وقولهم: كيف ترفع التلاوة١؟
قلنا:
لا يمتنع أن يكون المقصود الحكم دون التلاوة، لكن أنزل بلفظ معين.
وقولهم: كيف يرفع المدلول مع بقاء الدليل٢؟
стр. 247
قلنا:
إنما يكون دليلًا عند انفكاكه عما يرفع حكمه، والناسخ مزيل لحكمه، فلا يبقى دليلًا والله أعلم.
стр. 248
فصل: في نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال
...
وقد اعتاص١ هذا على٢ القدرية٢ حتى تعَسَّفوا٣ في تأويله من ستة أوجه:
أحدها: أنه كان منامًا.
الثاني: أنه لم يؤمر بالذبح، وإنما كُلِّف العزم على الفعل؛ لامتحان سرِّه في صبره.
الثالث: أنه لم ينسخ، لكن قلب الله عنقه نحاسا، فانقطع التكليف عنه لتعذره.
الرابع: أن المأمور به: الاضطجاع، ومقدمات الذبح، بدليل ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ .
الخامس: أنه ذبح امتثالًا، فالتأم الجرح واندمل، بدليل الآية٤.
السادس: أنه إنما أخبر أنه يؤمر به في المستقبل، فإن لفظه لفظ الاستقبال لا لفظ الماضي.
стр. 249
والجواب من وجهين:
أحدهما: يعم جميع ما ذكروه١.
والثاني: أنا نفرد لكل وجه مما ذكروه بجواب:
أما الأول٢: فلو صح شيء من ذلك: لم يحتج إلى فداء، ولم يكن بلاءً مبينًا في حقه.
والجواب الثاني٢:
أما قولهم: "كان منامًا لا أصل له".
قلنا: منامات الأنبياء ﵈ وحي٤، وكانوا يعرفون الله -تعالى- به.
ولو كان منامًا لا أصل له: لم يجز له قصد الذبح، والتل للجبين. ويدل على فساده: قول ولده ﵇: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَر﴾ ولو لم يؤمر: كان ذلك كذبًا.
والثاني: فاسد لوجهين:
стр. 250
أحدهما: أنه سماه ذبحًا بقوله ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ والعزم لا يسمى ذبحًا.
والآخر١: أن العزم لا يجب ما لم يعتقد وجوب المعزوم عليه، ولو لم يكن المعزوم عليه واجبًا، كان إبراهيم ﵇ أحق بمعرفته من القدَرية.
والثالث: لا يصح عندهم؛ لأنه إذا علم الله أنه يقلب عنقه حديدًا، يكون آمرًا بما يعلم امتناعه٢.
والرابع: فاسد؛ لكونه لا يسمى ذبحًا.
والخامس: فاسد؛ إذ لو صح كان من آياته الظاهرة، فلا يترك نقله، ولم ينقل، وإنما هو اختراع من القدرية٣.
ومعنى قوله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ أي: عملت عمل "مصدق بالرؤيا"٤. والتصديق غير التحقيق والعمل٥.
وقولهم: "إنه أخبر أنه يؤمر به في المستقبل"٦ فاسد؛ إذ لو أراد
стр. 251
ذلك: لوجد الأمر به في المستقبل؛ كيلا يكون خلفًا في الكلام.
وإنما عبر بالمستقبل عن الماضي، كما قال: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَان﴾ ١، و ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ٢. أي: قد رأيت.
стр. 252
وقال الشاعر١:
وإذا تكونُ كريهةً أُدْعَى لَها ... وَإذَا يُحاس الحيسُ يُدعى جُندب
وقولهم: "إنه يفضي إلى أن يكون الشيء مأمورًا منهيًّا" فلا يمتنع أن يكون مأمورا من وجه، منهيا عنه من وجه آخر، كما يؤمر بالصلاة مع الطهارة وينهى عنها مع الحدث.
كذا ههنا: يجوز أن يجعل بقاء حكمه شرطا في الأمر، فيقال: "افعل ما آمرك به، إن لم يزل حكم أمرنا عنك بالنهي".
فإن قيل:
فإذا علم الله -سبحانه- أنه سيُنهى عنه: فما معنى أمره بالشرط الذي يعلم انتفاءه قطعًا؟
قلنا: يصح إذا كان عاقبة الأمر ملتبسة على المأمور، لامتحانه
стр. 253
بالعزم، والاشتغال بالاستعداد المانع له من أنواع اللهو والفساد، وربما يكون فيه لطيفة واستصلاح لخلقه.
ولهذا جوّزوا الوعد والوعيد بالشرط من العالم بعاقبة الأمور فقالوا: يجوز أن يَعِدَ الله -سبحانه- على الطاعة ثوابًا بشرط عدم ما يحبطها، وعلى المعصية عقابا بشرط عدم ما يكفرها من التوبة، والله -سبحانه- عالم بعاقبة أمره.
جواب ثان:
أنه يجوز أن يكون الشيء مأمورًا منهيًّا في حالين؛ إذ ليس المأمور حسنًا في عينه لوصف هو عليه قبل الأمر به، ولا المأمور مرادًا ليتناقض ذلك.
وقولهم: "إن الكلام قديم، فيكون أمرًا بالشيء ونهيًا عنه في حال واحد".
стр. 254
قلنا: يتصور الامتحان به إذا سمعه المكلف في وقتين، ولذلك اشترطنا التراخي في النسخ، ولو سمعهما في وقت واحد لم يجز.
فأما جبريل: فيجوز أن يسمعهما في وقت واحد، ويؤمر بتبليغ الأمة في وقتين١؛ فيأمرهم بمسالمة الكفار مطلقًا، وباستقبال بيت المقدس، ثم ينهاهم عنه بعد ذلك. والله سبحانه أعلم.
стр. 255
فصل: [هل الزيادة على النص نسخ ؟]
والزيادة على النص ليست بنسخ٢.
وهي على ثلاث مراتب:
أحدهما: أن لا تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، كما إذا أوجب الصلاة، ثم أوجب الصوم.
فلا نعلم فيه خلافًا، لأن النسخ: رفع الحكم وتبديله، ولم يتغير حكم المزيد عليه، بل بقي وجوبه وإجزاؤه.
стр. 256
الرتبة الثانية:
أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه تعلّقًا ما، على وجه لا يكون شرطًا فيه، كزيادة التغريب على الجلد في الحد١، وعشرين سوطًا على الثمانين في حد القذف.
стр. 257
فذهب أبو حنيفة إلى أنه نسخ؛ لأن الجلد كان هو: الحد كاملًا، يجوز الاقتصار عليه، ويتعلق به التفسيق، ورد الشهادة، وقد ارتفعت هذه الأحكام بالزيادة.
ولنا:
أن النسخ: هو رفع حكم الخطاب، وحكم الخطاب بالحد: وجوبه وإجزاؤه على نفسه، وهو باق، وإنما انضم إليه الأمر بشيء آخر فوجب الإتيان به، فأشبه الأمر بالصيام بعد الصلاة.
فأما صفة الكمال: فليس هو حكمًا مقصودًا شرعيًّا، بل المقصود: الوجوب والإجزاء، وهما باقيان.
ولهذا لو أوجب الشرع الصلاة -فقط- كانت كلية ما أوجبه الله وكماله، فإذا أوجب الصوم، خرجت الصلاة عن كونها كلية١ الواجب، وليس بنسخ اتفاقا٢.
وأما الاقتصار عليه: فليس هو مستفادا من منطوق اللفظ؛ لأن وجوب الحد لا ينفي وجوب غيره.
وإنما يستفاد من المفهوم، ولا يقولون به٣.
стр. 258
ثم رفع المفهوم كتخصيص العموم، فإنه رفع بعض مقتضى اللفظ، فيجوز بخبر الواحد.
ثم إنما يستقيم هذا: أن لو ثبت حكم المفهوم واستقر، ثم ورد التغريب بعده، ولا سبيل إلى معرفته، بل لعلة وردتنا بالإسقاط المفهوم متصلًا به أو قريبًا منه١.
وأما التفسيق، ورد الشهادة، فإنما يتعلق بالقذف، لا بالحد.
ثم لو سلّم بتعلقه بالحد: فهو تابع غير مقصود، فصار كحل النكاح بعد العدة، ثم تصرف الشرع في العدة بردها من حول إلى أربعة أشهر وعشر، ليس تصرفًا في حل النكاح، بل في نفس العدة٢.
стр. 259
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم﴾ ١ يقتضي أن لا يحكم بأقل منهما، والحكم بشاهد ويمين٢ نسخ له.
قلنا: هذا إنما استفيد من مفهوم اللفظ، وقد أجبنا عنه٣.
الرتبة الثالثة:
أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط، بحيث يكون المزيد عليه وعدمه واحدًا، كزيادة النية في الطهارة، وركعة في الصلاة فذهب بعض من وافق في الرتبة الثانية إلى أن الزيادة ههنا نسخ؛ إذ كان حكم المزيد عليه: الإجزاء والصحة، وقد ارتفع٤.
وليس بصحيح؛ لأن النسخ: رفع حكم الخطاب بمجموعه، والخطاب اقتضى: الوجوب والإجزاء، والوجوب باقٍ بحاله، وإنما ارتفع الإجزاء، وهو بعض ما اقتضى اللفظ، فهو كرفع المفهوم، وتخصيص العموم.
стр. 260
ثم إنما يستقيم أن لو ثبت الإجزاء واستقر، ثم وردت الزيادة بعده ولم يثبت.
بل ثبوت الزيادة بالقياس المقارن للفظ، أو لخبر يحتمل أن يكون متصلًا بيانًا للشرط، فلا معنى لدعوى استقراره بالتحكم١.
ثم لا يصح هذا من أصحاب الشافعي؛ فإنهم اشترطوا النية للطهارة٢، والطهارة للطواف٣ بالسنة، وأصلها ثابت بالكتاب.
فإن قيل:
فالطهارة المنْوية غير الطهارة بلا نية، وإنما هي نوع آخر، فاشتراط النية يوجب رفع الأولى بالكلية.
стр. 261
قلنا: هذا باطل؛ فإنها لو كانت غيرها: لوجب أن لا تصح الطهارة المنوية، عند من لا يوجب النية؛ لكونها غير مأمور بها١.
стр. 262
فصل: [في نسخ جزء العبادة أو شرطها]
ونسخ جزء العبادة المتصل بها، أو شرطها، ليس بنسخ لجملتها.
وقال المخالفون في المرتبة الثانية من الزيادة: هو نسخ١، لأن الركعات الأربع غير الركعتين وزيادة، بدليل: ما لو أتى بصلاة الصبح أربعًا فإنها لا تصح.
ولأن الركعتين كانتا لا تجزئان، فصارتا مجزئتين، وهذا تغيير وتبديل.
وليس بصحيح؛ لأن الرفع والإزالة إنما يتناول الجزء والشرط خاصة، وما سوى ذلك باق بحالة، فهو كالصلاة، كانت إلى بيت المقدس، ثم نسخ ذلك إلى الكعبة فلم يكن نسخًا للصلاة.
وقولهم: "هي غيرها" قد سبق جوابه٢.
стр. 263
وإنما لا تصح الصبح إذا صلاها أربعًا؛ لإخلاله بالسلام والتشهد في موضعه.
وقولهم: "كانت مجزئة" معناه: أن وجودها كعدمها، وهذا حكم عقلي ليس من الشرع، والنسخ: رفع ما ثبت بالشرع.
وكذلك وجوب العبادة مزيل لحكم العقل في براءة الذمة، وليس بنسخ.
стр. 264
فصل: [في جواز نسخ العبادة إلى غير بدل]
يجوز نسخ العبادة إلى غير بدل١.
وقيل: لا يجوز٢، لقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا....﴾ ٣.
ولنا أنه متصور عقلًا، وقد قام دليله شرعًا:
стр. 265
أما العقل:
فإن حقيقة النسخ: الرفع والإزالة، ويمكن الرفع من غير بدل.
ولا يمتنع أن يعلم الله -تعالى- المصلحة في رفع الحكم، وردّهم إلى ما كان من الحكم الأصلي١.
وأما الشرع:
فإن الله -سبحانه- نسخ النهي عن ادّخار لحوم الأضاحي٢، وتقديم الصدقة أمام المناجاة٣ إلى غير بدل.
стр. 266
فأما الآية: فإنها وردت في التلاوة، وليس للحكم فيه ذكر.
على أنه يجوز أن يكون رفعها خيرًا منها في الوقت الثاني؛ لكونها لو وجدت فيه كانت مفسدة.
وأنكر بعض أهل الظاهر جواز النسخ بالأثقل١، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ... ﴾ ٢.
وقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُم ... ﴾ ٣، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ... ﴾ ٤.
ولأن الله -تعالى- رءوف، فلا يليق به التثقيل والتشديد٥.
ولنا:
أنه لا يمتنع لذاته.
ولا يمتنع أن تكون المصلحة في التدريج والترقي من الأخف إلى الأثقل، كما في ابتداء التكليف٦.
стр. 269
وقد نسخ التخيير بين الفدية والصيام، بتعين الصيام١، وجواز تأخير الصلاة حالة الخوف إلى وجوب الإتيان بها٢.
стр. 270
وحرم الخمر١، ونكاح المتعة، والحمر الأهلية٢.
وأمر الصحابة بترك القتال والإعراض عنه، ثم نسخ بإيجاب الجهاد٣.
стр. 271
والآيات التي احتجوا بها وردت في صور خاصة أريد بها التخفيف، وليس فيه منع إرادة التثقيل١.
وقولهم: "إن الله رءوف" فلا يمنع من التكليف بالأثقل، كما في التكليف ابتداء، وتسليط المرض والفقر وأنواع العذاب لمصالح يعلمها.
стр. 272
فصل: [في حكم من لم يبلغه النسخ]
إذا نزل الناسخ، فهل يكون نسخًا في حق من لم يبلغه؟
قال القاضي: ظاهر كلام أحمد ﵀ أنه لا يكون نسخًا؛ لأن أهل قباء بلغهم نسخ الصلاة، إلى بيت المقدس وهم في الصلاة فاعتدوا بما مضى من صلاتهم١.
وقال أبو الخطاب: يتخرج أن يكون نسخا؛ بناء على قوله٢ في الوكيل: "ينعزل بعزل الموكل وإن لم يعلم"؛ لأن النسخ بنزول الناسخ، لا بالعلم، إذ العلم لا تأثير له إلا في نفي العذر، ولا يمتنع وجوب القضاء على المعذور كالحائض، والنائم.
والقبلة يسقط استقبالها في حق المعذور، فلهذا لم يجب على أهل قباء الإعادة٣.
стр. 273
وقال من نصر الأول١: النسخ بالناسخ، لكن العلم شرط؛ لأن الناسخ خطاب، ولا يكون خطابًا في حق من لم يبلغه.
стр. 274
فصل: [في وجوه النسخ بين القرآن والسنّة]
يجوز نسخ القرآن بالقرآن.
والسنة المتواترة بمثلها.
والآحاد بالآحاد٢.
والسنة بالقرآن، كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس٣ وتحريم
стр. 275
المباشرة في ليالي رمضان١، وجواز تأخير الصلاة حالة الخوف بالقرآن، وهو في السنّة١.
فأما نسخ القرآن بالسنة المتواترة:
فقال أحمد ﵀: لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده٣ قال القاضي: ظاهره أنه منع منه عقلًا وشرعًا٤.
стр. 276
وقال أبو الخطاب وبعض الشافعية: يجوز ذلك١؛ لأن الكل من عند الله، ولم يعتبر التجانس.
والعقل لا يحيله؛ فإن الناسخ -في الحقيقة- هو الله -سبحانه- على لسان رسوله ﷺ بوحي غير نظم القرآن.
وإن جوزنا له النسخ بالاجتهاد٢، فالإذن في الاجتهاد من الله -تعالى-.
وقد نسخت الوصية للوالدين والأقربين بقوله: "لا وصية لوارث" ٣.
стр. 277
ونسخ إمساك الزانية في البيوت١ بقوله: "قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم"٢.
ولنا٣: قول الله -تعالى-: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾
стр. 278
أَوْ مِثْلِهَا..﴾ والسنة لا تساوي القرآن، ولا تكون خيرًا منه.
وقد روى الدارقطني٢ في سننه عن جابر٣ أن النبي ﷺ قال: "القرآن ينسخ حديثي، وحديثي لا ينسخ القرآن"٤.
ولأنه لا يجوز نسخ تلاوة القرآن وألفاظه بالسنة، فكذلك حكمه٥.
стр. 279
وأما الوصية: فإنها نسخت بآية المواريث، قاله ابن عمر١، وابن عباس٢. وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا بقوله: "إن الله قد أعطى كل ذي
стр. 280
حق حقه، فلا وصية لوارث" وأما الآية الآخرى: فإن الله -سبحانه- أمر بإمساكهن إلى غاية يجعل لهن سبيلًا، فبين النبي ﷺ أن الله جعل لهن السبيل. وليس ذلك بنسخ. والله أعلم.
стр. 281
فصل: [في حكم نسخ القرآن ومتواتر السنة بالآحاد]
فأما نسخ القرآن، والمتواتر من السنة، بأخبار الآحاد: فهو جائز عقلًا؛ إذ لا يمتنع أن يقول الشارع: تعبدناكم بالنسخ بخبر الواحد.
وغير جائز شرعًا١.
وقال قوم من أهل الظاهر: يجوز٢.
وقالت طائفة: يجوز في زمن النبي ﷺ ولا يجوز بعده٣؛ لأن أهل قباء قبلوا خبر الواحد في نسخ القبلة.
стр. 282
وكان النبي ﷺ يبعث آحاد الصحابة إلى أطراف دار الإسلام، فينقلون الناسخ والمنسوخ.
ولأنه يجوز التخصيص به، فجاز النسخ به كالمتواتر.
ولنا: إجماع الصحابة ﵃ على أن القرآن والمتواتر لا يرفع بخبر الواحد، فلا ذاهب إلى تجويزه، حتى قال عمر ﵁: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة: لا ندري أصدقت أم كذبت"١.
стр. 283
فصل: [الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به]
فأما الإجماع: فلا ينسخ:
لأنه لا يكون إلا بعد انقراض زمن النص، والنسخ لا يكون إلا بنص.
ولا ينسخ بالإجماع:
لأن النسخ إنما يكون لنص، والإجماع لا ينعقد على خلافه، لكونه معصومًا عن الخطأ، وهذا يفضي إلى إجماعهم على الخطأ٢.
стр. 284
فإن قيل:
فيجوز أن يكونوا ظفروا بنص كان خفيًّا هو أقوى من النص الأول، أو ناسخ له.
قلنا: فيضاف النسخ إلى النص الذي أجمعوا عليه لا إلى الإجماع.
стр. 285
فصل: [في نسخ القياس والنسخ به]
ما ثبت بالقياس:
إن كان منصوصًا على علته: فهو كالنص، ينسخ وينسخ به. وما لم يكن منصوصًا على علته: فلا ينسخ، ولا ينسخ به، على اختلاف مراتبه.
وشذت طائفة فقالت: ما جاز التخصيص به: جاز النسخ به.
وهو منقوض بدليل العقل، وبالإجماع، وبخبر الواحد.
والتخصيص بجميع ذلك جائز دون النسخ فكيف يتساويان؟
والتخصيص بيان، والنسخ رفع، والبيان تقرير، والرفع إبطال.