Полный текст (1 205 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
فصل: [في شروط التواتر]
وللتواتر ثلاثة شروط:
الأول: أن يخبروا عن علم ضروري مستند إلى محسوس١؛ إذ لو
الحواشي
(١) = إفادة الظن وتزايده، لأنا نجد تأثيرها في أنفسنا بالضرورة، إذا كانت القرائن بمثابة المخبرين، جاز -بالضرورة- أن يحصل العلم بخبر الواحد منها، لأن مخبرًا واحدًا مع عشرين قرينة ينزل واحد وعشرين مخبرًا، بل ربما أفادت القرينة الواحدة ما لا يفيده خبر جماعة، إذا احتفت قرائن تنفي اليقين: كأن يجتمع رؤساء الجند -مع كثرتهم- فيذيعون خبرًا عن أمر تكون إذاعته سياسة ودهاء للحاكم، فهذا لا يحصّل اليقين، مع أنهم لو كانوا متفرقين خارجين عما هم فيه من الانضمام إلى الحاكم لحصل اليقين بخبرهم.
انظر: المستصفى جـ٢ ص١٤٥-١٤٦.
قال العزالي بعد ذلك:
"ولا أدري لم أنكر القاضي ذلك، وما برهانه على استحالته، فقد بان بهذا: أن العدد بجوز أن يختلف بالوقائع والأشخاص، فرب شخص انغرس في نفسه أخلاق تميل به إلى سرعة التصديق ببعض الأسماء، فيقوم ذلك مقام القرائن، وتقوم تلك القرائن مقام خبر بعض المخبرين، فينشأ من ذلك: أن لا برهان على استحالته" المصدر السابق ص١٤٦.
١ أي: أن يكون الإخبار عن مشاهدة أو سماع يحصل بواحد منهما العلم الضروري، بأن القول: رأينا مكة وبغداد، ورأينا موسى وقد ألقى عصاه فصارت حية تسعى، ورأينا المسيح وقد أحيا الموتى، ورأينا محمدًا ﷺ وقد انشق له القمر، وسمعناه يتلو القرآن ويتحدى به العرب، فعجزوا عن معارضته.
ومن تمام هذا الشرط: أن لا تكون المشاهدة والسماع على سبيل غلط الحس، كما في إخبار النصارى بصلب المسيح ﵇ وأن يكونوا على صفة يوثق معها بقولهم، فلو كانوا متلاعبين أو مكرهين لم يوثق بخبرهم.
انظر: نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٢٥٤.стр. 317
فصل: [مذاهب العلماء في عدد التواتر]
واختلف الناس فيه:
فمنهم من قال: يحصل باثنين، ومنهم من قال: يحصل بأربعة. وقال قوم بخمسة، وقال قوم بعشرين، وقال آخرون بسبعين، وقيل غير ذلك١.
الحواشي
(١) ١ فقيل: أربعون، وقيل: ثلاثمائة، وقيل: عشرة، عدد أهل بيعة الرضوان. قال =стр. 318
والصحيح: أنه ليس له عدد محصور، فإنا لا ندري متى حصل علمنا بوجود "مكة" ووجود الأنبياء ﵈ ولا سبيل إلى معرفته؛ فإنه لو قتل رجل في السوق، وانصرفت جماعة فأخبرونا بقتله، فإن قول الأول يحرك الظن، والثاني يؤكده، ولا يزال يتزايد حتى يصير ضروريًّا ولا يمكننا تشكيك أنفسنا فيه.
فلو تصور الوقوف على اللحظة التي حصل فيها العلم ضرورة، وحفظ حساب المخبرين، وعددهم: لأمكن الوقوف عليه، ولكن إدراك تلك اللحظة عسير؛ فإنه تتزايد قوة الاعتقاد تزايدًا خفيّ التدريج، كتزايد عقل الصبي المميز، إلى أن يبلغ حد التكليف، وتزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال، فلذلك: تعذّر على القوة البشرية إدراكه.
فأما ما ذهب إليه المخصصون بالأعداد، فتحكم فاسد، لا يناسب الغرض، ولا يدل عليه، وتعارض أقوالهم يدل على فسادها.
فإن قيل: فكيف تعلمون حصول العلم بالتواتر، وأنتم لا تعلمون أقل عدده؟
قلنا: كما نعلم أن الخبز مشبع، والماء مرو، وإن كنا لا نعلم أقل
الحواشي
(١) = الطوفي: وهو وهم لأن أهل بيعة الرضوان، وهي بيعة الحدبيبة تحت الشجرة، كانوا ألفًا وخمسمائة. شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٨٩، ٩٠.
جاء في صحيح البخاري "٤١٥٠" عن البراء بن عازب: "كنا مع النبي ﷺ أربع عشر مائة" وجاء فيه أيضًا "٤١٥١" عن البراء: "أنهم كانوا خمس عشرة مائة" وفيه روايات أخرى بأعداد مخالفة.
والخلاصة: أن الضابط في حصول عدد التواتر: حصول العلم بالخبر، فمتى حصل العلم بالخبر المجرد عن القرائن علمنا حصول التواتر.
أما إذا وجدت قرائن، فهذه تزيد الخبر قوة، حتى ولو كان من خبر الآحاد.стр. 319
مقدار يحصل به ذلك، فنستدل بحصول العلم الضروري على كمال العدد لا أنَّا نستدل بكمال العدد على حصول العلم.
فصل
ليس من شرط التواتر: أن يكون المخبرون مسلمين، ولا عدولًا؛ لأن إفضاءه إلى العلم، من حيث إنهم مع كثرتهم لا يتصور اجتماعهم على الكذب وتواطؤهم عليه، ويمكن ذلك في الكفار، كإمكانه في المسلمين٢.
الحواشي
(١) ١ حاصل ذلك: أن المصنف أورد اعتراضًا خلاصته: أن حصول العلم فرع عن حصول العدد، فلو عرف حصول العدد بحصول العلم لكان دورًا، أي: يتوقف معرفة أحدهما على معرفة الآخر.
وحاصل ما أجاب به المصنف: أنا لا نسلم وجود الدور، لأن الدور يتحقق إذا كانت الجهة متحدة، وهذا غير موجود فيما نحن فيه، لأن حصول العلم معلول الإخبار ودليله، فالإخبار علة حصول العلم ومدلول له، والاستدلال على وجود العلة بوجود المعلول لا دور فيه، وإلا لما صح الاستدلال على وجود الصانع ﷻ بوجود العلم، لأنه علته، والموجد له، ولأن العلة لازم المعلول، والاستدلال على وجود اللازم بوجود الملزوم لا خلاف في صحته، وهذا كما نقول في الشبع: هو معلول الطعام المشبع، ودليله: أنه لا شبع إلا بمشبع، والري معلول الشراب المروي، ودليله: أنه لا ري إلا بمروٍ، وإن كنا لا نعلم القدر الكافي من المشبع والمروي ابتداء، لكن إذا شبعنا وروينا علمنا أننا تناولنا من الطعام أو الشراب قدرًا مشبعًا أو مرويًا، فكذلك ما نحن فيه، لا نعلم مقدار العدد المحصل للعلم ما هو؟ فإذا حصل العلم بالخبر علمنا حصول العدد المحصل للعلم، لأنه لازم لحصول العلم وشرط له، والمشروط والملزوم يدلان على وجود اللازم والشرط. "نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٢٥٦-٢٥٧".
٢ هذا هو رأي جمهور العلماء. قال الطوفي: لأن مناط حصول العلم كثرتهم، =стр. 320
ولا يشترط -أيضًا- ألا يحصرهم عدد، ولا تحويهم بلد؛ فإن الحجيج إذا أخبروا بواقعة صدتهم عن الحج، وأهل الجمعة إذا أخبروا عن نائبة في الجمعة منعت من الصلاة، علم صدقهم مع دخولهم تحت الحصر وقد حواهم مسجد، فضلًا عن البلد١.
الحواشي
(١) = بحيث لا يجوز عادة تواطؤهم على الكذب، لا العدالة والإسلام وسائر أوصاف الرواية؛ لأن ذلك إنما يشترط في الشهادات، وأخبار الآحاد، لأنها إنما تفيد الظن، أما التواتر: فهو يفيد للعلم الضروي أو النظري -كما سبق- فهو مستغن عن اعتبار أوصاف المخبرين المراد لتقوية الظن وغلبته. "شرح مختصر الروضة ٢/ ٩٤".
١ ومعناه: أن الناس المجتمعين في الحج، لو أخبروا بأنه عرض لهم مانع منعهم من أداء الحج في ذلك العام، كعدو صدهم عن دخول البيت، أو غور عيون الماء في الطريق، ونحو ذلك؛ لحصل لنا العلم بخبرهم، مع أنهم محصورون تحت عدد يمكن، معرفته، وكذلك أهل الجامع -يوم الجمعة- لو أخبروا بوجود مانع منعهم من صلاة الجمعة، كعدم وجود الإمام، أو هجوم عدو جعلهم يخرجون من المسجد، حصل لنا العلم بخبرهم، مع أنهم محصورون في عدد معين، وفي مسجد، فضلًا عن بلد.
وخالف في ذلك بعض العلماء، واشترطوا الإسلام والعدالة في المخبرين.
كما أورد الغزالي آراء آخرى في المسألة. انظر: التمهيد لأبي الخطاب "٣/ ٣٣" المستصفى "٢/ ١٥٦ وما بعدها".стр. 321
فصل: [لا يجوز على أهل التواتر كتمان ما يحتاج إليه]
ولا يجوز على أهل التواتر كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته، وأنكر ذلك الإمامية١.
الحواشي
(١) ١ الإمامية فرقة من الشيعة، تقول: "إن الإمامة لعلي ﵁ ولأولاده من =стр. 322
وليس بصحيح؛ لأن كتمان ذلك يجري -في القبح- مجرى الإخبار عنه بخلاف ما هو به، فلم يجز وقوع ذلك منهم وتواطؤهم عليه.
فإن قيل: قد ترك النصارى نقل كلام عيسى في المهد١؟
الحواشي
(١) = بعده، فهي منصب إلهي، والتصديق به ركن من أركان الإيمان عندهم. وادعوا أن هناك نصوصًا تدل على إمامة علي كتمها الصحابة ﵃ مع كثرتهم، ووقوع ذلك منهم يدل على جواز كتمان الخبر المتواتر، واستندوا في ذلك إلى أحاديث بعضها صحيح، مثل قوله ﷺ في شأن "علي" ﵁: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي" وهو حديث صحيح: أخرجه البخاري حديث رقم "٣٧٠٦" و"٤٤١٦" عن سعد بن أبي وقاص، ومسلم: حديث رقم "٢٤٠٤" والترمذي حديث رقم "٣٧٣١" وأحمد في المسند"١/ ١٧٣" والحديث وإن كان صحيحًا إلا أنه ليس صريحًا.
وأجاب المصنف على ذلك بقوله: وليس بصحيح؛ فإن كتمان ما يحتاج إلى النقل، يجري مجرى الكذب، والكذب محال في حق الصحابة ﵃ حيث أثنى عليهم الخالق -جل وعلا- في العديد من الآيات، كما أثنى عليهم الرسول ﷺ فتواطؤهم على الكذب محال، وكذلك تواطؤهم على الكتمان.
قال الشيخ: "ابن بدران": "وللجمهور أن يعارضوا الإمامية بالمثل، بأن يقولوا: إن رسول الله ﷺ نص على إمامة أبي بكر نصًّا جليًّا متواترًا.." "نزهة الخاطر جـ١ ص٢٥٩".
ومن هذه النصوص: قوله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" وهو حديث صحيح وصريح، أخرجه أحمد في المسند "٥/ ٣٨٢، ٣٨٥، ٣٩٩، ٤٠٢" كما أخرجه الترمذي حديث "٣٦٦٣"، وابن ماجه حديث "٧٩" وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله "٢/ ٢٢٣" وصححه ابن حبان "٢١٩٣" والحاكم "٣/ ٧٥".
١ هذه شبهة: أوردها الإمامية دعمًا لرأيهم -في جواز كتمان الخبر المتواتر-، خلاصتها: أن النصارى تركوا كلام عيسى ﵇ في المهد، مع أنه =стр. 323
قلنا: لأن كلامه في المهد كان قبل ظهوره واتباعهم له.
القسم الثاني، أخبار الآحاد
وهي: ما عدا المتواتر١
اختلفت الرواية عن إمامنا ﵀ في حصول العلم بخبر الواحد:
الحواشي
(١) = مما يحتاج إلى نقله، وتتوفر الدواعي عليه، فهذه صورة من صور الدعوى قد وقعت، وهي تدل على الجواز.
وأجاب المصنف على هذه الشبهة: بأن ذلك كان قبل نبوته، والدواعي تتوفر على نقل أعلام النبوة.
قال الطوفي:
"وهذا ضعيف؛ لأن كلامه في المهد كان من خوارق العادات قبل نبوته، والدواعي تتوفر على نقل مثله عادة، وإن لم يكن الناقلون أتباعا للمنقول عنه". ثم ذكر وجوهًا أخرى للرد عليهم فقال:
الوجه الثاني: أنه قد نقل أن حاضري كلام المسيح في المهد لم يكونوا كثيرين، بحيث يحصل العلم بخبرهم، بل إنما كانوا زكريا وأهل مريم ومن يختص بهم، فلذلك لم ينقل متواترًا، ولا يلزم من عدم تواتره عدم نقله مطلقًا، لجواز أنهم نقلوه ولم يتواتر.
الوجه الثالث: أنَّا لا نسلم أنهم لم ينقلوه، بل نقلوه وهو متواتر عندهم في "إنجيل الصَّبْوَة" يعني: الذي ذكر فيه أحوال عيسى ﵇ في صبوته، منذ ولد إلى أن رفع، وإنما لم يتوافر نقلهم لذلك عندنا لعدم مشاركتنا لهم في سببه، أو لاستغنائنا عنه بتواتر القرآن". "شرح المختصر جـ٢ ص١٠١، ١٠٢".
١ قوله: وهي ما عدا المتواتر، أي: أن خبر الواحد ما فقدت فيه شروط المتواتر أو بعض منها، بأن كان إخبارًا عن غير محسوس، أو رواية ممن يجوز الكذب عليه عادة، أو جماعة لا يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة، أو كانوا ممن يستحيل =стр. 324
فروى: أنه لا يحصل به. وهو قول الأكثرين والمتأخرين من أصحابنا؛ لأنَّا نعلم -ضرورة- أنا لا نصدق كل خبر نسمعه.
ولو كان مفيدًا للعلم: لما صح ورود خبرين متعارضين؛ لاستحالة اجتماع الضدين.
ولجاز نسخ القرآن والأخبار المتواترة به، لكونه بمنزلتهما في إفادة العلم، ولوجب الحكم بالشاهد الواحد، ولاستوى في ذلك العدل والفاسق كما في المتواتر١.
وروي عن أحمد أنه قال: -في أخبار الرؤية- يقطع على العلم بها.
وهذا يحتمل أن يكون في أخبار الرؤية وما أشبهها، مما كثرت
الحواشي
(١) = منهم الكذب عادة، لكن في بعض طبقاته دون البعض.
١ نقل المصنف عن الإمام أحمد ﵁ روايتين فيما يفيده خبر الآحاد:
الرواية الأولى: أنه لا يفيد العلم، واستدل على هذا الرأي بخمسة أوجه:
الوجه الأول: أنه لو أفاد العلم لصدقنا كل خبر نسمعه، لكنا لا نصدق كل خبر نسمعه، فدل ذلك على أنه لا يفيد العلم.
الوجه الثاني: لو أفاد خبر الواحد العلم لما تعارض خبران، لأن العلمين لا يتعارضان، لكن التعارض موجود كثيرًا في أخبار الآحاد، فدل ذلك على أنه لا يفيد العلم.
الوجه الثالث: أنه لو أفاد العلم لجاز نسخ القرآن والسنة المتواترة به، لكنه لا يجوز نسخ القرآن والسنة المتواترة بالآحاد، فدل على أنه لا يفيد العلم.
الوجه الرابع: أنه لو أفاد العلم لجاز الحكم بشاهد واحد، ولم يحتج إلى شاهد آخر ولا إلى اليمين عند عدمه، ولو كان مفيدًا للعلم لما احتاج لذلك.
الوجه الخامس: أنه لو أفاد العلم لاستوى خبر العدل والفاسق، كما في المتواتر، لكن الفاسد والعدل لا يستويان في خبر الواحد -بالإجماع- فدل ذلك على أنه لا يفيد العلم.стр. 325
رواته، وتلقته الآمة بالقبول، ودلت القرائن على صدق ناقله، فيكون إذًا من المتواتر؛ إذ ليس للمتواتر عدد محصور.
ويحتمل أن يكون خبر الواحد عنده مفيدًا للعلم.
وهو قول جماعة من أصحاب الحديث وأهل الظاهر.
قال بعض العلماء: إنما يقول أحمد بحصول العلم بخبر الواحد فيما نقله الأئمة الذين حصل الاتفاق على عدالتهم وثقتهم وإتقانهم، ونقل من طرق متساوية، وتلقته الأمة بالقبول، ولم ينكره منهم منكر؛ فإن الصديق والفاروق ﵄ لو رويا شيئا سمعاه أو رأياه، لم يتطرق إلى سامعهما شك ولا ريب، مع ما تقرر في نفسه لهما، وثبت عنده من ثقتهما وأمانتهما.
ولذلك: اتفق السلف في نقل أخبار الصفات، وليس فيها عمل، وإنما فائدتها: وجوب تصديقها، واعتقاد ما فيها.
لأن اتفاق الأمة على قبولها إجماع منهم على صحتها، والإجماع حجة قاطعة١.
الحواشي
(١) ١ هذه هي الرواية الثانية المنقولة عن الإمام إحمد. وللعلماء في تخريجها عدة احتمالات:
الاحتمال الأول: أنها خاصة بأحاديث الرؤية وما أشبهها من الأمور العقدية.
الاحتمال الثاني: أن ذلك خاص بما وجدت معه قرائنه تقويه.
الاحتمال الثالث: أن هذا هو رأي الإمام أحمد في خبر الآحاد عمومًا، وهو رأي المحدثين وأهل الظاهر.
وهناك احتمال رابع -حكاه المصنف- عن بعض أهل العلم: أن ذلك خاص بما نقله الأئمة المتفق على عدالتهم وثقتهم وتلقي الأمة لما نقل عنهم بالقبول والرضا، مثل ما نقل عن الشيخين أبي بكر وعمر ﵄.
وقد لخص محمد الأمين الشنقيطي آراء العلماء في هذه المسألة فقال: =стр. 326
............................................
الحواشي
(١) "حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة: أن فيها للعلماء ثلاثة مذاهب:
الأول: وهو مذهب جماهير الأصوليين: أن أخبار الآحاد إنما تفيد الظن فقط، ولا تفيد اليقين.
المذهب الثاني: أنه يفيد اليقين إن كان الرواة عدولًا ضابطين.
وهو رواية عن الإمام أحمد، وحكاه الباجي عن ابن خويز منداد من المالكية، وهو مذهب الظاهرية.
المذهب الثالث: هو التفصيل: بأنه إذا احتفت به قرائن دالة على صدقه أفاد اليقين، وإلا أفاد الظن.
ومن أمثلة ذلك: أحاديث الشيخين -البخاري ومسلم- لأن القرائن دالة على صدقهما، لجلالتهما في هذا الشأن وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق، كما قاله غير واحد.
واختار هذا القول: ابن الحاجب، وإمام الحرمين، والآمدي، والبيضاوي، وممن اختار هذا القول: أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.
وحمل بعضهم الرواية عن أحمد: على ما قامت القرائن على صدقه خاصة دون غيره. ا. هـ ملخصًا من مذكرة الشيخ الشنقيطي ص١٠٣.
[خبر الآحاد في العقيدة]
ثم تطرق -رحمه الله تعالى- إلى قضية أخرى مهمة، وهي: أن أخبار الآحاد متى صحت، يجب قبولها في الأصول، كما يجب في الفروع، فقال:
"اعلم أن التحقيق الذي لا يجوز العدول عنه: أن أخبار الآحاد الصحيحة كما تقبل في الفروع، تقبل في الأصول، فما ثبت عن النبي ﷺ بأسانيد صحيحة من صفات الله يجب إثباته واعتقاده على الوجه اللائق بكمال الله وجلاله على نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
وبهذا تعلم أن ما أطبق عليه أهل الكلام ومن تبعهم من أن أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد ولا ثبت بها شيء من صفات الله زاعمين أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين وأن العقائد لا بد فيها من اليقين باطل لا يعول عليه. ويكفي من ظهور بطلانه أنه يستلزم رد الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ بمجرد تحكيم العقل.стр. 327
..............................................
الحواشي
(١) والعقول تتضاءل أمام عظمة صفات الله، وقد جرت عادة المتكلمين أنهم يزعمون أن ما يسمونه الدليل العقلي وهو القياس المنطقي الذي يركبونه من مقدمات اصطلحوا عليها أنه مقدم على الوحي. وهذا من أعظم الباطل لأن ما يسمونه الدليل العقلي ويزعمون أن إنتاجه للمطلوب قطعي، هو جهل وتخبط في الظلمات.
ومن أوضح الأدلة، وأصرحها في ذلك أن هذه الطائفة تقول مثلًا: إن العقل يمنع كذا من الصفات ويوجب كذا منها، وينفون نصوص الوحي بناء على ذلك فيأتي خصومهم من طائفة أخرى ويقولون: هذا الذي زعمتم أن العقل يمنعه كذبتم فيه بل العقل يوجبه. وما ذكرتم بأنه يجيزه كذبتم فيه بل هو يمنعه وهذا معروف في الكلام في مسائل كثيرة معروفة، كاختلافهم في أفعال العبد وجواز رؤية الله بالأبصار، وهل العرض يبقى زمانين إلى غير ذلك.
فيجب على المسلم أن يتقبل كل شيء عن النبي ﷺ بسند صحيح، ويعلم أنه إن لم يحصل له الهدي والنجاة باتباع ما ثبت عنه ﷺ فإنه لا يحصل له ذلك بتحكيم عقله التائه في ظلمات الحيرة والجهل.
وعلى كل حال فإثبات صفات الله بأخبار الآحاد الصحيحة واعتقاد تلك الصفات كالعمل بما دلت عليه من أوامر الله ونواهيه، كما أنها تثبت بها أوامره ونواهيه وكذلك تثبت بها صفاته. "المصدر السابق ص١٠٤، ١٠٥".
والذي قاله الشيخ الشنقيطي هو ما نقل عن المحققين من العلماء، منهم الأئمة: مالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو الحسين الكرابيسي، وابن خويز منداد، وابن كج، وابن حزم، وابن قيم الجوزية، وبدر الدين الزركشي، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني، فقد ألف رسالة في ذلك بعنوان: "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين".
وهو ما توصلت إليه في بحث بعنوان: "حجية خبر الآحاد في العقيدة".
تحت الطبع.
ومن الأدلة التي استندت إليها في هذا البحث:стр. 328
..............................................................................
الحواشي
(١) = الدليل الأول:
حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا ﵁ على اليمن قال: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإن عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم واتق كرائم أموال الناس".
أخرجه البخاري: ٢٤- كتاب الزكاة: ٤١، باب وجوب الزكاة ٣/ ٢٦١، وباب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة: ٣/ ٣٢٢، وباب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا: ٣/ ٣٥٧، وفي المظالم، باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم: ٥/ ١٠١، وفي المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن ٨/ ٦٤، وفي التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎: ١٣/ ٣٤٧، ومسلم في الإيمان ١/ ٥٠.
فقد أمره رسول الله ﷺ أن يبلغهم قبل كل شيء عقيدة التوحيد، وأن يعرفهم بالله ، وما يجب له وما ينزه عنه، فإذا عرفوه تعالى بلغهم ما فرض الله عليهم، وذلك ما فعله معاذ يقينًا، فهو دليل على أن العقيدة تثبت بخبر الواحد، وتقوم به الحجة على الناس، ولولا ذلك لما اكتفى رسول الله ﷺ بإرسار معاذ وحده.
ومن لم يسلم بما ذكرنا لزمه أحد أمرين لا ثالث لهما:
١- القول بأن رسله ﵈ ما كانوا يعلمون الناس العقائد، لأن النبي ﷺ لم يأمرهم بذلك، وإنما أمرهم بتبليغ الأحكام فقط، وهذا باطل لمخالفته لحديث معاذ المتقدم.
٢- أنهم كانوا مأمورين بتبليغها، وأنهم فعلوا ذلك، فبلغوا الناس كل العقائد الإسلامية ومنها هذا القول المزعوم: "لا تثبت العقيدة بخبر الآحاد" فإنه في نفسه عقيدة كما سبق، وعليه فقد كان هؤلاء الرسل رضوان الله عليهم يقولون للناس: آمنوا بما نبلغكم إياه من العقائد، ولكن لا يجب عليكم أن تؤمنوا بها لأنها خبر آحاد، وهذا باطل أيضًا كالذي قبله، وما لزم منه باطل فهو باطل، =стр. 329
........................................................
الحواشي
(١) فثبت بطلان هذا القول، وثبت وجوب الأخذ بخبر الآحاد في العقائد. وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة للشيخ الألباني ص١١، ١٢.
الدليل الثاني:
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] ، وقال ﷺ : "بلغوا عني" متفقعليه.
وقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة: "أنتم تسألون عني فما أنتم قائلون"، قالوا: "نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت" رواه مسلم في الحج "١٤٧": وأبو داود "١٩٠٥" وابن ماجه "٣١١".
ومعلوم أن البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلغ، ويحصل به العلم، فلو كان خبر الواحد، لا يحصل به العلم لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة الله على العبد، فإن الحجة إنما تقوم بما يحصل به العلم. وقد كان رسول الله ﷺ يرسل الواحد من أصحابه يبلغ عنه، فتقوم الحجة على من بلغه، وكذلك قامت حجته علينا بما بلغنا العدول الثقات من أقواله وأفعاله وسنته، ولو لم يفد العلم لم تقم علينا بذلك حجة، ولا على من بلغه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو دون عدد التواتر. وهذا من أبطل الباطل. فيلزم من قال: إن أخبار الرسول ﷺ لا تفيد العلم أحد أمرين:
١- إما أن يقول: إن الرسول لم يبلغ غير القرآن، وما رواه عنه عدد التواتر، وما سوى ذلك لم تقم به حجة ولا تبليغ.
٢- وإما أن يقول إن الحجة والبلاغ حاصلان بما لا يوجب علمًا ولا يقتضي عملًا.
وإذا بطل هذان الأمران بطل بأن أخباره ﷺ التي رواها الثقات العدول الحفاظ وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد علمًا. وهذا ظاهر لا خفاء به.
مختصر الصواعق المرسلة "٢/ ٣٩٦".стр. 330
فأما التعارض -فيما هذا سبيله- فلا يسوغ إلا كما يسوغ في الأخبار المتواترة وآي الكتاب١.
وقولهم: "إنا لا نصدق كل خبر نسمعه" فلأننا إنما جعلناه مفيدًا للعلم؛ لما اقترن به من قرائن زيادة الثقة، وتلقي الأمة له بالقبول٢.
ولذلك اختلف خبر العدل والفاسق٣.
وأما الحكم بشاهد واحد: فغير لازم؛ فإن الحاكم لا يحكم بعلمه، وإنما يحكم بالبينة التي هي مظنة الصدق٤. والله أعلم.
الحواشي
(١) ١ المصنف بعد أن أورد الرأي الثاني المنقول عن الإمام أحمد وما فيه من احتمالات بدأ يرد على الوجوه التي استدل بها على أن خبر الآحاد يفيد الظن، وتقدم أنها خمسة، لكنه هنا لم يلتزم الترتيب، كما لم يرد على الوجه الثالث منها.
وقوله: "فأما التعارض ... إلخ" هذا هو الرد على الوجه الثاني الذي خلاصته: أن خبر الآحاد لو أفاد العلم لما وقع تعارض بين الأدلة المتعارضة القطعية من السنة المتواترة وآي القرآن الكريم، وذلك بالجمع بين الدليلين إن أمكن، أو يعتبر المتأخر ناسخًا للمتقدم، أو حمل المطلق على المقيد، إلى آخر وجوه الجمع بين المتعارضات.
٢ هذا هو الرد على الوجه الأول: وهو أن التفرقة بين خبر وخبر، إنما جاءت من القرائن، كزيادة الثقة في الراوي، أو تلقي الأمة له بالقبول.
٣ هذا رد على الوجه الخامس: وهو أنه لو أفاد العلم لاستوى خبر العدل والفاسق، كالمتواتر، فإنه لا يشترط فيه أن يكون المخبرون عدولًا. فرد على ذلك: بأن التفرقة جاءت من القرينة.
٤ هذا رد على الوجه الرابع: وهو أنه لو أفاد العلم لجاز الحكم بشاهد واحد، ولم يحتج إلى شاهد آخر، أو اليمين عند عدمه. فأجاب عن ذلك: بأن هذا ليس =стр. 331
فصل: [في حكم التعبد بخبر الواحد عقلًا]
وأنكر قوم جواز التعبد بخبر الواحد عقلًا١؛ لأنه يحتمل أن يكون كذبًا، والعمل به عمل بالشك، وإقدام على الجهل، فتقبح الحوالة على الجهل.
بل إذا أمرنا الشرع بأمر فليعرفناه؛ لنكون على بصيرة، إما ممتثلون، وإما مخالفون٢.
والجواب:
أن هذا إن صدر من مقر بالشرع فلا يتمكن منه؛ لأنه تعبد بالحكم
الحواشي
(١) = بلازم، أي لا يلزمنا ذلك، للفرق بين الشهادة والرواية، ولذلك لا يحكم القاضي بمقتضى علمه، وإنما يحكم بناء على البينة التي هي مظنة الصدق، فقياس الرواية على الشهادة قياس مع الفارق.
١ معنى التعبد بخبر الواحد: أي يجوز أن يتعبد الله -تعالى- خلقه بخبر الواحد، بأن يقول لهم: اعبدوني بمقتضى ما يبلغكم عني وعن رسولي على ألسنة الآحاد. وهو قول الجمهور: الأئمة الأربعة وغيرهم من الفقهاء والأصوليين.
وأنكر ذلك جماعة: منهم الجبائي وبعض المتكلمين.
انظر: "العدة جـ٣ ص٨٥٧، شرح اللمع جـ١ ص٥٨٣، شرح مختصر الروضة جـ٢ ص١١٢، ١١٣".
٢ هذه حجة المنكرين لجواز التعبد بخبر الواحد عقلًا، خلاصتها: أن خبر الواحد يحتمل الكذب، فالعمل به عمل بالجهل، وهو قبيح عقلًا، والعقل لا يجيز القبيح؟
وأيضًا: فإن امتثال أمر الشرع والدخول فيه؛ يجب أن يكون بطريق علمي؛ ليكون المكلف منه على يقين وبصيرة، وأمان من الخطأ.
انظر: شرح المختصر جـ١ ص١١٥.стр. 332
بالشهادة، والعمل بالفتيا، أو التوجه إلى الكعبة بالاجتهاد عند الاشتباه، وإنما يفيد الظن، كما يفيد بالعمل بالمتواتر، والتوجه إلى الكعبة عند عدم معاينتها، فلِمَ يستحيل أن يلحق المظنون بالمعلوم؟
وإن صدر من منكر للشرع: فيقال له: أي استحالة في أن يجعل الله -تعالى- الظن علامة للوجوب، والظن مدرك بالحس، فيكون الوجوب معلومًا؟
فيقال له: إذا ظننت صدق الشاهد، والرسول، والحالف: فاحكم به، ولست متعبدًا بمعرفة صدقه، بل بالعمل به عند ظن صدقه، وأنت ممتثل مصيب صدق أم كذب.
كما يجوز أن يقال: إذا طار طائر ظننتموه غرابًا: أوجبت عليكم كذا، وجعلت ظنكم علامة، كما جعل زوال الشمس علامة على وجوب الصلاة١.
الحواشي
(١) ١ خلاصة ما أجاب به المصنف على هؤلاء المنكرين: أن المنكر إما أن يكون مقرًّا بالشرع أو لا؟ فإن كان مقرًّا فنقول له: إن الشرع ورد فيه ما ينقض قولك، كالحكم بالشهادة، والعمل بقول المفتي، وهو واحد، والاجتهاد في القبلة إذا اشتبهت على المصلي، فإنه يجب عليه أن يصلي إلى الجهة التي ظنها القبلة، وكل هذا من قبيل الظنون.
وإن كان المنكر ممن ينكر الشرع فيقال له: أي استحالة في أن يجعل الله -تعالى- الظن علامة للوجوب، كما لو قال: إذا طار بكم طائر وظننتموه غرابًا أوجبت عليكم كذا وكذا، وجعلت ظنكم علامة على وجوب العمل، كما جعلت زوال الشمس علامة على وجوب الصلاة، والظن وجوده مدرك بالحس، فيكون الوجوب معلومًا، فمن أتى بالواجب عند الظن فقد امتثل قطعًا، وهكذا العمل في الشاهد والحالف، لسنا متعبدين بالعلم بصدقه، لكن بالعمل بالظن الذي نحسه من أنفسنا. انظر: "شرح ابن بدران جـ١ ص٢٦٤، ٢٦٥".стр. 333
فصل١ وقال أبو الخطاب: العقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد لأمور ثلاثة:
أحدها: أنا لو فرضنا العمل على القطع تعطلت الأحكام؛ لندرة القواطع، وقلة مدارك اليقين.
الثاني: أن النبي ﷺ مبعوث إلى الكافة، ولا يمكنه مشافهة جميعهم، ولا إبلاغهم بالتواتر.
الثالث: أنا إذا ظننا صدق الراوي فيه ترجح وجود أمر الله -تعالى- وأمر رسوله ﵇ فالاحتياط: العمل بالراجح.
وقال الأكثرون: لا يجب التعبد بخبر الواحد عقلًا، ولا يستحيل ذلك.
ولا يلزم من عدم التعبد به تعطيل الأحكام؛ لإمكان البقاء على
الحواشي
(١) ١ هذا الفصل تابع للمسألة السابقة، وهي: حكم التعبد بخبر الواحد عقلًا، والفصل الآتي لحكم التعبد به سمعًا، فلا أدري لماذا جعله المصنف فصلًا مستقلًّا؟!
والخلاصة: أن المسألة فيها ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: إنكار التعبد بخبر الواحد -وهو الذي حكاه المصنف في الفصل السابق-.
المذهب الثاني: وجوب التعبد، للأدلة الثلاثة التي ساقها المصنف -نقلًا عن أبي الخطاب-، وهي في الواقع للغزالي.
المذهب الثالث: الجواز، وهو الذي عبر عنه المصنف بقوله: "وقال الأكثرون: لا يجب التعبد بخبر الواحد عقلًا، ولا يستحيل ذلك" هذا ما فهمته في هذه المسألة. والله أعلم.стр. 334
البراءة الأصلية والاستصحاب.
والنبي ﷺ يكلف تبليغ من أمكنه من أمته تبليغه، دون من لا يمكنه، كمن في الجزائر ونحوها.
стр. 335
فصل: [في التعبد بخبر الواحد سمعًا]
فأما التعبد بخبر الواحد سمعًا١: فهو قول الجمهور.
خلافًا لأكثر القدرية٢ وبعض أهل الظاهر.
ولنا دليلان قاطعان:
أحدهما: إجماع الصحابة ﵃ على قبوله:
فقد اشتهر ذلك عنهم في وقائع لا تنحصر، إن لم يتواتر آحادها حصل العلم بمجموعها.
الحواشي
(١) ١ معنى "سمعًا" أي: من جهة دليل الشرع، وما تقدم كان من جهة العقل.
قال الطوفي: "وفي المسألة تفصيل، وهو: أن القائلين بجواز التعبد به عقلًا، منهم من نفى كونه حجة شرعًا، كالشيعة، والقاشاني، وابن داود [الظاهري] ، ومنهم من أثبت ذلك، ثم هؤلاء اتفقوا على دلالة السمع عليه، واختلفوا في دلالة العقل عليه، فأثبته أحمد والقفال وابن سريج، ونفاه الباقون
وقال أبو عبد الله البصري: هو حجة فيما لا يسقط بالشبهة، واختار الآمدي أنه حجة مطلقًا، وهو المذكور في المختصر". "شرح المختصر جـ٢ ص١١٩". وانظر: الإحكام للآمدي "٢/ ٤٥" والإحكام لابن حزم "١/ ٩٤".
٢ القدرية: فرقة من المعتزلة بالغت في القول بالقدر، بمعنى أنهم يكذبون بالقدر، ويبالغون في إنكار إضافة الخير والشر إلى القدر، وهم عشرون فرقة، كل فرقة منها تكفر الأخرى. الفرق بين الفرق ص٢٤.стр. 336
منها: أن الصديق ﵁ لما جاءته الجدة تطلب ميراثها نشد الناس: من يعلم قضاء رسول الله ﷺ فيها؟
فشهد له محمد بن مسلمة١، والمغيرة بن شعبة٢ أن النبي ﷺ أعطاها السدس، فرجع إلى قولهما، وعمل به "عمر" بعده٣.
وروي عن "عمر" ﵁ في وقائع كثيرة:
منها: قصة الجنين حين قال: "أذكر الله امرأ سمع من رسول الله ﷺ في الجنين"؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة٤ وقال: "كنت بين جاريتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح٥ فقتلتها
الحواشي
(١) ١ هو: محمد بن مسلمة بن خالد الأنصاري الحارثي، صحابي جليل، شهد بدرًا وما بعدها، استخلفه الرسول ﷺ على المدينة في بعض غزواته، مات بالمدينة سنة ٤٣هـ.
انظر في ترجمته: "الاستعياب ٣/ ١٣٧٧، الخلاصة ص٣٥٩".
٢ هو: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أسلم عام الخندق، أحد دهاة العرب، ولاه "عمر" البصرة، ثم عزله عنها وولاه الكوفة، وأقره "عثمان" عليها، ثم عزله، ولما تم الأمر لمعاوية أعاده عليها، حتى توفي سنة ٥٠هـ.
انظر: "الاستيعاب ٤/ ١٤٤٥، الإصابة القسم السادس ص١٩٧".
٣ أخرجه أبو داود: كتاب الفرائض، باب في الجدة، والترمذي: كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة، وابن ماجه: كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة.
٤ هو: حمل بن مالك بن النابغة بن جابر الهذلي، البصري، استعمله النبي ﷺ على صدقات "هذيل" وعاش إلى خلافة "عمر" ﵄.
انظر في ترجمته: "الإصابة ١/ ٣٥٥، الاستيعاب ١/ ٣٦٦".
٥ المسطح: بكسر الميم عود من أعواد الخباء.стр. 337
وجنينها، فقضى النبي ﷺ في الجنين بغرة"١ فقال عمر: "لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره"٢.
وكان لا يورث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك٣: أن رسول الله ﷺ كتب إليه: أن يورث امرأة أَشْيَم الضبابي٤ من دية زوجها"٥.
الحواشي
(١) ١ الغرة: بضم الغين: عبد أو أمة.
٢ الحديث رواه أبو داود: كتاب الديات، باب دية الجنين، والدراقطني: كتاب الحدود والديات، كما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه والشافعي في الرسالة ص٤٢٧. عن ابن عباس ﵄ أن دية الجنين خفيت على عمر بن الخطاب ﵁ حتى سأل الناس ... الحديث.
وفي رواية لأبي داود: فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله ﷺ في جنينها بغرة وأن تقتل" أي القاتلة.
٣ هو: الضحاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر بن كلاب الكلابي، من أصحاب رسول الله ﷺ كان شجاعًا مقدامًا، ولاه رسول الله ﷺ جمع الصدقات من قومه.
انظر: في ترجمته: "الإصابة ٣/ ٤٧٧، الخلاصة ص١٩٧".
٤ أشيم -بوزن أحمد-: الضبابي -بكسر المعجمة بعدها باء موحدة-، قتل مسلمًا في عهد النبي ﷺ فأمر ﷺ الضحاك بن سفيان أن يورث امرأته من ديته.
انظر: الإصابة مع الاستيعاب "١/ ٩٧"، أسد الغابة "١/ ١٩٧".
٥ أخرجه أبو داود: كتاب الفرائض، باب المرأة ترث من دية زوجها، والترمذي كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث المرأة من دية زوجها، وقال: "حديث حسن صحيح".
كما أخرجه ابن ماجه: كتاب الديات، باب الميراث من الدية، ومالك في الموطأ: كتاب العقول، باب ما جاء في ميراث العقل والتغليظ فيه، والشافعي: كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث المرأة من دية زوجها، والدارقطني: كتاب الفرائض.стр. 338
ورجع إلى حديث عبد الرحمن بن عوف١ عن النبي ﷺ في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"٢.
وأخذ عثمان بخبر "فريعة بن مالك"٣ في السكنى، بعد أن أرسل إليها وسألها٤.
الحواشي
(١) ١ هو: عبد الرحمن بن عوف بن الحارث، القرشي الزهري، أبو محمد، ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل فترة دار الأرقم، جمع بين الهجرتين، هجرة الحبشة، وهجرة المدينة. شهد بدرًا وما بعدها، كان أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر المشورة فيهم في الخلافة. مات بالمدينة سنة ٣١هـ. "الإصابة ٤/ ٣٤٦".
٢ رواه البزار في مسنده، والدارقطني في سننه، وابن أبي شيبة في مسنده، ومالك في الموطأ: كتاب الزكاة عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لا أدري ما أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: "أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" أعله ابن عبد البر بالانقطاع؛ لأن محمد بن علي بن الحسين لم يلق عمر، وأعله غيره بالإرسال، لكن يشهد له ما جاء في البخاري من حديث مجالد قال: أتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر.
كما يشهد له -أيضًا- ما رواه البخاري من أخذ الجزية من البحرين التي صالح أهلها الرسول ﷺ وولى عليها العلاء بن الحضرمي، وهم من المجوس.
انظر: "فتح الباري جـ٦ ص٢٥٩".
٣ هي: فريعة بنت مالك بن سنان الخدرية، أخت أبي سعيد الخدري، وهي التي قتل زوجها في عهد رسول الله ﷺ فأمرها النبي ﷺ بأن تمكث في بيتها حتى تنتهي عدتها -كما سيأتي تخريج الحديث-.
انظر: في ترجمتها: "الإصابة ٨/ ٦٦، والاستيعاب ٤/ ١٩٠٣".
٤ أخرجه أبو داود: كتاب الطلاق، في المتوفى عنها تنتقل، والترمذي: كتاب =стр. 339
وعلي كان يقول: كنت إذا سمعت من النبي ﷺ حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته. وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر-: أن النبي ﷺ قال: "ما من عبد يذنب، فيتوضأ، ثم يصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له" ١.
الحواشي
(١) = الطلاق، باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها ولفظه:
"أنها -أي فريعة- جاءت رسول الله – ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في "بني خدرة" وأن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كان بطرف القدوم -موضع بضاحية المدينة- لحقهم فقتلوه.
قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي؛ فإن زوجي لم يترك لي مسكنًا يملكه، ولا نفقة.
قالت: فقال رسول الله ﷺ : "نعم".
قالت: ما انصرفت، حتى إذا كنت في الحجرة، أو في المسجد، ناداني رسول الله ﷺ أو أمر بي، فنوديت له، فقال: "كيف قلت؟ " قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، قال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله".
قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا.
قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته، وقضى به".
والحديث أخرجه أيضًا: النسائي: باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل، وابن ماجه: باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها، والدارمي: باب خروج المتوفى عنها زوجها، والشافعي: كتاب النفقات، باب اعتداد المتوفى عنها في بيت زوجها.
١ الحديث رواه أبو داود: كتاب الصلاة، باب في الاستغفار بلفظ: "كنت رجلًا إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، قال: وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر- أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وما من =стр. 340
ولما اختلف الأنصار في الغسل من المجامعة: أرسلوا أبا موسى١ إلى "عائشة" فروت لهم عن النبي ﷺ : "إذا مس الختان الختان وجب الغسل"٢. فرجعوا إلى قولها.
واشتهر رجوع أهل قباء إلى خبر الواحد في التحول إلى الكعبة٣.
وروى أنس٤ قال: كنت أسقي أبا عبيدة٥، وأبا طلحة٦.
الحواشي
(١) = عبد يذنب ذنبًا، فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له" ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] .
كما أخرجه ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة؛ باب ما جاء في أن الصلاة كفارة، وأحمد في مسنده "١/ ٢" وابن حبان حديث "٢٤٥٤" وصححه.
١ هو: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر الأشعري، أسلم قديمًا بمكة، ثم رجع إلى قومه، ثم قدم جماعة من الأشعريين إلى النبي ﷺ حين فتح خيبر، ولاه النبي ﷺ اليمن، ثم ولاه عمر البصرة ... مات بالكوفة وقيل: بمكة سنة ٤٤هـ. "الإصابة ٤/ ٢١١".
٢ أخرجه مسلم: كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، وأبو داود: كتاب الطهارة، باب في الإكسال، والترمذي: كتاب الطهارة، باب ما جاء إذا التقى الختانان، وجب الغسل، وابن ماجة: كتاب الطهارة، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان.
٣ تقدم تخريجه في باب النسخ.
٤ هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم البخاري الخزرجي الأنصاري، صاحب رسول الله ﷺ وخادمه.
توفي سنة ٩٣هـ. "صفة الصفوة ١/ ٢٩٨، الأعلام ١/ ٣٦٥".
٥ هو: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال الفهري القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين إلى الإسلام.
توفي بالطاعون سنة ١٨هـ. "حلية الأولياء ١/ ١٠٠، والأعلام ٤/ ٢١".
٦ هو: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو الأنصاري الخزرجي، كان فارسًا =стр. 341
وأبي بن كعب١ شرابًا من فضيخ٢، إذ أتانا آت فقال: إن الخمرة قد حرمت. فقال أبو طلحة: يا أنس "قم إلى هذه الجرار فاكسرها" فكسرتها٣.
ورجع ابن عباس إلى حديث أبي سعيد٤ في الصرف٥.
الحواشي
(١) = شديدًا، وقى النبي ﷺ بصدره من قبل المشركين في أحد، تصدق بحديقة كانت له لما نزل قوله الله -تعالى-: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ توفي سنة ٥٠هـ. "الإصابة ٢/ ٦٠٧".
١ هو: أبي بن كعب بن قيس بين عبيد بن النجار الأنصاري، سيد القراء، من أصحاب العقبة الثانية، شهد بدرًا وما بعدها، وكان من كتاب الوحي. توفي سنة ٢٠هـ. وقيل غير ذلك.
انظر: "الإصابة ١/ ٢٧، البداية والنهاية ٧/ ٩٧".
٢ الفضيخ: هو أن يجعل التمر في إناء ثم يصب عليه الماء الحار، فيستخرج حلاوته، ثم يغلى ويشتد. التعريفات للجرجاني ص١٦٧.
٣ حديث صحيح، رواه البخاري "٣/ ٣٢١" بحاشية السندي، ومسلم "١٣/ ١٥١" مع شرح النووي، ومالك في الموطأ "٣/ ١٥٥" مع المنتقى.
٤ هو: سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة، الخزرجي، الأنصاري، الخدري، من علماء الصحابة، وحفاظها المكثرين. توفي سنة ٧٤هـ.
انظر: "الاستيعاب ٤/ ١٦٧١، تاريخ بغداد ١/ ١٨٠".
٥ حديث ابن عباس: "إنما الربا في النسيئة" تقدم الحديث عنه. أما حديث أبي سعيد الذي رجع إليه ابن عباس فهو: ما أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب بيع الفضة، وأحمد في مسنده "٣/ ٩" ومسلم: كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر وبالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء".стр. 342
ورجع ابن عمر إلى حديث رافع بن خديج في المخابرة١.
وكان زيد بن ثابت٢ يرى أن لا تصدر الحائض حتى تطوف٣.
فقال له ابن عباس سل فلانة الأنصارية، هل أمرها النبي ﷺ بذلك؟ فأخبرته، فرجع زيد يضحك وقال لابن عباس: "ما أراك إلا قد صدقت".
والأخبار في هذا أكثر من أن تحصى.
واتفق التابعون عليه أيضا٤. وإنما حدث الاختلاف بعدهم.
الحواشي
(١) ١ تقدم قريبًا.
٢ هو: زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري، كان من كتاب الوحي وهو الذي تولى جمع القرآن في عهد أبي بكر -رضى الله عنه- وهو أعلم الصحابة بالفرائض فقال ﷺ : "أفرضكم زيد" توفي سنة ٤٢هـ. "الإصابة ٢/ ٥٩٤، الاستيعاب ١/ ٥٥١".
٣ أي: لا ترجع إلى بلدها إلا إذا طافت طواف الوداع.
وكان زيد بن ثابت يفتي بذلك، حتى علم بخبر ابن عباس، الذي أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت "أي: طافت طواف الإفاضة". ولفظه: عن عكرمة قال: إن أهل المدينة سألوا ابن عباس ﵄ عن امرأة طافت، ثم حاضت؟ قال لهم: تنفر. قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد. قال: إذا قدمتم المدينة فسلوا. فقدموا المدينة فسألوا، فكان فيمن سألوا "أم سليم" فقالت: إن صفية بنت حيي -زوج النبي ﷺ حاضت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "أحابستنا هي؟ "
قالوا: إنها أفاضت. قال: "فلا إذن".
أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب وجوب طواف الوادع وسقوطه عن الحائض، والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الحج، باب ترك الحائض الوداع.
٤ أي: أن التابعين اتفقوا على العمل بخبر الواحد، كما اتفق الصحابة ﵃ وما وقع الاختلاف إلا بعد عصر التابعين.стр. 343
فإن قيل: لعلهم عملوا بأسباب قارنت هذه الأخبار، لا بمجردها، كما أنهم أخذوا بالعموم، وعملوا بصيغة الأمر والنهي، ولم يكن ذلك نصًّا صريحًا فيها١.
قلنا: قد صرحوا بأن العمل بالأخبار؛ لقول عمر: "لولا هذا لقضينا بغيره".
وتقدير قرينة وسببها هنا كتقدير قرائن مع نص الكتاب والأخبارالمتواترة وذلك يبطل جميع الأدلة.
وأما العموم، وصيغة الأمر والنهي، فإنها ثابتة، يجب الأخذ بها، ولها دلالات ظاهرة، تعبدنا بالعمل بمقتضاها، وعملهم بها دليل على صحة دلالاتها فهي كمسألتنا٢.
وإنما أنكرها من لا يعتد بخلافه، وأعتذروا بأنه لم ينقل عنهم في صيغة الأمر والعموم تصريح٣.
الحواشي
(١) ١ هذا اعتراض حاصله: أنهم ربما عملوا بخبر الواحد لأسباب وقرائن قارنت الأخبار لا بمجردها، كما أنهم عملوا بالعمومات، والأمر والنهي، وكلها نصوص غير صريحة، فعملوا بها مع القرائن أيضًا.
وأجاب المصنف عن ذلك: بأنه لم ينقل عنهم إلا الأخذ بالأخبار، كما في خبر حمل بن مالك المتقدم. ولو قدر وجود قرائن هنا لقدر ذلك مع آيات القرآن الكريم والأحاديث المتواترة، وهذا يؤدي إلى إبطال جميع الأدلة، لأنه لا يستدل بها منفردة عن القرائن، وهذا غير صحيح.
٢ هذا رد من المصنف على أولئك الذين قالوا: إن العمل بالأخبار والألفاظ العامة، والأوامر والنواهي، بناء على قرائن احتفت بها، وليس منها مجردة.
وخلاصته: بأن صيغ العموم، والأمر والنهي لها دلالات ظاهرة وواضحة، كلفنا بالعمل بمقتضاها، والسلف الصالح عملوا بها مجردة عن القرائن وعملهم بها دليل على صحة دلالاتها كما في الأخبار.
٣ هذا كالحجة لمن ينكر دلالة الأخبار، والعمومات، والأمر والنهي. =стр. 344
فإن قيل: فقد تركوا العمل بأخبار كثيرة١.
فلم يقبل النبي ﷺ خبر ذي اليدين٢,
الحواشي
(١) = مضمونها: أنه لم ينقل عن السلف: أنهم عملوا بها مجردة، وفي هذا إشارة إلى أنه كانت هنالك قرائن لم يذكروها.
هذا معنى كلام المصنف، والواقع أن هذه الجملة ليس محلها هنا، وإنما كانت تأتي عند حكاية مذهبهم، كما فعل الغزالي، إلا أن المصنف دأب على اختصار العبارات، وعلى التقديم والتأخير مما جعل المعنى غير مترابط، وإلا فجملة: "واعتذروا" ليس لها محل هنا. يوضح ذلك عبارة الغزالي حيث قال:
"فإن قيل: لعلهم عملوا بها [يقصد الأخبار] مع قرائن أو بأخبار أخر صاحبتها، أو ظواهر ومقاييس وأسباب قارنتها، لا بمجرد هذه الأخبار -كما زعمتم-.
كما قلتم بالعموم وصيغة الأمر والنهي ليس نصًّا صريحًا على أنهم عملوا بمجردها، بل بها مع قرائن قارنتها ... ".
١ هذا اعتراض على قول المصنف -في أول المسألة: ولنا دليلان قاطعان، أحدهما: إجماع الصحابة على قبوله إلى آخر الأمثلة التي تقدمت، فكأن المخالف يقول: كيف تدعون الإجماع على القبول، مع أن هناك أدلة آخرى كثيرة، بلغت حد الإجماع -أيضًا- برد العمل بخبر الواحد، ثم بدأ يذكر أمثلة لذلك.
٢ ذو اليدين: هو الخرباق بن عمرو، من بني سليم، قيل له: ذو اليدين؛ لأنه كان في يديه طول، فسماه ﷺ : ذا اليدين، عاش بعد النبي ﷺ حتى روى عنه بعض المتأخرين من التابعين. انظر في ترجمته: "الإصابة ١/ ٤٨٩، تهذيب الأسماء ١/ ١٨٥".
وحديثه -في السهو في الصلاة- حديث صحيح: رواه البخاري: كتاب الصلاة، باب من لم يتشهد في سجدتي السهو، ومسلم: كتاب الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب السهو في السجدتين، والترمذي: كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يسلم في الركعتين =стр. 345
ولم يقبل "أبو بكر" خبر "المغيرة" وحده في ميراث الجدة١.
و"عمر" لم يقبل خبر "أبي موسى" في الاستئذان٢.
ورد "علي" خبر معقل بن سنان الأشجعي٣ في "بروع"٤.
الحواشي
(١) = من الظهر والعصر، كما أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما.
ولفظ مسلم -عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة العصر، فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال: ﷺ : "كل ذلك لم يكن" قال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله.
فأقبل رسول الله ﷺ ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم.
١ تقدم تخريجه قريبًا.
٢ عن عمر ﵁ أن أبا موسى استأذن عليه ثلاثًا، فلم يؤذن له، فانصرف، فأرسل إليه "عمر": لم انصرفت؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثًا، فلم يؤذن له فلينصرف". فقال من يشهد ذلك؟ فمضى أبو موسى إلى الأنصار، فقالوا: نبعث معك بأصغرنا: أبي سعيد الخدري، فمضى فسمع "عمر" منهما.
روى هذه القصة: البخاري في كتاب الاستئذان، باب: التسليم والاستئذان ثلاثًا، ومسلم في كتاب الآداب، باب: الاستئذان، وأبو داود: كتاب الأدب، باب: كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان، والترمذي: كتاب الاستئذان، باب ما جاء في الاستئذان ثلاثة، وابن ماجه: كتاب الأدب، باب الاستئذان، والدارمي: كتاب الاستئذان، باب: الاستئذان ثلاثًا.
٣ هو: معقل بن سنان بن مظهر بن غطفان الأشجعي، كان يحمل لواء قومه يوم الفتح ويوم حنين، قتله عقبه بن مسلم سنة ٦٣هـ.
٤ هي: بروع -بكسر الباء أو فتحها وسكون الراء وفتح الواو- بنت واشق =стр. 346
..........................................................
الحواشي
(١) = الأشجعية، زوج هلال بن مرة، روت أن رجلًا عقد عليها ولم يفرض لها مهرًا، وفوضت إليه ذلك، فتوفي قبل أن يدخل بها، فقضى لها رسول الله ﷺ بصداق نسائها: انظر: الإصابة "٤/ ٢٥١".
وأما الخبر الذي رده "علي" ﵁ فهو ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده "١/ ٤٤٧" وأبو داود في كتاب النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات حديث رقم "٢١١٤" والترمذي في كتاب النكاح، باب "٤٤" حديث رقم "١١٤٥" والنسائي في سننه "٦/ ١٢١" وابن ماجه في كتاب النكاح، باب الرجل يتزوج ولا يفرض لها حديث رقم "١٨٩١" ولفظه: عن ابن مسعود ﵁ أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض فيها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات. فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها، ولا وكسَ ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق -امرأة منا- مثل الذي قضيت، ففرح بها ابن مسعود.
وكان "علي" ﵁ لا يرى ذلك ويقول: "لا ندع كتاب ربنا لقول أعرابي بوال على عقبيه".
ورواية البيهقي في سننه "٧/ ٢٤٧": "لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله".
وقد ضعف بعض المحدثين عبارة "بوال على عقبيه" وأن ذلك لا يصح عن "علي" وفي إسناد هذه الرواية: أبو إسحاق الكوفي. قال عنه الأزدي: ليس بثقة. انظر: ميزان الاعتدال "٤/ ٤٨٨"، تخريج أحاديث اللمع ص٢٢١، ٢٢٢.
وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه "٦/ ٢٩٣": أن عليًّا ﵁ كان يجعل لها الميراث وعليها العدة، ولا يجعل لها صداقا، ويقول: "لا نصدق الأعراب على رسول الله ﷺ ".стр. 347
وردت "عائشة" خبر "ابن عمر" في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه١.
قلنا: الجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذا حجة عليهم؛ فإنهم قد قبلوا الأخبار التي توقفوا عنها بموافقة غير الراوي له، ولم يبلغ بذلك رتبة التواتر، ولا خرج عن رتبةالآحاد إلى رتبة التواتر.
والثاني: أن توقفهم كان لمعان مخصصة بهم.
فتوقف النبي ﷺ في خبر "ذي اليدين" ليعلمهم: أن هذا الحكم لا يؤخذ فيه بقول الواحد١.
الحواشي
(١) ١ روى يحيي بن عبد الرحمن عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "الميت يعذب ببكاء أهله عليه" فقالت عائشة ﵂: يرحمه الله، لم يكذب، ولكنه وهم، إنما قال رسول الله ﷺ لرجل مات يهوديًّا: "إن الميت ليعذب، وإن أهله ليبكون عليه". حديث صحيح: رواه البخاري حديث "١٢٨٨" ومسلم حديث "٣٩١" والترمذي حديث "١٠٠" والنسائي "٤/ ١٧" ومالك في الموطأ "١/ ٢٣٤" بلفظ: "أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ".
١ خلاصة الرد الثاني: أن هذه الأخبار كان لها ظروف خاصة اقترفت بها: فخبر ذي اليدين، كان الناس كثيرين خلف النبي ﷺ وفيهم من هو أضبط لأفعال الصلاة من ذي اليدين، فلذلك أراد النبي ﷺ أن يتأكد بوقوع ذلك.
وأما خبر "المغيرة" فلعل أبا بكر ﵁ قد غلب فيه جانب الشهادة على المال، وهو يثبت حقًّا ماليًّا مؤبدًا، وهو ميراث الجدة، فكان ذلك مناسبًا للتوقف والتأكد.
وأما رد سيدنا عمر لخبر أبي موسى، فواضح الدلالة، حيث كان ﵁ شديد الحرص على عدم دخول شيء في السنة ليس منها.
وأما حديث "ابن عمر" الذي ردته "عائشة" ﵂ فإنما ردته لا من =стр. 348
وأما أبو بكر ﵁: فلم يرد خبر "المغيرة" وإنما طلب الاستظهار بقول آخر، وليس فيه ما يدل على أنه لا يقبل قوله لو انفرد.
وأما عمر ﵁ فإنه كان يفعل ذلك سياسة؛ ليتثبت الناس في رواية الحديث، وقد صرح به فقال: "إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ ".
وعائشة ﵂ لم ترد خبر "ابن عمر" وإنما تأولته.
الدليل الثاني١:
ما تواتر من إنفاذ رسول الله ﷺ أمراءه ورسله وقضاته وسعاته إلى الأطراف؛ لتبليغ الأحكام، والقضاء، وأخذ الصدقات وتبليغ الرسالة.
ومن المعلوم: أنه كان يجب عليهم تلقي ذلك بالقبول، ليكون مفيدًا، والنبي ﷺ مأمور بتبليغ الرسالة، ولم يكن ليبلغها بمن لا يكتفى به.
دليل ثالث٢:
أن الإجماع انعقد على وجوب قبول قول المفتي فيما يخبر به عن ظنه فما يخبر به عن السماع الذي لا يشك فيه أولى، فإن تطرق الغلط
الحواشي
(١) = حيث الكذب، وإنما من حيث الوهم، أو الخطأ والنسيان.
وكل هذه الملابسات لا تقوى على الطعن في العمل بخبر الآحاد.
١ هذا هو الدليل الثاني على وجوب التعبد بخبر الواحد.... حيث قال في أول الفصل: ولنا دليلان قاطعان: أحدهما: إجماع الصحابة، وهذا هو الثاني.
٢ هذا دليل ثالث على وجوب العمل بخبر الواحد. ولما لم يكن في قوة الدليلين السابقين لم يضمه إلى الدليلين السابقين.
وخلاصة هذا الدليل: قياس خبر الواحد على ما يفتي به المفتي، بجامع =стр. 349
إلى المفتي كتطرق الغلط إلى الراوي؛ لأن المجتهد -وإن كان مصيبًا- فإنما يكون مصيبا إذا لم يفرط.
وربما ظن أنه لم يفرط، ويكون قد فرط، وهذا عند من يجوز تقليد مقلد بعض الأئمة أولى، فإنه إذا جاز أن يروي مذهب غيره، لم لا يجوز أن يروي قول غيره.
فإن قيل:
هذا قياس لا يفيد إلا الظن، وخبر الواحد أصل لا يثبت بالظن.
ثم الفرق بينهما: أن هذا حال ضرورة، فإنا لو كلفنا كل أحد الاجتهاد تعذر١.
قلنا: لا نسلم أنه مظنون، بل هو مقطوع بأنه في معناه؛ فإنا إذا قطعنا بخبر الواحد في البيع، قطعنا به في النكاح، ولم يختلف باختلاف المروي فيه، ولم يختلف ههنا إلا المروي عنه، فإن هذا يروي عن ظنه، وهذا يروي عن غيره٢.
الحواشي
(١) = حصول الظن فيهما؛ أما في الفتيا: فإنه يغلب على ظن المفتي والمستفتي أن ما أفتى به هو حكم الله تعالى.
وأما في الراوي: فلأنه يغلب على ظن السامع أن ما رواه ثابت عن رسول الله ﷺ فيجب أن يقبل؛ قياسًا على الفتيا: انظر: "شرح مختصر الروضة ج٢ ص١٣١-١٣٢".
١ خلاصة هذا الاعتراض: أن هذا القياس ظني؛ فلا يثبت به العمل بخبر الواحد؛ لأنه أصل قوي، فلا يثبت بمثل هذا القياس.
٢ خلاصة الجواب على هذا الاعتراض: أن كون القياس المذكور ظنيًّا محل النزاع، ونحن لا نسلم به، بل هو جلي قاطع، فإنه لا فارق بين الرواي والمفتي، إلا أن هذا يخبر عن غيره، وهذا يخبر عن ظنه. =стр. 350
وقولهم: "إنه يفضي إلى تعذر الأحكام" ليس كذلك، فإن العامي يرجع إلى البراءة الأصلية، واستصحاب الحال، كما قلتم في المجتهد إذا لم يجد قاطعًا١.
فصل: وذهب الجبائي٢ إلى أن خبر الواحد إنما يقبل إذا رواه عن النبي ﷺ اثنان، ثم يرويه عن كل واحد منهما اثنان إلى أن يصير في زماننا إلى حد يتعذر معه إثبات حديث أصلًا، وقاسه على الشهادة.
وهذا باطل بما ذكرناه من الدليل على قبول خبر الواحد.
ولا يصح قياسه على الشهادة؛ فإن الرواية تخالف الشهادة في أشياء كثيرة، وكذلك لا تعتبر الرواية في الزنى أربعة، كما يعتبر ذلك في الشهادة فيه٣.
الحواشي
(١) = قال الطوفي -مضيفًا ردًا آخر-: "وتحرير الجواب عن الاعتراض المذكور: إما بما ذكرناه من منع كون القياس المذكور ظنيًّا، أو بمنع كون محل النزاع -وهو جواز التعبد بخبر الواحد- قطعيًّا بل هو اجتهادي فيثبت بدلالته الظنية كالقياس المذكور وغيره". "شرح مختصر الروضة جـ٢ ص١٣٢".
١ هذا رد على قولهم: "إن حالة الإفتاء حالة ضرورة، فلو كلفنا كل واحد بالاجتهاد لتعذرت الأحكام".
خلاصته: أن ذلك لا يفضي إلى تعذر الأحكام، فإن العامي إذا لم يصل إلى الحكم بناء على دليل، استطاع أن يرجع إلى البراءة الأصلية، وهي عدم التكليف.
هذا معنى كلامه، وفيه نظر، فإن العامي لا يعرف ذلك.
٢ هو: أبو علي: محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي البصري، رأس المعتزلة وشيخهم، من أشهر مؤلفاته: "تفسير القرآن" و"متشابه القرآن" توفي سنة ٣٠٣هـ. انظر: "الفرق بين الفرق ص١٨٣، فرق وطبقات المعتزلة ص٨٥".
٣ معنى كلام المصنف في هذا الفصل: أن أبا علي الجبائي يشترط في قبول خبر =стр. 351
فصل: [في شروط الراوي] ١
ويعتبر في الراوي المقبول روايته أربعة شروط:
الإسلام، والتكليف، والعدالة، والضبط.
أما الإسلام: فلا خلاف في اعتباره؛ فإن الكافر متهم في الدين٢.
الحواشي
(١) = الواحد أن يرويه عن النبي ﷺ اثنان، ثم يرويه عن كل واحد اثنان، وهكذا إلى الحد الذي يتعذر معه إثبات حديث أصلًا، وقاس خبر الواحد على الشهادة.
ورد عليه المصنف من وجهين:
الأول: الأدلة المتقدمة التي دلت على وجوب العمل بخبر الواحد وهي صحيحة وكثيرة.
الثاني: عدم صحة قياس خبر الواحد على الشهادة لأنها تفارق الخبر من أوجه كثيرة منها: أن الشهادة دخلها التعبد، ولذلك لا تقبل فيها النساء بدون الرجال، إلا في المواضع التي لا يصح اطلاع الرجال عليها.
ومنها: أن الشهادة إنما تكون على معين من الناس، فاحتيط له أكثر من غيره، بخلاف الرواية فإنها تكون في جملة أحكام الناس، وينبني عليها قواعد كلية، فلا يتجرأ المسلم على الكذب فيها.
١ لما انتهى المصنف من بيان جواز التعبد بخبر الواحد عقلًا وسمعًا، أراد أن يبين أن الواحد الذي تقبل روايته له شروط لا بد من تحقيقها.
٢ فلا يؤتمن عليه من خبر ديني، كالرواية، والإخبار عن جهة القبلة، ولا يقبل خبره في وقت الصلاة، وطهارة موضعها، وطهارة الماء، ووقت السحور والإفطار، والأصل في ذلك قوله سبحانه: ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣]
وقوله -تعالى-: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ =стр. 352
فإن قيل: هذا يتجه في كافر لا يؤمن بنبينا ﷺ إذ لا يليق بالسياسة تحكيمه في دين لا يعتقد تعظيمه.
أما الكافر المتأول: فإنه معظم للدين، يمتنع من المعصية، غير عالم أنه كافر، فلم لا تقبل روايته؟
قلنا: كل كافر متأول، فاليهودي -أيضًا- متأول؛ فإن المعاند هو الذي يعرف الحق بقلبه ويجحده بلسانه، وهذا يندر، بل تورّع هذا من الكذب كتورع اليهودي، فلا يلتفت إلى هذا، ولا يستفاد هذا المنصب بغير الإسلام١.
وقال أبو الخطاب -في الكافر والفاسق المتأولين-: إن كان داعية فلا يقبل خبره؛ فإنه لا يؤمن أن يضع حديثًا على موافقة هواه، وإن لم يكن داعية:
فكلام أحمد ﵀ يحتمل الأمرين: من القبول وعدمه؛ فإنه قد قال: "احتملوا الحديث من المرجئة"٢.
وقال: يكتب عن القدري٣ إذا لم يكن داعية.
الحواشي
(١) = ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل﴾ [الممتحنة: ١] أي لا تتولهم في الدين، وهذه الفروع من الدين: شرح المختصر "٢/ ١٣٦".
"وهذا ما أكده القرآن الكريم في العديد من آياته، يقول الله تعالى في سورة البقرة آية: ١٤٦: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
٢ المرجئة: طائفة من أهل الكلام، يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله والمحبة والخضوع، بالقلب والإقرار بالوحدانية، وما جاءت به الرسل ليس داخلًا في أصل الإيمان، فلا تضر مع الإيمان معصية، ولا تنفع مع الكفر طاعة، وهم فرق كثيرة. انظر في معتقداتهم: "الفرق بين الفرق ص٢٠٣، والملل والنحل ١/ ١٨٦".
٣ تقدم التعريف بالقدرية.стр. 353
واستعظم الرواية عن سعد العوفي١ وقال: هو جهمي، امتحن فأجاب٢.
واختار أبو الخطاب: قبول رواية الفاسق المتأول، لما ذكرناه، وأن توهم الكذب منه كتوهمه من العدل؛ لتعظيمه المعصية وامتناعه منها، وهو مذهب الشافعي.
ولذلك كان السلف يروي بعضهم عن بعض، مع اختلافهم في المذاهب والأهواء٣.
الحواشي
(١) ١ هو: سعد بن محمد بن الحسن بن عطية بن سعيد العوفي، ضعيف، قال فيه الإمام أحمد: "جهمي" وقال: "ولم يكن هذا -أيضًا- ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعًا لذاك" توفي سنة ٢٧٦هـ. انظر: تاريخ بغداد "٩/ ١٢٦".
٢ وعبارة أبي يعلى في العدة "٣/ ٩٤٨": "امتحن فأجاب قبل أن يكون ترهيب".
والجهمية: فرقة تنسب إلى "جهم بن صفوان" من الجبرية، وافق المعتزلة في نفي الصفات الأولية: ونفي عن الله -كل ما يوصف به خلقه: كالعلم والحياة، ويقول: إن الإنسان لا يقدر على شيء، وتنسب له الأفعال مجازًا، كما تنسب للجماد، ويقول بفناء الجنة والنار، وأن الإيمان هو المعرفة فقط، كما ينفي رؤية الله -تعالى- في الآخرة.
انظر: في عقيدة هذه الفرقة "الملل والنحل جـ١ ص٨٧".
٣ أرى أن تعليل ابن قدامة في قبول رواية الفاسق المتأول بالقياس على اختلاف السلف الصالح، غير مقبول، وهو قياس مع الفارق، فاختلاف السلف كانت له أسباب ومبررات مشروعة، مثل: اختلاف الرواية، أو عدم اطلاع البعض على الدليل أصلًا، وما إلى ذلك من الأسباب التي تذكر في بيان سبب الخلاف.
والذي نرجحه في هذه المسألة: عدم قبول رواية الفاسق، حتى لو كان متأولًا.
وما نقله المصنف عن الشافعي يخالف ما نقل عنه في الأم، حيث رأى عدم انعقاد النكاح بشهادة الفاسق "الأم ٥/ ٢٢".стр. 354
والثاني: التكليف:
فلا يقبل خبر الصبي والمجنون، لكونه لا يعرف الله -تعالى- ولا يخافه، ولا يلحقه مأثم، فالثقة به أدنى من الثقة بقول الفاسق؛ لكونه يعرف الله -تعالى- ويخافه، ويتعلق المأثم به، ولأنه لا يقبل قوله فيما يخبر عن نفسه -وهو الإقرار- ففيما يخبر به عن غيره أولى١.
أما ما سمعه صغيرًا، ورواه بعد البلوغ: فهو مقبول؛ لأنه لا خلل في سماعه ولا أدائه.
ولذلك: اتفق السلف على قبول أخبار أصاغر الصحابة: كابن عباس، وعبد الله بن جعفر٢، وعبد الله بن الزبير٣،....
الحواشي
(١) = وقال الغزالي: "ومذهب الشافعي: أن الكفر نقصان، والفسق يوجب الرد للتهمة". "المستصفى جـ٢ ص٢٤٢".
وقال: "وتورع المتأول عن الكذب كتورع النصراني، فلا ينظر إليه، بل هذا المنصب لا يستفاد إلا بالإسلام، وعرف ذلك بالإجماع، لا بالقياس" المصدر السابق ص٢٣٠.
قال الشيخ الشنقيطي: "اعلم أن الكافر لا تقبل روايته على التحقيق ولو كان متأولًا معظمًا للدين؛ لأن منصب القبول لا يستفاد بغير الإسلام، وخلاف من خالف في هذا لا يعول عليه" مذكرة أصول الفقه ص١١٢.
١ فرق بعض العلماء بين الصبي المميز وغير المميز، فقلبوا رواية المميز. قال القاضي أبو يعلى: "فأما تحمله الخبر، إن كان عاقلًا مميزًا، ورواه بعد بلوغه، فجائز؛ لإجماع السلف على عملهم بخبر ابن عباس وابن الزبير..... وغيرهم من أحداث الصحابة". "العدة جـ٣ ص٩٤٩".
٢ هو: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، ولد بأرض الحبشة لما هاجر إليها أبواه: جعفر، وأسماء بنت عميس، التي تزوجها أبو بكر بعد وفاة جعفر، ثم علي -بعد أبي بكر-. كانت سنّه عند وفاة النبي ﷺ عشر سنين توفي سنة ٨٠هـ. انظر: "الإصابة ٤/ ٤٠".
٣ هو: عبد الله بن الزبير بن العوام، القرشي الأسدي، ولد سنة اثنتين من الهجرة، =стр. 355
والحسن١، والحسين٢، والنعمان بن بشير٣، ونظرائهم.
وعلى ذلك درج السلف والخلف: في إحضارهم الصبيان مجالس السماع، وقبولهم لشهادتهم فيما سمعوه قبل البلوغ.
والثالث: الضبط٤:
فمن لم يكن حاله السماع ممن يضبط، ليؤدي في الآخرة٥ على
الحواشي
(١) = وقيل في السنة الأولى، وأمه أسماء بنت أبي بكر، بويع بالخلافة سنة ٦٤هـ عقب موت يزيد، ولم يتخلف عن مبايعته إلا أهل الشام، ثم قتل وصلب سنة ٧٣هـ. "الاستيعاب ٣/ ٩٠٥".
١ هو: الحسن بن علي بن أبي طالب، ابن بنت رسول الله ﷺ السيدة فاطمة الزهراء ولد سنة ٣ للهجرة، تولى الخلافة بعد مقتل أبيه، ثم تنازل عنها لمعاوية حقنًا لدماء المسلمين. توفي بالمدينة سنة ٤٩هـ. "الإصابة ٢/ ٦٨".
٢ هو: الحسين بن علي بن أبي طالب، سبط رسول الله ﷺ وابن السيدة فاطمة الزهراء، سيد شباب أهل الجنة، قتل في كربلاء على يد عبيد الله بن زياد سنة ٦١هـ. "الإصابة ٢/ ٧٦".
٣ هو: النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري الخزرجي، ولد قبل وفاة النبي ﷺ بثمان سنين، تولى إمرة الكوفة في خلافة معاوية ستة أشهر، ثم تولى له إمرة حمص، ولابنه يزيد من بعده، ولما مات يزيد دعا لابن الزبير، فخالفه أهل "حمص" وقتلوه سنة ٦٤هـ. "الاستيعاب ٤/ ١٤٩٦".
٤ أصل الضبط: إمساك الشيء باليد، أو اليدين، إمساكًا يؤمن مع الفوات، ثم استعمل -مجازًا- في حفظ الوالي ونحوه البلاد بالحزم وحسن السياسة، وفي حفظ المعاني بألفاظها، أو بدونها بالقوة الحافظة.
ويستعمل في اصطلاح المحدثين في التحري والتشديد في النقل، والمبالغة في إيضاح الخط بالإعراب، والشكل، والنقط. "شرح مختصر الروضة جـ٢ ص١٤٤-١٤٥".
٥ أي بعد البلوغ.следующие страницы →