Полный текст (1 205 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فصل: [في حكم نسخ القرآن ومتواتر السنة بالآحاد]
فأما نسخ القرآن، والمتواتر من السنة، بأخبار الآحاد: فهو جائز عقلًا؛ إذ لا يمتنع أن يقول الشارع: تعبدناكم بالنسخ بخبر الواحد.
وغير جائز شرعًا١.
وقال قوم من أهل الظاهر: يجوز٢.
وقالت طائفة: يجوز في زمن النبي ﷺ ولا يجوز بعده٣؛ لأن أهل قباء قبلوا خبر الواحد في نسخ القبلة.
الحواشي
(١) ١ وهذا هو رأي جمهور العلماء.
وقد نقل الغزالي في المستصفى "٢/ ١٠٧" عدم جواز نسخ القرآن بالمتواتر والآحاد عن الخوارج.
٢ انظر: الإحكام لابن حزم "٤/ ٦١٧".
٣ وهو الذي رجحه الغزالي حيث قال: "المختار: جواز ذلك عقلًا لو تعبّد به، ووقوعه سمعًا في زمان رسول الله ﷺ بدليل: قصة قباء".
وحكاه الشوكاني عن بعض العلماء: كأبي بكر الباقلاني، وأبي الوليد الباجي، والقرطبي، انظر: إرشاد الفحول "٢/ ٧٩" والعجب من العلماء الذين قالوا بهذا الرأي، كيف غاب عنهم أنه لا نسخ بعد عصر النبوة، والأعجب منه ما ذهب إليه الظاهرية من جوازه مطلقًا مع ما اتفق عليه الجميع من أن الإجماع لا ينسخ، ولا ينسخ به، لأن الإجماع لا يكون إلا بعد وفاة الرسول ﷺ ؟! =стр. 282
وكان النبي ﷺ يبعث آحاد الصحابة إلى أطراف دار الإسلام، فينقلون الناسخ والمنسوخ.
ولأنه يجوز التخصيص به، فجاز النسخ به كالمتواتر.
ولنا: إجماع الصحابة ﵃ على أن القرآن والمتواتر لا يرفع بخبر الواحد، فلا ذاهب إلى تجويزه، حتى قال عمر ﵁: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة: لا ندري أصدقت أم كذبت"١.
الحواشي
(١) = ومن الغريب أن "الطوفي" يميل إلى مذهب الظاهرية وينصره، ويورد العديد من الأدلة على ذلك، مع أنه قال -بعد ذلك- في المسألة السابعة: "الحكم الثابت بالإجماع لا ينسخ، أي: لا يكون منسوخًا.
وتقريره، أن النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة، والإجماع لا يكون إلا بعد عهد النبوة، ويلزم من ذلك أن حكم الإجماع لا ينسخ.
أما أن النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة؛ فلأن النسخ رفع للحكم، وإبطال له وتغيير، وذلك إنما يكون في عهد النبوة، لأنه زمن الوحي الرافع للأحكام، وبعد انقراض عهد النبوة يستقر الشرع، فلا يجوز تغيير شيء منه، ولا يبقى إلا اتباع ما انقرض عليه عصر النبوة" شرح المختصر "٢/ ٣٣٠-٣٣١".
١ أخرجه مسلم: كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، والترمذي: كتاب الطلاق، باب ما جاء في المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها ولا سكنى، وأحمد في المسند "٦/ ٤١٥" عن فاطمة بنت قيس أنها قالت: طلقني زوجي ثلاثًا فلم يجعل لي رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة، لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [سورة الطلاق: ١] .стр. 283
فصل: [الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به]
فأما الإجماع: فلا ينسخ:
لأنه لا يكون إلا بعد انقراض زمن النص، والنسخ لا يكون إلا بنص.
ولا ينسخ بالإجماع:
لأن النسخ إنما يكون لنص، والإجماع لا ينعقد على خلافه، لكونه معصومًا عن الخطأ، وهذا يفضي إلى إجماعهم على الخطأ٢.
الحواشي
(١) ١ ما قاله المصنف من أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق الذي ينبغي عدم التعويل على غيره، وقد نقل الآمدي عن بعض المعتزلة، وعيسى بن أبان من الحنفية أنهم أجازوا النسخ بالإجماع، كما نقل عن بعض العلماء القول بنسخ الحكم الثابت بالإجماع. انظر الإحكام "٣/ ١٦٠-١٦١".
٢ خلاصة الاستدلال على أن الإجماع لا ينسخ: أن النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة، والإجماع لا يكون إلا بعد عهد النبوة، فيلزم من ذلك: أن حكم الإجماع لا ينسخ، لأن النسخ لا يكون إلا بنص.
وأما الاستدلال على أن الإجماع لا ينسخ به: فلأن الإجماع لو كان ناسخًا، لكان دليل الحكم المنسوخ إما نصًّا، أو إجماعًا، أو قياسًا، فإن كان نصًّا، فالإجماع الناسخ لا بد له من مستند، وإلا كان خطأ، وذلك المستند هو الناسخ، لا نفس الإجماع.
وإن كان دليل الحكم المنسوخ إجماعًا، فلو نسخ بالإجماع، لزم تعارض الإجماعين، فأحدهما باطل، فلا نسخ.
وإن كان دليل الحكم المنسوخ قياسًا، فهو إما غير صحيح، فلا عبرة به، فلا نسخ، وإن كان صحيحًا، فالإجماع الناسخ، إن استند إلى نص، فالنص هو =стр. 284
فإن قيل:
فيجوز أن يكونوا ظفروا بنص كان خفيًّا هو أقوى من النص الأول، أو ناسخ له.
قلنا: فيضاف النسخ إلى النص الذي أجمعوا عليه لا إلى الإجماع.
الحواشي
(١) = الناسخ، والإجماع دل عليه كما سبق.
انظر: الإحكام للآمدي "٣/ ١٦١" وشرح مختصر الروضة "٢/ ٣٣١-٣٣٢".стр. 285
فصل: [في نسخ القياس والنسخ به]
ما ثبت بالقياس:
إن كان منصوصًا على علته: فهو كالنص، ينسخ وينسخ به. وما لم يكن منصوصًا على علته: فلا ينسخ، ولا ينسخ به، على اختلاف مراتبه.
وشذت طائفة فقالت: ما جاز التخصيص به: جاز النسخ به.
وهو منقوض بدليل العقل، وبالإجماع، وبخبر الواحد.
والتخصيص بجميع ذلك جائز دون النسخ فكيف يتساويان؟
والتخصيص بيان، والنسخ رفع، والبيان تقرير، والرفع إبطال.
الحواشي
(١) ١ المصنف اختصر الكلام في هذه المسألة ولم يبين مذاهب العلماء فيها، والذي في المستصفى "٢/ ١٠٩": "لا يجوز نسخ النص القاطع المتواتر بالقياس المعلوم بالظن والاجتهاد، على اختلاف مراتبه، جليًّا كان أو خفيًّا. هذا ما قطع به الجمهور.стр. 286
.................................................
الحواشي
(١) = إلا شذوذ منهم قالوا: ما جاز التخصيص به جاز النسخ به وهو منقوض.... الخ".
ثم قال: وقال بعض أصحاب الشافعي: يجوز النسخ بالقياس الجلي، ونحن نقول: لفظ الجلي مبهم، فإن أرادوا المقطوع به، فهو صحيح. وأما المظنون فلا" ا. هـ.
وقد وضح الطوفي وجه عدم جواز النسخ فقال:
"الحكم الثابت بالقياس: إما أن يكون منصوص العلة، أو لا.
كالنص، ينسخ وينسخ به، أي: يكون ناسخًا ومنسوخًا، كما أن النص كذلك؛ لأن القياس لا بد وأن يستند إلى نص، فإذا كانت علة القياس منصوصًا عليها في ذلك النص، صار حكم القياس منصوصًا عليه بواسطة القياس، فيكون نصًّا يصح أن يكون ناسخًا ومنسوخًا.
مثال ذلك: لو قال الشارع: حَرَّمْت الخمر المتخذ من العنب؛ لكونه مسكرًا فإذا قسنا عليه نبيذ التمر المسكر في التحريم، كان تحريم هذا النبيذ حكمًا منصوصًا على علته، حتى كأنه قال: حرّمت نبييذ التمر المسكر، فلو فرض أن الشرع قال: أبحت نبيذ الذرة المسكر، جاز أن يكون تحريم نبيذ التمر المسكر، المستفاد من القياس، ناسخًا لذلك، إذا ثبت تأخره عن إباحة نبيذ الذرة، ومنسوخًا بإباحة نبيذ الذرة إذا ثبت تقدم تحريم نبيذ التمر، وذلك لأن تحريم نبيذ التمر، وإباحة نبيذ الذرة حكمان متضادان مع اتحاد علتهما، وهي الإسكار، فكان المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم، كما لو قال: أبحت الخمر، ثم قال: حرمتها، أو بالعكس.
وأما إن لم يكن الحكم الثابت بالقياس منصوصًا على علته، لم يجز أن يكون ناسخًا ولا منسوخًا، لأن العلة إذا لم تكن منصوصة، فهي مستنبطة، واستنباطها هو باجتهاد المجتهد، واجتهاد المجتهد عرضة للخطأ، فلا يقوى على رفع الحكم الشرعي، بخلاف النص على العلة، فإنه حكم الشارع المعصوم من الخطأ، فهو يقوى على ذلك. =стр. 287
فصل: [في نسخ التنبيه والنسخ به]
والتنبيه ينسخ، وينسخ به١.
الحواشي
(١) = فإذا قسنا الذرة على البر والشعير، في تحريم التفاصل، بجامع الكيل، بناء على أنه العلة فيهما، ثم قال الشارع: أبحت التفاضل في السمسم، لم يجز لنا أن نجعل الإباحة في السمسم ناسخة للتحريم في الذرة ولا التحريم في الذرة ناسخًا للإباحة في السمسم؛ لأن النسخ لا بد فيه من تضاد الناسخ والمنسوخ، ونحن لا نعلم أن إباحة التفاضل في السمسم، وتحريمها في الذرة متضادان، لجواز عدم اختلاف العلة فيهما، أو كون الحكم في أحدهما، أو في البر والشعير غير معلل، فينتفي التضاد، فينتفي النسخ" ثم بين بطلان قياس النسخ على التخصيص فقال:
"إن النسخ إبطال للحكم؛ لأنه رفع له، والتخصيص تقرير وبيان له، لأنه عبارة عن بيان المراد من اللفظ، فإذا بان المراد منه، واستقر الحكم عليه، ورفع الحكم وتقريره متناقضان، فيمتنع استواؤهما، حتى يقال: إن ما جاز التخصيص به، جاز النسخ به، لأن ذلك يصير كقولنا: ما جاز أن يبين الحكم ويقرره، جاز أن يرفعه ويبطله، وهو باطل؛ لأنه ترتيب لحكمين متناقضين على علة واحدة" شرح مختصر الروضة "٢/ ٣٣٣-٣٣٥".
١ المقصود بالتنبيه هنا: مفهوم الموافقة؛ لأن اللفظ إما أن يدل على الحكم بمنطوقه، وإما أن يدل عليه بمفهومه، وتسمى دلالة المفهوم.
والمفهوم: إما أن يكون حكمه موافقًا لحكم المنطوق، ويسمى بمفهوم الموافقة، أو فحوى الخطاب، أو تنبيه الخطاب.
وأن كان حكمه مخالفًا لحكم المنطوق، سمي بمفهوم المخالفة، أو دليل الخطاب، أو لحن الخطاب.
وقد اتفق الأصوليون على جواز نسخ حكم المنطوق والمفهوم الموافق دفعة واحدة، لما بينهما من التلازم.
لكن اختلفوا في نسخ أحدهما مع بقاء الآخر على أربعة أقوال: =стр. 288
لأنه يفهم من اللفظ، فهو كالمنطوق وأوضح منه.
ومنع منه بعض الشافعية وقالوا: هو قياس جلي.
وليس بصحيح؛ وإنما هو مفهوم الخطاب.
ولأنه يجري مجرى النطق في الدلالة، فلا يضر تسميته قياسًا.
وإذا نسخ الحكم في المنطوق: بطل الحكم في المفهوم، وفيما يثبت بعلته أو بدليل خطابه.
وأنكر ذلك بعض الحنفية؛ لأنه نسخ بالقياس١.
الحواشي
(١) = الأول: لا يجوز نسخ أحدهما بدون نسخ الآخر، فلا ينسخ المنطوق ويبقى المفهوم، ولا ينسخ المفهوم، ويبقى المنطوق، بل نسخ أحدهما يستلزم نسخ الآخر.
القول الثاني: أنه يجوز نسخ أحدهما مع بقاء الآخر.
القول الثالث: أن نسخ المفهوم يستلزم نسخ المنطوق، وأما نسخ المنطوق فلا يستلزم نسخ المفهوم، وهو مختار ابن الحاجب.
القول الرابع: إن جعل مفهوم الموافقة من باب القياس الجلي، كان نسخ أصله نسخًا له، وإن جعل من باب الدلالة اللفظية، فلا يلزم من نسخ أحدهما نسخ الآخر، بل يجوز نسخ المنطوق وبقاء المفهوم، كما يجوز نسخ المفهوم وبقاء المنطوق.
وهو مختار الآمدي.
انظر: مختصر ابن الحاجب ص١١٩، الإحكام للآمدي "٣/ ١٥٢" تيسير التحرير "٣/ ٢١٥".
وقول المصنف: "ومنع منه بعض الشافعية الخ": هو مبني على الخلاف في التنبيه، أو مفهوم الموافقة، هل هو قياس جلي، كما يقول الشافعية، أو دلالته لفظية.
١ المصنف يرجح أن نسخ الحكم الثابت بالمنطوق نسخ للمفهوم، ثم نقل عن =стр. 289
وليس بصحيح؛ لأن هذه فروع تابعة لأصل، فإذا سقط حكم الأصل: سقط حكم الفرع.
الحواشي
(١) = بعض الحنفية أنهم خالفوا في ذلك، وقالوا: يختص النسخ بالمنطوق وحده، وما خرج عن محل النطق فهو حكم مستقل لا يلزم من نسخه نسخه.
ورد عليهم المصنف: بأنه إذا سقط حكم الأصل، سقط حكم الفرع، لأنه تابع له.
قال الطوفي.
"معنى هذا الكلام: أن المنطوق -وهو مدلول اللفظ بالمطابقة أو التضمن- إذا نسخ، بطل حكم ما تفرع عليه من مفهومه، ومعلوله، ودليل خطابه، لأنها توابع له، وإذا بطل المتبوع، بطل التابع، وإذا انتفى الأصل، انتفى فرعه" شرح المختصر "٢/ ٣٣٧".стр. 290
فصل: فيما يعرف به النسخ
اعلم أن ذلك لا يعرف بدليل العقل، ولا بقياس: بل بمجرد النقل، وذلك من طرق١:
أحدها: أن يكون في اللفظ: كقوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور" ٢، "كنت
الحواشي
(١) ١ معنى ذلك: أن النسخ إما رفع للحكم الشرعي المتأخر، أو بيان مدة انتهائه وكلاهما لا طريق للعقل إلى معرفته، ولو كان للعقل طريق إلى معرفة النسخ بدون النقل، لكان له طريق إلى معرفة ثبوت الأحكام ابتداء بدون النقل، وليس كذلك.
وإذا ثبت أن العقل لا مجال له في معرفة الناسخ، فلم يبق إلا النقل، وله طرق كثيرة، سيأتي ذكرها.
٢ هذا جزء من حديث روي عن بريدة ﵁ بلفظ: "كنت نهتيكم عن زيارة القبور، فقد أُذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها، فإنها تذكر الآخرة" أخرجه مسلم: كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ﷺ ربه في زيارة =стр. 291
رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا بها"١.
الثاني: أن يذكر الراوي تاريخ سماعه فيقول: سمعت عام الفتح، ويكون المنسوخ معلومًا بقدمه.
الثالث: أن تجمع الأمة على أن هذا الحكم منسوخ وأن ناسخه متأخر.
الرابع: أن ينقل الراوي الناسخ والمنسوخ، فيقول: "رخص لنا في المتعة فمكثنا ثلاثًا، ثم نهانا عنها"٢.
الحواشي
(١) = قبر أمه حديث "٩٧٧" وأبو داود: كتاب الجنائز، باب في زيارة القبور والترمذي: كتاب الجنائز، باب الرخصة في زيارة القبور، وقال: حديث حسن صحيح.
كما أخرجه الإمام أحمد في المسند "٥/ ٣٥٠، ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٥٩، ٣٦١" بلفظ "نهيتكم عن زيارة القبور فزورها".
١ هذا الحديث روي من عدة طرق: فقد أخرجه أبو داود: كتاب اللباس، باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة، والترمذي: كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، والنسائي: كتاب الفرع، باب ما يدبغ به جلود الميتة، وابن ماجه: كتاب اللباس، باب من قال: لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب، وأحمد في المسند "٤/ ٣١٠".
كما أخرجه البيهقي "١/ ٢٥، ٢٦" والطحاوي "١/ ٤٦٨" عن عبد الله بن عكيم قال: حدثني أشياخ جهينة قالوا أتانا كتاب من رسول الله -صلى الله عيله وسلم- أو قرئ إلينا كتاب رسول الله ﷺ : "أن لا تنتفعوا من الميتة بشيء".
وللحديث -كما قلت- روايات عدة تراجع في: نصب الراية "١/ ١٢٠ وما بعدها" وتلخيص الحبير "١/ ٤٦ وما بعدها".
٢ تقدم تخريج حديث المتعة قريبًا، وهذه الرواية "رخص لنا ... " أخرجها مسلم حديث "١٤٠٥" من حديث سلمة بن الأكوع، قال: "رخص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثًا، ثم نهى عنها".стр. 292
الخامس: أن يكون راوي أحد الخبرين أسلم في آخر حياة النبي ﷺ والآخر لم يصحب النبي ﷺ إلا في أول الإسلام.
كرواية طلق بن علي الحنفي١، وأبي هريرة٢ في الوضوء من مس الفرج والله تعالى أعلم.
الحواشي
(١) ١ هو: طلق بن علي بن طلق بن عمرو السحيمي الحنفي اليمامي، صحابي جليل روى عنه ابنه قيس، وعبد الرحمن بن علي بن شيبان.
انظر في ترجمته: "الاستعياب ٢/ ٧٧٦".
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "..... هل هو إلا بضعة منك".
أخرجه عنه أبو داود: كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك، أي: في ترك الوضوء من مس الذكر.
كما أخرجه الترمذي: كتاب الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر وقال فيه: "هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب"، والنسائي كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من ذلك.
كذلك أخرجه ابن ماجه، والبيهقي، وأحمد في المسند، والدارقطني وغيرهم.
وقد ضعف الحديث الإمام الشافعي، والبيهقي، وأبو حاتم، والدارقطني، وابن الجوزي. انظر: تلخيص الحبير "١/ ١٢٥" والفتح الرباني "٢/ ٨٨ وما بعدها".
٢ هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله ﷺ قدم المدينة سنة سبع وأسلم، وشهد خيبر، وكني بأبي هريرة، لأنه وجد هرة فحملها في كمه، ولزم رسول الله ﷺ رغبة في العلم وطلب الحديث، حتى دعا له ﷺ بالحفظ، روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل، توفي بالمدينة سنة ٥٧هـ. انظر: الاستيعاب "٤/ ٢٠٢"، الإصابة "٤/ ٢٠٢".
وقد روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ومن أفضى بيده إلى ذكره، ليس دونه ستر، فقد وجب عليه الوضوء". =стр. 293
الباب الرابع: الأصل الثاني من الأدلة سنة النبي ﷺ
مدخل
...
الأصل الثاني من الأدلة سنة النبي ﷺ -١
وقول رسول الله ﷺ حجة؛ لدلالة المعجز على صدقه، وأمر الله -سبحانه- بطاعته، وتحذيره من مخالفة أمره.
الحواشي
(١) = رواه الإمام أحمد في مسنده "٢/ ٨٨" والشافعي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في نواقض الوضوء، والدارقطني: كتاب الطهارة، باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر، والبيهقي: كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر بلفظ "من مس ذكره فليتوضأ"، والحاكم في المستدرك: كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر وقال: "حديث صحيح".
وأخرجه ابن حبان في صحيحه وقال: "هذا حديث صحيح سنده، وعدول نقلته".
وذكر الزيلعي في نصب الراية "١/ ٥٦" أن البيهقي أخرجه من طريق البخاري موقوفًا على أبي هريرة، كما نقل ذلك عن الذهبي في مختصره.
وللعلماء في ترجيح أحد الحديثين على الآخر، أو نسخ حديث أبي هريرة لحديث طلق خلاف طويل.
قال أبو يعلى في العدة "٣/ ٨٣٣": "وكان خبر أبي هريرة متأخرًا، لأن أبا هريرة أسلم بعد وفاة طلق بن علي، وقبل وفاة النبي ﷺ بأربع سنين".
وقال الطوفي -تعقيبًا على حديث "هل هو إلا بضعة منك"- قال: "فإن في بعض ألفاظه: "جئت وهم يؤسسون المسجد" وكان ذلك أول الإسلام، وحديث أبي هريرة وبسرة وأم حبيبة في نقض الوضوء بمس الذكر بعد ذلك، لأن أبا هريرة متأخر الإسلام أسلم سنة سبع، وبناء المسجد كان في أول السنة الأولى من الهجرة". شرح المختصر "٢/ ٣٤٣، ٣٤٤".
١ لم يذكر المصنف تعريف السنة في اللغة ولا في الاصطلاح، كعادة علماء الأصول، وسوف نذكر ذلك بإيجاز ونحيل القارئ إلى المصادر التي استوفت ذلك:
فالسنة في اللغة: الطريقة والسيرة المستمرة، سواء أكانت حسنة أم سيئة. قال =стр. 294
................................................................
الحواشي
(١) = الله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٧] .
وروى مسلم في صحيحه: كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة -والترمذي وحسنه- أن رسول الله ﷺ قال: "من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها بعده، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا".
وخصها بعض العلماء بالطريقة الحسنة دون غيرها. انظر: "لسان العرب جـ١٤ ص٢٢٥، تهذيب اللغة جـ٤ ص٢٩٨".
وأما في الاصطلاح: فلها تعريف عام، وتعريفات خاصة، بحسب اصطلاح أهل كل فن أو علم من العلوم:
فهي في الاصطلاح العام: تطلق على كل ما نقل عن رسول الله ﷺ أو عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة المقتدى بهم. وهو ما جاء في قوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ".
أخرجه أبو داود حديث رقم "٤٦٠٧" والترمذي: باب الأخذ بالسنة، وابن ماجه "١/ ١٥-١٦".
وهي بهذا المعنى تقابل البدعة.
وأما تعريفها في الاصطلاحات الخاصة، فإنها تختلف باختلاف اصطلاح أهل كل فن:
فالسنة عند المحدثين: هي ما نقل عن رسول الله ﷺ من أقوال وأفعال وتقريرات، وصفاته الخَلْقية والخُلُقية، سواء أكان ذلك قبل البعثة أم بعدها.
وعند الفقهاء: هي ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم، أو ما في فعلها ثواب، وليس في تركها عقاب، باعتبار أن الفقهاء يبحثون عن حكم أفعال العباد، من الوجوب والندب، والإباحة والحرمة والكراهة إلى آخر صفات أفعال العباد.
أما علماء الأصول فقد عرفوا السنة بتعريف يتفق مع طبيعة منهجهم من =стр. 295
وهو دليل قاطع على من سمعه منه شفاهًا، فأما من بلغه بالإخبار عنه: فينقسم في حقه قسمين: تواترًا وآحادًا١.
الحواشي
(١) = البحث في الأدلة الشرعية واستنباط الأحكام منها -على وجه الإجمال- ولذلك قالوا في تعريفها: هي ما نقل عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، وزاد بعضهم جملة "مما ليس بقرآن" وقال بعضهم: "تطلق السنة على ما صدر من النبي ﷺ من الأفعال والأقوال التي ليست للإعجاز".
وأدخلوا التقريرات في الأفعال، باعتبار أن التقرير عبارة عن الكف عن الإنكار، والكف فعل، فكان التقرير داخلًا في الأفعال.
انظر: في ذلك: الإبهاج للسبكي "٢/ ١٧٠" نهاية السول "٢/ ١٧٠" الإحكام للآمدي "١/ ١٦٩" شرح الكوكب المنير "٢/ ١٦٠" شرح مختصر الروضة "٢/ ٦٢٣" وما بعدها إرشاد الفحول ص "١/ ١٥٥"، الحدود للباجي ص٥٦.
١ خلاصة هذا الكلام: أن المصنف أراد أن يستدل على أن السنة حجة من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن المعجز دل على صدقه ﵊ وكل من دل المعجز على صدقه فهو صادق، فهو ﷺ صادق، وكل صادق قوله حجة، فقوله ﵊ حجة.
والوجه الثاني: أن الله -تعالى- أمر بتصديقه، وكل من أمر الله بتصديقه كان قوله حجة.
أما أن الله -تعالى- أمر بتصديقه ﵊ فلقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... ﴾ [النساء: ١٣٦] أي: صدقوا؛ لأن الإيمان هو التصديق، ولا معنى للتصديق بالرسول ﷺ إلا اعتقاد صدقه، وقبول ما جاء به.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] والمتابعة فرع على التصديق، وملزوم له، والأمر بالفرع والملزوم أمر بالأصل واللازم.
أما أن كان من أمر الله -تعالى- بتصديقه يكون له قوله حجة؛ فلأن تصديقه إياه يقتضي أن قوله حق وصدق، والحق والصدق حجة. =стр. 296
............................................................
الحواشي
(١) الوجه الثالث: أن الله -تعالى- حذر من مخالفة النبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وكل من حذر الله من مخالفته وجبت موافقته ومتابعته؛ لأن المخالفة سبب لنزول العذاب، وسبب العذاب -وهو المخالفة- حرام، وترك الحرام واجب، فترك المخالفة واجب، وترك المخالفة يستلزم المتابعة والموافقة، فتكون واجبة، وهذا هو المطلوب. انظر: شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٦٦، ٦٧.
هذا معنى ما قاله ابن قدامة.
وهذه الوجوه الثلاثة ذكرها الغزالي في المستصفى، ما عدا الوجه الثالث فلم يذكره، ولكنه قال: "ولأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى" لكن بعض الوحي يتلى، فيسمى "كتابًا" وبعضه لا يتلى وهو "السنة" المستصفى جـ٢ ص١٢٠ تحقيق الدكتور حمزة بن زهير حافظ.
والواقع أن ما ذكره الغزالي أورده بعض العلماء في الاستدلال على حجية السنة، وما ذكره "ابن قدامة" وارد أيضًا، وهناك آيات أخرى كثيرة في الدلالة على حجية السنة، من أوضحها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] .
قال ابن كثير: "أطيعوا الله: أي اتبعوا كتابه، وأطيعوا الرسول: أي خذوا بسنته، وأولي الأمر منكم: أي فيما أمروكم به من طاعة الله، لا في معصية الله، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" تفسير القرآن العظيم "١/ ٥١٨".
وقال ميمون بن مهران: "الرد إلى الله: هو الرجوع إلى كتابه، والرد إلى الرسول: هو الرجوع إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته" جامع بيان العلم وفضله "٢/ ١٩٠".
وكما دل القرآن الكريم على حجية السنة، فقد دلت السنة نفسها على أن سنة الرسول ﷺ حجة يجب الالتزام بما جاءت به من أحكام، والأحاديث الواردة في هذا الشأن كثيرة، منها:
١- عن مالك ﵁ أنه بلغه أن النبي ﷺ قال: "تركت فيكم =стр. 297
.........................................................
الحواشي
(١) = أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله تعالى وسنة رسوله".
٢- روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ كتاب الاعتصام: باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: ومن يأب يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى".
٣- عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام بن معد يكرب، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع.." الحديث.
رواه أحمد في مسنده "٤/ ١٣٠-١٣١" وأبو داود في سننه حديث "٤٦٠٤" ورواه الترمذي بلفظ "ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله" انظر: مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي ص١١.
كذلك دل الإجماع على حجيّة السنة، منذ عصر الصحابة ﵃ والتابعين، والأئمة المجتهدين، وإلى يومنا هذا، لم يشذ عن ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام.
فقد كان الصحابة ﵃ إذا عرضت عليهم مسألة بحثوا عن حكمها في كتاب الله تعالى، فإذا لم يجدوا حكمها في القرآن بحثوا عنها في السنة، هكذا كانت سياسة الخليفة الأول: أبي بكر الصديق ﵁ وكذلك عمر بن الخطاب، ومن جاء بعدهما من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين.
روى الدارمي عن ميمون بن مهران قال: "كان "أبو بكر" ‘إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به، قضي به بينهم، وإن لم يجد في كتاب الله، نظر: هل كانت من النبي ﷺ فيه سنة؟ فإن علمها قضى بها، فإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين فقال: أتاني كذا وكذا ... فنظرت في =стр. 298
.........................................................................
الحواشي
(١) = كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﷺ فلم أجد في ذلك شيئًا، فهل تعلمون أن النبي ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما قام إليه الرهط فقالوا: نعم، قضى فيه بكذا وكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله ﷺ ويقول -عند ذلك-: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا.
وإن أعياه ذلك دعا رءوس المسلمين وعلماءهم، فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به".
وكتب "عمر" ﵁ إلى "شريح" لما ولاه قضاء الكوفة كتابًا قال له فيه:
"انظر ما تبين لك من كتاب الله فلا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبين لك فاتبع فيه سنة رسوله ﷺ وما لم يتبين لك من السنة فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح" انظر: إعلام الموقعين جـ١ ص٨٤ وما بعدها.
وهكذا كان التابعين ﵃ والأئمة المجتهدون، يرجعون إلى السنة النبوية بعد القرآن الكريم، بل كانوا يرجعون إلى السنة لبيان ما جاء به القرآن مجملًا، باعتبارها الشارحة والمفسرة للقرآن الكريم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
".... وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين -عند الأمة قبولًا عامًّا- يتعمد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنته، دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقًًا على وجوب اتباع الرسول ﷺ وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه" رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص٣-٤.
والمراد بالمعجز: القرآن الكريم، حيث عجز العرب جميعًا عن أن يأتوا بمثله، أو بمثل أقل سورة منه، بل عجز الإنس والجن جميعًا عن الإتيان بمثله، كما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وفي بعض النسخ المطبوعة "المعجزة" وهي أعم من أن تكون قرآنًا أو غيره، =стр. 299
فصل: في ألفاظ الرواية
...
فصل: [ألفاظ الرواية]
وألفاظ الرواية في نقل الأخبار خمسة١:
فأقواها: أن يقول سمعت رسول الله ﷺ [يقول كذا] ، أو أخبرني، أو حدثني، أو شافهني.
فهذا لا يتطرق إليه الاحتمال، وهو الأصل في أمر الرواية، قال ﷺ : "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها" ٢ الحديث.
الحواشي
(١) = فمعجزات الرسول ﷺ كثيرة، منها المعنوية، ومنها الحسيّة، وكلها تدل على صدق رسول الله ﷺ في كل ما أمر بتبليغه عن الله وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٣-٥] .
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦] .
إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في صدق رسول الله ﷺ وأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة كما أمره ربه جل وعلا.
وقول المصنف: "وهو دليل قاطع على من سمعه منه شفاها ... " معناه: أن قول الرسول ﷺ إن كان مسموعًا منه مباشرة بدون واسطة، فهو حجة قاطعة على من سمعه منه، لا يسوغ مخالفته بوجه من الوجوه، إلا بنسخ، أو جمع بين متعارضين بتأويل صحيح.
وإن كان منقولًا بواسطة، فهو ينقسم إلى قسمين: متواتر وآحاد، ولكل منهما حكم خاص سيأتي قريبًا.
١ هذه المراتب خاصة بالصحابة ﵃ وقد صرح بذلك الغزالي في المستصفى.
٢ للحديث عدة طرق: فأخرجه من حديث زيد بن ثابت، أحمد في مسنده =стр. 300
الرتبة الثانية: أن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا، فهذه ظاهرة النقل١، وليس نصًّا صريحًا؛ لاحتمال أن يكون قد سمعه من غيره عنه، كما روى أبو هريرة أنه ﷺ قال: "من أصبح جنبًا فلا صوم له"٢. فلما استكشف قال: حدثني الفضل بن عباس٣.
الحواشي
(١) = "٥/ ١٨٣" وأبو داود "٣٦٤٣" والترمذي "٢٧٩٤" وابن ماجه "٢٣٠" والطبراني في الكبير "٤٨٩١" وابن حبان وصححه حديث "٧٢، ٧٣".
كما أخرجه من حديث عبد الله بن مسعود، أحمد، والترمذي "٢٦٥٧" وابن ماجه "١/ ٨٥" والشافعي في الرسالة ص٤١١، وفي المسند "١/ ١٤" وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله "١/ ٤٠"، والحاكم في معرفة علوم الحديث ص٣٢٢، وابن حبان "١/ ٢٢٧" وغيرهم.
١ قوله: "فهذا ظاهره النقل" أي: إذا صدر ذلك من الصحابي لم يكن صريحًا؛ لاحتمال أن يكون قد قال ذلك اعتمادًا على ما بلغه عن طريق التواتر، أو على لسان من يثق به.
٢ حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأحمد ومالك وابن ماجه. انظر: فتح الباري "٤/ ١٤٣"، صحيح البخاري حاشية السندي "١/ ٣٢٩" ومسلم مع شرح النووي "٢/ ٧٧٩" مسند الإمام أحمد "٦/ ٨٤" الموطأ "١/ ٢٩٠"، سنن ابن ماجه "٦/ ٨٤".
وقد روت عائشة وأم سلمة ﵄ "أن النبي ﷺ كان يصبح جنبًا من غير احتلام في رمضان، ثم يغتسل ويصوم ذلك اليوم" أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب اغتسال الصائم، وأبو داود: كتاب الصوم، باب فيمن أصبح جنبًا في شهر رمضان حديث "٢٣٨٨" ومسلم: كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب حديث "٧٨/ ١١٠٩".
فلما علم أبو هريرة بذلك قال: هما أعلم بذلك، وأن الحديث الذي رواه إنما نقله عن: الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم رسول الله ﷺ كان رديف رسول الله ﷺ في حجة الوداع، غزا مع رسول الله ﷺ في فتح مكة وثبت يوم حنين، توفي سنة ١٣هـ على بعض الأقوال.
انظر: طبقات ابن سعد "٤/ ٣٧"، الأعلام "٥/ ٣٥٥".стр. 301
وروى ابن عباس قوله: "إنما الربا في النسيئة" ١. فلما روجع أخبر أنه سمعه من أسامة بن زيد٢.
فهذا حكمه حكم القسم الذي قبله؛ لأن الظاهر أن الصحابي لا يقول ذلك إلا وقد سمعه من النبي ﷺ ؛ لأن قوله ذلك يوهم السماع، فلا يقدم عليه إلا عن سماع، بخلاف غير الصحابي٣.
ولهذا اتفق السلف على قبول الأخبار، مع أن أكثرها هكذا٤.
الحواشي
(١) = قال الخطابي: فأحسن ما سمعت في تأويل ما رواه أبو هريرة أن يكون ذلك محمولًا على النسخ، وذلك أن الجماع كان محرمًا في أول الإسلام على الصائم في الليل بعد النوم، كالطعام والشراب، فلما أباح الله -تعالى- الجماع إلى طلوع الفجر، جاز للجنب، إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم؛ لارتفاع الحظر المتقدم. انظر: "معالم السنن للخطابي ٢/ ١١٥".
١ حديث صحيح أخرجه البخاري "٣/ ٩٨" بلفظ "لا ربا إلا في النسيئة" ومسلم: حديث رقم "١٥٩٦" من طريق أبي صالح قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، مثلًا بمثل، من زاد أو ازداد فقد أربى.
فقلت له: إن ابن عباس يقول هذا. فقال: لقد لقيت ابن عباس فقلت له: أرأيت هذا الذي يقول، أشيء سمعته من رسول الله ﷺ أو وجدته في كتاب الله ؟ فقال: لم أسمعه من رسول الله ﷺ ولم أجده في كتاب الله، ولكن حدثني أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: "الربا في النسيئة".
٢ هو: أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل، أبو زيد الكلبي، كان حب رسول الله ﷺ توفي في خلافة معاوية ﵁ سنة ٥٤هـ. "الاستيعاب ١/ ٧٥، تهذيب الأسماء ١/ ١١٣".
٣ مقصوده من ذلك: أن قرينة حاله تدل على أنه لم يسمع من النبي ﷺ بخلاف الصحابي. هذا معنى كلامه، وفيه نظر: فإن الحديثين المتقدمين منقولان عن بعض الصحابة، ولم يسمعوا منه ﷺ ولذلك لا نسلم للمصنف جعل هذه الرتبة مثل السابقة، لهذا الاحتمال.
٤ أي: أن أكثر الأخبار تروى هكذا: قال أبو بكر، قال عمر ﵄.стр. 302
ولو قدّر أنه مرسل فمرسل الصحابة حجة على ما سيأتي.
الرتبة الثالثة: أن يقول الصحابي: أمر رسول الله ﷺ بكذا، أو نهى عن كذا. فيتطرق إليه احتمالان:
أحدهما: في سماعه، كما في قوله: [قال] ١.
والثاني: في الأمر٢؛ إذ قد يرى ما ليس بأمر أمرًا؛ لاختلاف الناس فيه، حتى قال بعض أهل الظاهر: لا حجة فيه ما لم ينقل اللفظ٣.
والصحيح: أنه لا يظن بالصحابي إطلاق ذلك إلا إذا علم أنه أمر [بذلك] ٤.
وأما احتمال الغلط: فلا يحمل عليه أمر الصحابة؛ إذ يجب حمل ظاهر قولهم وفعلهم على السلامة مهما أمكن.
ولهذا لو قال: قال رسول الله ﷺ أو شرط شرطًا أو وقَّت وقتًا، فيلزمنا اتباعه٥.
الحواشي
(١) ١ أي: الاحتمال الأول في سماعه شفاهًا أو بواسطة، كما في الرتبة الثانية، ولذلك نقلت لفظ "قال" من المستصفى لتوضيح المعنى.
٢ الاحتمال الثاني: أن يظن ما ليس بأمر أمرًا وما ليس بنهي نهيًا. وهذا الاحتمال بعيد، فإن الصحابة ﵃ كانوا على دراية تامة بقواعد اللغة وأساليبها المختلفة، فلا يعقل أن يشتبه عليهم ذلك، وهم أهل الفصاحة والبيان.
٣ هذا النقل عن أهل الظاهر فيه نظر، فلم أجده في كتبهم، فلا أدري من أين نقله المصنف. انظر: الإحكام لابن حزم "٢/ ٢٠٥" فليس فيه ما يشير إلى ذبلك.
٤ ما بين القوسين من المستصفى.
٥ قال الغزالي: "ولا يجوز أن نقول: لعله غلط في فهم الشرط والتأقيت، ورأى ما ليس بشرط شرطًا".стр. 303
ثم هذا إنما يستقيم أن لو كان الخلاف في الأمر مبنيًّا على اختلاف الصحابة فيه، ولم يثبت ذلك.
والظاهر: أنه لم يكن بينهم فيه اختلاف؛ إذ لو كان لنقل، كما نقل اختلافهم في الأحكام، وأقوالهم في الحلال والحرام.
وليس من ضرورة الاختلاف في زماننا أن يكون مبنيًّا على اختلافهم، كما أنهم اختلفوا في الأصول، وفي كثير من الفروع، مع عدم اختلاف الصحابة فيه، فإذا قال الصحابي: أمر رسول الله ﷺ أو نهى، لا يكون إلا بعد سماعه ما هو أمر حقيقة١.
الرتبة الرابعة: أن يقول: "أُمرنا بكذا" أو "نُهينا" [عن كذا] فيتطرق إليه من الاحتمالات ما مضى٣.
الحواشي
(١) ١ قال الغزالي في المستصفى "٢/ ١٢٥-١٢٦" تحقيق الدكتور حمزة حافظ: "ويتطرق إليه احتمال ثالث في عمومه وخصوصه، حتى ظن قوم: أن مطلق هذا يقتضي أمر جميع الأمة.
والصحيح: أن من يقول بصيغة العموم -أيضًا- ينبغي أن يتوقف في هذا؛ إذ يحتمل أن يكون ما سمعه أمرًا للأمة، أو لطائفة، أو لشخص بعينه، وكل ذلك يبيح له أن يقول: "أمر" فيتوقف فيه على الدليل.
لكن يدل عليه: أن أمره للواحد أمر للجماعة، إلا إذا كان لوصف يخصه، من سفر أو حضر، ولو كان كذلك لصرح به الصحابي، كقوله: "أمرنا إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن".
نعم، لو قال: أمرنا بكذا" وعلم من عادة الصحابي أنه لا يطلقه إلا في أمر الأمة، حمل عليه، وإلا احتمل أن يكون أمرًا للأمة أو له، أو لطائفة".
وسيأتي لذلك توضيح أكثر في باب العموم.
٢ ما بين القوسين من المستصفى.
٣ أي: احتمال أنه سمعه بواسطة، واحتمال اعتقاد ما ليس بأمر أمرًا، وما ليس =стр. 304
واحتمال آخر: وهو أن يكون الآمر غير النبي ﷺ من الأئمة والعلماء.
وذهبت طائفة إلى أنه لا يحتج به، لهذا الاحتمال١.
وذهب الأكثرون إلى أنه لا يحمل إلا على أمر الله -تعالى- وأمر رسوله ﷺ ؛ لأنه يريد به إثبات شرع، وإقامة حجة، فلا يحمل على قول من لا يحتج بقوله.
وفي معناه: قوله" "من السنة كذا" و"السنة جارية بكذا".
فالظاهر: أنه لا يريد إلا سنة رسول الله ﷺ دون سنة غيره، ممن لا تجب طاعته.
ولا فرق بين قول الصحابي ذلك في حياة النبي ﷺ أو بعد موته.
وقول الصحابي والتابعي٢ والصحابي في ذلك سواء، إلا أن الاحتمال في قول التابعي أظهر٣.
الحواشي
(١) = بنهي نهيًا، واحتمال أن يكون الآمر غير النبي ﷺ والذي أشار إليه بقوله: "واحتمال آخر....".
١ أي: كون الآمر غير النبي ﷺ .
٢ أي قوله: "أمرنا وبكذا، أو نهينا عن كذا".
٣ في جميع النسخ المطبوعة "إلا أن الاحتمال في قول الصحابي أظهر" ما عدا النسخة التي حققها الدكتور: عبد العزيز بن عبد الرحمن السعيد -يحفظه الله- ففيها "التابعي" وهو الموافق لما في المستصفى "٢/ ١٢٧" حيث قال: "ولا فرق بين أن يقول الصحابي ذلك في حياة رسول الله ﷺ أو بعد وفاته".
أما التابعي إذا قال: "أُمرنا" احتمل أمر رسول الله ﷺ وأمر الأمة بأجمعها، والحجة حاصلة به، ويحتمل أمر الصحابة.
لكن لا يليق بالعالم أن يطلق ذلك إلا وهو يريد من تجب طاعته، ولكن الاحتمال في قول التابعي أظهر منه في قوله الصحابي".стр. 305
الرتبة الخامسة: أن يقول: كنا نفعل، أو كانوا يفعلون [كذا] فمتى أضيف [ذلك] إلى زمن رسول الله ﷺ فهو دليل على جوازه؛ لأن ذكره ذلك في معرض الحجة يدل على أنه أراد ما علمه النبي ﷺ فسكت عنه؛ ليكون دليلًا [على الجواز] مثل قول ابن عمر ﵄: "كنا نفاضل على عهد رسول الله ﷺ فنقول: [خير الناس بعد رسول الله ﷺ ] ١ أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، فيبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلا ينكره"٢.
وقال: "كنا نخابر [على عهد رسول الله ﷺ وبعده] ٣ أربعين سنة [حتى روى لنا رافع بن خديج٤" الحديث] ٥.
الحواشي
(١) ١ ما بين القوسين من المستصفى، وهو موافق لما في كتب السنة.
٢ حديث صحيح رواه البخاري، غير أنه لم يرد فيه "فيبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلا ينكره" راجع: صحيح البخاري مع حاشية السندي "٢/ ٣٨٩".
٣ ما بين القوسين من المستصفى، وهو موافق لما في كتب السنة.
٤ هو: أبو عبد الله: رافع بن خديج الأوسي الحارثي، عُرض على النبي ﷺ يوم بدر فاستصغره، وأجازه يوم أحد، استوطن المدينة وكان عريف قومه فيها حتى توفي سنة ٧٤هـ. "الإصابة ٢/ ٤٩٥".
٥ ما بين القوسين من المستصفى، وهو موافق لما في كتب السنة.
والمخابرة: المزراعة على نصيب معين مما تخرجه الأرض، كالثلث والربع، وقيل: هي من الخبار، وهي الأرض اللينة، وقيل: مأخوذة من "خيبر" لأن النبي ﷺ أقرها في أيدي أهلها على النصف من محصولها، فقيل: خابرهم، أي عاملهم في خيبر.
وحديث المخابرة رواه أحمد في المسند "١/ ٢٣٤، ٢/ ١١" والنسائي "٧/ ٤٨" وابن ماجه "٢٤٥٠" بلفظ "كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسًا".
وعند البخاري حديث "٢٣٤٣" ومسلم "١٥٤٧/ ١٠٩" "أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله ﷺ وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان، =стр. 306
وقالت عائشة ﵂: "كانوا لا يقطعون في الشيء التافه"١.
فإن قال الصحابي: كانوا يفعلون: فقال أبو الخطاب: يكون نقلًا للإجماع؛ لتناول اللفظ إياه٢.
وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يدل ذلك على فعل الجميع، ما لم يصرح بنقله عن أهل الإجماع٣.
قال أبو الخطاب: وإذا قال الصحابي "هذا الخبر منسوخ" وجب قبول قوله، ولو فسره بتفسير وجب الرجوع إلى تفسيره.
الحواشي
(١) = وصدرًا من خلافة معاوية، حتى بلغه في آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي ﷺ ".
وحديث النهي عن المخابرة أخرجه الشافعي في المسند "٢/ ١٦٩"، ومسلم في البيوع حديث رقم "١٥٣٦" وأبو داود عن جابر ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة والمحاقل والمزابنة" والمخابرة تقدم معناها. والمحاقلة: كراء الأرض بالطعام، والمزابنة: شراء التمر بالتمر في رءوس النخل.
١ أخرج ابن أبي شيبة في المصنف "٩/ ٤٧٦" من طريق عبد الرحيم بن سليمان الكناني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: "لم يكن يقطع على عهد رسول الله ﷺ في الشيء التافه" وإسناده صحيح كما قال الزيلعي في نصب الراية "٣/ ٣٦٠".
٢ انظر: التمهيد "٣/ ١٨٤".
٣ انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي جـ٢ ص٨٩.стр. 307
فصل: [في حد الخبر وأقسامه]
وحد الخبر: هو الذي يتطرق إليه التصديق أو التكذيب١.
وهو قسمان: تواتر وآحاد٢.
الحواشي
(١) ١ أي: ما صح أن يقال في جوابه: صدق أو كذب، فيخرج بذلك الإنشاء، من الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والدعاء، فلا يصح أن يقال في جواب شيء من ذلك: صدق أو كذب.
قال الغزالي في المستصفى "٢/ ١٣١": " ... وهو أولى من قولهم: "يدخله الصدق والكذب" إذ الخبر الواحد لا يدخله كلاهما، بل كلام الله -تعالى- لا يدخله الكذب أصلًا، والخبر عن المحالات لا يدخله الصدق أصلًا".
٢ التواتر في اللغة: التتابع، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] أصلها: وترا، أبدلت الواو تاء.
واصطلاحًا: إخبار قوم يمتنع تواطؤهم على الكذب لكثرتهم.
والآحاد: جمع أحد، كأبطال جمع بطل، وهمزة أحد مبدلة من الواو، وأصل آحاد: أأحاد، بهمزتين، أبدلت الثانية ألفًا للتخفيف.
أما في الاصطلاح: فله تعريفات كثيرة، وجمهور الأصوليين يعرفونه: بأنه ما عدا المتواتر.
وقال الطوفي في شرح مختصر الروضة "٢/ ١٠٣": "الثاني: الآحاد، وهو ما عدم شروط التواتر أو بعضها".
وخبر الآحاد -عند الجمهور- ينقسم إلى عدة أقسام: منها: خبر الواحد، ومنها: الخبر المستفيض، وهو ما زاد نقلته على ثلاثة أو على واحد، أو على اثنين -على خلاف في ذلك- ومنها: المشهور: وهو ما اشتهر ولو في القرن الثاني أو الثالث: وكان رواته في الطبقة الأولى واحدًا أو أكثر.
وقسم القرافي الأخبار إلى متواتر وآحاد، وما ليس بمتواتر ولا آحاد.
وجمهور الحنفية يقسمون السنة إلى ثلاثة أقسام: متواتر، ومشهور، وآحاد. =стр. 308
فالمتواتر يفيد العلم، ويجب تصديقه، وإن لم يدل عليه دليل آخر، وليس في الأخبار ما يعلم صدقه بمجرده إلا المتواتر، وما عداه إنما يعلم صدقه بدليل آخر يدل عليه سوى نفس الخبر، خلافًا للسمنية١، فإنهم حصروا العلم في الحواس، وهو باطل، فإننا نعلم استحالة كون الألف أقل من الواحد، واستحالة اجتماع الضدين.
بل حصرهم العلم في الحواس -على زعمهم- معلوم لهم، وليس مدركًا بالحواس، ولا يستريب عاقل في أن في الدنيا بلدة تسمى "بغداد" "وإن لم يدخلها"٢ ولا نشك في وجود الأنبياء، بل في وجود الأئمة الأربعة ونحو ذلك.
الحواشي
(١) = انظر "الكفاية للخطيب البغدادي ص١٦، شرح تنقيح الفصول ص٣٤٩ كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي ٢/ ٣٦٠".
١ معنى ذلك: أنه يحصل العلم بالخبر المتواتر من نفس الخبر، دون أن ينضم إليه دليل آخر، بخلاف الأخبار الأخرى فإنها تحتاج إلى ما يقويها من قرائن وأدلة آخرى، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الفرق، فقالوا: يفيد الظن، ومنهم: الفرقة الضالة التي تسمى "السمنية" بضم السين وفتح الميم، حصروا مدارك العلم في الحواس الخمس: السمع والبصر والشم والذوق واللمس.
والسمنية: فرقة من الفرق الضالة التي كانت تسكن الهند، وتعبد الأصنام؛ دهريون يقولون بتناسخ الأرواح، وسموا بذلك نسبة إلى اسم بلد تسمى "سومنات" أو نسبة إلى صنم كانوا يعبدونه يسمى "سمن" أو "سوسان" كانوا يعتقدون فيه أنه يحيي ويميت، كسره القائد الإسلامي، السلطان محمود الغزنوي، المجاهد العالم الفقيه، أحد كبار القادة المسلمين، كانت عاصمته "غزنة" بين خراسان والهند، وامتدت سلطنته من أقاصي الهند إلى نيسابور، توفي سنة "٤٢١هـ" ينظر في ترجمته: "وفيات الأعيان ٢/ ٨٤، والأعلام ٨/ ٤٧، ٤٨".
وقد رد عليهم المصنف بعدة ردود واضحة لا تحتاج إلى شرح.
٢ ما بين القوسين من المستصفى، وبه يستقيم الكلام، وهو محل الشاهد حيث إن =стр. 309
فإن قيل: لو كان معلوما -ضرورة- لما خالفناكم؟
قلنا: إنما يخالف في هذا معاند يخالف بلسانه، مع معرفته فساد قوله، أو من في عقله خبط١.
ولا يصدر إنكار هذا من عدد كثير يستحيل عنادهم.
ثم لو تركنا ما علمناه لمخالفتكم لزمنا ترك المحسوسات، لمخالفة السوفسطائية٢.
الحواشي
(١) = العلم حصل بدون مشاهدة، وإلا لكان للمخالف أن يقول: إن العلم حصل بدخولها: فيكون ثابتًا بالحواس.
١ الخبط: الاضطراب والفساد.
٢ خلاصة ذلك الاعتراض والرد عليه: أنه لو أفاد التواتر العلم، لاشتركنا نحن وأنتم فيه بالضرورة -خصوصًا على رأي من يقول: إنه يفيد العلم الضروري، ولو اشتركنا جميعًا في حصول العلم الضروري من جهة التواتر لما خالفناكم فيه، لكنا خالفناكم ولم نشارككم في ذلك، ولما لم نشارككم في العلم التواتري دل على أنه لا يفيد الظن.
وأجاب المصنف على ذلك: بأن مخالفتكم لنا عناد منكم ومكابرة، أو اضطراب في عقولكم، شأنكم في ذلك شأن من يخالف في المحسوسات لاضطراب عقله ومزاجه، أو مرض في حواسه، كالمريض الذي ينكر حلاوة العسل، كما قال الشاعر:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد
وينكر الفم طعم الماء من سقم
ثم لو تركنا ما علمناه لمخالفتكم، لزمنا ترك المحسوسات -أيضًا- لمخالفته السوفسطائية فيها.
والسفسطة: قياس مركب من الوهميات، الغرض منه: تغليظ الخصم وإسكاته.
والسوفسطائية: فرقة يونانية تنكر حقائق الأشياء وتزعم أنه لا حقيقة لها وهم ثلاث فرق: =стр. 310
فصل: [فيما يفيده الخبر المتواتر]
قال القاضي: العلم الحاصل بالتواتر ضروري، وهو صحيح؛ فإننا نجد أنفسنا مضطرين إليه، كالعلم بوجود مكة، ولأن العلم النظري هو الذي يجوز أن يعرض فيه الشك، وتختلف فيه الأحوال، فيعلمه بعض الناس دون بعض، ولا يعلمه النساء والصبيان ومن ليس من أهل النظر، ولا من ترك النظر قصدًا.
وقال أبو الخطاب: هو نظري؛ لأنه لم يفد العلم بنفسه، ما لم ينتظم في النفس مقدمتان:
إحداهما: أن هؤلاء -مع اختلاف أحوالهم وكثرتهم- لا يجمعهم على الكذب جامع، ولا يتفقون عليه.
الثانية١: أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن الواقعة، فينبني العلم بالصدق على المقدمتين.
الحواشي
(١) = الأولى: تسمى اللاأدرية، سموا بذلك لأنهم يقولون: لا نعرف ثبوت شيء من الموجودات ولا انتفاءه، بل نحن متوقفون.
الثانية: تسمى العنادية، تنكر حقائق الأشياء وتزعم أنها أوهام.
الثالثة: تسمى العندية، لأنهم يقولون: إن أحكام الأشياء تابعة لاعتقادات الناس، فكل من اعتقد شيئًا فهو في الحقيقة كما اعتقد، فالعالم قديم عند من يعتقد أنه قديم، وحادث عند من يعتقد أنه حادث وهكذا.
قال الشيخ "ابن بدران": "هذه فرق السوفسطائية ومقالاتهم، ومن يناظرهم يبقى في حيرة من أمره، لأنهم ينكرون حقيقة الدليل ومقدماته وسائر الأشياء، فلا يقطعهم إلا الضرب حتى يجدوا حقيقة ألمه، والإلقاء في النار حتي يقال لهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَر﴾ .. "نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٢٤٧".
١ في جميع النسخ "الثاني" وما اثبتناه من المستصفى.стр. 311
ولا بد من إشعار النفس بهما، وإن لم يتشكل فيها بلفظ منظوم، فقد شعرت به حتى حصل التصديق.
ورب واسطة حاضرة في الذهن لا يشعر الإنسان بتوسطها كقولنا: "الاثنان نصف الأربعة" فإنا لا نعلم ذلك إلا بواسطة: أن النصف أحد جزئي الجملة المساوي للآخر، والاثنان كذلك، فقد حصل العلم بواسطة لكنها جلية في الذهن.
ولهذا لو قيل: "ستة وثلاثون نصف اثنين وسبعين" افتقر فيه إلى تأمل ونظر.
والضروري عبارة عن الأوّلي الذي يحصل بغير واسطة، كقولنا: "القديم ليس محدثا" "والمعدوم ليس موجودًا" لأننا نجد أنفسنا مضطرين إليه، وهو ما يحصل دون تشكل واسطة في الذهن، كالعلوم المحسوسة، والعلم بالتجربة، كقولنا: الماء مروٍ، والخمر مسكر.
والصحيح الأول؛ فإن اللفظ يدل عليه؛ لاشتقاقه منه.
والقول الآخر: مجرد دعوى، لا دليل عليها١.
الحواشي
(١) ١ في بعض النسخ "مجرد اختيار لا دليل عليه".
هذا. والمصنف قدم وأخر في كلام الإمام الغزالي فأصبح غير واضح، وسوف أنقل هنا عبارة المستصفى حيث تعتبر خلاصة لما هو ضروري أو نظري.
قال: "وتحقيق القول فيه أن الضروري: إن كان عبارة عما يحصل بغير واسطة، كقولنا: "القديم لا يكون حديثًا" و"الموجود لا يكون معدومًا" فهذا ليس بضروري: فإنه حصل المقدمتين المذكورتين.
وإن كان عبارة عما يحصل بدون تشكل الواسطة في الذهن فهذا ضروري.
ورب واسطة حاضرة في الذهن، لا يشعر الإنسان بوجه توسطها، وحصول العلم بواسطتها، فيسمى "أوليًّا" وليس بأولى "أي يعتقد أنه أولى وهو ليس =стр. 312
...................................................
الحواشي
(١) = كذلك" كقولنا: "الاثنان نصف الأربعة" فإنه لا يعلم ذلك إلا بواسطة، وهو: أن النصف أحد جزئي الجملة المساوي للآخر، والاثنان أحد الجزءين المساوي للباقي من جملة الأربعة، فهو إذا نصف.
فقد حصل العلم بواسطة، لكنها جلية في الذهن حاضرة، ولهذا لو قيل: "ستة وثلاثون هل هو نصف اثنين وسبعين"؟ يفتقر فيه إلى تأمل ونظر، حتى يعلم أن هذه الجملة تنقسم بجزءين متساوين، أحدهما ستة وثلاثون.
فإذًا: العلم بصدق خبر التواتر يحصل بواسطة هذه المقدمات وما هو كذلك فليس بأوّلي، وهل يسمى ضروريًا؟
ربما يختلف فيه الاصطلاح.
والضروري -عند الأكثرين- عبارة عن الأولى، لا عما نجد أنفسنا مضطرين إليه؛ فإن العلوم الحسابية كلها ضرورية، وهي نظرية, ومعنى كونها نظرية: أنها ليس بأولية. وكذلك العلم بصدق التواتر.
ويقرب منه: العلم المستفاد من التجربة، التي يعبر عنها بـ"اطراد العادات" كقولنا: "الماء مرو" و"الخمر مسكر" المستصفى جـ٢ ص١٣٦ تحقيق الدكتور حمزة حافظ.
أما الطوفي: فقد جعل الخلاف بين الفريقين نظريًّا، فبعد أن أورد أدلة كل مذهب قال:
".... لأن القائل بأنه ضروري لا ينازع في توقفه على النظر في المقدمات المذكورة، والقائل بأنه نظري لا ينازع في أن العقل يضطر إلى التصديق به، وإذا وافق كل واحد من الفريقين صاحبه على ما يقوله في حكم هذا العلم وصفته، لم يبق النزاع بينهما إلا في اللفظ، وهو: أن الأول سمى ما يضطر العقل إلى التصديق به -وإن توقف على مقدمات نظرية- ضروريًّا.
والثاني سمى ما يتوقف على النظر في المقدمات -وإن كانت بينة- نظريًّا، وخص الضروري بالبديهي، وهو الكافي في حصول الجزم به: تصور طرفيه، كقولنا: الواحد نصف الاثنين؛ فإن من تصور حقيقة الواحد، وتصور حقيقة الاثنين حصل له العلم بأن الواحد نصف الاثنين. =стр. 313
فصل: ي أن ما حصل العلم في واقعة أفاده في غيرها
...
فصل: [في أن ما حصل العلم في واقعة أفاده في غيرها]
ذهب قوم إلى أن ما حصل العلم في واقعة يفيده في كل واقعة، وما حصله لشخص يحصله لكل شخص يشاركه في السماع، ولا يجوز أن يختلف.
الحواشي
(١) = وهذا معنى قوله: "إذ مراد الأول بالضروري: ما اضطر العقل إلى تصديقه" أي سواء توقف على مقدمات بينة أو لا. "والثاني": أي: ومراد الثاني بالضروري: "البديهي الكافي في حصول الجزم به" أي: التصديق الجازم به "تصور طرفيه" أعني: الموضوع والمحمول، وإن شئت: المحكوم والمحكوم عليه، نحو: العالم موجود، والمعدوم لا يكون موجودًا حال عدمه، والقديم لا يكون حادثًا، وبالعكس فيهما، بخلاف قولنا: العالم حادث، أو ليس بقديم، فإنه لا بد في التصديق به من واسطة، فنقول: العالم مؤلف، وكل مؤلف محدث، أو ليس بقديم.
ثم قال: العلم الضروري منقسم إلى البديهي، الذي يدرك بالبديهية، من غير احتياج إلى واسطة نظر، وإلى ما اضطر العقل إلى التصديق به بواسطة النظر.
فدعوى كل واحد من الفرقين غير دعوى الآخر، لأن الأول يقول: هو ضروري متوقف على الوساطة البينة، والآخر يقول: ليس بديهيًّا غنيًّا عن الواسطة مطلقًا.
وقد بينا أن كل واحد منهما موافق للآخر على قوله.
أي: كل واحد من الخصمين يقول: إن التواتر يفيد العلم الجازم، لكن تنازعا في تسميته ضروريًّا أو نظريًّا.
قلت: قد سبق عند ذكرنا للعلم: أنه الحكم الجازم المطابق لموجب، وأن ذلك الموجب إما عقل، أو سمع، أو مركب منهما، وهو التواتر، لتركبه من نقل النقَلَة، ونظر السامع في المقدمتين الممذكورتين، فصار التواتر كالواسطة بين القسمين، فلذلك وقع فيه النزاع، وعلى هذا يترتب العلم إلى قطعي وظني، والقطعي: إما بديهي محض، أو نظري محض، أو متوسط بينهما، وهو =стр. 314
وهذا إنما يصح: إذا تجرد الخبر عن القرائن.
فإن اقترنت به قرائن: جاز أن تختلف به الوقائع والأشخاص؛ لأن القرائن قد تورث العلم، وإن لم يكن فيه أخبار، فلا يبعد أن تنضم القرائن إلى الأخبار، فيقوم بعض القرائن مقام بعض العدد من المخبرين١.
ولا ينكشف هذا إلا بمعرفة القرائن، وكيفية دلالتها فنقول:
لا شك أنا نعرف أمورًا ليست محسوسة؛ إذ نعرف من غيرنا حبّه لإنسان، وبغضه إياه، وخوفه منه، وخجله، وهذه أحوال في النفس لا يتعلق بها الحس، قد يدل عليها دلالات، آحادها ليست قطعية، بل يتطرق إليها الاحتمال، لكن تميل النفس بها إلى اعتقاد ضعيف، ثم الثاني والثالث يؤكده، ولو أفردت آحادها لتطرق إليها الاحتمال، إلى أن يحصل القطع باجتماعها.
الحواشي
(١) = التواتري، كما رأيت، والله أعلم" شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٨١-٨٢.
١ خلاصة ذلك: أن ما أفاد العلم اليقيني من الأخبار في واقعه معينة وجب أن يفيده -أيضًا- في كل واقعة أخرى، وأن من أفاد العلم بالنسبة لشخص من الناس، وجب أن يفيده لكل شخص غيره، إذا شاركه في سماع ذلك الخبر، ولا يجوز أن تختلف واقعة عن واقعة، أو شخص عن شخص.
وإلى ذلك ذهب بعض العلماء، كأبي بكر الباقلاني، وأبي الحسين البصري وغيرهما.
أما جمهور العلماء -ومنهم ابن قدامة- فقد فرقوا بين الخبر الذي تجرد عن القرائن، والخبر الذي اقترنت به القرائن، فإن تجرد الخبر عن القرائن، فلا يجوز أن يختلف كما قال الأولون، وهذا معنى قوله: "وهذا إنما يصح إذا تجرد الخبر عن القرائن".
أما إذا اقترنت بالخبر قرائن، فلا شك أن حصول اليقين به يتفاوت؛ لأن القرائن الخفية يدركها البعض وتخفى على البعض الآخر، فتقوم القرائن -عند من يدركها- مقام عدد من المخبرين. وسوف يبدأ المؤلف ببيان هذه القرائن.стр. 315
كما أن قول كل واحد من عدد التواتر محتمل منفردًا، ويحصل القطع بالاجتماع: فإنا نعرف محبة الشخص لصاحبه بأفعال المحبين من خدمته، وبذل ماله له، وحضوره مجالسه لمشاهدته، وملازمته في تردداته، وأمور من هذا الجنس، وكل واحد منها إذ انفرد يحتمل أن يكون لغرض يضمره، لا لمحبته، لكن تنتهي كثرة هذه للدلالات إلى حد يحصل لنا العلم القطعي بحبه.
وكذلك نشهد الصبي يرضع مرة بعد أخرى، فيحصل لنا علم بوصول اللبن إلى جوفه، وإن لم نشاهد اللبن، لكن حركة الصبي في الامتصاص، وحركة حلقه، وسكوته عن بكائه، مع كونه لا يتناول طعامًا آخر، وكون ثدي المرأة الشابة لا يخلو من لبن، والصبي لا يخلو من طبع باعث على الامتصاص ونحو ذلك من القرائن.
فلا يبعد أن يحصل التصديق بقول عدد ناقص، مع قرائن تنضم إليه.
ولو تجرد عن القرائن لم يفد العلم، والتجربة تدل على هذا.
وكذلك العدد الكثير ربما يخبرون عن أمر يقتضي إيالة١ الملك وسياسة إظهاره، والمخبرون من [رؤساء] ٢ جنود الملك، فيتصور اجتماعهم تحت ضبط الإيالة بالاتفاق على الكذب، ولو كانوا متفرقين خارجين عن ضبط الملك لم يتطرق إليهم هذا الوهم، فهذا يؤثر في النفوس تأثيرًا لا ينكر٣.
الحواشي
(١) ١ في القاموس المحيط، فصل الهمزة باب اللام: "آل الملك رعيته إيالًا ساسهم، وعلى القوم أولًا وإيالًا وإيالة: ولي".
٢ ما بين القوسين من المستصفى.
٣ خلاصة ذلك كله: أن القرائن إذا احتفت بالخبر قامت مقام آحاد المخبرين في =стр. 316
فصل: [في شروط التواتر]
وللتواتر ثلاثة شروط:
الأول: أن يخبروا عن علم ضروري مستند إلى محسوس١؛ إذ لو
الحواشي
(١) = إفادة الظن وتزايده، لأنا نجد تأثيرها في أنفسنا بالضرورة، إذا كانت القرائن بمثابة المخبرين، جاز -بالضرورة- أن يحصل العلم بخبر الواحد منها، لأن مخبرًا واحدًا مع عشرين قرينة ينزل واحد وعشرين مخبرًا، بل ربما أفادت القرينة الواحدة ما لا يفيده خبر جماعة، إذا احتفت قرائن تنفي اليقين: كأن يجتمع رؤساء الجند -مع كثرتهم- فيذيعون خبرًا عن أمر تكون إذاعته سياسة ودهاء للحاكم، فهذا لا يحصّل اليقين، مع أنهم لو كانوا متفرقين خارجين عما هم فيه من الانضمام إلى الحاكم لحصل اليقين بخبرهم.
انظر: المستصفى جـ٢ ص١٤٥-١٤٦.
قال العزالي بعد ذلك:
"ولا أدري لم أنكر القاضي ذلك، وما برهانه على استحالته، فقد بان بهذا: أن العدد بجوز أن يختلف بالوقائع والأشخاص، فرب شخص انغرس في نفسه أخلاق تميل به إلى سرعة التصديق ببعض الأسماء، فيقوم ذلك مقام القرائن، وتقوم تلك القرائن مقام خبر بعض المخبرين، فينشأ من ذلك: أن لا برهان على استحالته" المصدر السابق ص١٤٦.
١ أي: أن يكون الإخبار عن مشاهدة أو سماع يحصل بواحد منهما العلم الضروري، بأن القول: رأينا مكة وبغداد، ورأينا موسى وقد ألقى عصاه فصارت حية تسعى، ورأينا المسيح وقد أحيا الموتى، ورأينا محمدًا ﷺ وقد انشق له القمر، وسمعناه يتلو القرآن ويتحدى به العرب، فعجزوا عن معارضته.
ومن تمام هذا الشرط: أن لا تكون المشاهدة والسماع على سبيل غلط الحس، كما في إخبار النصارى بصلب المسيح ﵇ وأن يكونوا على صفة يوثق معها بقولهم، فلو كانوا متلاعبين أو مكرهين لم يوثق بخبرهم.
انظر: نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٢٥٤.стр. 317
فصل: [مذاهب العلماء في عدد التواتر]
واختلف الناس فيه:
فمنهم من قال: يحصل باثنين، ومنهم من قال: يحصل بأربعة. وقال قوم بخمسة، وقال قوم بعشرين، وقال آخرون بسبعين، وقيل غير ذلك١.
الحواشي
(١) ١ فقيل: أربعون، وقيل: ثلاثمائة، وقيل: عشرة، عدد أهل بيعة الرضوان. قال =стр. 318
والصحيح: أنه ليس له عدد محصور، فإنا لا ندري متى حصل علمنا بوجود "مكة" ووجود الأنبياء ﵈ ولا سبيل إلى معرفته؛ فإنه لو قتل رجل في السوق، وانصرفت جماعة فأخبرونا بقتله، فإن قول الأول يحرك الظن، والثاني يؤكده، ولا يزال يتزايد حتى يصير ضروريًّا ولا يمكننا تشكيك أنفسنا فيه.
فلو تصور الوقوف على اللحظة التي حصل فيها العلم ضرورة، وحفظ حساب المخبرين، وعددهم: لأمكن الوقوف عليه، ولكن إدراك تلك اللحظة عسير؛ فإنه تتزايد قوة الاعتقاد تزايدًا خفيّ التدريج، كتزايد عقل الصبي المميز، إلى أن يبلغ حد التكليف، وتزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال، فلذلك: تعذّر على القوة البشرية إدراكه.
فأما ما ذهب إليه المخصصون بالأعداد، فتحكم فاسد، لا يناسب الغرض، ولا يدل عليه، وتعارض أقوالهم يدل على فسادها.
فإن قيل: فكيف تعلمون حصول العلم بالتواتر، وأنتم لا تعلمون أقل عدده؟
قلنا: كما نعلم أن الخبز مشبع، والماء مرو، وإن كنا لا نعلم أقل
الحواشي
(١) = الطوفي: وهو وهم لأن أهل بيعة الرضوان، وهي بيعة الحدبيبة تحت الشجرة، كانوا ألفًا وخمسمائة. شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٨٩، ٩٠.
جاء في صحيح البخاري "٤١٥٠" عن البراء بن عازب: "كنا مع النبي ﷺ أربع عشر مائة" وجاء فيه أيضًا "٤١٥١" عن البراء: "أنهم كانوا خمس عشرة مائة" وفيه روايات أخرى بأعداد مخالفة.
والخلاصة: أن الضابط في حصول عدد التواتر: حصول العلم بالخبر، فمتى حصل العلم بالخبر المجرد عن القرائن علمنا حصول التواتر.
أما إذا وجدت قرائن، فهذه تزيد الخبر قوة، حتى ولو كان من خبر الآحاد.стр. 319
مقدار يحصل به ذلك، فنستدل بحصول العلم الضروري على كمال العدد لا أنَّا نستدل بكمال العدد على حصول العلم.
فصل
ليس من شرط التواتر: أن يكون المخبرون مسلمين، ولا عدولًا؛ لأن إفضاءه إلى العلم، من حيث إنهم مع كثرتهم لا يتصور اجتماعهم على الكذب وتواطؤهم عليه، ويمكن ذلك في الكفار، كإمكانه في المسلمين٢.
الحواشي
(١) ١ حاصل ذلك: أن المصنف أورد اعتراضًا خلاصته: أن حصول العلم فرع عن حصول العدد، فلو عرف حصول العدد بحصول العلم لكان دورًا، أي: يتوقف معرفة أحدهما على معرفة الآخر.
وحاصل ما أجاب به المصنف: أنا لا نسلم وجود الدور، لأن الدور يتحقق إذا كانت الجهة متحدة، وهذا غير موجود فيما نحن فيه، لأن حصول العلم معلول الإخبار ودليله، فالإخبار علة حصول العلم ومدلول له، والاستدلال على وجود العلة بوجود المعلول لا دور فيه، وإلا لما صح الاستدلال على وجود الصانع ﷻ بوجود العلم، لأنه علته، والموجد له، ولأن العلة لازم المعلول، والاستدلال على وجود اللازم بوجود الملزوم لا خلاف في صحته، وهذا كما نقول في الشبع: هو معلول الطعام المشبع، ودليله: أنه لا شبع إلا بمشبع، والري معلول الشراب المروي، ودليله: أنه لا ري إلا بمروٍ، وإن كنا لا نعلم القدر الكافي من المشبع والمروي ابتداء، لكن إذا شبعنا وروينا علمنا أننا تناولنا من الطعام أو الشراب قدرًا مشبعًا أو مرويًا، فكذلك ما نحن فيه، لا نعلم مقدار العدد المحصل للعلم ما هو؟ فإذا حصل العلم بالخبر علمنا حصول العدد المحصل للعلم، لأنه لازم لحصول العلم وشرط له، والمشروط والملزوم يدلان على وجود اللازم والشرط. "نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٢٥٦-٢٥٧".
٢ هذا هو رأي جمهور العلماء. قال الطوفي: لأن مناط حصول العلم كثرتهم، =стр. 320
ولا يشترط -أيضًا- ألا يحصرهم عدد، ولا تحويهم بلد؛ فإن الحجيج إذا أخبروا بواقعة صدتهم عن الحج، وأهل الجمعة إذا أخبروا عن نائبة في الجمعة منعت من الصلاة، علم صدقهم مع دخولهم تحت الحصر وقد حواهم مسجد، فضلًا عن البلد١.
الحواشي
(١) = بحيث لا يجوز عادة تواطؤهم على الكذب، لا العدالة والإسلام وسائر أوصاف الرواية؛ لأن ذلك إنما يشترط في الشهادات، وأخبار الآحاد، لأنها إنما تفيد الظن، أما التواتر: فهو يفيد للعلم الضروي أو النظري -كما سبق- فهو مستغن عن اعتبار أوصاف المخبرين المراد لتقوية الظن وغلبته. "شرح مختصر الروضة ٢/ ٩٤".
١ ومعناه: أن الناس المجتمعين في الحج، لو أخبروا بأنه عرض لهم مانع منعهم من أداء الحج في ذلك العام، كعدو صدهم عن دخول البيت، أو غور عيون الماء في الطريق، ونحو ذلك؛ لحصل لنا العلم بخبرهم، مع أنهم محصورون تحت عدد يمكن، معرفته، وكذلك أهل الجامع -يوم الجمعة- لو أخبروا بوجود مانع منعهم من صلاة الجمعة، كعدم وجود الإمام، أو هجوم عدو جعلهم يخرجون من المسجد، حصل لنا العلم بخبرهم، مع أنهم محصورون في عدد معين، وفي مسجد، فضلًا عن بلد.
وخالف في ذلك بعض العلماء، واشترطوا الإسلام والعدالة في المخبرين.
كما أورد الغزالي آراء آخرى في المسألة. انظر: التمهيد لأبي الخطاب "٣/ ٣٣" المستصفى "٢/ ١٥٦ وما بعدها".следующие страницы →