، وإنما اشترط فهمه ليتصور منه الطاعة، إذ كان الأمر: استدعاء الطاعة، فإن لم يكن استدعاءً لم يكن أمرا، والمحال لا يتصور الطاعة فيه، فلا يتصور استدعاؤه، كما يستحيل من العاقل طلب الخياطة من الشجر. ولأن٢ الأشياء لها وجود في الأذهان قبل وجودها في الأعيان، وإنما يتوجه إليه الأمر بعد حصوله في العقل، والمستحيل لا وجود له في العقل فيمتنع طلبه. ولأننا٣ اشترطنا: أن يكون معدوما في الأعيان ليتصور الطاعة فيه، فلذلك يشترط أن يكون موجودا في الأذهان، ليتصور إيجاده على وفقه. ولأننا٤ اشترطنا كونه معلومًا ومعدومًا، وكون المكلف عاقلا فاهما؛ لاستحالة الامتثال بدونهما، فكون الشيء ممكنا في نفسه أولى أن يكون شرطا.

стр. 179

وقوله تعالى ١: ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ فقد قيل: المراد به: ما يثقل ويشق، بحيث يكاد يفضي إلى إهلاكه، كقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُم﴾ ٢. وكذلك قال النبي ﷺ في المماليك: "لا تكلفوهم ما لا يطيقون" ٣. وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَة﴾ تكون إظهارًا للقدرة٤.

стр. 180

وقوله تعالى: ﴿كُونُوا حِجَارَة﴾ تعجيز، وليس شيء من ذلك أمرا١. وتكليف أبي جهل الإيمان غير محال؛ فإن الأدلة منصوبة، والعقل حاضر، وآلته تامة٢. ولكن علم الله -تعالى- منه أنه يترك ما يقدر عليه، حسدا وعنادا، والعلم يتبع المعلوم ولا يغيره، وكذلك نقول: الله قادر على أن يقيم القيامة في وقتنا وإن أخبر أنه لا يقيمها الآن، وخلاف خبره محال لكن استحالته لا ترجع إلى نفس الشيء فلا تؤثر فيه٣.
следующие страницы →