Полный текст (1 205 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وقال قوم: يجوز ذلك ١:
وبدليل قوله تعالى: ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ ٢. والمحال لا يسأل دفعه.
ولأن الله -تعالى- علم أن أبا جهل ٣ لا يؤمن، وقد أمره بالإيمان وكلفه إياه.
الحواشي
(١) = تغير ما سبق به العلم الأزلي، والتكليف بهذا النوع من المستحيل واقع شرعًا وجائز عقلًا وشرعًا بإجماع المسلمين، لأنه جائز ذاتي لا مستحيل ذاتي، والأقسام بالنظر إلى تعلق العلم قسمان واجب ومستحيل فقط، لأن العلم إما أن يتعلق بالوجود فهو واجب أو بالعدم فهو مستحيل ولا واسطة، والمستحيل العادي كتكليف الإنسان بالطيران إلى السماء بالنسبة إلى الحكم الشرعي كالمستحيل العقلي. وهذا هو حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة، والآية لا دليل فيها على جواز التكليف شرعًا بما لا يطاق لأن المراد بما لا طاقة به هي الآصار والأثقال التي كانت على مَن قبلنا، لأن شدة مشقتها وثقلها تنزلها منزلة ما لا طاقة به. "مذكرة أصول الفقه ص٣٦-٣٧".
١ اسم الإشارة هنا عائد على المحال لذاته، أي: أجاز قوم التكليف به، واستدل له المصنف بثلاثة أدلة: أولها: الآية الكريمة، والثاني: قوله: "ولأن الله -تعالى- علم أن أبا جهل لا يؤمن" إلخ. ووجه الاستدلال به: أن أبا جهل قد أمر بالإيمان بكل ما أنزله الله تعالى، ومن بعض ذلك: أنه لا يؤمن، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وأوضح من ذلك تمثيل بعض الأصوليين بأبي لهب، الذي نزلت في حقه صراحة سورة المسد، إذًا يكون هؤلاء مأمورون بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا، وبأنهم لا يؤمنون، وهو جمع بين النقيضين. وسيتأتى الرد على ذلك.
٢ سورة البقرة من الآية: ٢٨٦.
٣ هو: عمرو بن هشام بن المغيرة المخرومي القرشي، كان شديد القرشي، كان شديد العداوة لرسول الله ﷺ في صدر الإسلام، كان أحد سادات قريش وأبطالها ودهاتها =стр. 177
ولأن تكليف المحال لا يستحيل لصيغته، إذ ليس يستحيل أن يقول: ﴿كُونُوا قِرَدَة﴾ ١. ﴿كُونُوا حِجَارَة﴾ ٢.
وإن أحيل طلب المستحيل للمفسدة، ومناقضة الحكمة: فإن بناء الأمور على ذلك في حق الله -تعالى- محال؛ إذ لا يقبح منه شيء، ولا يجب عليه الأصلح.
ثم الخلاف فيه وفي العباد واحد فالسفه من المخلوق ممكن.
ووجه استحالته٣.
قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٤ و ﴿لا نُكَلِّف
الحواشي
(١) = في الجاهلية، يقال له: أبو الحكم فدعاه المسلمون: أبا جهل. قتل في غزوة بدر الكبرى "عيون التاريخ ١/ ١٤٤".
١ سورة البقرة من الآية: ٦٥.
٢ سورة الإسراء من الآية: ٥٠ وقول المصنف: "ولأن تكليف المحال...." هذا هو الدليل الثالث للمذهب الذي يجوّز التكليف بالمحال. وقد اختصره المصنف من "المستصفى" وبيانه: أنهم قالوا: لو استحال تكليف المحال لاستحال إما لصيغته، أو لمعناه، أو لمفسدة تتعلق به، أو لأنه يناقض الحكمة.
ولا يستحيل لصيغته؛ إذ لا يستحيل أن يقول: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ وأن يقول السيد لعبده الأعمى: أبصر، وللزّمن: امش. وأما قيام معناه بنفسه، فلا يستحيل -أيضًا- إذ يمكن أن يطلب من عبده كونه في حالة واحدة في مكانين ليحفظ ماله في بلدين. وهذا مما تركه المصنف -اختصارًا- وأشار إلى القسمين الأخيرين بقوله: "وإن أحيل طلب المستحيل إلخ" أي قالوا: محال أنه ممتنع للمفسدة ومناقضة الحكمة، فإن بناء الأمور في حق الله محال، إذ لا يقبح منه شيء، ولا يجب عليه الأصلح، ثم الخلاف فيه وفي العباد واحد، والفساد والسفه من المخلوق ممكن، فلم يمتنع ذلك مطلقًا. "نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص١٥٢-١٥٣".
٣ بدأ المصنف يورد أدلة المذهب الذي اختاره وهو: استحالة التكليف بالمحال.
٤ سورة البقرة من الآية: ٢٨٦.стр. 178
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا..﴾ ١.
ولأن الأمر: استدعاء وطلب، والطلب يستدعي مطلوبًا، وينبغي أن يكون مفهومًا بالاتفاق، ولو قال "أبجد هوّز" لم يكن ذلك تكليفا؛ لعدم عقل معناه.
ولو علم الأمر دون المأمور: به لم يكن تكليفا، إذ التكليف: الخطاب بما فيه كلفة، وما لا يفهمه المخاطب ليس بخطاب، وإنما اشترط فهمه ليتصور منه الطاعة، إذ كان الأمر: استدعاء الطاعة، فإن لم يكن استدعاءً لم يكن أمرا، والمحال لا يتصور الطاعة فيه، فلا يتصور استدعاؤه، كما يستحيل من العاقل طلب الخياطة من الشجر.
ولأن٢ الأشياء لها وجود في الأذهان قبل وجودها في الأعيان، وإنما يتوجه إليه الأمر بعد حصوله في العقل، والمستحيل لا وجود له في العقل فيمتنع طلبه.
ولأننا٣ اشترطنا: أن يكون معدوما في الأعيان ليتصور الطاعة فيه، فلذلك يشترط أن يكون موجودا في الأذهان، ليتصور إيجاده على وفقه.
ولأننا٤ اشترطنا كونه معلومًا ومعدومًا، وكون المكلف عاقلا فاهما؛ لاستحالة الامتثال بدونهما، فكون الشيء ممكنا في نفسه أولى أن يكون شرطا.
الحواشي
(١) ١ سورة الأنعام من الآية: ١٥٢ والآيتان هما الدليل الأول.
٢ هذا هو الدليل الثاني، وهو وما بعده أدلة عقلية، أوردها بعد الأدلة النقلية، التي منها الآيتان السابقتان.
٣ هذا هو الدليل الثالث.
٤ هذا هو الدليل الرابع.стр. 179
وقوله تعالى ١: ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ فقد قيل: المراد به: ما يثقل ويشق، بحيث يكاد يفضي إلى إهلاكه، كقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُم﴾ ٢. وكذلك قال النبي ﷺ في المماليك: "لا تكلفوهم ما لا يطيقون" ٣.
وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَة﴾ تكون إظهارًا للقدرة٤.
الحواشي
(١) ١ من هنا سيبدأ المصنف في الرد على الأدلة التي استدل بها أصحاب المذهب الأول، وهم المجوّزون للتكليف بالمستحيل.
وبيان ذلك: أن المستدلين بالآية قالوا: "بأن المحال لا يسأل دفعه، فإنه مندفع بذاته" فأجاب المصنف: بأن الآية لا تدل على جواز التكليف بما لا يطاق، إذ قد يقع السؤال بما لا يجوز على الله غيره نحو قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] .
ولم يدل دليل على أن الله -سبحانه- يجوز أن يحكم بالباطل.
وتمدح -سبحانه- بقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ [ق: ٢٩] مع أنه لا يجوز عليه الظلم.
ولئن سلمنا أن المحال لا يسأل دفعه، فإنهم سألوا أن لا يكلفهم ما يشق عليهم، وهذا متعارف في اللغة أن يقول الشخص لما يشق عليه: لا أطيقه، لأنهم علموا جواز تكليف ما لا يطاق فسألوا نفيه" انظر: نزهة الخاطر "١/ ١٥٥".
٢ سورة النساء من الآية: ٦٦: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ .
٣ حديث صحيح: رواه البخاري ومسلم ومالك وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه بروايات مختلفة. ولفظ مسلم باب صحبة المماليك عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق". انظر: فيض القدير جـ٥ ص٢٩٢.
٤ أي: لا بمعنى أنه طلب من المعدوم أن يكون بنفسه.стр. 180
وقوله تعالى: ﴿كُونُوا حِجَارَة﴾ تعجيز، وليس شيء من ذلك أمرا١.
وتكليف أبي جهل الإيمان غير محال؛ فإن الأدلة منصوبة، والعقل حاضر، وآلته تامة٢. ولكن علم الله -تعالى- منه أنه يترك ما يقدر عليه، حسدا وعنادا، والعلم يتبع المعلوم ولا يغيره، وكذلك نقول: الله قادر على أن يقيم القيامة في وقتنا وإن أخبر أنه لا يقيمها الآن، وخلاف خبره محال لكن استحالته لا ترجع إلى نفس الشيء فلا تؤثر فيه٣.
الحواشي
(١) ١ أي: لإظهار عجزهم، لا أنه أمرهم بذلك حتى يتم الاعتراض بالآية الكريمة.
٢ عبارة المستصفى: "والأدلة منصوبة، والعقل حاضر، إذ لم يكن هو مجنونًا".
٣ وبذلك يكون المستصفى قد أجمل الكلام في هذه المسألة ولم يفرق بين الجواز العقلي والوقوع الشرعي. وقد تقدم لنا توضيح ذلك بما نقلناه عن الشيخ الشنقيطي.
وخلاصته أن في الجواز العقلي ثلاثة مذاهب:
الأول: عدم الجواز مطلقًا.
الثاني: جواز التكليف بما هو محال لغيره، دون المحال لذاته.
الثالث: الجواز مطلقا، وهو رأي الجمهور. أما الوقوع الشرعي ففيه المذهبان اللذان ذكرهما.стр. 181
فصل: [في المقتضى بالتكليف]
والمقتضى بالتكليف: فعل أو كف.
فالفعل: كالصلاة.
والكف: كالصوم وترك الزنا والشرب.
стр. 182
وقيل: لا يقتضي الكف، إلا أن يتناول التلبس١ بضد من أضداده، فيثاب على ذلك لا على الترك؛ لأن "لا تفعل" ليس بشيء، ولا تتعلق به قدرة، إذ لا تتعلق القدرة إلا بشيء.
والصحيح: أن الأمر فيه مستقيم، فإن الكف في الصوم مقصود، ولذلك تشترط النية فيه.
والزنا والشرب نهي عن فعلهما، فيعاقب على الفعل، ومن لم يصدر منه ذلك لا يثاب ولا يعاقب؛ إلا إذا قصد كف الشهوة عنه مع التمكن فهو مثاب على فعله.
ولا يبعد أن "يكون مقصود الشرع"٢ أن لا يتلبس بالفواحش، وإن لم يقصد أنه يتلبس بضدها٣.
الحواشي
(١) ١ في جميع النسخ "التلبيس" وهو خطأ واضح، وقد صححناها من المستصفى.
٢ ما بين القوسين من المستصفى لتوضيح المعنى.
٣ خلاصة هذا الفصل: أن الفعل المكلف به يتنوع إلى نوعين: فعل وكف، وقد اختلف العلماء فيما يقتضيه التكليف؟.
فالجمهور على أن المقتضى به الإقدام أو الكف، وهو فعل أيضًا، ولذلك قالوا: لا تكليف إلا بفعل. فالكف معناه: كف النفس وصرفها عن المنهي عنه، وآيات القرآن الكريم، وأحاديث الرسول ﷺ تؤيد ذلك. قال الله -تعالى-: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣] فسمى الله -تعالى- عدم نهي الربانيين والأحبار لهم صنعًا، فدل ذلك على أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعل. وقال تعالى: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] . فسمى عدم تناهيهم عن المنكر فعلًا وهو واضح. وفي السنة من هذا كثير، من ذلك قوله ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" فسمى ترك الأذي إسلامًا.стр. 183
فصل: الضرب الثاني - من الأحكام ما يتلقى من خطاب الوضع والإخبار
...
الضرب الثاني - من الأحكام ما يتلقى من خطاب الوضع والإخبار ١
وهو أقسام أيضًا:
الحواشي
(١) = وقال بعض المعتزلة: إن متعلق التكليف في النهي: هو العدم الأصلى؛ لأن تارك الزنا ممدوح حتى مع الغفلة عن ضدية ترك الزنى. وأجاب الجمهور عن ذلك: بأن المدح على كف النفس عن المعصية. انظر: الإحكام للآمدي "١/ ١٤٧"، شرح الكوكب المنير "١/ ٤٩٢-٤٩٣".
١ من هنا سيتكلم المؤلف عن الضرب الثاني من الأحكام الشرعية، وهو: الحكم الوضعي.
وإذا كان قسيمه وهو: الحكم التكليفي: هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير، كما تقدم. فإن الحكم الوضعي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشيء سببًا لشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، أو كونه صحيحًا أو فاسدًا، أو رخصة أو عزيمة، أو أداء أو إعادة أو قضاء.
ومعنى الوضع: أن الشرع وضع: أي شرع أمورًا سميت أسبابًا وشروطًا وموانع إلخ تعرف عند وجودها أحكام الشرع من إثبات أو نفي، فالأحكام توجد بوجود الأسباب والشروط، وتنتفي لوجود الموانع.
وأما معنى "الإخبار" فهو: أن الشرع بوضع هذه الأمور أخبرنا بوجود أحكامه، وانتفائها عند وجود تلك الأمور أو انتفائها، فكأنه قال مثلا-: إذا وجد النصاب الذي هو سبب وجوب الزكاة، والحول الذي هو شرطه، فاعلموا أني أوجبت عليكم أداء الزكاة، وإن وجد الدين الذي هو مانع من وجوبها، أو انتفى السوم الذي هو شرط لوجوبها في السائمة: فاعلموا أني لم أوجب عليكم الزكاة، وكذا الكلام في القصاص والسرقة والزنا وكثير من الأحكام بالنظر إلى وجود أسبابها وشروطها وانتفاء موانعها وعكس ذلك. انظر: "نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص١٥٧".
وأقسام خطاب الوضع هي: العلل، والأسباب، والشروط، والموانع، =стр. 184
أحدهما- ما يظهر به الحكم:
ثم اعلم أنه لما عسر على الخلق معرفة خطاب الشارع في كل حال، أظهر خطابه لهم بأمور محسوسة، جعلها مقتضية لأحكامها على مثال: اقتضاء العلة المحسوسة معلولها، وذلك شيئان:
أحدهما: العلة.
والثاني: السبب.
ونصبهما مقتضيين لأحكامهما حكم من الشارع١.
فلله -تعالى- في الزاني حكمان:
أحدهما: وجوب الحد عليه.
الحواشي
(١) = والصحة، والفساد، والعزيمة والرخصة، والأداء والإعادة والقضاء. وسوف يذكر المصنف هذه الأمور تباعًا.
١ جمهور العلماء لم يذكروا العلة من أقسام الحكم الوضعي، والمصنف مشى على رأي من يجعلها منه. والسبب في هذا الاختلاف: اختلاف العلماء في العلاقة بين العلة والسبب: فقيل: إنهما بمعنى واحد، وقيل: إنهما متغايران، فخصوا العلة بالأمارة المؤثرة التي تظهر فيها المناسبة بينها وبين الحكم، وخصوا السبب بالأمارة غير المؤثرة. وقال أكثر الأصوليين: إن السبب أعم من العلة، فكل علة سبب، ولا عكس، وأن السبب يشمل الأسباب التي ترد في المعاملات والعقوبات، ويشمل العلة التي هي ركن من أركان القياس.
وفرقوا بينهما فقالوا: إن الصفة التي يرتبط بها الحكم إن كانت لا يدرك تأثيرها في الحكم بالعقل، وليست من صنع المكلف، كالوقت للصلاة المكتوبة فتسمى سببًا. أما أذا أدرك العقل تأثير الوصف في الحكم فيسمى علة، ويسمى سببًا، فالسبب يشمل القسمين، فهو أعم من العلة.
"انظر: المحلى على جمع الجوامع ١/ ٩٥، الإحكام للآمدي ١/ ١٢٨، شرح الكوكب المنير ١/ ٤٣٨-٤٣٩".стр. 185
والثاني: جعل الزنا موجبا له.
فإن الزنا لم يكن موجبا للحد لعينه، بل بجعل الشرع له موجبا، ولذلك يصح تعليله فيقال: إنما نصب علّة لكذا وكذا.
فأما العلة: فهي في اللغة: عبارة عما اقتضى تغييرا، ومنه سميت علة المريض لأنها اقتضت تغيير الحال في حقه.
ومنه العلة العقلية:
وهي: عبارة عما يوجب الحكم لذاته، كالكسر مع الانكسار، والتسويد مع السواد.
فاستعار الفقهاء١ لفظ "العلة" من هذا، واستعملوه في ثلاثة أشياء:
أحدها: بإزاء ما يوجب الحكم لا محالة.
فعلى هذا لا فرق بين المقتضى والشرط والمحل والأهل، بل العلة: المجموع، و"الأهل والمحل" وصفان من أوصافها؛ أخذًا من العلة العقلية٢.
الحواشي
(١) ١ يشير المصنف بذلك إلى العلاقة بين "العلة العقلية" والعلة عند الفقهاء والأصوليين.
ومعناه: أنه إذا وجد هذا المجموع المركب من مقتضى الحكم وهو المعنى الطالب له، وشروطه، ومحله: وهو ما تعلق به الحكم، وأهله: وهو المخاطب بالحكم، وجد الحكم لا محالة. كوجوب الصلاة: فإنه حكم شرعي، ومقتضيه: أمر الشارع بالصلاة، وشرطه: أهلية المصلي لتوجه الخطاب إليه، بأن يكون بالغًا عاقلًا. ومحله الصلاة، وأهله المصلي، فإذا وجد هذا المجموع وجدت الصلاة، ويطلق على هذا المجموع: اسم العلة، تشبيهًا بالعلة العقلية.
٢ قول المؤلف: "والأهل والمحل وصفان من أوصافها" غير مسلم، بل هما ركنان من أركانها، على هذا التفسير. انظر: مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص٤١.стр. 186
والثاني: أطلقوه بإزاء المقتضي للحكم، وإن تخلف الحكم لفوات شرط، أو وجود مانع١.
والثالث: أطلقوه بإزاء الحكمة٢، كقولهم: المسافر يترخص لعلة المشقة. والأوسط أولى.
الثاني- السبب:
وهو في اللغة: عبارة عما حصل الحكم عنده لا به. ومنه سمي الحبل والطريق سببا٣.
فاستعار الفقهاء لفظة "السبب" من هذا الموضع واستعملوه في أربعة أشياء:
أحدها: بإزاء ما يقابل المباشرة كالحفر مع التردية: الحافر يسمى صاحب سبب، والمردي صاحب علة.
الثاني: بإزاء علة العلة، كالرمي، يسمى سببًا.
الحواشي
(١) ١ مثال ذلك: اليمين مع عدم الحنث، بالنسبة لوجوب الكفارة، فاليمين علة الكفارة، وشرط وجوبها: الحنث، فتسمى اليمين دون الحنث علة، وهي: علة تخلف حكمها، وهذا المعنى هو الذي رجحه المؤلف.
٢ ضابط الحكمة: أنها هي المعنى الذي من أجله صار الوصف علة، أو هي: المعنى المناسب الذي ينشأ عنه الحكم.
فعلة تحريم الخمر: الإسكار، وحكمته: حفظ العقل، لأن حفظ العقل هو الذي صار من أجله الإسكار علة للتحريم في الخمر.
وللعلماء خلاف طويل في جواز التعليل بالحكمة، أو عدم الجواز، سيأتي تحقيقه -إن شاء الله تعالى- في باب القياس.
٣ جاء في القاموس المحيط: فصل السين، باب الباء: "والسبب: الحبل وما يتوصل به إلى غيره".стр. 187
فصل: [في الشرط وأقسامه]
ومما يعتبر للحكم: الشرط١.
وهو: ما يلزم من انتفائه انتفاء الحكم، كالإحصان مع الرجم، والحول في الزكاة.
فالشرط: ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده٢.
الحواشي
(١) ١ أي: مما يعتبر لإظهار الحكم الوضعي: الشرط.
٢ هذا هو تعريف الشرط في اصطلاح الأصوليين، وهو الذي ذكره الغزالي في المستصفى، وله تعريفات أخرى أدق من هذا التعريف، منها ما ذكراه السرخسي في أصوله "٢/ ٣٠٣" والآمدي في الإحكام "١/ ١٣٠" من أنه: "ما يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته" وقالوا في علة زيادة لفظ "لذاته" إنه احتراز من مقارنة الشرط للسبب، فيلزم الوجود لوجود السبب، أو مقارنة الشرط للمانع، فإنه يلزم العدم لا لذاته، بل لوجود المانع.
أما معناه: لغة: فهو العلامة. قال الله -تعالى-: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُم﴾ [سورة محمد: ١٨] أي: علاماتها.
قال الجوهري في الصحاح "مادة شرط": الشرط معروف -يعنى بالسكون- =стр. 188
والعلة: يلزم من وجودها وجود المعلول، ويلزم من عدمها عدمه في الشرعيات١.
والشرط: عقلي، ولغوي، وشرعي٢.
فالعقلي: كالحياة للعلم، والعلم للإرادة٣.
واللغوي: كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق٤.
والشرعي كالطهارة للصلاة والإحصان للرجم.
الحواشي
(١) = والشرط -بالتحريك-: العلامة. وأشراط الساعة: علاماتها.
وقال الطوفي: "قلت: ومع اتفاق المادة لا أثر لاختلاف الحركات، والكل ثابت عن أهل اللغة". "شرح مختصر الروضة جـ١ ص٤٣٠".
١ هذا غير مسلم، فقد قرر العلماء: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وسيأتي ذلك مفصلًا في القياس، إن شاء الله تعالى.
٢ وهناك قسم رابع: وهو الشرط العادي: كالغذاء للحيوان، والغالب فيه: أنه يلزم من انتفاء الغذاء انتفاء الحياة، ومن وجوده وجودها إذ لا يتغذى إلا حي، فعلى هذا يكون الشرط العادي كاللغوي، في أنه مطرد منعكس، ويكونان من قبيل الأسباب لا من قبيل الشروط. ولهذا قال بعض الفضلاء: الشروط اللغوية أسباب؛ لأنه يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها العدم، بخلاف الشروط العقلية. "شرح مختصر الروضة جـ١ ص٤٣٢".
٣ إذ لا يعقل عالم إلا وهو حي، فالحياة يلزم من انتفائها انتفاء العلم؛ إذ الجسم بدونها جماد، وقيام العلم بالجماد محال.
وسمي عقليًا؛ لأن العقل هو الذي أدرك لزومه لمشروطه، وعدم تصور انفكاكه عنه، كما أدرك لزوم الحياة للعلم، ولزوم للإرادة. "نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص١٦٣".
٤ وجه كونه لغويًّا: أن دخول الدار شرط لوقوع الطلاق ولازم له من حيث اللغة، بحيث إذا لم تدخل لم يحصل طلاق.стр. 189
وسمي شرطًا؛ لأنه علامة على المشروط، يقال: أشرط نفسه للأمر: إذا جعله علامة عليه، ومنه قوله -تعالى-: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا..﴾ ١. أي علاماتها.
وعكس الشرط: المانع:
وهو: ما يلزم من وجوده عدم الحكم٢.
ونصب الشيء شرطا للحكم، أو مانعا له: حكم شرعي، على ما قررناه في المقتضي للحكم. والله أعلم.
القسم الثاني: الصحة والفساد
فالصحة: هو٤ اعتبار الشرع الشيء في حق حكمه٣.
الحواشي
(١) ١ سورة محمد من الآية: ١٨.
٢ ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. كالحيض بالنسبة للصلاة والصوم، فإذا وجد امتنع الحكم، فإذا ارتفع الحيض، لا يلزم من ارتفاعه وجود الصلاة والصوم، فإن المرأة الطاهر قد تصلي وتصوم، وقد لا تفعل ذلك.
٣ الصحة والفساد أو البطلان: أوصاف ترد على الأحكام الشرعية بصفة عامة، فتوصف الصلاة بالصحة: إذا استوفت أركانها، وشروطها وانتفت الموانع، وتوصف بالفساد أو البطلان: إذا فقدت ما تقدم، كما توصف العقود بأنها صحيحة وتترتب عليها آثارها إذا استوفت أركانها وشروطها وانتفت عنها الموانع، كما تكون فاسدة أو باطلة إذا فقدت ما تقدم.
وقد جعلها المصنف قسمًا مستقلًّا -بعد أن تكلم على الأمور التي بها يظهر الحكم الوضعي: من العلة والسبب والشرط والمانع- وإن كانت من الحكم الوضعي، إلا أن الأمور السابقة تعتبر كالكليات، وهذه تعتبر كاللواحق الجزئية له، فجعلها قسمًا ثانيًا.
٤ هكذا في جميع النسخ، والصواب "هي".
٥ معناه: أن الشارع إذا اعتبر شيئًا وأقره وأعطاه حكمًا من الأحكام الشرعية: فهذه هي الصحة.стр. 190
ويطلق١ على العبادات مرة وعلى العقود أخرى.
فالصحيح من العبادات: ما أجزأ وأسقط القضاء٢.
والمتكلمون يطلقونه بإزاء ما وافق الأمر، وإن وجب القضاء، كصلاة من ظن أنه متطهر٣.
وهذا يبطل بالحج الفاسد، فإنه يؤمر بإتمامه وهو فاسد٤.
الحواشي
(١) ١ هكذا في الأصل والصواب "وتطلق" لأنها عائدة على الصحة.
٢ هذا عند الحنفية: فالصحة عندهم في العبادات: هي الإجزاء وإسقاط القضاء. فالصلاة الواقعة بشروطها وأركانها مع انتفاء موانعها: مجزئة، ومسقطة للقضاء.
والصحة في المعاملات: هي ترتب الأثر المقصود من العقد على العقد: فكل نكاح أباح ما يترتب على عقد النكاح من آثار فهو صحيح، وكل بيع أباح التصرف في المبيع فهو بيع صحيح وهكذا.
أما المتكلمون: فلهم اصطلاح آخر سيذكره المصنف حالا.
٣ أي أن ضابط الصحة عند المتكلمين عبارة عن موافقة أمر الشارع، بمعنى: أن كل فعل -سواء أكان عبادة أم معاملة- لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون موافقًا للوجه الشرعي: أي على الصفة التي أمر بها الشارع، وإما أن يكون مخالفًا له. فإن وقع الفعل موافقًا لأمر الشارع فهو الصحيح، وإن وقع مخالفًا فهو الفاسد أو الباطل، لأن كلًّا منهما بمعنى واحد، كما سيأتي.
والموافقة قد تكون بحسب الواقع ونفس الأمر، وقد تكون بحسب ظن المكلف. فهل يشترط أن تكون الموافقة بحسب الواقع، أو يكفي أن تكون بحسب ظنه؟ اختار المصنف الثاني، وهو أن تكون بحسب ظن المكلف، ولذلك مثل لها بصلاة من ظن أنه متطهر، مع أنه على خلاف ذلك.
وهناك من اشترط أن تكون الموافقة بحسب الواقع، ولا يكفي الظن.
٤ هذا اعتراض على ما قاله المصنف خلاصته: أن قول المتكلمين: "إن الصحة موافقة أمر الشارع" يعارضه أن إتمام الحج الفاسد مأمور به، مع أنه غير صحيح. فأجاب المصنف: بأن الحج إنما فسد لأنه وقع مخالفًا لأمر الشارع =стр. 191
وأما العقود: فكل ما كان سببًا لحكم إذا أفاد حكمه المقصود منه فهو صحيح، وإلا فهو باطل.
فالباطل: هو الذي لم يثمر، والصحيح: الذي أثمر١.
والفاسد مرادف الباطل، فهما اسمان لمسمى واحد٢.
وأبو حنيفة أثبت قسما بين الباطل والصحيح، جعل الفاسد٣ عبارة عما كان مشروعًا بأصله، غير مشروع بوصفه٤.
الحواشي
(١) = بارتكاب ما يفسده أولًا، فلا يرد الاعتراض. انظر: "مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص٤٥".
١ معناه: أن العقد إذا أفاد المقصود منه، بحيث يترتب حكمه عليه، فهو صحيح، وإن لم يفد ما قصد منه فهو الباطل أو الفاسد، وهذا معنى قوله: "أثمر" أو "لم يثمر".
٢ الفاسد والباطل عند الجمهور سواء، إلا في بعض المسائل الفرعية: كالحج، والنكاح، والوكالة، والخلع، والإجارة.
انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١١١، التمهيد للإسنوي ص٨.
٣ بعدها في جميع النسخ جملة "عبارة عنه وزعم أنه" وأرى أنها من زيادات النساخ، لأن المعنى غير مترابط.
٤ معنى كلام المصنف: أن الحنفية فرقوا بين الفاسد والباطل، فقالوا: إن الفاسد: ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه، ومن أمثلة ذلك في العبادات: صوم يوم الفطر أو النحر، فلو نذر صوم يوم العيد صح نذره، ويؤمر بالفطر والقضاء، لأن المعصية في فعله دون نذره، لأن النذر مشروع، ولو صامه خرج عن عهدة النذر، وإن كان يأثم لمخالفة النهي، والإعراض عن ضيافة الله تعالى في ذلك اليوم.
ومثاله في المعاملات: بيع الدرهم بالدرهمين، فإنه بيع فاسد، لاشتماله على الزيادة، فيأثم به، ويفيد بالقبض: الملك الخبيث، فلو حذفت الزيادة صح البيع، لانتفاء الوصف المتقدم.стр. 192
ولو صح له هذا المعنى لم ينازع في العبارة، لكنه لا يصح، إذ كل ممنوع بوصفه فهو ممنوع بأصله١.
الحواشي
(١) = أما الباطل: فهو ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، مثل: الصلاة بدون بعض الشروط أو الأركان، ومثل: بيع الملاقيح: وهي ما في بطون الأجنة، لانعدام المعقود عليه.
هكذا أطلقها بعض العلماء، ومنهم المصنف، ولم يفرقوا بين العبادات والمعاملات. وإن كان البعض يرى أن الحنفية يفرقون بين الباطل والفاسد في المعاملات فقط، أما في العبادات فهم كالجمهور في عدم التفرقة وهذا هو المنصوص عليه عندهم، انظر: "كشف الأسرار على أصول البزدوي ١/ ٢٥٨، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٣٧".
١ معنى هذا: أن هذا التفرقة غير مسلمة؛ إذ إن كل ممنوع بوصفه ممنوع بأصله، فكل منهما لا يثمر.стр. 193
فصل: في القضاء والأداء والإعادة ١.
الإعادة: فعل الشيء مرة أخرى٢.
الحواشي
(١) ١ هكذا في جميع النسخ، مع أن أصل الكتاب وهو "المستصفى" بدأ بالأداء، ثم الإعادة، ثم القضاء، كما هي عادة الأصوليين، فلا أدري لماذا بدأ المصنف بالإعادة قبل الأداء.
ولذلك خالفه "الطوفي" في مختصره فبدأ بالأداء كما هو معهود.
٢ أضاف بعض العلماء لذلك قيدًا فقالوا: "الإعادة: فعل المأمور به في وقته المقدر له شرعًا لخلل في الأول" أي في الفعل الأول، سواء أكان الخلل في الأجزاء: كمن صلى بدون شرط أو ركن، أو كان في الكمال، كمن صلى منفردًا فيعيدها جماعة في الوقت.
إلا أن المصنف أطلق، ولم يذكر هذا القيد، لأن الإعادة قد تكون لخلل في العبادة، وقد تكون لغير خلل، فالذي يعيد الصلاة في جماعة، مع أن صلاته =стр. 194
والأداء: فعلها في وقته.
والقضاء: فعله بعد خروج وقتها المعين شرعًا.
فلو غلب على ظنه -في الواجب الموسع- أنه يموت قبل آخر الوقت: لم يجز له التأخير، فإن أخره وعاش لم يكن قضاء، لوقوعه في الوقت١.
والزكاة واجبة على الفور، فلو أخرها ثم فعلها لم تكن قضاء؛ لأنه لم يعين وقتها بتقدير وتعيين٢.
الحواشي
(١) = الأولى صحيحة يسمى معيدًا للصلاة.
وقد رجح ذلك الطوفي حيث قال: "وهذا أوفق للغة والمذهب، أما اللغة: فإن العرب على ذلك تطلق الإعادة، يقولون: أعدت الكرّة، إذ كرّ مرة بعد أخرى، وأعدنا الحرب خُدعة. وإعادة الله سبحانه للعالم: هو إنشاؤه مرة ثانية.
قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُون﴾ [الأعراف: ٢٩] .
وأما المذهب: فإن أصحابنا وغيرهم قالوا: من صلى ثم حضر جماعة، سن له أن يعيدها...." "شرح مختصر الطوفي جـ١ ص٤٤٧-٤٤٨".
١ أي: أنه وقع في وقته المحدد له شرعًا، ولا عبرة بالظن الذي بان خطؤه، وهو مذهب الجمهور.
وقال القاضي أبو بكر البلاقاني: إنه يعتبر قضاء، بناء على ظنه؛ إذ كان يجب عليه المبادرة إلى فعل المأمور به باعتبار ظنه انظر: "التمهيد للإسنوي ص٦٤".
٢ والسبب في عدم وصف الزكاة بالقضاء يرجع لأمرين.
الأول: أن وقتها غير محدد الطرفين -البداية والنهاية- كما في الصلاة.
الأمر الثاني: أن كل وقت من الأوقات التي يؤخر أداؤها فيه هو مخاطب بإخراجها فيه، فإذا قلنا: إن أداءها في الوقت الثاني قضاء، لزم أن نقول مثل ذلك في الثالث والرابع وهكذا، وهذا يؤدي إلى تكرر الأمر بالقضاء. فنقول قضاء قضاء قضاء القضاء ... وهذا غير معهود.стр. 195
ومن لزمه قضاء صلاة على الفور فأخر: لم نقل: إنه قضاء القضاء، فإذًا: اسم القضاء مخصوص بما عين وقته شرعًا، ثم فات الوقت قبل الفعل.
ولا فرق بين فواته لغير عذر، أو لعذر كالنوم، والسهو، والحيض في الصوم والمرض والسفر.
وقال قوم: الصيام من الحائض بعد رمضان ليس بقضاء؛ لأنه ليس بواجب؛ إذ فعله حرام؛ ولا يجب فعل الحرام فكيف تؤمر بما تعصي به١؟
الحواشي
(١) = وقد رد الطوفي على هذين الوجهين فقال: "إن تحديد الوقت بطرفيه لا تأثير له ههنا، بل المؤثر أن يكون مقدار وقته معلومًا في الجملة، ووقت وجوب الزكاة معلوم المقدار، وهو بعد تمام الحول بقدر ما يتسع لأدائها.
ثم أجاب عن الأمر الثاني: بأن العلماء لم يكرروا لفظ القضاء للتخفيف، استثقالًا لتكرار لفظ القضاء، وإلا فحقيقة القضاء: استدراك مصلحة فائتة، وهذا كذلك" انظر "شرح مختصر الروضة ١/ ٤٥٤-٤٥٥".
وأضيف إلى ما قاله "الطوفي": بأن ما قاله المصنف منقوض بزكاة الفطر، فإنها محدودة، حتى جاء النص على أنها إذا فعلت في غير وقتها كانت صدقة من الصدقات.
روي الشيخان وغيرهما -عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، أي صلاة العيد.
وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين.
١ هذا قول آخر في القضاء، يتضمن تفصيلًا بين فوات المأمور به في وقته لعذر أو لغير عذر: فإن كان لعذر لم يكن فعله بعد الوقت قضاء، كالحائض والمريض. =стр. 196
ولا خلاف في أنها لو ماتت لم تكن عاصية١.
وقيل -في المريض والمسافر- لا يلزمهما الصوم -أيضًا- فلا يكون ما يفعلانه بعد رمضان قضاء.
وهذا فاسد لوجوه ثلاثة:
أحدها: ما روي عن عائشة٢ ﵂ أنها قالت: "كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"٣.
والآمر بالقضاء: إنما هو النبي -صلى الله عليه وسلم٤- على ما نقرره فيما يأتي.
الحواشي
(١) = والمسافر، يفوتهم صيام رمضان لعذر الحيض والمرض والسفر، فيستدركه بعده.
أما إن كان لغير عذر فإنه يكون قضاء. وقد رد المصنف على ذلك كما سيأتي.
١ هذا كالاستدلال على أنه لا يسمى قضاء بالنسبة للحائض ومن في حكمها. وبيانه: أن القضاء يستدعي سبق الوجوب، وهذا غير موجود، إذ لو كان هناك وجوب لكانت عاصية إذا ماتت حال الحيض، وهناك إجماع على أنها لا تكون عاصية.
٢ هي: الصديقة بنت الصديق: عائشة بنت أبي بكر، أم المؤمنين زوج رسول الله ﷺ أسلمت صغيرة، وتزوجها رسول الله ﷺ قبل الهجرة، ودخل بها بعد الهجرة، وكناها: "أم عبد" بابن أختها: عبد الله بن الزبير، كانت من أفقه الناس وأعلم الناس: توفيت -رضى الله عنها- سنة ٧٥هـ. "الإصابة ٤/ ٣٥٩".
٣ حديث صحيح رواه مسلم: كتاب الحيض، باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، وأبو داود: كتاب الطهارة، والترمذي وحسنه.
٤ يؤيده رواية ابن ماجه: "كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ ثم نطهر، فيأمرنا بقضاء الصيام، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة".стр. 197
الثاني: لا خلاف بين أهل العلم في أنهم ينوون القضاء.
الثالث: أن العبادة متى أمر بها في وقت مخصوص فلم يجب فعلها فيه: لا يجب بعده، ولا يمتنع وجوب العبادة في الذمة؛ بناء على وجود السبب، مع تعذر فعلها كما في النائم والناسي، وكما في "المحدث" تجب عليه الصلاة، مع تعذر فعلها منه في الحال، وديون الآدميين تجب على المعسر، مع عجزه عن أدائها١.
الحواشي
(١) ١ خلاصة الوجه الثالث: أن ثبوت العبادة في الذمة غير ممتنع، كما أن ثبوت دين الآدمي في الذمة غير ممتنع وإذا كان ثبوتها في الذمة غير ممتنع، كان فعلها خارج وقتها بعد ثبوتها في الذمة قضاء، كدين الآدمي، والدليل على ذلك: قول النبي ﷺ : " ... فدين الله أحق أن يقضى" حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وغيرهما. فدل ذلك على أن دين الله تعالى يثبت في الذمة، ويستدرك بالقضاء. انظر: "شرح مختصر الطوفي جـ١ ص٤٥٢".стр. 198
فصل: في العزيمة والرخصة ١
العزيمة في اللسان القصد المؤكد٢. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِد
الحواشي
(١) ١ من العلماء من يجعل العزيمة والرخصة من الأحكام الوضعية، كالغزالي والآمدي والشاطبي، وعلى ذلك سار المصنف، لارتباطهما بالسبب والشرط والمانع.
وقال بعض العلماء: هما من خطاب التكليف، لما فيهما من معنى "الاقتضاء" حيث ينتقل الحكم من النهي إلى الإباحة، ومن المطلوب فعله طلبًا جازمًا إلى جواز الفعل والترك وهكذا.
ويبدو أن الخلاف لفظي؛ حيث إن الأحكام الوضعية ترجع في النهاية إلى الأحكام التكليفية، فالمآل واحد، وإن اختلفت طريقة كل منهما.
٢ جاء في الصحاح للجوهري "٥/ ١٩٨٥": "عزمت على كذا عَزْمًا وعُزمًا =стр. 199
لَهُ عَزْمًا﴾ ١ ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٢.
والرخصة: السهولة واليسر٣، ومنه: رخص السعر: إذا تراجع وسهل الشراء.
فأما في عرف حملة الشرع:
فالعزيمة: الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي٤.
وقيل: ما لزم العباد بإيجاب الله تعالى.
والرخصة: استباحة المحظور، مع قيام الحاظر٥.
الحواشي
(١) = -بالضم- وعزيمة وعزيمًا، إذا أردت فعله وقطعت عليه".
١ سورة طه من الآية: ١١٥.
٢ سورة آل عمران من الآية: ١٥٩.
٣ جاء في الصحاح "٣/ ١١٠٤": "الرخصة في الأمر خلاف التشديد فيه، والتشديد لا يحصل إلا من الواجب فعلًا أو كفًّا".
وفي المصباح المنير "١/ ٣٤٢": "يقال: رخص الشارع لنا في كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا، إذا يسّره وسهّله، وفلان يترخص في الأمر: إذا لم يستقص، وقضيب رَخْصٌ: أي: طري لين، ورخُص البدن -بالضم- رخاصة ورخوصة: إذا نعم ولان ملمسه، فهو رخص".
٤ هذا التعريف لم أجده منسوبًا لأحد من علماء الأصول على حسب اطلاعي، ولذلك قال الشيخ الشنقيطي: "والتعريف الثاني الذي حكاه بقيل أجود من الأول" وهو الذي ذكره الغزالي.
٥ ومن أمثلة ذلك: إباحة الميتة للمضطر، ففيها استباحة المحظور وهو أكل الميتة، مع قيام الحاظر، أي المانع وهو: خبث الميتة الذي حرمت من أجله دفعًا للضرر الذي يلحق الآكل.
وينطبق هذا المثال على التعريف الثاني، فإن أكل الميتة ثابت على خلاف دليل شرعي، هو قول الله -تعالى- في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ =стр. 200
وقيل: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح١.
ولا يسمى ما لم يخالف الدليل رخصة، وإن كان فيه سعة، كإسقاط صوم شوال٢، وإباحة المباحات.
لكن ما حُطَّ عنا من الإصر الذي كان على غيرنا يجوز أن يسمى رخصة مجازا، لما وجب على غيرنا، فإذا قابلنا أنفسنا به حسن إطلاق ذلك٣.
الحواشي
(١) وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ لمعارض راجح مثل قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيم﴾ في نفس آية سورة المائدة.
١ قول المصنف -في التعريف- لمعارض راجح: احتراز عما كان لمعارض مساوٍ أو قاصر، فإنه إذا كان المعارض مساويًا وجب التوقف والبحث عن مرجح خارجي. وإن كان قاصرًا عن مساواة الدليل الشرعي، فلا يؤثر، وتبقى العزيمة بحالها.
انظر: "شرح الكوكب المنير جـ١ ص٤٧٨".
وقال العسقلاني: "أجود ما يقال في الرخصة: ثبوت حكم لحالة تقتضيه، مخالفة مقتضى دليل يعمها" وهو منقول عن "المقنع" لابن حمدان: شرح الكوكب المنير "١/ ٤٧٩".
٢ قوله: "كإسقاط صوم شوال" يقصد به عدم التكليف، لأن الإسقاط إنما يكون بعد الإيجاب، ولذلك عبر الغزالي عن هذا بقوله: "فإن ما لا يوجبه الله تعالى علينا من صوم شوال، وصلاة الضحى لا يسمى رخصة، وما أباحه في الأصل: من الأكل والشرب لا يسمى رخصة".
٣ يقصد بذلك ما جاء في ختام البقرة وهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ =стр. 201
فأما إباحة التيمم: إن كان مع القدرة على استعمال الماء لمرض أو زيادة ثمن: سمي رخصة. وإن كان مع عدمه فهو معجوز عنه١، فلا يمكن تكليف استعمال الماء مع استحالته، فكيف يقال السبب قائم؟
فإن قيل٢: فكيف يسمى أكل الميتة رخصة مع وجوبه في حال
الحواشي
(١) عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ... ﴾ أي ما ثقل علينا حمله من التكاليف التي كلف بها بنو إسرائيل: من قتل النفس هي التوبة، وإخراج ربع المال في الزكاة، وقطع موضع النجاسة من الثياب، وهي تكاليف شاقة تثقل كاهل الإنسان.
ولذلك يروى أنه لما نزلت هذه الآية فقرأها رسول الله ﷺ قيل له عقب كل كلمة: "قد فَعَلْتُ" رواه أحمد ومسلم من حديث عبد الله بن عباس ﵄ ومعناه: أن الله تعالى قد استجاب الدعاء. ولما كان التخفيف في حقنا، والتشديد على غيرنا كان رخصة من قبيل المجاز.
١ خلاصة ذلك: أن إباحة التيمم إن كانت مع القدرة على استعمال الماء لمرض أو زيادة ثمن سميت رخصة، وإن كانت مع العجز عنه، كعدم الماء فلا يسمى رخصة، لأن سبب الحكم الأصلي وهو: وجود الماء زائل هنا، فلا تكليف بمعجوز عنه.
٢ هذا اعتراض أورده بعض الأصوليين خلاصته: أنه كيف يقال: إن أكل الميتة رخصة مع أنه واجب في حال الضرورة.
وأجاب المصنف على ذلك بما خلاصته: أن الواحد بالشخص قد تكون له جهتان مختلفتان كما في هذا المثال: فهو من جهة التوسيع وعدم التضييق رخصة وتيسير، ومن جهة وجوب الأكل عزيمة.
هكذا فسرها الشيخ الشنقيطي في مذكرته ص٥١.
وأرى أن هذا كله تكلف لا داعي له، وأوضح منه ما قاله بعض العلماء من أنها تنقسم إلى عدة أقسام:
الأول: رخصة واجبة: كأكل الميتة للمضطر، لأنه سبب لإحياء النفس وإنقاذ لها من التهلكة.стр. 202
الضرورة؟ قلنا: يسمى رخصة من حيث: إن فيه سعة؛ إذ لم يكلفه الله -تعالى- إهلاك نفسه، ولكون سبب التحريم موجودًا، وهو: خبث المحل ونجاسته.
ويجوز أن يسمى من حيث: وجوب العقاب بتركه، فهو من قبيل الجهتين.
فأما الحكم الثابت على خلاف العموم:
فإن كان الحكم في بقية الصور لمعنى موجود في الصورة المخصوصة، كبيع العرايا المخصوص من المزاينة المنهي عنها: فهو حينئذ رخصة١.
الحواشي
(١) = الثاني: رخصة مندوبة، كقصر الصلاة للمسافر إذا استوفت شروطه.
الثالث: رخصة مباحة، يجوز الأخذ بها أو عدم الأخذ، كالجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السفر، وعند الأعذار الأخرى كالمطر، في غير عرفة ومزدلفة انظر: شرح الكوكب المنير "١/ ٤٧٩".
١ العرية في الأصل: ثمر النخل دون الرقبة، كانت العرب في الجدب تتطوع بذلك على من لا تمر له، وقال مالك: العرية: أن يعري الرجل النخلة، أي: يهبها له، أو يهب له ثمرها، ثم يتأذى بدخوله عليه، ويرخص الموهوب له للواهب أن يشتري رطبها منه بتمر يابس.
روى البخاري ومسلم ومالك وغيرهم عن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ : "نهى عن المزابنة، إلا أنه رخص في بيع العرية: النخلة والنخلتين يأخذهما أهل البيت برخصها تمرًا، يأكلونها رطبًا".
والمزابنة: بيع التمر بالرطب، وخصت منه ال١٩٢
الضرورة؟ قلنا: يسمى رخصة من حيث: إن فيه سعة؛ إذ لم يكلفه الله -تعالى- إهلاك نفسه، ولكون سبب التحريم موجودًا، وهو: خبث المحل ونجاسته.
ويجوز أن يسمى من حيث: وجوب العقاب بتركه، فهو من قبيل الجهتين.
فأما الحكم الثابت على خلاف العموم:
فإن كان الحكم في بقية الصور لمعنى موجود في الصورة المخصوصة، كبيع العرايا المخصوص من المزاينة المنهي عنها: فهو حينئذ رخصة١.стр. 203
وإن كان لمعنى غير موجود في الصورة المخصوصة، كإباحة الرجوع في الهبة للوالد، المخصوص من قوله ﵇: "العائد في هبته كالعائد في قيئه" ١ فليس برخصة؛ لأن المعنى الذي حرم لأجله الرجوع في الهبة غير موجود في الوالد٢.
الحواشي
(١) ١ حديث صحيح: رواه البخاري: كتاب الهبة، باب: هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها حديث رقم "٢٥٨٩، ٢٦٢١، ٢٦٢٢، ٦٩٧٥" ومسلم: كتاب الهبات حديث "١٦٢٢" وأبو داود: حديث "٣٥٣٨" والترمذي: حديث "١٢٩٨" والنسائي "٦/ ٢٦٥".
٢ اعترض الطوفي على التفرقة بين الصورتين -العرايا والهبة- وقال إن كلًّا منهما رخصة ودلل على ذلك فقال: "واعلم أن الفرق لا يؤثر، ولا يناسب اختلاف الحكم في الصورتين المذكورتين، بل الأشبه أنهما يسميان رخصة: أعني رجوع الأب في الهبة، وجواز العرايا لوجهين:
أحدهما: أن معنى الرخصة لغة وشرعًا مشترك بينهما.
أما لغة: فلأن الرخصة من السهولة -كما سبق- وفي تجويز الرجوع للأب في الهبة تسهيل عليه.
وأما شرعًا: فلأن رجوعه على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وهذا هو حد الرخصة، فوجب أن يكون رخصة.
الثاني: أن الرخصة تقابل العزيمة، ولا شك أن تحريم الرجوع في الهبة على الأجانب عزيمة، فوجب أن يكون جوازه للأب رخصة". "شرح مختصر الطوفي جـ١ ص٤٦٣".стр. 204
الباب الثاني: في أدلة الأحكام
مدخل
...
باب: في أدلة الأحكام
الأصول١ أربعة:
كتاب الله تعالى.
وسنه رسوله ﷺ .
والإجماع.
ودليل العقل المبقي على النفي الأصلي.
الحواشي
(١) ١ كلمة "الأصول" إما أن تعرب مبتدأ، خبره "أربعة" واللام في "الأصول" للعهد الذكري الذي تقدم في أول الكتاب عند الكلام على تعريف "أصول الفقه".
وإما أن تعرب "أربعة": خبر لمبتدأ محذوف، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر للمبتدأ الأول، وهو "الأصول" والتقدير: الأصول التي وعدنا بالكلام عليها: هي أربعة.
والمؤلف تبع في تقسيمه للأدلة من حيث الاتفاق والاختلاف منهج الإمام الغزالي في المستصفى، وهو مسلك مخالف لما عليه جمهور العلماء من أن الأدلة المتفق عليه أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
جاء في مختصر ابن الحاجب: "الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال".
قال الأصفهاني في بيان المختصر "١/ ٤٥٤-٤٥٥": "وإنما انحصر الدليل الشرعي في الخمسة المذكورة؛ لأن الدليل الشرعي إما أن يكون واردًا من جهة الرسول ﵇ أو لا.стр. 205
.....................................................
الحواشي
(١) والأول: إما أن يكون معجزًا، وهو الكتاب، أو لا، وهو السنة، ويندرج فيها قول الرسول وفعله وتقريره.
والثاني: وهو الذي لا يكون واردًا من جهة الرسول ﵇ إما أن يكون صادرًا ممن لا يجوز عليه الخطأ، وهو الإجماع، أو لا. وحينئذ إما أن يكون حمل فرع على أصل لعلة مشتركة بينهما، وهو القياس، أو لا، وهو الاستدلال".
وقد ذكر ذلك الآمدي، ونقله عنه "الطوفي" في شرح مختصر الروضة "٢/ ٦" حيث قال: "إن الدليل الشرعي، إما أن يرد من جهة الرسول أو لا من جهته، فإن ورد من جهة الرسول، فهو إما من قبيل ما يتلى: وهو الكتاب، أو لا: وهو السنة، وإن ورد لا من جهة الرسول، فإما أن نشترط فيه عصمة من صدر عنه أو لا، والأول: الإجماع، والثاني: إن كان حمل معلوم على معلوم بجامع مشترك، فهو القياس، وإلا فهو الاستدلال.
فالثلاثة الأول -وهي الكتاب، السنة، والإجماع- نقلية، والآخران معنويان، والنقلي أصل للمعنوي، والكتاب أصل للكل.
فالأدلة إذًا: خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال.
وعرفه الآمدي بأنه: دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس" ا. هـ.
وفي شرح الكوكب المنير "٢/ ٥ وما بعدها": "أدلة الفقه، المتفق عليها أربعة: الأول: الكتاب وهو القرآن وهو الأصل، والثاني: السنة، والثالث: الإجماع، والرابع: القياس على الصحيح، وعليه جماهير العلماء، وقال أبو المعالي، وجمع: ليس القياس من الأصول، وتعلقوا بأنه لا يفيد إلا الظن.
قال في شرح التحرير: والحق هو الأول، والثاني ضعيف جدًّا؛ فإن القياس قد يفيد القطع -كما سيأتي- وإن قلنا: لا يفيد إلا الظن فخبر الواحد ونحوه لا يفيد إلا الظن، وهو: أي القياس مستنبط من الثلاثة التي هي الكتاب والسنة والإجماع" ا. هـ.
وقول المصنف: "ودليل العقل المبقي على النفي الأصلي" أراد به: أن العقل يدل على براءة الذمة وعدم شغلها بأي واجب من الواجبات قبل مجيء دليل من =стр. 206
.....................................
الحواشي
(١) = الشرع يدل على التكليف، وعبارة الغزالي واضحة في ذلك حيث قال: "اعلم أن الأحكام السمعية لا تدرك بالعقل، لكن دلّ على براءة الذمة عن الواجبات، وسقوط الحرج عن الخلق في الحركات والسكنات، قبل بعثة الرسل ﵈ وتأييدهم بالمعجزات. وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل قبل ورود السمع، ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع، فإذا ورد نبي وأوجب خمس صلوات، فتبقى الصلاة السادسة غير واجبة، لا بتصريح النبي بنفيها، لكن كان وجوبها منتفيًا، إذ لا مثبت للوجوب، فبقي على النفي الأصلي؛ لأن نطقه بالإيجاب قاصر على الخمسة، فبقي على النفي في حق السادسة، وكأن السمع لم يرد، وكذلك إذا أوجب صوم رمضان، بقي صوم شوال على النفي الأصلي، وإذا أوجب عبادة في وقت بقيت الذمة بعد انقضاء الوقت على البراءة الأصلية، وإذا أوجب على القادر بقي العاجز على ما كان عليه فإذًا: النظر في الأحكام إما أن يكون في إثباتها أو في نفيها، أما إثباتها فالعقل قاصر عن الدلالة عليه، وأما النفي: فالعقل قد دل عليه إلى أن يرد الدليل السمعي بالمعنى الناقل من النفي الأصلي، فانتهض دليلًا على أحد الشطرين وهو النفي".
انظر: المستصفى ص١٥٩ طبعة دار الكتب العلمية، بيروت.
ولما كانت دلالة العقل على الأحكام قاصرة على جانبي النفي فقط قال الغزالي في موضع آخر: "فتسمية العقل أصلًا من أصول الأدلة تجوّز ... " انظر: المصدر السابق ص٨٠.
والخلاصة: أن الأدلة الشرعية نوعان: أدلة نقلية وأدلة عقلية، فالنقلية هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعرف، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي.
والعقلية هي: القياس، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والاستصحاب، والذرائع.
وكل من الأدلة النقلية والعقلية محتاج إلى الآخر، فالأدلة النقلية لا بد فيها من التعقل والتدبر والنظر الصحيح.
كما أن الأدلة العقلية والتي أساسها الاجتهاد، لا تقبل إلا إذا كان لها مستند =стр. 207
واختلف في قول الصحابي، وشرع من قبلنا١. وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
وأصل الأحكام كلها من الله سبحانه٢؛ إذ قول الرسول ﷺ إخبار عن الله بكذا.
والإجماع يدل على السنة٣.
فإذا نظرنا إلى ظهور الحكم عندنا فلا يظهر إلا بقول الرسول ﷺ فإننا لا نسمع الكلام من الله -تعالى- ولا من جبريل ﵇ وإنما ظهر لنا من رسول الله ﷺ والإجماع يدل على أنهم استندوا إلى قوله.
لكن إذا لم نحرر النظر وجمعنا المدارك صارت الأصول التي يجب فيها النظر منقسمة إلى ما ذكرنا.
الحواشي
(١) = من النقل، لأن العقل المجرد لا يستقل بتشريع الأحكام، فالمشرع في الحقيقة هو الله تعالى، كما أشار إلى ذلك المصنف في قوله الآتي: "وأصل الأحكام كلها من الله سبحانه ... ".
١ ترك المصنف -تبعًا لأصله "المستصفى"- بعض الأدلة المختلف فيها
٢ إذ إن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه، فالحكم له وحده -جل شأنه- قال تعالى: ﴿ ... إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧] وقال تعالى: ﴿ ... فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] وقال جل شأنه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] .
٣ جاء في المستصفى ص٨٠: "والإجماع يدل على السنة، والسنة على حكم الله تعالى" ومعناه: أن الإجماع لا بد له من مستند، فإذا انعقد إجماع دل ذلك على أن له دليلًا وإن لم نعرفه. وعبارة "الطوفي": "والإجماع دال على النص" وهي أولى، لأن مستند الإجماع قد يكون نصًّا من القرآن الكريم، وقد يكون سنة، وقد يكون قياسًا على النص. انظر: "شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٧".стр. 208
فصل: [في تعريف الكتاب والقرآن وأنهما بمعنى واحد]
وكتاب الله -سبحانه- هو كلامه، وهو القرآن الذي نزل به جبريل ﵇ على النبي ﷺ .
وقال قوم: الكتاب غير القرآن وهو باطل.
قال الله -تعالى-: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ... ﴾ إلى قوله -تعالى-: ﴿ ... إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ... ﴾ ١ وقالوا: ﴿ ... إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ٢.
فأخبر الله -تعالى- أنهم استمعوا القرآن وسموه قرآنًا وكتابًا.
وقال تعالى: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ... ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ سماه قرآنا وكتابا وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين.
الحواشي
(١) ١ سورة الأحقاف الآيتان: ٢٩، ٣٠.
٢ سورة الجن الآية الأولى.
٣ سورة الزخرف الآيات ١-٣.
٤ سورة الزخرف الآية: ٤.
٥ سورة الواقعة الآيتان: ٧٧، ٧٨.
٦ سورة البروج الآيتان: ٢١، ٢٢.стр. 209
وهو: ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا١.
الحواشي
(١) ١ اعترض الطوفي علي هذا التعريف وقال: فيه دور. شرح مختصر الروضة جـ٢ ص١٠. وبيانه: أن وجود المصحف ونقله فرع تصوّر القرآن، فلا يعرّف القرآن بهما.
والأوضح من هذا التعريف ما ذكره "الطوفي" -أيضًا- حيث قال: وكتاب الله : كلامه المنزل هو جنس للإعجاز بسورة منه وهو القرآن"..... ثم شرح ذلك فقال: فقوله "كلامه" هو جنس يتناول كل كلام تكلم الله به عربيًا كالقرآن، أو أعجميًا، كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من صحف الأنبياء، وما نزل للإعجاز أو لغيره، كما دل عليه قوله ﵇: "أوتيت القرآن ومثله معه" [حديث صحيح رواه أحمد، وأبو داود، والطبراني في الكبير، والدارقطني وغيرهم] . وإن جبريل يأتيني بالسنة كما يأتيني بالقرآن.
وقوله: "المنزل" يحترز به ممن يثبت كلام النفس، لأنه لا يصح فيه التنزيل.
وقوله "للإعجاز" احتراز مما نزل لغير الإعجاز، كسائر الكتب التي نزلت على الأنبياء السابقين فإنها لم تنزل للإعجاز، بل لبيان الأحكام، وإنما كانت معجزات أولئك الأنبياء ﵈ فعلًا لا صفات.
وقوله: "بسورة منه" ليدخل في حد الكتاب كل سورة من سوره. انظر: المرجع السابق.
وهناك تعريفات أخرى للقرآن الكريم، فيها بعض القيود والإضافات التي خلا عنها تعريف الطوفي، حيث خلا من لفظ "التواتر" وهو قيد لا بد منه، ولذلك فرّع المصنف -بعد هذا الفصل- فصلًا آخر يتعلق بالقراءة التي نقلت بطريق الآحاد، وهي التي يطلق عليها الشاذة.
كما خلا من قيد "المتعبد بتلاوته" لتخرج الآيات منسوخة التلاوة، لأنها أصبحت غير قرآن، فلا يتعبد بها.
وقد أورد الشوكاني عدة تعريفات للقرآن الكريم فقال:
"والقرآن في اللغة: مصدر بمعنى القراءة، غلب في العرف العام على المجموع المعين من كلام الله سبحانه، المقروء بألسنة العباد" ... ثم قال:
"وأما حد الكتاب اصطلاحًا: فهو الكلام المنزل على الرسول، المكتوب في =стр. 210
.........................................
الحواشي
(١) = المصاحف، المنقول إلينا نقلًا متواترًا ... ".
.... وقيل قي حده: هو اللفظ العربي المنزل للتدبر والتذكر، المتواتر.
وقيل: هو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه.
وقال جماعة في حده: هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف تواترًا.
وقال جماعة: هو القرآن المنزل على رسولنا، المكتوب في المصاحف المنقول تواترًا بلا شبهة.
وقيل: هو كلام الله العربي، الثابت في اللواح المحفوظ للإنزال.
انظر: إرشاد الفحول جـ١ ص١٤١-١٤٣ بتحقيقنا.
وهذه التعريفات المختلفة للقرآن الكريم تصدق على قراءات الأئمة العشرة الذين نقلوا إلينا هذا القرآن بأسانيدهم الصحيحة المتصلة إلى سيدنا رسول الله ﷺ وقراءاتهم تعتبر جزءًا من الأحرف السبعة التي صحت بها الأحاديث، والتي منها ما رواه البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف.
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف".
والأئمة العشرة هم:
١- نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي، المتوفى سنة ١٩٩هـ وعنه راويان هما:
أ- قالون: عيسى بن مينا بن وردان بن عبد الصمد. المتوفى سنة ٢٢٠هـ.
ب- ورش: عثمان بن سعيد بن عبد الله المصري. المتوفى سنة ١٩٧هـ.
٢- عبد الله بن كثير بن عمر بن عبد الله بن زاذان المكي، المتوفى سنة ١٢٠هـ وعنه راويان هما:
أ- أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع البزي. المتوفى سنة ٢٥٠هـ.стр. 211
...................................
الحواشي
(١) ب- محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن سعيد الشهير بقنبل المتوفى سنة ٢٩١هـ.
٣- أبو عمرو البصري: زبّان بن العلاء بن عمار بن العريان المازني التميمي، المتوفى سنة ٢٥٤هـ، وعنه راويان هما:
أ- حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبات بن عدي الدوري، المتوفى سنة ٢٤٦هـ.
ب- صالح بن زياد بن عبد الله بن إسماعيل بن الجارود السوسي. المتوفى سنة ٢٦١هـ.
٤- عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة، إمام أهل الشام المتوفى سنة ١١٨هـ وعنه راويان هما:
أ- هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة السلمي المتوفى سنة ٢٤٥هـ.
ب- عبد الله بن أحمد بن بشر بن ذكوان المتوفى سنة ٢٤٢هـ.
٥- عاصم بن أبي النجود، إمام أهل الكوفة. المتوفى سنة ١٢٧هـ وعنه راويان هما:
أ- شعبة بن عياش بن سالم الحنّاط الأسدي المتوفى سنة ١٩٣هـ.
ب- حفص بن سليمان بن المغيرة بن أبي داود الأسدي المتوفى سنة ١٨٠هـ.
٦- حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الكوفي. المتوفى سنة ١٥٦هـ وعنه راويان هما:
أ- خلف بن هشام بن ثعلب الأسدي البغدادي. المتوفى سنة ٢٢٩هـ.
ب- خلاد بن خالد الشيباني الصيرفي الكوفي. المتوفى سنة ٢٢٠هـ.
٧- علي بن حمزة بن عبد الله بن عثمان الكسائي. المتوفى سنة ١٨٩هـ وعنه راويان هما:
أ- الليث بن خالد المروزي البغدادي، وكنيته أبو الحارث. المتوفى سنة ٢٤٠هـ.
ب- حفص الدوري: الذي تقدمت ترجمته في تلاميذ أبي عمرو البصري. =стр. 212
وقيدناه بالمصاحف؛ لأن الصحابة ﵃ بالغوا في نقله وتجريده عما سواه، حتى كرهوا التعاشير١ والنقط، كيلا يختلط بغيره، فنعلم أن المكتوب في المصحف هو القرآن، وما خرج عنه فليس منه، إذ يستحيل في العرف والعادة، مع توفرالدواعي على حفظ القرآن أن يهمل بعضه فلا ينقل أو يخلط به ما ليس منه.
الحواشي
(١) = ٨- يزيد بن القعقاع المخزومي المدني، المكنى بأبي جعفر. المتوفى سنة ١٣٠هـ على الأصح. وعنه راويان هما:
أ- عيسى بن وردان المدني، وكنيته أبو الحارث. المتوفى في حدود سنة ١٦٠هـ.
ب- سليمان بن محمد بن مسلم بن جماز. المتوفى بعد سنة ١٧٠هـ.
٩- يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله الحضرمي المصري. المتوفى سنة ٢٠٥هـ. وعنه راويان هما:
أ- رويس: محمد بن المتوكل اللؤلؤي البصري. المتوفى سنة ٢٣٨هـ.
ب- روح بن عبد المؤمن الهذلي البصري. المتوفى سنة ٢٣٤، أو ٢٣٥هـ.
١٠- خلف بن هشام البزار البغدادي. أحد الرواة عن حمزة. وأخذ عنه راويان هما:
أ- إسحاق بن إبراهيم بن عثمان بن عبد الله المروزي، ثم البغدادي. المتوفى سنة ٢٨٦هـ.
ب- إدريس بن عبد الكريم الحداد الغدادي. المتوفى سنة ٢٩٢هـ.
انظر في ترجمتهم: غاية النهاية لابن الجزري، النشر في القراءات العشر لابن الجزري أيضًا، معرفة القراء الكبار للذهبي.
فقراءة هؤلاء الأئمة العشرة ورواتهم هي التي جمعت شروط القراءة الصحيحة، وهي: التواتر، وموافقة أحد المصاحف التي نسخها سيدنا عثمان ﵁ ووافقت وجهًا من وجوه اللغة العربية. والقراءة التي تفقد واحدًا من هذه الشروط تسمى شاذة، أو آحادية، وهي التي عقد لها المصنف الفصل الآتي.
١ التعاشير: أي جعل علامة عند آخر كل عشر آيات.стр. 213
فصل: [في حكم الاحتجاج بالقراءة الشاذة]
فأما ما نقل نقلا غير متواتر، كقراءة ابن مسعود١ ﵁: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"٢: فقد قال قوم: ليس بحجة٣؛ لأنه خطأ قطعا؛ لأنه واجب على الرسول تبليغ القرآن طائفة من الأمة تقوم الحجة بقولهم وليس له مناجاة الواحد به.
الحواشي
(١) ١ هو: الصحابي الجليل: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب، أحد السابقين إلى الإسلام، والمهاجرين إلى الحبشة والمدينة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، شهد مع الرسول ﷺ بدرًا وما بعدها من المشاهد، كان كثير الملازمة لرسول الله ﷺ وهو الذي قرأ على رسول الله ﷺ سورة النساء حتى أتى إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ فبكى رسول الله ﷺ وقال له: "حسبك الآن ... " توفى سنة ٣٢هـ.
انظر: "الإصابة ٢/ ٣٦٨، والاستيعاب ٢/ ٣١٦".
٢ سورة المائدة الآية: ٨٩، والقراءت المتواترة ليس فيها لفظ "متتابعات" وقراءة ابن مسعود أخرجها عبد الرازق في المصنف "١٦١٠٢" عن ابن جريج قال: سمعت عطاء: يقول: بلغنا في قراءة ابن مسعود "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات" قال: وكذلك نقرؤها.
وفي الباب عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ مثل ابن مسعود، عند الطبري "١٤٩٧" و"١٤٩٨" وسنن البيهقي "١٠/ ٦٠".
٣ القراءة الشاذة يتعلق بها مسألتان:
المسألة الأولى: هل يجوز القراءة بها، سواء أكان ذلك في الصلاة، أم في غيرها؟
للعلماء في ذلك خلاف طويل، بين مجيز ومانع، والذي رجحه جمهور المسلمين -سلفًا وخلفًا- عدم جواز القراءة بما هو شاذ من القراءات، ولا تصح بها الصلاة، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء. =стр. 214
وأن لم ينقلة [على أنه] من القرآن: احتمل أن يكون مذهبًا، واحتمل أن يكون خبرًا، ومع التردد لا يعمل به.
والصحيح: أنه حجة١، لأنه يخبر أنه سمعه من النبي ﷺ فإن
الحواشي
(١) = قال الإمام النووي: "لا تجوز القراءة في الصلاة ولا في غيرها بالقراءة الشاذة، لأنها ليست قرآنا؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والقراءة الشاذة ليست متواترة، ومن قال غيره فغالط أو جاهل، فلو خالف وقرأ بالشاذ أنكر عليه قراءته في الصلاة وغيرها، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ.
ونقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا يجوز القراءة بالشواذ، ولا يصلى خلف من يقرأ بها.
انظر: التبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص٤٧.
المسألة الثانية: في حكم الاحتجاج بها، واستنباط الأحكام الشرعية منها.
وللعلماء فيها مذهبان:
أحدهما: أنها ليست حجة، وهو رأي مالك والشافعي، وجمهور الأصوليين، ورواية عن الإمام أحمد واستدل المصنف لهذا المذهب بوجهين:
الأول: أنه على تقدير أن الناقل نقله على أنه قرآن، فإنه يكون خطأ قطعًا لأن الرسول ﷺ يجب عليه تبليغ الوحي لجماعة يحصل العلم بخبرهم، ولا يخرج عن عهدة التبليغ بتبليغ الواحد، وحينئذ نعلم قطعًا أن الناقل أخطأ على الرسول في نقله الآحاد على أنها قرآن، وما دامت ليست قرآنًا فلا يصح الاحتجاج بها.
الثاني: نقله لها على أنها ليست قرآنًا، وحينئذ تكون مترددة بين الخبر، وبين أن تكون مذهبًا له، ومع التردد في جواز الاحتجاج بها لا تكون حجة، استصحابًا للحال فيها، وهو عدم الاحتجاج.
انظر: الإحكام للآمدي "١/ ٢٣٠-٢٣١" شرح مختصر الروضة "٢/ ٢٦".
١ وهو مذهب الحنفية ورأي للإمام الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد. انظر: فواتح الرحموت "٢/ ١٦" نهاية السول "٢/ ٣٣٣" القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام ص١٥٥. =стр. 215
لم يكن قرآنا: فهو خبر، فإنه ربما سمع الشيء من النبي ﷺ تفسيرًا، فظنه قرآنًا.
وربما أبدل لفظة بمثلها ظنًّا منه أن ذلك جائز، كما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يجوز مثل ذلك، وهذا يجوز في الحديث دون القرآن.
ففي الجملة: لا يخرج عن كونه مسموعًا من النبي ﷺ ومرويًّا عنه فيكون حجة كيف ما كان.
وقولهم: "يجوز أن يكون مذهبا له":
قلنا: لا يجوز ظن مثل هذا بالصحابة ﵃ فإن هذا افتراء على الله -تعالى- وكذب عظيم؛ إذ جعل رأيه ومذهبه الذي ليس هو عن الله -تعالى- ولا عن رسوله قرآنًا، والصحابة ﵃ لا يجوز نسبة الكذب إليهم في حديث النبي ﷺ ولا في غيره، فكيف يكذبون في جعل مذاهبهم قرآنا؟ هذا باطل يقينًا١.
الحواشي
(١) = واستدل أصحاب هذا المذهب: بأن القراءة الشاذة، وإن لم يثبت كونها قرآنًا، إلا أنها تنزل منزلة خبر الآحاد، وهو حجة عند الجمهور.
وقد احتج بها بعض العلماء في كثير من الأحكام الشرعية، مثل: الاستدلال على قطع يمين السارق بقراءة ابن مسعود "فاقطعوا أيمانهما"، ووجوب التتابع في صيام كفارة اليمين بقراءة ابن مسعود -أيضًا-: "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات".
قال أبو عبيد في فضائل القرآن: "فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن، وقد كان يروى مثل هذا عن التابعين في التفسير فيستحسن فكيف إذا روي عن كبار الصحابة، ثم صار في نفس القراءة، فهو أكثر من التفسير وأقوى، فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف: معرفة صحة التأويل" الإتقان للسيوطي "١/ ٢٢٧-٢٢٨".
١ خلاصة هذا الرد: أن كون الصحابي ينسب رأي نفسه إلى النبي ﷺ كذب من =следующие страницы →