وقيدناه بالمصاحف؛ لأن الصحابة ﵃ بالغوا في نقله وتجريده عما سواه، حتى كرهوا التعاشير١ والنقط، كيلا يختلط بغيره، فنعلم أن المكتوب في المصحف هو القرآن، وما خرج عنه فليس منه، إذ يستحيل في العرف والعادة، مع توفرالدواعي على حفظ القرآن أن يهمل بعضه فلا ينقل أو يخلط به ما ليس منه.
стр. 213
فصل: [في حكم الاحتجاج بالقراءة الشاذة]
فأما ما نقل نقلا غير متواتر، كقراءة ابن مسعود١ ﵁: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"٢: فقد قال قوم: ليس بحجة٣؛ لأنه خطأ قطعا؛ لأنه واجب على الرسول تبليغ القرآن طائفة من الأمة تقوم الحجة بقولهم وليس له مناجاة الواحد به.
стр. 214
وأن لم ينقلة [على أنه] من القرآن: احتمل أن يكون مذهبًا، واحتمل أن يكون خبرًا، ومع التردد لا يعمل به.
والصحيح: أنه حجة١، لأنه يخبر أنه سمعه من النبي ﷺ فإن
стр. 215
لم يكن قرآنا: فهو خبر، فإنه ربما سمع الشيء من النبي ﷺ تفسيرًا، فظنه قرآنًا.
وربما أبدل لفظة بمثلها ظنًّا منه أن ذلك جائز، كما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يجوز مثل ذلك، وهذا يجوز في الحديث دون القرآن.
ففي الجملة: لا يخرج عن كونه مسموعًا من النبي ﷺ ومرويًّا عنه فيكون حجة كيف ما كان.
وقولهم: "يجوز أن يكون مذهبا له":
قلنا: لا يجوز ظن مثل هذا بالصحابة ﵃ فإن هذا افتراء على الله -تعالى- وكذب عظيم؛ إذ جعل رأيه ومذهبه الذي ليس هو عن الله -تعالى- ولا عن رسوله قرآنًا، والصحابة ﵃ لا يجوز نسبة الكذب إليهم في حديث النبي ﷺ ولا في غيره، فكيف يكذبون في جعل مذاهبهم قرآنا؟ هذا باطل يقينًا١.
стр. 216
فصل: [في اشتمال القرآن على الحقيقة والمجاز]
والقرآن يشتمل على الحقيقة والمجاز:
وهو: اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي على وجه يصح.
كقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ ١ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَة﴾ ٢، ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضّ﴾ ٣، ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ ... ﴾ ٤، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٥ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ ٦ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّه﴾ أي: أولياء الله.
وذلك كله مجاز، لأنه استعمال اللفظ في غير موضوعه.
стр. 217
ومن منع ذلك فقد كابر.
ومن سلم وقال: لا أسميه مجازًا: فهو نزاع في عبارة لا فائدة في المشاحة فيه١. والله أعلم.
فصل: [ليس في القرآن ألفاظ غير عربية]
قال القاضي: ليس في القرآن لفظ بغير العربية؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ... ﴾ ١.
ولو كان فيه لغة العجم: لو يكن عربيًّا محضًا، وآيات كثيرة في هذا المعنى.
ولأن الله -سبحانه- تحداهم بالإتيان بسورة من مثله، ولا يتحداهم بما ليس من لسانهم ولا يحسنونه٢.
стр. 221
وروي عن ابن عباس١، وعكرمة٢ ﵄ أنهما قالا: فيه ألفاظ بغير العربية٣.
стр. 222
قالوا: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْل﴾ ١ بالحبشية، و"مشكاة"٢ هندية، و"استبرق"٣ فارسية.
وقال من نصر هذا٤: اشتمال القرآن على كلمتين ونحوهما أعجمية، لا يخرجه عن كونه عربيًّا، وعن إطلاق هذا الاسم عليه، ولا يمهد للعرب حجة، فإن الشعر الفارسي يسمى فارسيًّا، وإن كان فيه آحاد كلمات عربية.
ويمكن الجمع بين القولين، بأن تكون هذه الكلمات أصلها بغير العربية، ثم عرّبتها العرب، واستعملتها، فصارت من لسانها بتعريبها واستعمالها لها وإن كان أصلها أعجميًّا٥.
стр. 223
فصل: [في المحكم والمتشابه]
وفي كتاب الله -سبحانه- محكم ومتشابه١، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... ﴾ ٢.
قال القاضي: المحكم: المفسر، والمتشابه: المجمل؛ لأن الله -سبحانه- سمى "المحكمات" "أم الكتاب" وأم الشيء: الأصل الذي لم يتقدمه غيره، فيجب أن يكون المحكم غير محتاج إلى غيره، بل هو أصل بنفسه وليس إلا ما ذكرنا.
стр. 224
وقال ابن عقيل١: المتشابه هو الذي يغمض علمه على غير العلماء والمحققين، كالآيات التي ظاهرها التعارض، كقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُون﴾ ٢. وقال -تعالى- في آية أخرى: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ٣. ونحو ذلك.
وقال آخرون: المتشابه: الحروف المقطعة في أوائل السور، والمحكم: ما عداه٥.
وقال آخرون: المحكم: الوعد والوعيد، والحرام والحلال،
стр. 225
والمتشابه: القصص والأمثال١.
والصحيح: أن المتشابه: ما ورد في صفات الله -سبحانه- مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله، كقوله -تعالى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ ٣، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي﴾ ٤، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك﴾ ٥ ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ٦، ونحوه٧.
فهذا اتفق السلف ﵏ على الإقرار به، وإمراره على وجهه وترك تأويله.
فإن الله -سبحانه- ذم المبتغين لتأويله، وقرنهم -في الذم- بالذين يبتغون الفتنة، وسماهم أهل زيغ.
стр. 226
وليس في طلب تأويل ما ذكروه من المجمل١ وغيره ما يذم به صاحبه، بل يمدح عليه؛ إذ هو طريق إلى معرفة الأحكام، وتمييز الحلال من الحرام.
ولأن في الآية قرائن تدل على أن الله -سبحانه- منفرد بعلم تأويل المتشابه، وأن الوقف الصحيح عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله﴾ ٢ له لفظًا ومعنى.
أما اللفظ: فلأنه لو أراد عطف "الراسخين" لقال: "ويقولون آمنا به" بالواو.
وأما المعنى: فلأنه ذم مبتغي التأويل، ولو كان ذلك للراسخين معلومًا: لكان مبتغيه ممدوحًا لا مذمومًا.
ولأن قولهم ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه.
سيما إذا اتبعوه بقولهم: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فذكرهم ربهم -ههنا- يعطي الثقة به، والتسليم لأمره، وأنه صدر منه، وجاء من عنده كما جاء من عنده المحكم.
ولأن لفظة "أما" لتفصيل الجمل، فذكره لها في ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغ﴾ مع وصفه إياهم لابتغاء المتشابه، وابتغاء تأويله، يدل على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة وهم "الراسخون" ولو كانوا يعلمون تأويله لم يخالفوا القسم الأول في ابتغاء التأويل.
стр. 227
وإذ قد ثبت أنه غير معلوم التأويل لأحد: فلا يجوز حمله على غير ما ذكرناه؛ لأن ما ذكر من الوجوه لا يعلم تأويله كثير من الناس.
فإن قيل: فكيف يخاطب الله الخلق بما لا يعقلونه، أم كيف ينزل على رسوله ما لا يطلع على تأويله؟
قلنا:
يجوز أن يكلفهم الإيمان بما لا يطلعون على تأويله؛ ليختبر طاعتهم، كما قال -تعالي-: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين﴾ ١ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَم ... ﴾ الآية٢، ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاس﴾ ٣.
وكما اختبرهم بالإيمان بالحروف المقطعة مع أنه لا يعلم معناها٤.
والله أعلم.
стр. 228
الباب الثالث: النسخ
فصل: تعريف النسخ
النسخ في اللغة: الرفع والإزالة، ومنه: "نسخت الشمس الظل" ونسخت الريح الأثر١.
وقد يطلق لإرادة ما يشبه النقل، كقولهم: "نسخت الكتاب"٢.
فأما النسخ في الشرع: فهو بمعنى الرفع والإزالة لا غير.
стр. 229
وحدّه: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه.
ومعنى الرفع: إزالة الشيء على وجه لولاه لبقي ثابتًا على مثال:
"رفع حكم الإجارة بالفسخ" فإن ذلك يفارق زوال حكمها بانقضاء مدتها.
وقيدنا الحد بالخطاب المتقدم؛ لأن ابتداء العبادات في الشرع مزيل لحكم العقل من براءة الذمة، وليس بنسخ.
وقيدناه بالخطاب الثاني؟ لأن زوال الحكم بالموت والجنون ليس بنسخ.
وقولنا: "مع تراخيه عنه"؛ لأنه لو كان متصلًا به، كان بيانًا وإتمامًا لمعنى الكلام، وتقديرًا له بمدة وشرط١.
стр. 230
وقال قوم: النسخ كشف مدة العبادة بخطاب ثان١.
وهذا يوجب أن يكون قوله -تعالى-: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ... ﴾ ٢ نسخًا وليس فيه معنى الرفع٣، فإن قوله: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ إذا لم يتناول إلا النهار متباعدًا عن الليل بنفسه، فأي معنى لنسخه؟!
وإنما يرفع ما دخل تحت الخطاب الأول، وما ذكروه تخصيص.
على أن نسخ العبادة قبل وقتها والتمكن من امتثالها جائز، وليس فيه بيان لانقطاعها.
стр. 231
فصل: [معنى النسخ عند المعتزلة]
وحدّ المعتزلة النسخ بأنه:
الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتا١.
ولا يصح؛ لأن حقيقة النسخ الرفع، وقد أخلوا الحد عنه٢.
فإن قيل:
تحديد النسخ بالرفع لا يصح لخمسة أوجه:
أحدها: أنه لا يخلو: إما أن يكون رفعًا لثابت، أو لما لا ثبات له،
стр. 232
فالثابت لا يمكن رفعه، وما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه.
الثاني: أن خطاب الله -تعالى- قديم، فلا يمكن رفعه.
الثالث: أن الله -تعالى- إنما أثبته لحسنه، فالنهي يؤدي إلى أن ينقلب الحسن قبيحًا.
الرابع: أن ما أمر به، إن أراد وجوده، كيف ينهى عنه، حتى يصير غير مراد؟
الخامس: أنه يدل على "البداء" فإنه يدل على أنه بدا له مما كان حكم به وندم عليه، وهذا محال في حق الله -تعالى-١.
стр. 233
قلنا:
أما الأول: ففاسد؛ فإنا نقول: بل هو رفع لحكم ثابت لولاه لبقي ثابتًا، كالكسر في المكسور، والفسخ في العقود.
إذ١ لو قال قائل: إن الكسر إما أن يرد على معدوم أو موجود:
فالمعدوم لا حاجة إلى إعدامه، والموجود لا ينكسر٢، كان غير صحيح؛ لأن معناه: أن له من استحكام البنية ما يبقى لولا الكسر، وندرك تفرقته بين كسره، وبين انكساره بنفسه، لتناهي الخلل فيه، كما ندرك تفرقته بين فسخ الإجارة، وبين زوال حكمها: لانقضاء مدتها٣.
وبهذا فارق "التخصيص" "النسخ"؛ فإن التخصيص يدل على أنه أريد باللفظ: البعض٣.
وأما الثاني:
فإنه يراد بالنسخ: رفع تعلق الخطاب بالمكلف، كما يزول
стр. 234
تعلقه به؛ لطريان العجز والجنون، ويعود بعودة القدرة والعقل، والخطاب في نفسه لا يتغير١.
وأما الثالث:
فينبني على التحسين والتقبيح في العقل، وهو باطل٢. وقد قيل: إن الشيء يكون حسنًا في حالة، وقبيحًا في أخرى، لكن لا يصح هذا العذر؛ لجواز النسخ قبل دخول الوقت، فيكون قد نهي عما أمر به في وقت واحد.
والرابع:
ينبني على أن الأمر مشروط بالإرادة وهو غير صحيح٣.
وأما الخامس:
ففاسد؛ فإنهم إن أرادوا أن الله -تعالى- أباح ما حرم، ونهى عما
стр. 235
أمر به: فهو جائز؛ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ ١، ولا تناقض كما أباح الأكل ليلًا، وحرمه نهارًا.
وإن أرادوا: أنه انكشف له ما لم يكن عالمًا به: فلا يلزم من النسخ، فإن الله -تعالى- يعلم أنه يأمرهم بأمر مطلق، ويديم عليهم التكليف إلى وقت معلوم يقطع فيه التكليف بالنسخ٢.
فإن قيل:
فهم مأمورون به في علم الله -تعالى- إلى وقت النسخ، أو أبدًا؟
إن قلتم: إلى وقت النسخ: فهو بيان مدة العبادة.
وإن قلتم: أبدًا، فقد تغير علمه ومعلومه.
قلنا:
بل هم مأمورون في علمه إلى وقت النسخ الذي هو قطع للحكم، المطلق الذي لولاه لدام الحكم كما يعلم الله البيع المطلق مفيدًا لحكمه،
стр. 236
إلى أن ينقطع بالفسخ، ولا يعلمه في نفسه قاصرًا، ويعلم أن الفسخ سيكون، فينقطع الحكم به، لا لقصوره في نفسه.
стр. 237
فصل: [الفرق بين النسخ والتخصيص]
فإن قيل:
فما الفرق بين النسخ والتخصيص؟
قلنا:
هما مشتركان من حيث: إن كل واحد يوجب اختصاص بعض متناول اللفظ.
مفترقان من حيث: إن التخصيص: بيان أن المخصوص غير مراد باللفظ.
والنسخ يخرج ما أريد باللفظ الدلالة عليه كقوله: "صم أبدًا" يجوز أن ينسخ ما أريد باللفظ في بعض الأزمنة.
كذلك افترقا في وجوه ستة:
أحدها: أن النسخ يشترط تراخيه، والتخصيص يجوز اقترانه١.
والثاني: أن النسخ يدخل في الأمر بمأمور واحد، بخلاف التخصيص.
والثالث: أن النسخ لا يكون إلا بخطاب، والتخصيص يجوز بأدلة العقل والقرائن.
والرابع: أن النسخ لا يدخل في الأخبار، والتخصيص بخلافه٢.
стр. 238
والخامس: أن النسخ لا يبقى معه دلالة اللفظ على ما تحته، والتخصيص لا ينتفي معه ذلك.
والسادس: أن النسخ في المقطوع به لا يجوز إلا بمثله، والتخصيص فيه جائز بالقياس وخبر الواحد وسائر الأدلة.
стр. 239
فصل: [ثبوت النسخ بالأدلة العقلية والنقلية]
وقد أنكر قوم النسخ١.
وهو فاسد؛ لأن النسخ جائز عقلًا وقد قام دليله شرعًا.
стр. 240
أما العقل:
فلا يمتنع أن يكون الشيء مصلحة في زمان دون زمان، ولا بُعْدَ في أن الله -تعالى- يعلم مصلحة عباده في أن يأمرهم بأمر مطلق حتى يستعدوا له فيثابوا، ويمتنعوا -بسبب العزم عليه- عن معاص وشهوات، ثم يخففه عنهم.
فأما دليله شرعًا:
فقال الله -تعالى-: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ... ﴾ ١، ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَة....﴾ ٢.
стр. 241
وقد أجمعت الأمة على أن شريعة محمد ﷺ قد نسخت ما خالفها من شرائع الأنبياء قبله.
وقد كان يعقوب ﵇ يجمع بين الأختين.
وآدم ﵇ كان يزوج بناته من بنيه، وهو محرم في شرائع من بعدهم من الأنبياء عليهم السلام١.
стр. 242
فصل: [في وجوه النسخ في القرآن]
يجوز نسخ الآية دون حكمها، ونسخ حكمها دون تلاوتها، ونسخهما معًا.
وأحال قوم نسخ اللفظ؛ فإن اللفظ إنما نزل ليتلى، ويثاب عليه، فكيف يرفع؟
ومنع آخرون نسخ الحكم دون التلاوة، لأنها دليل عليه، فكيف يرفع المدلول مع بقاء الدليل؟
قلنا: هو متصور عقلًا، وواقع:
أما التصور: فإن التلاوة، وكتابتها في القرآن، وانعقاد الصلاة بها، من أحكامها، وكل حكم فهو قابل للنسخ.
وأما تعلقها بالمكلف في الإيجاب وغيره: فهو حكم -أيضًا- فيقبل النسخ١.
стр. 243
وأما الدليل على وقوعه:
فقد نسخ حكم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ... ﴾ ١ وبقيت تلاوتها٢.
стр. 244
وكذلك الوصية للوالدين والأقربين١.
وقد تظاهرت الأخبار بنسخ آية الرجم، وحكمها باق٢.
стр. 245
.............................................
стр. 246
وقولهم: كيف ترفع التلاوة١؟
قلنا:
لا يمتنع أن يكون المقصود الحكم دون التلاوة، لكن أنزل بلفظ معين.
وقولهم: كيف يرفع المدلول مع بقاء الدليل٢؟
стр. 247
قلنا:
إنما يكون دليلًا عند انفكاكه عما يرفع حكمه، والناسخ مزيل لحكمه، فلا يبقى دليلًا والله أعلم.
стр. 248
فصل: في نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال
...
وقد اعتاص١ هذا على٢ القدرية٢ حتى تعَسَّفوا٣ في تأويله من ستة أوجه:
أحدها: أنه كان منامًا.
الثاني: أنه لم يؤمر بالذبح، وإنما كُلِّف العزم على الفعل؛ لامتحان سرِّه في صبره.
الثالث: أنه لم ينسخ، لكن قلب الله عنقه نحاسا، فانقطع التكليف عنه لتعذره.
الرابع: أن المأمور به: الاضطجاع، ومقدمات الذبح، بدليل ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ .
الخامس: أنه ذبح امتثالًا، فالتأم الجرح واندمل، بدليل الآية٤.
السادس: أنه إنما أخبر أنه يؤمر به في المستقبل، فإن لفظه لفظ الاستقبال لا لفظ الماضي.
стр. 249
والجواب من وجهين:
أحدهما: يعم جميع ما ذكروه١.
والثاني: أنا نفرد لكل وجه مما ذكروه بجواب:
أما الأول٢: فلو صح شيء من ذلك: لم يحتج إلى فداء، ولم يكن بلاءً مبينًا في حقه.
والجواب الثاني٢:
أما قولهم: "كان منامًا لا أصل له".
قلنا: منامات الأنبياء ﵈ وحي٤، وكانوا يعرفون الله -تعالى- به.
ولو كان منامًا لا أصل له: لم يجز له قصد الذبح، والتل للجبين. ويدل على فساده: قول ولده ﵇: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَر﴾ ولو لم يؤمر: كان ذلك كذبًا.
والثاني: فاسد لوجهين:
стр. 250
أحدهما: أنه سماه ذبحًا بقوله ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ والعزم لا يسمى ذبحًا.
والآخر١: أن العزم لا يجب ما لم يعتقد وجوب المعزوم عليه، ولو لم يكن المعزوم عليه واجبًا، كان إبراهيم ﵇ أحق بمعرفته من القدَرية.
والثالث: لا يصح عندهم؛ لأنه إذا علم الله أنه يقلب عنقه حديدًا، يكون آمرًا بما يعلم امتناعه٢.
والرابع: فاسد؛ لكونه لا يسمى ذبحًا.
والخامس: فاسد؛ إذ لو صح كان من آياته الظاهرة، فلا يترك نقله، ولم ينقل، وإنما هو اختراع من القدرية٣.
ومعنى قوله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ أي: عملت عمل "مصدق بالرؤيا"٤. والتصديق غير التحقيق والعمل٥.
وقولهم: "إنه أخبر أنه يؤمر به في المستقبل"٦ فاسد؛ إذ لو أراد