Полный текст (1 205 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
يحرم على الناس، فحرم من أجل مسألته"١.
وفائدة الخلاف: أن من حرم شيئًا أو أباحه كفاه فيه استصحاب حال الأصل.
الحواشي
(١) = منها قوله ﷺ : "إن الله -تعالى- فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" انظر: "مجمع الزوائد ٧/ ٧٥".
١ حديث صحيح رواه البخاري: كتاب الاعتصام، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، ومسلم في الفضائل، وأبو داود في السنة، ووجه الدلالة من الحديث ظاهر.стр. 142
فصل: [هل المباح مأمور به]
المباح غير مأمور به، لأن الأمر: استدعاء وطلب، والمباح مأذون فيه ومطلق له، غير مستدعى ولا مطلوب. وتسميته مأمورًا تجوّز٢.
الحواشي
(١) = منها قوله ﷺ "إن الله -تعالى- فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" انظر: "مجمع الزوائد ٧/ ٧٥".
١ حديث صحيح رواه البخاري: كتاب الاعتصام، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، ومسلم في الفضائل، وأبو داود في السنة، ووجه الدلالة من الحديث ظاهر.
٢ الخلاف في هذه المسألة بين علماء الأصول وبين عبد الله بن أحمد الكعبي من المعتزلة. فالجمهور يرون أن المباح غير مأمور به، لأن الأمر استدعاء وطلب والمباح ليس كذلك. بيانه أن الأمر يستلزم ترجيح إيجاد الفعل ولا ترجيح في المباح. وقوله: "وتسميته مأمورًا تجوز" جواب عن سؤال مقدر هو: كيف يكون غير مأمور به، وهو يسمى مأمورًا؟ فأجاب المصنف: أن هذا من قبيل الأمر المجازي لا الحقيقي.
وذهب الكعبي إلى أن المباح مأمور به، محتجًّا: بأن المباح ترك الحرام، وترك الحرام واجب، فيكون المباح واجبًا.
وأجاب المصنف على ذلك: بأن المباح يستلزم ترك الحرام ويحصل به، لا أن المباح هو ترك الحرام بعينه، وإلا فترك الحرام كما يحصل بالمباح يحصل بالواجب والمندوب إلى آخر التصورات التي ذكرها المصنف.стр. 143
فإن قيل: ترك الحرام مأمور به، والسكوت المباح يترك به الكفر، والكذب الحرام، فيكون مأمورًا به.
قلنا: فليكن المباح واجبًا إذًا، وقد يترك الحرام إلى المندوب فليكن واجبًا.
وقد يترك الحرام بحرام آخر, فليكن الشيء حرامًا واجبًا، ولتكن الصلاة حرامًا إذا تحرّم بها من عليه الزكاة، وهذا باطل.
فإن قيل: فهل الإباحة تكليف؟
قلنا: من قال التكليف: الأمر والنهي، فليست الإباحة كذلك.
ومن قال: التكليف: ما كلف اعتقاد كونه من الشرع، فهذا كذلك. وهذا ضعيف؛ إذ يلزم عليه جميع الأحكام١.
القسم الرابع: المكروه
وهو: ما تركه خير من فعله٢.
وقد يطلق ذلك على المحظور٣.
الحواشي
(١) ١ خلاصة ذلك راجع إلى معنى "التكليف" فمن قال هو: طلب ما فيها كلفة ومشقة -وهم الجمهور- قال: المباح غير داخل فيه هو اعتقاد كونه مباحًا، قال: هو داخل في التكليف، وهو ضعيف كما قال المصنف.
٢ اعترض بعض العلماء على هذا التعريف بأنه يتناول المحرم، لأن تركه خير من فعله، ولذلك أضافوا إلى التعريف قيدًا يخرج الحرام وهو: "من غير ذم".
٣ وقد ورد في آيات القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ إلى أن قال سبحانه ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الآيات: ٣١-٣٨ من سورة الإسراء] . =стр. 144
وقد يطلق على ما نهي عنه نهي تنزيه١، فلا يتعلق بفعله عقاب.
فصل: والأمر المطلق لا يتناول المكروه٢؛
لأن الأمر: استدعاء وطلب، والمكروه غير مستدعى ولا مطلوب.
ولأن الأمر ضد النهي، فيستحيل أن يكون الشيء مأمورًا ومنهيًّا.
وإذا قلنا: إن المباح ليس مأمورًا، فالمنهي عنه أولى.
الحواشي
(١) = كما أنه وارد في لغة الفقهاء: يقول الإمام الخرقي: "ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة" أي: يحرم.
١ الجمهور على أن المكروه قسم واحد: أما الحنفية فقسّموه إلى قسمين:
أ- المكروه كراهة تحريم: وهو: ما نهى عنه الشرع نهيًا جازمًا بدليل ظني، كأخبار الآحاد والقياس. ومثلوا له بقول الرسول ﷺ : "لا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر" رواه مسلم وابن ماجه. وهو حديث آحاد، فهو ظني الثبوت.
فالفارق -عندهم- بين الحرام والمكروه تحريمًا: أن الحرام ثابت بدليل قطعي، والمكروه ثابت بدليل ظني، وهو أقرب إلى الحرام، حتى عده بعضهم من الحرام، وإن كان لا يكفر جاحده.
ب- المكروه تنزيهًا: وهو: ما طلب الشارع الكف عنه طلبًا غير جازم، وهو المقابل للمندوب، مثل: نهي الرسول ﷺ عن أن يشبك الشخص بين أصابعه في المسجد.
روى أبو داود وأحمد أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبك بين أصابعه" انظر: نيل الأوطار "٢/ ٣٧٣".
٢ وهو مذهب جمهور العلماء، وذهب بعض الحنفية، وبعض المالكية وبعض الحنابلة إلى أنه يتناوله.стр. 145
فصل: القسم الخامس: الحرام
الحرام ضد الواجب١: فيستحيل أن يكون الشيء الواحد واجبًا حرامًا، طاعة معصية من وجه واحد، إلا أن الواحد بالجنس ينقسم إلى: واحد بالنوع، وإلى واحد بالعين، أي بالعدد.
والواحد بالنوع يجوز أن ينقسم إلى واجب وحرام، ويكون انقسامه بالإضافة، لأن اختلاف الإضافات والصفات توجب المغايرة، والمغايرة
الحواشي
(١) = وقد استدل المصنف لمذهب الجمهور: بأن تعريف الأمر لا يتناول المكروه، كما أن الأمر ضد النهي، فلو دخل المكروه في الأمر لكان جمعًا بين الضدين، وإذا كان الراجح في المباح أنه غير مأمور به، فكون المكروه غير مأمور به أولى.
وتوضيح ذلك: أن المأمور به إذا كان بعض جزيئاته منهيًا عنه، نهي تنزيه أو تحريم، فلا يدخل المنهي عنه في المأمور به -كما يقول الجمهور- خلافًا لمن ذهب إلى دخوله فيه. ومن أمثلة ذلك: تحية المسجد، فهي سنة ومأمور بها، فلو دخل المصلي في وقت الكراهة، هل يصلي تحية المسجد أو لا؟
للفقهاء في ذلك خلاف مبني على هذه المسألة.
هذا ما أفهمه في هذه المسألة، وإلا فلا يعقل أن يكون الشيء مأمورًا به ومنهيًّا عنه في وقت واحد، وبصفة واحدة، ولذلك قال المصنف: "فيستحيل أن يكون الشيء مأمورًا ومنهيًّا".
١ يعني: أنه تقدم في تعريف الواجب أنه: "ما توعد بالعقاب على تركه" أو "ما يعاقب تاركه" أو "ما يذم تاركه شرعًا" فإذا كان الحرام ضد الواجب فيكون تعريفه "ما توعد بالعقاب على فعله"، أو "ما يعاقب فاعله" أو "ما يذم فاعله شرعًا" وإن شئت قلت: ما طلب الشارع تركه جازمًا. هذا هو معناه شرعًا أما في اللغة: فهو الممنوع. قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْل....﴾ [القصص: ١٢] مأخوذ من الحرمة، وهو: ما لا يحل انتهاكه.стр. 146
تارة تكون بالنوع، وتارة تكون باختلاف في الوصف، كالسجود لله -تعالى- واجب، والسجود للصنم حرام، والسجود لله -تعالى- غير السجود للصنم.
قال الله -تعالى- ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنّ﴾ ٢.
والإجماع منعقد على أن الساجد للصنم عاص، بنفس السجود والقصد جميعًا، والساجد لله مطيع بهما جميعًا.
وأما الواحد بالعين: كالصلاة في الدار المغصوبة من عمرو، فحركته في الدار واحد بعينه.
واختلفت الرواية في صحتها:
فروي أنها لا تصح، إذ يؤدي إلى أن تكون العين الواحدة من الأفعال حرامًا واجبًا، وهو متناقص؛ فإن فعله في الدار وهو: "الكون في الدار، وركوعه وسجوده وقيامه وقعوده" وأفعال اختيارية هو معاقب عليها، منهي عنها، فكيف يكون متقربًا بما هو معاقب عليه، مطيعًا بما هو عاص به؟!
وروي أن الصلاة تصح؛ لأن هذا الفعل الواحد له وجهان متغايران، هو مطلوب من أحدهما، مكروه من الآخر، فليس ذلك محالًا، إنما المحال: أن يكون مطلوبًا من الوجه الذي يكره منه.
ففعله من حيث إنه صلاة مطلوب.
مكروه من حيث إنه غصب.
الحواشي
(١) ١ سورة فصلت من الآية: ٣٧.стр. 147
والصلاة معقولة بدون الغصب، والغصب معقول بدون الصلاة١، وقد اجتمع الوجهان المتغايران.
فنظيره: أن يقول السيد لعبده: خط هذا الثوب ولا تدخل هذه الدار، فإن امتثلت أعتقتك، وإن ارتكبت النهي عاقبتك، فخاط الثواب في الدار، حسن من السيد عتقه وعقوبته.
ولو رمى سهمًا إلى كافر فمرق منه إلى مسلم لاستحق سَلَب الكافر٢، ولزمته دية المسلم؛ لتضمن الفعل الواحد أمرين مختلفين.
ومن اختار الرواية الأولى٣ قال: ارتكاب النهي متى أخل بشرط العبادة أفسدها بالإجماع، كما لو نهى المحدث عن الصلاة، فخالف وصلى، ونية التقرب بالصلاة شرط، والتقرب بالمعصية محال، فكيف يمكن التقرب به، وقيامه وقعوده في الدار فعل هو عاص به، فكيف يكون متقربًا بما هو عاص به؟! وهذا محال.
وقد غلط من زعم أن في هذه المسألة إجماعًا٤؛ لأن السلف لم
الحواشي
(١) ١ أي يمكن وجود أحدهما بدون الآخر، كمن صلى ولم يغصب، أو غصب ولم يصل.
٢ سلب الكافر: ما على القتيل من ثياب وحلى وسلاح وإن كثر، وفي دخول الدابة وآلتها في السلب روايتان. وكون السلب للقاتل ثابت بأحاديث صحيحة، منها ما رواه البخاري عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلًا فله سلبه ... " قالها ثلاثًا في حديث طويل رواه البخاري في باب من لم يخمس الأسلاب حديث رقم "٣١٤٢" والمغازي رقم "٤٣٢١".
٣ وهي عدم صحة الصلاة في الدار المغصوبة.
٤ حكى المصنف في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة مذهبين: أحدهما: أنها صحيحة، وثانيهما: أنهما غير صحيحة. وفيها مذهب مروي عن أبي بكر الباقلاني وغيره: أنها غير صحيحة، ولكن يسقط بها الفرض. =стр. 148
يكونوا يأمرون من تاب من الظلمة بقضاء الصلوات في أماكن الغصب، إن هذا جهل بحقيقة الإجماع، فإن حقيقته: الاتفاق من علماء أهل العصر، وعدم النقل عنهم ليس بنقل الاتفاق.
ولو نقل عنهم أنهم سكتوا فيحتاج إلى أنه اشتهر فيما بينهم كلهم: القول بنفي وجوب القضاء فلم ينكروه.
فيكون -حينئذ- فيه اختلاف هل هو إجماع أم لا؟
على ما سنذكره في موضعه.
الحواشي
(١) قال الطوفي -عن هذا الرأي-: "وهذا مسلك ظاهر الضعف، لأن سقوط الفرض بدون أدائه شرعًا غير معهود، بل لو منع الإجماع المذكور لكان أيسر عليه، فإنه يبعد على الخصم أن يثبت أن ظالمًا في زمن السلف صلى في مكان مغصوب وعلم به أهل الإجماع، فضلًا عن أن يثبت ذلك في جميع الظلمة أو أكثرهم، ولو سلّم ذلك، لكن لا نسلم أنهم أقروا الظلمة على ذلك ولم يأمروهم بالإعادة، ولا يلزم من عدم نقل ذلك عدم وجوده، لجواز أن الأمر بالإعادة وجود لم ينقل، لاستيلاء الظلمة وسطوتهم، أو كون الحكم ليس من الأمور العظيمة التي تتوفر الدواعي على نقل الإنكار فيه" "شرح مختصر الروضة جـ١ ص٣٦٣".
والصلاة في الدار المغصوبة مثال جاء به المصنف تطبيقًا على مسألة: أن الشيء الواحد يستحيل أن يكون واجبًا حرامًا في وقت واحد.
وقد وضح الشيخ الشنقيطي -رحمه الله تعالى- كلام المصنف فقال: "إيضاح معنى كلامه- ﵀ أن الوحدة ثلاثة أقسام:
أ- وحدة بالجنس.
ب- وحدة بالنوع.
جـ- وحدة بالعين.
أما الوحدة بالجنس أو النوع: فلا مانع من كون بعض أفراد الواحد بهما =стр. 149
.................................................................
الحواشي
(١) = حرامًا وبعضها حلالًا، بخلاف الوحدة بالعين فلا يمكن أن يكون فيها بعض الأفراد حرامًا وبعضها حلالًا.
مثال الوحدة بالجنس: وحدة البعير والخنزير، لأنهما يشملهما جنس واحد هو "الحيوان" فكلاهما حيوان، فهما متحدان جنسًا، ولا إشكال في حرمة الخنزير وإباحة البعير.
ومثال الوحدة بالنوع: السجود: فإنه نوع واحد، فالسجود لله والسجود للصنم يدخلان في نوع واحد هو: اسم السجود، ولا إشكال في أن السجود للصنم كفر، ولله قربة. كما قال تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
ومثال الوحدة بالعين: عند المؤلف ﵀: الصلاة في الدار المغصوبة، فلا يمكن عنده أن يكون بعض أفرادها حرامًا، وبعضها مباحًا.
وإيضاح مراده أن المصلي في الدار المغصوبة إذا قام إلى الصلاة شغل بجسمه الفراغ الذي هو كائن فيه، وشغله الفراغ المملوك لغيره بجسمه تعدّيًا غصب، فهو حرام. فهذا الركن الذي هو القيام غصب فهو حرام، فإذا ركع شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في ركوعه، وإذا سجد شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في سجوده وهكذا.
وشغل الفراغ المملوك لغيره تعديًا غصب، فلا يمكن أن يكون قربة، لامتناع كون الواحد بالعين واجبًا حرامًا، قربة معصية؛ لاستحالة اجتماع الضدين في شيء واحد، من جهة واحدة، فليزم بطلان الصلاة المذكورة.
ومنع هذا القائلون بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة وهم الجمهور. قالوا: الصلاة في الأرض المغصوبة فعل له جهتان، والواحد بالشخص يكون له جهتان: هو طاعة من إحداهما، ومعصية من إحداهما، فالصلاة في الأرض المغصوبة -من حيث هي صلاة- قربة، ومن حيث هي غصب معصية، فله صلاته وعليه غصبه.
فيقول من قال ببطلانها: الصلاة في المكان المغصوب ليست من أمرنا، فهي رد، للحديث الصحيح: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" فيقول خصمه، الصلاة في نفسها من أمرنا، فليست برد، وإنما الغصب هو الذي ليس =стр. 150
فصل: [في أقسام النهي]
مصححو الصلاة في الدار المغصوبة قسموا النهي ثلاثة أقسام:
الأول: ما يرجع إلى ذات المنهي عنه، فيضاد وجوبه، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى....﴾ ١.
وإلى ما لا يرجع إلى ذات المنهي عنه، فلا يضاد وجوبه، مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ ٢ مع قول النبي ﷺ : "لا تلبسوا الحرير" ٣.
ولم يتعرض في النهي للصلاة، فإذا صلى في ثوب حرير أتى بالمطلوب والمكروه٤ جميعًا.
القسم الثالث: أن يعود النهي إلى المنهي عنه دون أصله، كقوله -تعالى-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاة﴾ ٥ مع قوله -تعالى-: ﴿لاََ
الحواشي
(١) من أمرنا فهو رد" "مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص٢٢-٢٣" ط. دار القلم، بيروت.
١ سورة الإسراء من الآية: ٢٣.
٢ سورة الإسراء من الآية: ٧٨.
٣ حديث صحيح رواه البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ في كتاب اللباس، باب: لبس الحرير "٤/ ٨٣" ومسلم: كتاب اللبس "٤/ ١٤٠" بلفظ: "ولا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" كما رواه النسائي والترمذي وأحمد.
٤ استعمل المصنف كلمة "المكروه" وقصده "المحرم" وهو وارد فقد جاء في القرآن الكريم إطلاق لفظ "المكروه" على بعض المقطوع بحرمتها، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ إلى أن قال سبحانه: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ اقرأ الآيات ٣١-٣٨ من سورة الإسراء.
٥ سورة البقرة الآيات: ٤٣، ١١٠ وفي سورة الأنعام ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاة وَاتَّقُوهُстр. 151
تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيل﴾ ١ وقوله ﵇: "دعي الصلاة أيام أقرائك" ٢، ونهيه عن الصلاة في المقبرة٣، وقارعة الطريق، والأماكن السبعة٤. ونهيه عنها في الأوقات الخمسة٥.
الحواشي
(١) وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [٧٢] .
١ سورة النساء من الآية: ٣٤.
٢ هذا جزء من حديث ورد في قصة فاطمة بنت حبيش بنت جحش، وحمنة بنت جحش، بألفاظ مختلفة: فرواه أبو داود: كتاب الطهارة باب: في المرأة المستحاضة، وأحمد في المسند "٦/ ٣٢٢" عن أم سلمة ﵂ أنها استفتت النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش فقال لها: "تدع الصلاة قدر أقرائها، ثم تغتسل وتصلي" وفي الموطأ والبخاري: " إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي". وللحديث روايات أخرى كثيرة.
يراجع: "الموطأ ١/ ٦١، فتح الباري ١/ ٤٠٩، جامع الأصول ٧/ ٣٦٠-٣٦٨".
٣ روى مسلم في صحيحه "٩٧-٩٧٢" عن أبي مرثد أن النبي ﷺ قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها".
٤ عن ابن عمر، ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "سبع مواطن لا تجوز فيها الصلاة: ظهر بيت الله، والمقبرة والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق" حديث صحيح رواه الترمذي: أبواب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية ما يصلي إليه وفيه، وابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: المواضع التي تكره فيها الصلاة.
والمراد ببيت الله: الكعبة المشرفة لإخلاله بالتعظيم وعدم احترامها بالاستعلاء عليها، والمزبلة: محل الزبل، ومثله كل نجاسة متيقنة. وعطن الإبل، المكان الذي تنحّى فيه ليشرب غيرها، ومحجة الطريق: وسطه "فيض القدير ٤/ ٨٨".
٥ صحت الأحاديث الدالة على النهي في الأوقات الخمسة، ومنها: الحديث الذي =стр. 152
فأبو حنيفة يسمي المأتي به على هذا الوجه فاسدا وغير باطل١.
وعندنا: أن هذا من القسم الأول١، وهو قول الشافعي، فإن المكروه الصلاة في زمن الحيض٣، لا الوقوع في الحيض مع بقاء الصلاة مطلوبة، إذ ليس الوقوع في الوقت شيئا منفصلا عن الإيقاع، ولذلك بطلت الصلاة في هذه المواضع كلها٤.
الحواشي
(١) = رواه البخاري ومسلم أنه ﷺ قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس".
وعن عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تضيف الشمس للغروب" رواه مسلم. انظر: صحيح البخاري "١/ ٣٥٢"، صحيح مسلم "١/ ٥٦٧" الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل للمؤلف جـ١ ص١٢٢ ط. المكتب الإسلامي.
١ حيث يفرق الحنفية بين الفاسد والباطل فيقول: الفاسد: ما كان الخلل فيه راجعًا إلى وصف من أوصاف الفعل، أما الباطل: فما كان الخلل فيه راجعًا إلى أصل الفعل. انظر: أصول السرخسي ج١ ص٨٠.
٢ وهو: النهي الذي يرجع إلى ذات المنهي عنه.
٣ يقصد بالمكروه هنا -المحرم- كما تقدم. وإلا فالصلاة في زمن الحيض حرام.
٤ وضح الشيخ "الشنقيطي" ما أراده المصنف من هذا الفصل فقال: "اعلم أن حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة: أن المنهي عنه إما أن تكون جهة النهي فيه منفردة، أعني: أنه لم تكن له جهة أخرى مأمور به منها، كالشرك بالله، والزنا، فإن النهي عنهما لم يخالطه أمر من جهة أخرى، وهذا النوع واضح لا إشكال في أنه باطل على كل حال.
وإما أن يكون له جهتان: جهة مأمور به منها، وجهة منهي عنه منها، وهم يقولون في مثل هذا: إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي فالفعل صحيح، وإن لم تنفك عنها فالفعل باطل.
لكنهم عند التطبيق يختلفون:
فيقول الحنبلي: الصلاة في الأرض المغصوبة منهي عنها من جهة الغصب، =стр. 153
فصل: [الأمر بالشيء نهي عن ضده]
الأمر بالشيء نهي عن ضده من حيث المعنى، فأما الصيغة فلا؛ فإن قوله "قم" غير قوله لا "تقعد".
الحواشي
(١) = مأمور بها من جهة الصلاة، إلا أن الجهة هنا غير منفكة، لأن نفس الحركة في أركان الصلاة عين شغل الفراغ المملوك لغيره تعديًا، وذلك عين الغصب، فأفعال الصلاة لا تنفك عن كونها غصبًا، والصلاة يشترط فيها نية التقرب، وتلك الأفعال التي هي شغل الفراغ المملوك لغيره غصب لا يمكن فيها نية التقرب، إذ لا يمكن أن يكون متقربًا بما هو عاص به.
أما إذا انفكت الجهة فالفعل صحيح، كالصلاة بالحرير، فإن الجهة منفكة، لأن لبس الحرير منهي عنه مطلقًا، في الصلاة وغيرها، فالمصلي بالحرير صلاته صحيحة وعليه إثم لبسه الحرير.
فيقول المالكي والشافعي -مثلًا-: لا فرق -ألبتة- بين الصلاة في المكان المغصوب وبين الصلاة بالحرير، فالغصب -أيضًا- حرام في الصلاة وفي غيرها، فصلاته صحيحة وعليه إثم غصبه.
ويقول المالكي -مثلًا- مثال الجهة غير المنفكة: صوم العيد أو الفطر؛ لأن الصائم فيهما معرض عن ضيافة الله؛ لأن الصوم إمساك، وهذا الإمساك هو بعينه الإعراض عن ضيافة الله، لأن الإعراض عنهما هو: الامتناع عن الأكل والشرب، فلا يمكن انفكاك الجهة.
فيقول الحنفي: الجهة منفكة أيضًا، لأن الصوم -من حيث إنه صوم- قربة، ومن حيث كونه في العيد منهي عنه، فالجهة منفكة ولذا: لو نذر أحد أن يصوم يوم العيد فنذره عنده صحيح منعقد، ويلزمه صيام يوم آخر غير يوم العيد بناء على انفكاك الجهة عنده.
وقول المؤلف ﵀ في هذا المبحث: "قسموا النهي إلى ثلاثة أقسام" إيضاح معناه: أن المنهي عنه: إما أن يكون المنهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو لخارج عنه، زاد بعض المحققين قسمًا رابعًا: وهو أن المنهي عنه لخارج =стр. 154
وإنما النظر في المعنى وهو: أن طلب القيام هل هو بعينه طلب ترك القعود١؟
الحواشي
(١) = عنه قد تكون فيه جهة النهي غير منفكة عن جهة الأمر، وقد تكون منفكة عنها، فتكون الأقسام أربعة:
مثال المنهي عنه لذاته: الشرك بالله والزنا.
ومثال المنهي عنه لوصفه القائم به: الخمر بالنسبة إلى الإسكار.
ومثل له المؤلف بالصلاة في حالة السكر، لأنها منهي عنها لوصف السكر القائم بالمصلي.
ومثال المنهي عنه لخارج غير لازم: الصلاة بالحرير.
ومثال المنهي عنه لخارج لازم: -عند المؤلف- الصلاة في المكان المغصوب، والنهي يقتضي البطلان في ثلاثة منها وهي: ما نهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو الخارج عنه له لزومًا غير منفك.
أما الرابع: فلا يقتضي البطلان، وهو ما كان النهي عنه لخارج غير لازم راجع: مذكرة أصول الفقه ص٢٤-٢٥.
١ وضح الشيخ الشنقيطي كلام المصنف في هذا الفصل فقال: "اعلم أن كون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده فيه ثلاثة مذاهب:
الأول: أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده وهذا قول جمهور المتكلمين، قالوا: أسكن مثلًا، السكون المأمور به فيه، هو عين ترك الحركة، فهو إذًا عين النهي عن الحركة أيضًا، فالأمر بالسكون هو النهي عن الحركة، قالوا وشغل الجسم فراغًا هو عين تفريغه للفراغ الذي انتقل عنه، والبعد من المغرب هو عين القرب من المشرق، وهو بالإضافة إلى المشرق قرب إلى المغرب بعد، قالوا ومثل ذلك طلب السكون فهو بالنسبة إليه أمر، وإلى الحركة نهي، والذين قالوا بهذا القول اشترطوا في الأمر كون المأمور به معينًا وكونه وقته مضيقًا ولم يذكر ذلك المؤلف، أما إذا كان غير معين كالأمر بواحد من خصال الكفارة فلا يكون نهيًا عن ضده، فلا يكون في آية الكفارة نهي عن ضد الإعتاق، مثلًا لجواز ترك الإعتاق من أصله والتلبس بضده والتكفير بالإطعام مثلًا، =стр. 155
......................................................................................................
الحواشي
(١) = وذلك بالنظر إلى ما صدقه، أي فرده المعين كما مثلنا لا بالنظر إلى مفهومه وهو الأحد الدائر بين تلك الأشياء.
فإن الأمر حينئذ نهي عن ضد الأحد الدائر، وضده هو ما عدا تلك الأشياء المخير بينها، وكذلك الوقت الموسع فلا يكون الأمر بالصلاة في أول الوقت نهيًا على التلبس بضدها في ذلك الوقت، بل يجوز التلبس بضدها في أول الوقت وتأخيرها إلى وسطه أو آخره بحكم توسيع الوقت.
ثم قال:
الذي يظهر -والله أعلم- أن قول المتكلمين ومن وافقهم من الأصوليين أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، مبني على زعمهم الفاسد أن الأمر قسمان: نفسي ولفظي. وأن الأمر النفسي، هو المعنى القائم بالذات المجرد عن الصيغة، وبقطعهم النظر عن الصيغة، واعتبارهم الكلام النفسي، زعموا أن الأمر هو عين النهي عن الضد، مع أن متعلق الأمر طلب، ومتعلق النهي ترك، والطلب استدعاء أمر موجود، والنهي استدعاء ترك، فليس استدعاء شيء موجود، وبهذا يظهر أن الأمر ليس عين النهي عن الضد، وأنه لا يمكن القول بذلك إلا على زعم أن الأمر هو الخطاب النفسي القائم بالذات المجرد عن الصيغة، ويوضح ذلك اشتراطهم في كون الأمر نهيًا عن الضد أن يكون الأمر نفسيًا يعنون الخطاب النفسي المجرد عن الصيغة، وجزم ببناء هذه المسألة على الكلام النفسي صاحب الضياء اللامع وغيره، وقد أشار المؤلف إلى هذا بقوله من حيث المعنى، وأما الصيغة فلا، ولم ينتبه، لأن هذا من المسائل التي فيها النار تحت الرماد، لأن أصل هذا الكلام مبني على زعم باطل وهو أن كلام الله مجرد المعنى القائم بالذات المجرد عن الحروف والألفاظ، لأن هذا القول الباطل يقتضي أن ألفاظ كلمات القرآن بحروفها لم يتكلم بها رب السموات والأرض، وبطلان ذلك واضح وسيأتي له إن شاء الله زيادة إيضاح في مباحث القرآن ومباحث الأمر.
المذهب الثاني: أن الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده، ولكنه يستلزمه، وهذا هو أظهر الأقوال: لأن قولك أسكن مثلًا يستلزم نهيك عن الحركة لأن المأمور به لا يمكن وجوده مع التلبس بضده لاستحالة اجتماع الضدين وما لا يتم =стр. 156
فقالت المعتزلة: ليس بنهي عن ضده، لا بمعنى أنه عينه ولا يتضمنه ولا يلازمه؛ إذ يتصور أن يأمر بالشيء من هو ذاهل عن ضده، فكيف يكون طالبا لما هو ذاهل عنه، فإن لم يكن ذاهلا عنه فلا يكون طالبًا له إلا من حيث يعلم أنه لا يمكن فعل المأمور به إلا بترك ضده، فيكون تركه ذريعة بحكم الضرورة، لا بحكم ارتباط الطلب به، حتى لو تصور -مثلًا- الجمع بين الضدين ففعل، كان ممتثلًا، فيكون من قبيل: ما لا يتم الواجب إلا به واجب، غير مأمور به.
وقال قوم: فعل الضد: هو عين ترك ضده الآخر، فالسكون عين ترك الحركة، وشغل الجوهر حيزا عين تفريغه للحيز المنتقل عنه، والبعد من المغرب هو: عين القرب من المشرق وهو بالإضافة إلى المشرق قرب، وإلى المغرب بعد.
فإذًا: طلب السكون بالإضافة إليه أمر، وإلى الحركة نهي.
وفي الجملة: إنا لا نعتبر في الأمر الإرادة١، بل المأمور: ما اقتضى الأمر امتثاله.
الحواشي
(١) = الواجب إلا به واجب كما تقدم، وعلى هذا القول أكثر أصحاب مالك، وإليه رجع الباقلاني في آخر مصفاته وكان يقول بالأول.
المذهب الثالث: أنه ليس عينه ولا يتضمنه، وهو قول المعتزلة والأبياري من المالكية، وإمام الحرمين والغزالي من الشافعية، واستدل من قال بهذا بأن الآمر يجوز أن يكون وقت الأمر ذاهلًا عن ضده، وإذا كان ذاهلًا عنه فليس ناهيًا عنه إذ لا يتصور النهي عن الشيء مع عدم خطوره بالبال أصلًا، ويجاب عن هذا بأن الكف عن الضد لازم لأمره لزومًا لا ينفك، إذ لا يصح امتثال الأمر بحال إلا مع الكف عن ضده، فالأمر مستلزم ضرورة للنهي عن ضده لاستحالة اجتماع الضدين قالوا ولا تشترط إرادة الآمر كما أشار إليه المؤلف ﵀. "مذكرة أصول الفقه ص٢٦-٢٧".
١ علق الشيخ "الشنقيطي" على هذا بقوله: "قولهم هنا: "ولا تشترط إرادة الآمر". =стр. 157
والأمر يقتضي ترك الضد؛ ضرورة أنه لا يتحقق الامتثال إلا به، فيكون مأمورا به، والله أعلم.
فهذه أقسام أحكام التكليف١.
ولنبين -الآن- التكليف، ما هو شروطه.
الحواشي
(١) = غلط؛ لأن المراد بعدم اشترط الإرادة في الأمر: إرادة الآمر وقوع المأمور به، أما إرادته لنفس اقتضاء الطلب المعبر عنه الأمر، فلا بد منها على كل حال، وهي محل النزاع هنا.
ومن المسائل التي تنبني على الاختلاف في هذه المسألة: قول الرجل لامرأته: إن خالفت نهيي فأنت طالق، ثم قال لها: قومي فقعدت، فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فقوله "قومي" هو عين النهي عن القعود، فيكون قعودها مخالفة لنهيه المعبر عنه بصيغة الأمر، فتطلق، وعلى أنه مستلزم له فيتفرع على الخلاف المشهور في لازم القول، هل هو أو لا، وعلى أنه ليس عين النهي عن الضد ولا مستلزمًا له، فإنها لا تطلق" مذكرة أصول الفقه ص٢٨.
١ ذكره بعض العلماء قسمًا سادسًا سموه:
مرتبة العفو
ومعناها: أن الله -تعالى- لا يعذب عليها؛ لأنه قد عفا عن فاعلها، ولا يحاسبه عما فعل، ولا يمكن أن يطلق على هذه المرتبة اسم "المباح".
والأصل في هذه المرتبة: ما رواه الحاكم وابن جرير والدراقطني من حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله فرض فرائض فلا يضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" حديث حسن كما قال النووي في أربعينه. =стр. 158
..........................................................
الحواشي
(١) = ويشمل ذلك:
١- ما كان عليه أهل الجاهلية، حيث كانوا يستبيحون ما لم يبحه الإسلام -بعد ذلك- كالتزوج بأزواج الآباء، وجمعهم بين الأختين، وقد جاءت آيات القرآن الكريم بتحريم ذلك، والإشارة إلى أن الله تعالى قد عفا عما سلف.
يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [سورة النساء الآية: ٢٢] .
ويقول -جل شأنه-: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَف﴾ [سورة النساء الآية: ٢٣] .
٢- ومنه -أيضًا- ما تركه الإسلام في أول ظهوره من غير نص قاطع بالتحريم، ثم نزل النص القاطع بتحريمه، كما جاء في "الخمر والميسر".
ولذلك ختمت الآيات الواردة في سورة المائدة بالتحريم النهائي في شأنهما، ختمت بها يفيد أن الله تعالى قد عفا عما مضى، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ، لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة المائدة الآيات ٩٠-٩٣] .
ومن هذا القبيل: ما جاء في موضوع تحريم الربا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
٣- ومن هذا القبيل: عدم المؤاخذة على الخطأ والنسيان والإكراه، فإن هذه الأمور لا تندرج تحت "المباح" بحيث يستوي فيها الفعل والترك، بل هي من مرتبة العفو التي تفضل المولى -سبحانه- بعدم المؤاخذة عليها.
وهذا ما جاء واضحًا في قول الرسول ﷺ : "رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وراه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب: المكره ١/ ٦٥٩، والدارقطني في السنن ٤/ ١٧٠، والبيهقي في سننه، كتاب الخلع، =стр. 159
فصل: [في معنى التكليف وشروطه]
التكليف في اللغة: إلزام ما فيه كلفة. أي: مشقة١.
قالت الخنساء٢ في صخر٣:
يكلفه القوم ما نابهم٤ ... وإن كان أصغرهم مولدًا٥
الحواشي
(١) = باب: طلاق المكره ٧/ ٣٥٧، والحاكم في المستدرك، كتاب الطلاق ٢/ ١٩٨.
٤- ومنه: من ارتكب شيئًا ثبت تحريمه، ولكنه يجهل التحريم لعذر، كمن يتزوج امرأة محرمة عليه وهو لا يعلم، كأن تكون أخته من الرضاعة، وهو لا يعلم بذلك، فإذا تبين الإنسان ذلك بعد الزواج فرّق بينهما دون مؤاخذة، فلا حد عليهما.
١ جاء في القاموس المحيط "٣/ ١٩٨": "والتكليف: الأمر بما يشق، وتكلفه: تجشمه".
٢ هي: تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد، من بني سليم، من أهل نجد، أشهر شواعر العرب، وأشهرهن على الإطلاق، عاشت في الجاهلية، وأدركت الإسلام فأسلمت، ووفدت على رسول الله ﷺ مع قومها، فكان رسول الله ﷺ يستنشدها ويعجبه شعرها، توفيت سنة ٢٤هـ. "الشعر والشعراء لابن قتيبة ص٢١٣، أسد الغابة ٧/ ٨٨".
٣ هو: صخر بن عمرو بن الحارث، قتل يوم كلاب، وقيل: يوم ذي الأثل، طعنه ربيعة بن ثعلبة الأسدي، وكان من فرسان العرب وشجعانهم. فلما قتل رثته أخته "الخنساء" بقصيدة طويلة مطلعها:
أعيني جودا ولا تجمدا
ألا تبكيان لصخر الندا
٤ في ديوان الخنساء ص٣١ "ما عالهم".
٥ انظر: ديوان الخنساء ٣١ ط. الأندلس.стр. 160
وهو في الشريعة: الخطاب بأمر أو نهي١.
وله شروط بعضها يرجع إلى المكلف، وبعضها يرجع إلى نفس المكلف به.
أما ما يرجع إلى المكلف: فهو أن يكون عاقلا يفهم الخطاب٢.
فأما الصبي والمجنون: فغير مكلفين؛ لأن مقتضى التكليف: الطاعة والامتثال: ولا تمكن إلا بقصد الامتثال، وشرط القصد: العلم بالمقصود، والفهم للتكليف إذ من لا يفهم كيف يقال له افهم؟ "ومن لا يسمع الصوت كالجماد كيف يكلم؟ وإن سمع ولم يفهم كالبهيمة، فهو كمن لا يسمع"٣.
ومن يفهم فهما ما "لكنه لا يفهم ولا يثبت كالمجنون وغير المميز"٤ فخطابه ممكن، لكن اقتضاء الامتثال منه -مع أنه لا يصح منه قصد صحيح- غير ممكن. ووجوب الزكاة٥ والغرامات في مال الصبي
الحواشي
(١) ١ اعترض على هذا التعريف بأنه لا يشمل المباح، فليس فيه أمر ولا نهي.
وأجيب: بأنه ألحق بالأحكام التكليفية من قبيل التغليب، فأطلق عليه اسم التكليف تجوزًا، وقيل: إن المباح يجب اعتقاد إباحته، فهو داخل تحت الحكم التكليفي.
٢ المصنف جمع بين العقل وفهم الخطاب، لأن الإنسان قد يكون عاقلًا ولا يفهم الخطاب كالصبي الناسي والسكران والمغمى عليه، فإنهم في حكم العقلاء من بعض الوجوه وهم لا يفهون.
٣ ما بين القوسين من المستصفى ص"١٠١" طبعة الجندي وهي في الأصل: "ومن لا يسمع لا يقال له: تكلم، وإن سمع ولم يفهم كالبهيمة فهو كمن لا يسمع".
٤ ما بين القوسين من المستصفى ص"١٠١" وهي في الأصل: "ومن لا يفهم فهمًا ما كغير المميز" وفيها نقص واضح.
٥ هذا دفع لاعتراض قد يرد مفاده: إذا كان الصبي والمجنون غير مكلفين فكيف =стр. 161
والمجنون ليس تكليفًا لهما، إذ يستحيل التكليف بفعل الغير١.
وإنما معناه: أن الائتلاف وملك النصاب سبب لثبوت هذه الحقوق في ذمتهما، بمعنى أنه سبب لخطاب الولي بالأداء في الحال، وسبب لخطاب الصبي بعد البلوغ، وهذا ممكن، إنما المحال أن يقال لمن لا يفهم: افهم.
وإنما أهلية ثبوت الأحكام في الذمة بالإنسانية التي بها يستعد لقبول قوة العقل الذي به يفهم التكليف في ثاني الحال. والبهيمة ليس لها أهلية فهم الخطاب، لا بالقوة ولا بالفعل، فلم يتهيأ ثبوت الحكم في ذمتها.
والشرط لا بد أن يكون حاصلا أو ممكن الحصول على القرب فنقول: هو موجود بالقوة.
كما أن شرط الملكية: الإنسانية، وشرط الإنسانية الحياة، والنطفة يثبت لها الملك مع عدم الحياة التي هي شرط الإنسانية؛ لوجودها بالقوة.
فكذا الصبي مصيره إلى العقل، فصلح لثبوت الحكم في ذمته ولم يصلح للتكليف في الحال.
فأما الصبي المميز: فتكليفه ممكن؛ لأنه يفهم ذلك، إلا أن الشرع حط التكليف عنه تخفيفا "لأن العقل خفي، وإنما يظهر فيه على التدريج"٢ إذ لا يمكن الوقوف بغتة على الحد الذي يفهم به خطاب
الحواشي
(١) = نوجب عليهما دفع الزكاة، وضمان المتلفات. فأجاب المصنف: بأن ذلك من قبيل خطاب الوضع، لوجود سببه، وليس من قبيل خطاب التكليف، والحكم الوضعي يتعلق بالمكلف وغيره.
١ لفظ "الغير" من المستصفى ص"١٠١".
٢ ما بين القوسين من المستصفى ص"١٠٢" وهي في الأصل: "ليظهر خفي التدريج" وفيها تحريف ظاهر.стр. 162
الشارع، ويعلم الرسول والمرسِل، فنصب له علامة ظاهرة.
وقد روي أنه مكلف١.
الحواشي
(١) ١ وهناك رواية ثالثة -عن الإمام أحمد- أنه مكلف بالصلاة إذا بلغ عشرًا لكونه يعاقب على تركها، كما في الحديث: "..... واضربوهم عليها لعشر...." والواجب: ما عوقب على تركه. قال المصنف في الكافي "١/ ٩٤": "والمذهب الأول" أي لا تجب على الصبي حتي يبلغ؛ للحديث ولأن الطفل لا يعقل.стр. 163
فصل: [في عدم تكليف الناسي والنائم والسكران]
والناسي والنائم غير مكلف؛ فكيف يقال له: افهم؟
وكذا السكران الذي لا يعقل١.
الحواشي
(١) ١ وهو الذي يسميه الفقهاء: السكران الطافح، وهو الذي لا يعقل شيئًا، وهذا رأي كثير من العلماء، منهم: الإمام أحمد. والرواية الثانية عنه: أنه مكلف ما دام قد استعمل المسكر مختارًا غير مكره، عالمًا بأنه يسكر، وهو مذهب الحنفية والشافعي وكثير من أهل العلم، لأنه ليس بمرفوع عنه القلم.
حكى الإمام أحمد عن الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنهما- أنه كان يقول: وجدت السكران ليس بمرفوع عنه القلم. "القواعد والفوائد الأصولية ص٣٧". ونص عليه في الأم "٥/ ٢٥".
وقد روي عن الإمامين: الشافعي وأحمد ﵄ في حكم السكران أقوال كثيرة أخرى: فقيل: إنه كالمجنون، وقيل: إنه كالمجنون في أقواله وكالصاحي في أفعاله، وقيل: إنه في الحدود كالصاحي، وفي غيرها كالمجنون، وقيل: إنه فيما يستقل به -كالقتل والعتق ونحوهما- كالصاحي، وفيما لا يستقل به: كبيعه وشرائه ومعاوضاته كالمجنون. وقيل: التوقف في طلاقه وعتقه، أما بيعه وشراؤه فينفذ. وقيل: جميع تصرفاته تنفذ ما عدا الردة.
وقال بعض المالكية: إن السكر يذهب بالإرادة والقدرة فتبطل جميع تصرفاته. =стр. 164
وثبوت أحكام أفعالهم: من الغرامات، ونفوذ طلاق السكران، من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، وذلك مما لا ينكر.
فأما قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ١ فقد قيل: هذا كان في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر، والمراد منه: المنع من إفراط الشرب في وقت الصلاة، كيلا يأتي عليه وقت الصلاة وهو سكران، كما يقال: لا تقرب التهجد وأنت شبعان. معناه لا تشبع فيثقل عليك التهجد.
وقال الله -تعالى-: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾ ٢.
أي: الزموا الإسلام ولا تفارقوه، حتى إذا جاءكم الموت أتاكم وأنتم مسلمون.
وقيل: هو خطاب لمن وجد منه مبادىء النشاط والطرب ولم يزل عقله؛ لأنه إذا ظهر بالبرهان استحالة توجه الخطاب: وجب تأويل الآية.
الحواشي
(١) = ولا خلاف بين العلماء في وجوب قضاء ما فاته من العبادات، وضمان المتلفات، لأنها من قبيل خطاب الوضع وقد وجد سببها. وينبغي أن يكون معلومًا أن الخلاف في التكليف وعدمه: إنما هو في أداء الواجب، لا في الوجوب نفسه، وإلا فالناسي والنائم يجب عليهما قضاء الصلاة بعد التذكر واليقظة للحديث المشهور: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها".
راجع في هذه المسألة: "القواعد والفوائد الأصولية ص٣٧ وما بعدها، المسودة ص٣٥، شرح الكوكب المنير جـ١ ص٥٠٥ وما بعدها، كشف الأسرار ٤/ ٣٥٣، فواتح الرحموت ١/ ١٤٥، المستصفى ص١٠٢.
١ سورة النساء من الآية: ٤٣.
٢ سورة آل عمران من الآية: ١٠٢.стр. 165
فصل: [في حكم تكليف المكره]
فأما المكره١: فيدخل تحت التكليف؛ لأنه يفهم ويسمع ويقدر على تحقيق ما أُمر به وتركه.
الحواشي
(١) ١ عادة المصنف عدم تحرير محل النزاع، وهذا قد يوقع القارئ في خطأ نتيجة لهذا التعميم. وقد قسم العلماء الإكراه إلى قسمين:
أ- إكراه ملجئ: وهو الذي لا تبقى للمكلف معه قدرة ولا اختيار، كمن حلف ألا يدخل دار فلان. فقهره من هو أقوى منه، وكبّله بالحديد، وحمله قهرًا حتى أدخله الدار. ومثل ذلك غير مكلف باتفاق العلماء؛ إذ لا قدرة له على خلاف ما أكره عليه.
ب- إكراه غير ملجئ: بحيث يبقى للإنسان قدرة واختيار على الفعل أو الترك -كما قال المصنف- كما إذا أكره الإنسان على شيء يكرهه ولا يرضاه، كما لو أمر الحاكم شخصًا بقتل إنسان ما، وإلا قتلناك، فهذا هو محل الخلاف وللعلماء في ذلك مذهبان -كما قال المصنف-.
وجزم المصنف -في هذا النوع- بأنه مكلف فيه نظر:
فقد فرّق العلماء بين الإكراه في حق الغير، والإكراه في حق النفس، فالذي يكره على قتل إنسان مسلم لا يجوز له قتله، وإن أدى ذلك إلى قتله هو.
إما الإكراه في حق النفس، فالظاهر من الأيات والأحاديث أن الإكراه عذر يسقط التكليف، وهو ما يفيده قول الله تعالى: ﴿ ... إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَان ... ﴾ [النحل: ١٠٦] ويؤيد ذلك: قول رسول الله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وقد روي بطرق متعددة: فقد رواه ابن حبان وصححه، والحاكم في المستدرك: كتاب الطلاق، باب: ثلاث جدهن جد وهزلهن جد ٢/ ١٩٨، وحسّنه النووي في الأربعين النووية: باب التجاوز عن المخطئ والناسي والمكره، حديث رقم "٣٩" ص٥٨.
ولا يطعن فيه ما نقله عبد الله بن أحمد عن أبيه أنه أنكر الحديث جدًّا، كما لا =стр. 166
وقالت المعتزلة: ذلك محال؛ لأنه لا يصح منه فعل غير ما أكره عليه، ولا يبقى له خيرة.
وهذا غير صحيح؛ فإنه قادر على الفعل وتركه، ولهذا يجب عليه ترك القتل إذا أكره على قتل مسلم، ويأثم بفعله.
ويجوز أن يكلف ما هو على وفق الإكراه، كإكراه الكافر على الإسلام، وتارك الصلاة على فعلها، فإذا فعلها قيل: أدى ما كلف، لكن إنما تكون منه طاعة إذا كان الانبعاث بباعث الأمر، دون باعث الإكراه.
فإن كان إقدامه للخلاص من سيف المكرِه لم تكن طاعة، ولا يكون مجيبا داعي الشرع.
وإن كان يفعلها ممتثلًا لأمرالشارع، بحيث كان يفعلها لولا الإكراه فلا يمتنع وقوعها طاعة. وإن وجدت صورة التخويف.
الحواشي
(١) = يطعن فيه نقل الخلال عنه أنه قال: "من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإن الله أوجب في قتل النفس الخطأ الكفارة" وقد جمع العلماء بين ما قاله الإمام وبين غيره: بأن المراد من رفع الخطأ والنسيان: رفع المؤاخذة بهما: لا رفع حكمهما، وإلا كيف يؤاخذ الناسي والمخطئ وقد قال الله -تعالى- في ختام سورة البقرة ﴿.. رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وقد جاء في حديث مسلم حول هذه الآية "قال الله نعم" أي: أجبت دعاءكم "تفسير ابن كثير جـ١ ص٣٢٤".
قال الشيخ الشنقيطي: "والحديث وإن أعله أحمد وابن أبي حاتم، فقد تلقاه العلماء بالقبول، وله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة" مذكرة أصول الفقه ص٣٣.стр. 167
فصل: [في حكم تكليف الكفار بفروع الإسلام]
واختلفت الرواية١: هل الكفار مخاطبون بفروع الإسلام؟
الحواشي
(١) أي عن الإمام أحمد. وهذه المسألة متفرعة عن قاعدة أصولية هي: هل حصول الشرط الشرعي شرط في صحة التكليف أو لا؟ ومعنى هذا: أنه هل يشترط الإسلام للتكليف بالعبادات ونحوها: أو أن الكفار يعتبرون مكلفين بها حتى ولو لم يدخلوا في الإسلام.
ويتحرر محل النزاع فيما يأتي:
أولًا- لا خلاف بين العلماء في أن الكفار مخاطبون بأصول العقيدة: من الإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله واليوم الأخر، حتى نقل القاضي أبو بكر الباقلاني الإجماع على ذلك، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم﴾ أول سورة الحج: وقال النبي ﷺ : "...... وبعثت إلى الناس كافة" حديث صحيح رواه البخاري ومسلم والنسائي. "الفتح الكبير ج١ ص١٩٩".
ثانيًا- لا خلاف -أيضًا- أنهم مخاطبون بالعقوبات الشرعية، فتقام عليهم إذا وجدت أسبابها، وكذلك المعاملات المالية، لأنها أمور دنيوية.
وقد وضح الإمام ابن السبكي محل الخلاف في المسألة فقال: "أطبق المسلمون على أن الكفار بأصول الشرائع مخاطبون، وباعتبارها مطالبون، ولا اعتداد بخلاف مبتدع يشبب بأن العلم بالعقائد يقع اضطرارًا فلا يكلف به، وأجمعت الأمة -كما نقله القاضي أبو بكر- على تكليفهم بتصديق الرسل، وبترك تكذيبهم وقتلهم وقتالهم، ولم يقل أحد إن التكليف بذلك متوقف على معرفة الله تعالى".
ثم بعد أن نقل آراء العلماء في المسألة حرر محل الخلاف فقال:
"..... وكشف الغطاء في ذلك أن الخطاب على قسمين: خطاب تكليف وخطاب وضع: =стр. 168
فروي أنهم لا يخاطبون منها بغير النواهي؛ إذ لا معنى لوجوبها مع استحالة فعلها في الكفر، وانتفاء قضائها في الإسلام، فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله؟ وهذا قول أكثر أصحاب الرأي١.
الحواشي
(١) = فخطاب التكليف بالأمر والنهي هو محل الخلاف، وليس كل تكليف أيضًا، بل ما لم نعلم اختصاصه بالمؤمنين أو ببعض المؤمنين، وإنما المراد العامة التي شملهم لفظًا، هل يكون الكفر مانعًا من تعلقها بهم أو لا؟.
وأما خطاب الوضع: فمنه ما يكون سببًا لأمر أو نهي، مثل كون الطلاق سببًا لتحريم الزوجة قال والدي ﵀: فهذا من محل الخلاف أيضًا".
ثم قال: "ومن خطاب الوضع: كون إتلافهم وجناياتهم سببًا في الضمان، وهذا ثابت في حقهم إجماعًا، بل ثبوته في حقهم أولى من ثبوته في حق الصبي، وكون وقوع العقد على الأوضاع الشرعية سببًا في البيع والنكاح وغيرهما فهذا لا نزاع فيه، وفي ترتب الأحكام الشرعية عليه في حقهم كما في المسلم، وكذا كون الطلاق سببًا للفرقة، فإن الفرقة ثبتت إذا قلنا بصحة أنكحتهم.
ومن هذا القبيل: الإرث والملك به، ولولا ذلك لما شاع بيعهم لمواريثهم وما يشترونه، ولا معاملتهم، وكذا صحة أنكحتهم إذا صدرت على الأوضاع الشرعية، والخلاف في ذلك لا وجه له".
وقال: "ومن خطاب الوضع: ثبوت المال في ذمتهم في الديون والكفارات عند حصول أسبابها، ولا نزاع في ثبوت ذلك في حقهم، كما ثبت في حق المسلمين، وكذا تعلق الحقوق التي يطالبون بدائها بأموالهم مثل: تعلق أروش الجنايات برقاب الجناة ... ".
ثم قال: "ومن خطاب الوضع: كون الزنا سببًا لوجوب الحد وذلك ثابت في حقهم، ولذلك رجم النبي ﷺ اليهوديين. وهو ثابت في الصحيحين "اللؤلؤ والمرجان ٢/ ١٨٨" انظر: الإبهاج للسبكي جـ١ ص١٧٦-١٧٧ طبعة الكليات الأزهرية، والبحر المحيط للزركشي جـ١ ص٤١٠ طبعة الكويت.
١ قول المصنف: "إن هذا هو قول أكثر أصحاب الرأي" فيه نظر، فالمشهور عن =стр. 169
وروي أنهم مخاطبون بها، وهو قول الشافعي١؛ لأنه جائز عقلًا وقد قام دليله شرعًا٢.
الحواشي
(١) = أكثر الحنفية: أنهم ليسوا بمكلفين مطلقًا، ولا أدري من أين نقل المصنف ذلك، وهذا المذهب، وإن قال به بعض العلماء، إلا أنه غريب وشاذ، قال الزركشي في البحر المحيط "١/ ٤٠٢": "ولعله انقلب مما قبله، ويرده: الإجماع السابق على تكليفهم بالنواهي: ويقصد بقوله: "انقلب مما قبله" أن القائل به اختلط عليه مذهب القائلين بأنهم مكلفون بالنواهي دون الأوامر فعكس المسألة. انظر: "كشف الأسرار ١/ ١٢٨، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٢٥" ولذلك لم يذكره الطوفي في المختصر ولا في الشرح.
١ وعنه وعن الإمام أحمد ﵄ رواية ثانية: أنهم غير مكلفين، وهو المنقول عن أكثر الحنفية، واختاره أبو حامد الإسفراييني، والإمام فخر الدين الرازي, انظر: العضد على مختصر ابن الحاجب "٢/ ١٣" وفي المسألة عدة مذاهب أخرى لم يتعرض لها المصنف:
فقيل: هم مكلفون بالنواهي دون الأوامر، حتى نقل بعض العلماء إخراج هذا من محل الخلاف، وأن تكليفهم بالنواهي متفق عليه.
وقيل: إن المرتد هو المكلف فقط، دون الكافر الأصلي.
وقيل: إنهم مكلفون بما عدا الجهاد، حكاه القرافي عن بعض العلماء ولم ينسبه.
وقيل: إن المكلف غير الحربي، أما الحربي فليس بمكلف.
وقيل: بالتوقف.
ولكل مذهب من هذه المذاهب أدلته، وعليها مناقشات كثيرة تراجع في مظانها. انظر: "فواتح الرحموت ١/ ١٥٤، تيسير التحرير ٢/ ٢٤٨، أصول السرخسي ٢/ ٣٤١، البحر المحيط ١/ ٤٠٢ وما بعدها".
٢ فالمصنف بذلك قد اختار هذا المذهب واستدل على صحته بالعقل والنقل كما سيأتي توضيحه.стр. 170
أما الجواز العقلي:
فإنه لا يمتنع أن يقول الشارع: بني الإسلام على خمس، وأنتم مأمورون بجميعها، وبتقديم الشهادتين من جملتها، فتكون الشهادتان مأمورا بهما لنفسهما، ولكونهما شرطا لغيرهما، كالمحدث يؤمر بالصلاة١.
فإن منع مانع الحكم في المحدث وقال: إنما يؤمر بالوضوء، فإذا توضأ أمر بالصلاة؛ إذ لايتصور الأمر بالصلاة مع الحدث؛ لعجزه عن الامتثال.
قلنا: فإذًا لو ترك الصلاة طول عمره لا يعاقب على تركها، وهو خلاف الإجماع٢.
وينبغي أن لا يصح أمره بالصلاة بعد الوضوء. بل بالتكبيرة الأولى، لاشتراط تقديمها٣.
الحواشي
(١) ١ أي: يؤمر بالصلاة وبما لا تصح الصلاة إلا به، كالطهارة، فإن: ما لا يتم الواجب إلا به واجب.
٢ عبارة البلبل المطبوع "والإجماع على خلافه" ومعنى العبارة: أن الإجماع منعقد على خلاف أنه لا يعاقب إلا على ترك الوضوء، بل يعاقب على جميع الصلوات الفائتة طول عمره، وذلك يدل على أنه مكلف بها.
٣ هذا تفريع على ما تقدم ومعناه: أن المحدث لو توضأ وترك الصلاة، يلزم أن لا يعاقب إلا على تكبيرة الإحرام، لاشتراط تقديمها. هذا معنى كلامه -رحمه الله تعالى-.
قال "الطوفي" -معترضًا على هذا الإلزام-: "وهو إلزام غير جيد، لأن التكبيرة جزء الصلاة، وليست حقيقة مستقلة عنها، كالوضوء، اللهم إلا أن ينزِّلوا أجزاءها منزلة الحقائق المستقلة، مؤاخذة بما اقتضاه لفظ الخصم من اشتراط التقديم، وجزء الشيء يتقدمه، ويتوقف الشيء عليه. وبالجملة: هذا تدقيق ليس وراءه تحقيق، إنما هو من باب: إعنات الخصم". شرح مختصر الروضة "١/ ٢٠٧-٢٠٨".стр. 171
وأما الدليل الشرعي:
فعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ... ﴾ ١ وإخبار الله -سبحانه- عن المشركين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين﴾ ٢.
ذكر هذا في معرض التصديق لهم تحذيرًا من فعلهم، ولو كان كذبا لم يحصل التحذير منه، كيف وقد عطف عليه ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ٣ كيف يعطف ذلك على ما لا عذاب عليه.
وقال الله- تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَر ... ﴾ الآية. لأنه نص في مضاعفة العذاب في حق من جمع بين المحظورات.
الحواشي
(١) ١ سورة آل عمران من الآية: ٩٧.
٢ سورة المدثر الآيتان: ٤٢، ٤٣.
٣ سورة المدثر الآية: ٤٦.
٤ سورة الفرقان الآيتان: ٦٨، ٦٩. ووجه الدلالة من ذلك: أن الله -تعالى- رتب الوعيد على مجموع ترك الأصل وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ... ﴾ والفرع، وهو قوله تعالى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُون﴾ فكانت الفروع جزءًا من سبب الوعيد، وذلك يستلزم أنهم مكلفون بها.
يضاف إلى ما أورده المصنف من الآيات: آيات أخرى صريحة ونص في محل النزاع خاصة بخطاب أهل الكتاب والمشركين، تحثهم على طاعة الله تعالى، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَة﴾ إلى أن قول سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاة﴾ [سورة البينة: ١-٥] .
وقال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاة﴾ [فصلت: ٦، ٧] قال القرطبي: "وفيه دلالة على أن الكافر يعذب بكفره مع منع وجوب الزكاة عليه". =стр. 172
وفائدة الوجوب١: أنه لو مات عوقب على تركه، وإن أسلم سقط عنه؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله.
ولا يبعد النسخ قبل التمكن من الامتثال، فكيف يبعد سقوط الوجوب بالإسلام٣؟.
الحواشي
(١) = ومن الأدلة الصريحة في مضاعفة العذاب: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] .
١ هذا بيان لثمرة تكليف الكفار بفروع الإسلام. وقد ذكر العلماء ثمارًا أخرى منها:
أنه إذا علم بمضاعفة العذاب فوق عذاب الكفر بادر بفعلها، طلبًا للتخفيف، فإنه من الثابت أن أهل النار متفاوتون في المنازل والدركات، بحسب أعمالهم، كما أن أهل الجنة متفاوتون في المنازل والدرجات. انظر: "شرح المختصر الطوفي جـ١ ص٢١٣-٢١٤".
٢ وهو معنى ما جاء في صحيح مسلم: باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الحج والعمرة، في حديث طويل عن عمرو بن العاص ﵁ ".... فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت: أبسط يمينك فلأُبايعْك فبسط يمينه. قال: فقبضت يدي. قال: "ما لك يا عمرو؟ " قلت: أردت أن أشترط. قال: "تشترط بماذا؟ " قلت: أن يغفر لي. قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله ... " الحديث.
٣ معنى هذه الفقرة: أن الذين يقولون بعدم تكليفهم قالوا: كيف تقولون: أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام، مع أنه لا يجب قضاؤها عليهم؟.
فأجاب المصنف: أن هذا مبني على مسألة أخرى هي: هل القضاء بأمر جديد أو بالأمر الأول؟
فإن قلنا: بأمر جديد سقط الاعتراض، لأن الإسلام أسقط عنهم القضاء، فليس هناك أمر جديد بالأداء.
وإن قلنا: إنه بالأمر، فيكون القضاء قد سقط عنهم بدليل آخر ناسخ للمتقدم، وهو الحديث، وليس ببعيد أن يرد النسخ قبل التمكن من الفعل، =стр. 173
فصل: [شروط الفعل المكلف به]
فأما الشروط المعتبرة للفعل المكلف به فثلاثة:
أحدهما: أن يكون معلومًا للمأمور به، حتى يتصور قصده إليه، وأن يكون معلومًا كونه مأمورًا به من جهة الله -تعالى- حتى يتصور منه قصد الطاعة والامتثال. وهذا يختص بما يجب به قصد الطاعة والتقرب١.
الحواشي
(١) = الدليل موجود وهو حديث "الإسلام يهدم ما كان قبله" أي: يقطع ما قبله من أحكام الكفر.
١ إيضاح معنى هذا الشرط: أن الفعل المكلف به يشترط في صحة التكليف به شرعًا أن يكون المكلف يعلمه، فيشترط لتكليفه بالصلاة علمه بحقيقة كيفية الصلاة لأن التكليف بالمجهول من تكليف ما لا يطاق، إذ لو قيل للمكلف افعل ما أضمره في نفسي أنك تفعله وإلا عاقبتك، فقد كلف بفعل ما لا طاقة له به لأن اهتداءه إلى الفعل المطلوب من غير علم ليس في طاقته كما هو واضح.
واعلم أن الأحكام الشرعية قسمان: قسم منها تعبدي محض، وقسم معقول المعنى. فالتعبدي كالصلاة والزكاة والصوم، فيشترط في التكليف به العلم بحقيقة الفعل المكلف به كما بينا، ويزاد على ذلك العلم بأنه مأمور به من الله تعالى، إذ لا بد له من نية التقرب به إلى الله تعالى ونية التقرب إليه لا تمكن إلا بعد معرفة أن الأمر المتقرب به إليه أمر منه جل وعلا، وأما معقول المعنى فلا يشترط في صحة فعله نية التقرب ولكن لا أجر له فيه البتة إلا بنية التقرب إلى الله تعالى. ومثال ذلك رد الأمانة، والمغصوب وقضاء الدين، والإنفاق على الزوجة. فمن قضى دينه وأدى الأمانة ورد المغصوب مثلًا لا يقصد بشيء من ذلك وجه الله بل لخوفه من عقوبة السلطان مثلًا ففعله صحيح دون النية وتسقط عنه المطالبة فلا يلزمه الحق في الآخرة بدعوى أن قضاءه في الدنيا غير صحيح لعدم نية التقرب بل القضاء صحيح والمطالبة ساقطة على كل حال ولكن لا أجر له إلا بنية التقرب، وهذا هو مراد المؤلف بقوله وهذا يختص بما يجب به قصد الطاعة والتقرب.стр. 174
الثاني: أن يكون معدومًا، أما الموجود: فلا يمكن إيجاده، فيستحيل الأمر به١.
الثالث: أن يكون ممكنًا، فإن كان محالًا، كالجمع بين الضدين ونحوه لم يجز الأمر به٢.
الحواشي
(١) ١ إيضاح معنى هذا الشرط: أنه يشترط في المطلوب المكلف به أن يكون الفعل المطلوب معدومًا، فالصلاة والصوم المأمور بهما وقت الطلب لا بد أن يكونا غير موجودين، والمكلف ملزم بإيجادهما على الوجه المطلوب، أما الموجود الحاصل فلا يصح التكليف به كما لو كان صلى ظهر هذا اليوم بعينه صلاة تامة من كل جهاتها، فلا يمكن أمره بإيجاد تلك الصلاة بعينها التي أداها على أكمل وجه لأن الأمر بتحصيلها معناه أنها غير حاصلة والفرض أنها حاصلة فيكون تناقضًا، ومن هنا قالوا تحصيل الحاصل محال لأن السعي في تحصيله معناه أنه غير حاصل بالفعل وكونه حاصلًا بالفعل ينافي ذلك فصار المعنى هو غير حاصل هو حاصل. وهذا تناقض واجتماع النقيضين مستحيل. "مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص٣٥".
٢ هذا الشرط مرتبط بمسألة أخرى هي: التكليف بما لا يطاق، أو التكليف بالمحال، وفيها تفصيل لأهل الأصول لم يتعرض له المصنف، وقد وضحه الشيخ "الشنقيطي" فقال:
"اعلم أن حاصل تحقيق المقام في هذه المسألة عند أهل الأصول أن البحث فيها من جهتين:
الأولى: من جهة الجواز العقلي، أي هل يجوز عقلًا أن يكلف الله عبده بما لا يطيقه أو يمتنع ذلك عقلًا.
الثانية: هل يمكن ذلك شرعًا أو لا، أن أكثر الأصوليين على جواز التكليف عقلًا بما لا يطاق، قالوا وحكمته ابتلاء الإنسان، هل يتوجه إلى الامتثال ويتأسف على عدم القدرة ويضمر أنه لو قدر لفعل، فيكون مطيعًا لله بقدر طاقته، أو لا يفعل ذلك فيكون في حكم العاصي. ومنهم من يقول لا يلزم ظهور الحكمة في أفعال الله لأنهم يزعمون أن أفعاله لا تعلل بالأغراض والحكم =стр. 175
.....................................................
الحواشي
(١) = وسيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح إبطال ذلك في الكلام على علة القياس، وأكثر المعتزلة وبعض أهل السنة منعوا التكليف بما لا يطاق عقلًا، قالوا لأن الله يشرع الأحكام لحكم ومصالح، والتكليف بما لا يطاق لا فائدة فيه فهو محال عقلًا، أما بالنسبة إلى الإمكان الشرعي ففي المسألة التفصيل المشار إليه آنفًا وهو أن المستحيل أقسام. فالمستحيل عقلًا قسمان: قسم مستحيل لذاته كوجود شريك لله عن ذلك علوًا كبيرًا، وكاجتماع النقيضين والضدين في شيء واحد في وقت واحد من جهة واحدة.
ويسمى هذا القسم المستحيل الذاتي، وإيضاحه أن العقل إما أن يقبل وجود الشيء فقط، أي ولا يقبل عدمه، أو يقبل عدمه فقط ولا يقبل وجوده أو يقبلهما معًا، فإن قبل وجوده فقط ولم يقبل عدمه بحال فهو الواجب الذاتي المعروف بواجب الوجود، كذات الله جل وعلا، متصفًا بصفات الكمال والجلال، وإن قبل عدمه فقط دون وجوده فهو المستحيل المعروف بالمستحيل عقلًا كوجود شريك لله عن ذلك علوًا كبيرًا. وإن قبل العقل وجوده وعدمه، فهو المعروف بالجائز عقلًا وهو الجائز الذاتي كقدوم زيد يوم الجمعة وعدمه. فالمستحيل الذاتي أجمع العلماء على أن التكليف به لا يصح شرعًا لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ونحو ذلك من أدلة الكتاب والسنة.
القسم الثاني من قسمي المستحيل عقلًا: هو ما كان مستحيلًا لا لذاته بل لتعلق علم الله بأنه لا يوجد، لأن ما سبق في علم الله أنه لا يوجد مستحيل عقلًا أن يوجد لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلي وهذا النوع يسمونه المستحيل العرضي، ونحن نرى أن هذه العبارة لا تنبغي لأن وصف استحالته بالعرض من أجل كونها بسبب تعلق العلم الأزلي لا يليق بصفة الله، فالذي ينبغي أن يقال: إنه مستحيل لأجل ما سبق في علم الله من أنه لا يوجد. ومثال هذا النوع إيمان أبي لهب، فإن إيمانه بالنظر إلى مجرد ذاته جائز عقلًا الجواز الذاتي لأن العقل يقبل وجوده، وعدمه، ولو كان إيمانه مستحيلًا عقلًا لذاته لاستحال شرعًا تكليفه بالإيمان مع أنه مكلف به قطعًا إجماعًا، ولكن هذا الجائز عقلًا الذاتي، مستحيل من جهة أخرى، وهى من حيث تعلق علم الله فيما سبق أنه لا يؤمن لاستحالة =стр. 176
وقال قوم: يجوز ذلك ١:
وبدليل قوله تعالى: ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ ٢. والمحال لا يسأل دفعه.
ولأن الله -تعالى- علم أن أبا جهل ٣ لا يؤمن، وقد أمره بالإيمان وكلفه إياه.
الحواشي
(١) = تغير ما سبق به العلم الأزلي، والتكليف بهذا النوع من المستحيل واقع شرعًا وجائز عقلًا وشرعًا بإجماع المسلمين، لأنه جائز ذاتي لا مستحيل ذاتي، والأقسام بالنظر إلى تعلق العلم قسمان واجب ومستحيل فقط، لأن العلم إما أن يتعلق بالوجود فهو واجب أو بالعدم فهو مستحيل ولا واسطة، والمستحيل العادي كتكليف الإنسان بالطيران إلى السماء بالنسبة إلى الحكم الشرعي كالمستحيل العقلي. وهذا هو حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة، والآية لا دليل فيها على جواز التكليف شرعًا بما لا يطاق لأن المراد بما لا طاقة به هي الآصار والأثقال التي كانت على مَن قبلنا، لأن شدة مشقتها وثقلها تنزلها منزلة ما لا طاقة به. "مذكرة أصول الفقه ص٣٦-٣٧".
١ اسم الإشارة هنا عائد على المحال لذاته، أي: أجاز قوم التكليف به، واستدل له المصنف بثلاثة أدلة: أولها: الآية الكريمة، والثاني: قوله: "ولأن الله -تعالى- علم أن أبا جهل لا يؤمن" إلخ. ووجه الاستدلال به: أن أبا جهل قد أمر بالإيمان بكل ما أنزله الله تعالى، ومن بعض ذلك: أنه لا يؤمن، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وأوضح من ذلك تمثيل بعض الأصوليين بأبي لهب، الذي نزلت في حقه صراحة سورة المسد، إذًا يكون هؤلاء مأمورون بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا، وبأنهم لا يؤمنون، وهو جمع بين النقيضين. وسيتأتى الرد على ذلك.
٢ سورة البقرة من الآية: ٢٨٦.
٣ هو: عمرو بن هشام بن المغيرة المخرومي القرشي، كان شديد القرشي، كان شديد العداوة لرسول الله ﷺ في صدر الإسلام، كان أحد سادات قريش وأبطالها ودهاتها =стр. 177
ولأن تكليف المحال لا يستحيل لصيغته، إذ ليس يستحيل أن يقول: ﴿كُونُوا قِرَدَة﴾ ١. ﴿كُونُوا حِجَارَة﴾ ٢.
وإن أحيل طلب المستحيل للمفسدة، ومناقضة الحكمة: فإن بناء الأمور على ذلك في حق الله -تعالى- محال؛ إذ لا يقبح منه شيء، ولا يجب عليه الأصلح.
ثم الخلاف فيه وفي العباد واحد فالسفه من المخلوق ممكن.
ووجه استحالته٣.
قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٤ و ﴿لا نُكَلِّف
الحواشي
(١) = في الجاهلية، يقال له: أبو الحكم فدعاه المسلمون: أبا جهل. قتل في غزوة بدر الكبرى "عيون التاريخ ١/ ١٤٤".
١ سورة البقرة من الآية: ٦٥.
٢ سورة الإسراء من الآية: ٥٠ وقول المصنف: "ولأن تكليف المحال...." هذا هو الدليل الثالث للمذهب الذي يجوّز التكليف بالمحال. وقد اختصره المصنف من "المستصفى" وبيانه: أنهم قالوا: لو استحال تكليف المحال لاستحال إما لصيغته، أو لمعناه، أو لمفسدة تتعلق به، أو لأنه يناقض الحكمة.
ولا يستحيل لصيغته؛ إذ لا يستحيل أن يقول: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ وأن يقول السيد لعبده الأعمى: أبصر، وللزّمن: امش. وأما قيام معناه بنفسه، فلا يستحيل -أيضًا- إذ يمكن أن يطلب من عبده كونه في حالة واحدة في مكانين ليحفظ ماله في بلدين. وهذا مما تركه المصنف -اختصارًا- وأشار إلى القسمين الأخيرين بقوله: "وإن أحيل طلب المستحيل إلخ" أي قالوا: محال أنه ممتنع للمفسدة ومناقضة الحكمة، فإن بناء الأمور في حق الله محال، إذ لا يقبح منه شيء، ولا يجب عليه الأصلح، ثم الخلاف فيه وفي العباد واحد، والفساد والسفه من المخلوق ممكن، فلم يمتنع ذلك مطلقًا. "نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص١٥٢-١٥٣".
٣ بدأ المصنف يورد أدلة المذهب الذي اختاره وهو: استحالة التكليف بالمحال.
٤ سورة البقرة من الآية: ٢٨٦.стр. 178
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا..﴾ ١.
ولأن الأمر: استدعاء وطلب، والطلب يستدعي مطلوبًا، وينبغي أن يكون مفهومًا بالاتفاق، ولو قال "أبجد هوّز" لم يكن ذلك تكليفا؛ لعدم عقل معناه.
ولو علم الأمر دون المأمور: به لم يكن تكليفا، إذ التكليف: الخطاب بما فيه كلفة، وما لا يفهمه المخاطب ليس بخطاب، وإنما اشترط فهمه ليتصور منه الطاعة، إذ كان الأمر: استدعاء الطاعة، فإن لم يكن استدعاءً لم يكن أمرا، والمحال لا يتصور الطاعة فيه، فلا يتصور استدعاؤه، كما يستحيل من العاقل طلب الخياطة من الشجر.
ولأن٢ الأشياء لها وجود في الأذهان قبل وجودها في الأعيان، وإنما يتوجه إليه الأمر بعد حصوله في العقل، والمستحيل لا وجود له في العقل فيمتنع طلبه.
ولأننا٣ اشترطنا: أن يكون معدوما في الأعيان ليتصور الطاعة فيه، فلذلك يشترط أن يكون موجودا في الأذهان، ليتصور إيجاده على وفقه.
ولأننا٤ اشترطنا كونه معلومًا ومعدومًا، وكون المكلف عاقلا فاهما؛ لاستحالة الامتثال بدونهما، فكون الشيء ممكنا في نفسه أولى أن يكون شرطا.
الحواشي
(١) ١ سورة الأنعام من الآية: ١٥٢ والآيتان هما الدليل الأول.
٢ هذا هو الدليل الثاني، وهو وما بعده أدلة عقلية، أوردها بعد الأدلة النقلية، التي منها الآيتان السابقتان.
٣ هذا هو الدليل الثالث.
٤ هذا هو الدليل الرابع.стр. 179
وقوله تعالى ١: ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ فقد قيل: المراد به: ما يثقل ويشق، بحيث يكاد يفضي إلى إهلاكه، كقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُم﴾ ٢. وكذلك قال النبي ﷺ في المماليك: "لا تكلفوهم ما لا يطيقون" ٣.
وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَة﴾ تكون إظهارًا للقدرة٤.
الحواشي
(١) ١ من هنا سيبدأ المصنف في الرد على الأدلة التي استدل بها أصحاب المذهب الأول، وهم المجوّزون للتكليف بالمستحيل.
وبيان ذلك: أن المستدلين بالآية قالوا: "بأن المحال لا يسأل دفعه، فإنه مندفع بذاته" فأجاب المصنف: بأن الآية لا تدل على جواز التكليف بما لا يطاق، إذ قد يقع السؤال بما لا يجوز على الله غيره نحو قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] .
ولم يدل دليل على أن الله -سبحانه- يجوز أن يحكم بالباطل.
وتمدح -سبحانه- بقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ [ق: ٢٩] مع أنه لا يجوز عليه الظلم.
ولئن سلمنا أن المحال لا يسأل دفعه، فإنهم سألوا أن لا يكلفهم ما يشق عليهم، وهذا متعارف في اللغة أن يقول الشخص لما يشق عليه: لا أطيقه، لأنهم علموا جواز تكليف ما لا يطاق فسألوا نفيه" انظر: نزهة الخاطر "١/ ١٥٥".
٢ سورة النساء من الآية: ٦٦: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ .
٣ حديث صحيح: رواه البخاري ومسلم ومالك وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه بروايات مختلفة. ولفظ مسلم باب صحبة المماليك عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق". انظر: فيض القدير جـ٥ ص٢٩٢.
٤ أي: لا بمعنى أنه طلب من المعدوم أن يكون بنفسه.стр. 180
وقوله تعالى: ﴿كُونُوا حِجَارَة﴾ تعجيز، وليس شيء من ذلك أمرا١.
وتكليف أبي جهل الإيمان غير محال؛ فإن الأدلة منصوبة، والعقل حاضر، وآلته تامة٢. ولكن علم الله -تعالى- منه أنه يترك ما يقدر عليه، حسدا وعنادا، والعلم يتبع المعلوم ولا يغيره، وكذلك نقول: الله قادر على أن يقيم القيامة في وقتنا وإن أخبر أنه لا يقيمها الآن، وخلاف خبره محال لكن استحالته لا ترجع إلى نفس الشيء فلا تؤثر فيه٣.
الحواشي
(١) ١ أي: لإظهار عجزهم، لا أنه أمرهم بذلك حتى يتم الاعتراض بالآية الكريمة.
٢ عبارة المستصفى: "والأدلة منصوبة، والعقل حاضر، إذ لم يكن هو مجنونًا".
٣ وبذلك يكون المستصفى قد أجمل الكلام في هذه المسألة ولم يفرق بين الجواز العقلي والوقوع الشرعي. وقد تقدم لنا توضيح ذلك بما نقلناه عن الشيخ الشنقيطي.
وخلاصته أن في الجواز العقلي ثلاثة مذاهب:
الأول: عدم الجواز مطلقًا.
الثاني: جواز التكليف بما هو محال لغيره، دون المحال لذاته.
الثالث: الجواز مطلقا، وهو رأي الجمهور. أما الوقوع الشرعي ففيه المذهبان اللذان ذكرهما.следующие страницы →