← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12010

روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان

ابن قدامة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فصل: [في شروط التواتر] وللتواتر ثلاثة شروط: الأول: أن يخبروا عن علم ضروري مستند إلى محسوس١؛ إذ لو

стр. 317

فصل: [مذاهب العلماء في عدد التواتر] واختلف الناس فيه: فمنهم من قال: يحصل باثنين، ومنهم من قال: يحصل بأربعة. وقال قوم بخمسة، وقال قوم بعشرين، وقال آخرون بسبعين، وقيل غير ذلك١.

стр. 318

والصحيح: أنه ليس له عدد محصور، فإنا لا ندري متى حصل علمنا بوجود "مكة" ووجود الأنبياء ﵈ ولا سبيل إلى معرفته؛ فإنه لو قتل رجل في السوق، وانصرفت جماعة فأخبرونا بقتله، فإن قول الأول يحرك الظن، والثاني يؤكده، ولا يزال يتزايد حتى يصير ضروريًّا ولا يمكننا تشكيك أنفسنا فيه. فلو تصور الوقوف على اللحظة التي حصل فيها العلم ضرورة، وحفظ حساب المخبرين، وعددهم: لأمكن الوقوف عليه، ولكن إدراك تلك اللحظة عسير؛ فإنه تتزايد قوة الاعتقاد تزايدًا خفيّ التدريج، كتزايد عقل الصبي المميز، إلى أن يبلغ حد التكليف، وتزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال، فلذلك: تعذّر على القوة البشرية إدراكه. فأما ما ذهب إليه المخصصون بالأعداد، فتحكم فاسد، لا يناسب الغرض، ولا يدل عليه، وتعارض أقوالهم يدل على فسادها. فإن قيل: فكيف تعلمون حصول العلم بالتواتر، وأنتم لا تعلمون أقل عدده؟ قلنا: كما نعلم أن الخبز مشبع، والماء مرو، وإن كنا لا نعلم أقل

стр. 319

مقدار يحصل به ذلك، فنستدل بحصول العلم الضروري على كمال العدد لا أنَّا نستدل بكمال العدد على حصول العلم. فصل ليس من شرط التواتر: أن يكون المخبرون مسلمين، ولا عدولًا؛ لأن إفضاءه إلى العلم، من حيث إنهم مع كثرتهم لا يتصور اجتماعهم على الكذب وتواطؤهم عليه، ويمكن ذلك في الكفار، كإمكانه في المسلمين٢.

стр. 320

ولا يشترط -أيضًا- ألا يحصرهم عدد، ولا تحويهم بلد؛ فإن الحجيج إذا أخبروا بواقعة صدتهم عن الحج، وأهل الجمعة إذا أخبروا عن نائبة في الجمعة منعت من الصلاة، علم صدقهم مع دخولهم تحت الحصر وقد حواهم مسجد، فضلًا عن البلد١.

стр. 321

فصل: [لا يجوز على أهل التواتر كتمان ما يحتاج إليه] ولا يجوز على أهل التواتر كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته، وأنكر ذلك الإمامية١.

стр. 322

وليس بصحيح؛ لأن كتمان ذلك يجري -في القبح- مجرى الإخبار عنه بخلاف ما هو به، فلم يجز وقوع ذلك منهم وتواطؤهم عليه. فإن قيل: قد ترك النصارى نقل كلام عيسى في المهد١؟

стр. 323

قلنا: لأن كلامه في المهد كان قبل ظهوره واتباعهم له. القسم الثاني، أخبار الآحاد وهي: ما عدا المتواتر١ اختلفت الرواية عن إمامنا ﵀ في حصول العلم بخبر الواحد:

стр. 324

فروى: أنه لا يحصل به. وهو قول الأكثرين والمتأخرين من أصحابنا؛ لأنَّا نعلم -ضرورة- أنا لا نصدق كل خبر نسمعه. ولو كان مفيدًا للعلم: لما صح ورود خبرين متعارضين؛ لاستحالة اجتماع الضدين. ولجاز نسخ القرآن والأخبار المتواترة به، لكونه بمنزلتهما في إفادة العلم، ولوجب الحكم بالشاهد الواحد، ولاستوى في ذلك العدل والفاسق كما في المتواتر١. وروي عن أحمد أنه قال: -في أخبار الرؤية- يقطع على العلم بها. وهذا يحتمل أن يكون في أخبار الرؤية وما أشبهها، مما كثرت

стр. 325

رواته، وتلقته الآمة بالقبول، ودلت القرائن على صدق ناقله، فيكون إذًا من المتواتر؛ إذ ليس للمتواتر عدد محصور. ويحتمل أن يكون خبر الواحد عنده مفيدًا للعلم. وهو قول جماعة من أصحاب الحديث وأهل الظاهر. قال بعض العلماء: إنما يقول أحمد بحصول العلم بخبر الواحد فيما نقله الأئمة الذين حصل الاتفاق على عدالتهم وثقتهم وإتقانهم، ونقل من طرق متساوية، وتلقته الأمة بالقبول، ولم ينكره منهم منكر؛ فإن الصديق والفاروق ﵄ لو رويا شيئا سمعاه أو رأياه، لم يتطرق إلى سامعهما شك ولا ريب، مع ما تقرر في نفسه لهما، وثبت عنده من ثقتهما وأمانتهما. ولذلك: اتفق السلف في نقل أخبار الصفات، وليس فيها عمل، وإنما فائدتها: وجوب تصديقها، واعتقاد ما فيها. لأن اتفاق الأمة على قبولها إجماع منهم على صحتها، والإجماع حجة قاطعة١.

стр. 326

............................................

стр. 327

..............................................

стр. 328

..............................................................................

стр. 329

........................................................

стр. 330

فأما التعارض -فيما هذا سبيله- فلا يسوغ إلا كما يسوغ في الأخبار المتواترة وآي الكتاب١. وقولهم: "إنا لا نصدق كل خبر نسمعه" فلأننا إنما جعلناه مفيدًا للعلم؛ لما اقترن به من قرائن زيادة الثقة، وتلقي الأمة له بالقبول٢. ولذلك اختلف خبر العدل والفاسق٣. وأما الحكم بشاهد واحد: فغير لازم؛ فإن الحاكم لا يحكم بعلمه، وإنما يحكم بالبينة التي هي مظنة الصدق٤. والله أعلم.

стр. 331

فصل: [في حكم التعبد بخبر الواحد عقلًا] وأنكر قوم جواز التعبد بخبر الواحد عقلًا١؛ لأنه يحتمل أن يكون كذبًا، والعمل به عمل بالشك، وإقدام على الجهل، فتقبح الحوالة على الجهل. بل إذا أمرنا الشرع بأمر فليعرفناه؛ لنكون على بصيرة، إما ممتثلون، وإما مخالفون٢. والجواب: أن هذا إن صدر من مقر بالشرع فلا يتمكن منه؛ لأنه تعبد بالحكم

стр. 332

بالشهادة، والعمل بالفتيا، أو التوجه إلى الكعبة بالاجتهاد عند الاشتباه، وإنما يفيد الظن، كما يفيد بالعمل بالمتواتر، والتوجه إلى الكعبة عند عدم معاينتها، فلِمَ يستحيل أن يلحق المظنون بالمعلوم؟ وإن صدر من منكر للشرع: فيقال له: أي استحالة في أن يجعل الله -تعالى- الظن علامة للوجوب، والظن مدرك بالحس، فيكون الوجوب معلومًا؟ فيقال له: إذا ظننت صدق الشاهد، والرسول، والحالف: فاحكم به، ولست متعبدًا بمعرفة صدقه، بل بالعمل به عند ظن صدقه، وأنت ممتثل مصيب صدق أم كذب. كما يجوز أن يقال: إذا طار طائر ظننتموه غرابًا: أوجبت عليكم كذا، وجعلت ظنكم علامة، كما جعل زوال الشمس علامة على وجوب الصلاة١.

стр. 333

فصل١ وقال أبو الخطاب: العقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد لأمور ثلاثة: أحدها: أنا لو فرضنا العمل على القطع تعطلت الأحكام؛ لندرة القواطع، وقلة مدارك اليقين. الثاني: أن النبي ﷺ مبعوث إلى الكافة، ولا يمكنه مشافهة جميعهم، ولا إبلاغهم بالتواتر. الثالث: أنا إذا ظننا صدق الراوي فيه ترجح وجود أمر الله -تعالى- وأمر رسوله ﵇ فالاحتياط: العمل بالراجح. وقال الأكثرون: لا يجب التعبد بخبر الواحد عقلًا، ولا يستحيل ذلك. ولا يلزم من عدم التعبد به تعطيل الأحكام؛ لإمكان البقاء على

стр. 334

البراءة الأصلية والاستصحاب. والنبي ﷺ يكلف تبليغ من أمكنه من أمته تبليغه، دون من لا يمكنه، كمن في الجزائر ونحوها.

стр. 335

فصل: [في التعبد بخبر الواحد سمعًا] فأما التعبد بخبر الواحد سمعًا١: فهو قول الجمهور. خلافًا لأكثر القدرية٢ وبعض أهل الظاهر. ولنا دليلان قاطعان: أحدهما: إجماع الصحابة ﵃ على قبوله: فقد اشتهر ذلك عنهم في وقائع لا تنحصر، إن لم يتواتر آحادها حصل العلم بمجموعها.

стр. 336

منها: أن الصديق ﵁ لما جاءته الجدة تطلب ميراثها نشد الناس: من يعلم قضاء رسول الله ﷺ فيها؟ فشهد له محمد بن مسلمة١، والمغيرة بن شعبة٢ أن النبي ﷺ أعطاها السدس، فرجع إلى قولهما، وعمل به "عمر" بعده٣. وروي عن "عمر" ﵁ في وقائع كثيرة: منها: قصة الجنين حين قال: "أذكر الله امرأ سمع من رسول الله ﷺ في الجنين"؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة٤ وقال: "كنت بين جاريتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح٥ فقتلتها

стр. 337

وجنينها، فقضى النبي ﷺ في الجنين بغرة"١ فقال عمر: "لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره"٢. وكان لا يورث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك٣: أن رسول الله ﷺ كتب إليه: أن يورث امرأة أَشْيَم الضبابي٤ من دية زوجها"٥.

стр. 338

ورجع إلى حديث عبد الرحمن بن عوف١ عن النبي ﷺ في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"٢. وأخذ عثمان بخبر "فريعة بن مالك"٣ في السكنى، بعد أن أرسل إليها وسألها٤.

стр. 339

وعلي كان يقول: كنت إذا سمعت من النبي ﷺ حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته. وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر-: أن النبي ﷺ قال: "ما من عبد يذنب، فيتوضأ، ثم يصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له" ١.

стр. 340

ولما اختلف الأنصار في الغسل من المجامعة: أرسلوا أبا موسى١ إلى "عائشة" فروت لهم عن النبي ﷺ : "إذا مس الختان الختان وجب الغسل"٢. فرجعوا إلى قولها. واشتهر رجوع أهل قباء إلى خبر الواحد في التحول إلى الكعبة٣. وروى أنس٤ قال: كنت أسقي أبا عبيدة٥، وأبا طلحة٦.

стр. 341

وأبي بن كعب١ شرابًا من فضيخ٢، إذ أتانا آت فقال: إن الخمرة قد حرمت. فقال أبو طلحة: يا أنس "قم إلى هذه الجرار فاكسرها" فكسرتها٣. ورجع ابن عباس إلى حديث أبي سعيد٤ في الصرف٥.

стр. 342

ورجع ابن عمر إلى حديث رافع بن خديج في المخابرة١. وكان زيد بن ثابت٢ يرى أن لا تصدر الحائض حتى تطوف٣. فقال له ابن عباس سل فلانة الأنصارية، هل أمرها النبي ﷺ بذلك؟ فأخبرته، فرجع زيد يضحك وقال لابن عباس: "ما أراك إلا قد صدقت". والأخبار في هذا أكثر من أن تحصى. واتفق التابعون عليه أيضا٤. وإنما حدث الاختلاف بعدهم.

стр. 343

فإن قيل: لعلهم عملوا بأسباب قارنت هذه الأخبار، لا بمجردها، كما أنهم أخذوا بالعموم، وعملوا بصيغة الأمر والنهي، ولم يكن ذلك نصًّا صريحًا فيها١. قلنا: قد صرحوا بأن العمل بالأخبار؛ لقول عمر: "لولا هذا لقضينا بغيره". وتقدير قرينة وسببها هنا كتقدير قرائن مع نص الكتاب والأخبارالمتواترة وذلك يبطل جميع الأدلة. وأما العموم، وصيغة الأمر والنهي، فإنها ثابتة، يجب الأخذ بها، ولها دلالات ظاهرة، تعبدنا بالعمل بمقتضاها، وعملهم بها دليل على صحة دلالاتها فهي كمسألتنا٢. وإنما أنكرها من لا يعتد بخلافه، وأعتذروا بأنه لم ينقل عنهم في صيغة الأمر والعموم تصريح٣.

стр. 344

فإن قيل: فقد تركوا العمل بأخبار كثيرة١. فلم يقبل النبي ﷺ خبر ذي اليدين٢,

стр. 345

ولم يقبل "أبو بكر" خبر "المغيرة" وحده في ميراث الجدة١. و"عمر" لم يقبل خبر "أبي موسى" في الاستئذان٢. ورد "علي" خبر معقل بن سنان الأشجعي٣ في "بروع"٤.

стр. 346

..........................................................

стр. 347

وردت "عائشة" خبر "ابن عمر" في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه١. قلنا: الجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا حجة عليهم؛ فإنهم قد قبلوا الأخبار التي توقفوا عنها بموافقة غير الراوي له، ولم يبلغ بذلك رتبة التواتر، ولا خرج عن رتبةالآحاد إلى رتبة التواتر. والثاني: أن توقفهم كان لمعان مخصصة بهم. فتوقف النبي ﷺ في خبر "ذي اليدين" ليعلمهم: أن هذا الحكم لا يؤخذ فيه بقول الواحد١.

стр. 348

وأما أبو بكر ﵁: فلم يرد خبر "المغيرة" وإنما طلب الاستظهار بقول آخر، وليس فيه ما يدل على أنه لا يقبل قوله لو انفرد. وأما عمر ﵁ فإنه كان يفعل ذلك سياسة؛ ليتثبت الناس في رواية الحديث، وقد صرح به فقال: "إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ ". وعائشة ﵂ لم ترد خبر "ابن عمر" وإنما تأولته. الدليل الثاني١: ما تواتر من إنفاذ رسول الله ﷺ أمراءه ورسله وقضاته وسعاته إلى الأطراف؛ لتبليغ الأحكام، والقضاء، وأخذ الصدقات وتبليغ الرسالة. ومن المعلوم: أنه كان يجب عليهم تلقي ذلك بالقبول، ليكون مفيدًا، والنبي ﷺ مأمور بتبليغ الرسالة، ولم يكن ليبلغها بمن لا يكتفى به. دليل ثالث٢: أن الإجماع انعقد على وجوب قبول قول المفتي فيما يخبر به عن ظنه فما يخبر به عن السماع الذي لا يشك فيه أولى، فإن تطرق الغلط

стр. 349

إلى المفتي كتطرق الغلط إلى الراوي؛ لأن المجتهد -وإن كان مصيبًا- فإنما يكون مصيبا إذا لم يفرط. وربما ظن أنه لم يفرط، ويكون قد فرط، وهذا عند من يجوز تقليد مقلد بعض الأئمة أولى، فإنه إذا جاز أن يروي مذهب غيره، لم لا يجوز أن يروي قول غيره. فإن قيل: هذا قياس لا يفيد إلا الظن، وخبر الواحد أصل لا يثبت بالظن. ثم الفرق بينهما: أن هذا حال ضرورة، فإنا لو كلفنا كل أحد الاجتهاد تعذر١. قلنا: لا نسلم أنه مظنون، بل هو مقطوع بأنه في معناه؛ فإنا إذا قطعنا بخبر الواحد في البيع، قطعنا به في النكاح، ولم يختلف باختلاف المروي فيه، ولم يختلف ههنا إلا المروي عنه، فإن هذا يروي عن ظنه، وهذا يروي عن غيره٢.

стр. 350

وقولهم: "إنه يفضي إلى تعذر الأحكام" ليس كذلك، فإن العامي يرجع إلى البراءة الأصلية، واستصحاب الحال، كما قلتم في المجتهد إذا لم يجد قاطعًا١. فصل: وذهب الجبائي٢ إلى أن خبر الواحد إنما يقبل إذا رواه عن النبي ﷺ اثنان، ثم يرويه عن كل واحد منهما اثنان إلى أن يصير في زماننا إلى حد يتعذر معه إثبات حديث أصلًا، وقاسه على الشهادة. وهذا باطل بما ذكرناه من الدليل على قبول خبر الواحد. ولا يصح قياسه على الشهادة؛ فإن الرواية تخالف الشهادة في أشياء كثيرة، وكذلك لا تعتبر الرواية في الزنى أربعة، كما يعتبر ذلك في الشهادة فيه٣.

стр. 351

فصل: [في شروط الراوي] ١ ويعتبر في الراوي المقبول روايته أربعة شروط: الإسلام، والتكليف، والعدالة، والضبط. أما الإسلام: فلا خلاف في اعتباره؛ فإن الكافر متهم في الدين٢.

стр. 352

فإن قيل: هذا يتجه في كافر لا يؤمن بنبينا ﷺ إذ لا يليق بالسياسة تحكيمه في دين لا يعتقد تعظيمه. أما الكافر المتأول: فإنه معظم للدين، يمتنع من المعصية، غير عالم أنه كافر، فلم لا تقبل روايته؟ قلنا: كل كافر متأول، فاليهودي -أيضًا- متأول؛ فإن المعاند هو الذي يعرف الحق بقلبه ويجحده بلسانه، وهذا يندر، بل تورّع هذا من الكذب كتورع اليهودي، فلا يلتفت إلى هذا، ولا يستفاد هذا المنصب بغير الإسلام١. وقال أبو الخطاب -في الكافر والفاسق المتأولين-: إن كان داعية فلا يقبل خبره؛ فإنه لا يؤمن أن يضع حديثًا على موافقة هواه، وإن لم يكن داعية: فكلام أحمد ﵀ يحتمل الأمرين: من القبول وعدمه؛ فإنه قد قال: "احتملوا الحديث من المرجئة"٢. وقال: يكتب عن القدري٣ إذا لم يكن داعية.

стр. 353

واستعظم الرواية عن سعد العوفي١ وقال: هو جهمي، امتحن فأجاب٢. واختار أبو الخطاب: قبول رواية الفاسق المتأول، لما ذكرناه، وأن توهم الكذب منه كتوهمه من العدل؛ لتعظيمه المعصية وامتناعه منها، وهو مذهب الشافعي. ولذلك كان السلف يروي بعضهم عن بعض، مع اختلافهم في المذاهب والأهواء٣.

стр. 354

والثاني: التكليف: فلا يقبل خبر الصبي والمجنون، لكونه لا يعرف الله -تعالى- ولا يخافه، ولا يلحقه مأثم، فالثقة به أدنى من الثقة بقول الفاسق؛ لكونه يعرف الله -تعالى- ويخافه، ويتعلق المأثم به، ولأنه لا يقبل قوله فيما يخبر عن نفسه -وهو الإقرار- ففيما يخبر به عن غيره أولى١. أما ما سمعه صغيرًا، ورواه بعد البلوغ: فهو مقبول؛ لأنه لا خلل في سماعه ولا أدائه. ولذلك: اتفق السلف على قبول أخبار أصاغر الصحابة: كابن عباس، وعبد الله بن جعفر٢، وعبد الله بن الزبير٣،....

стр. 355

والحسن١، والحسين٢، والنعمان بن بشير٣، ونظرائهم. وعلى ذلك درج السلف والخلف: في إحضارهم الصبيان مجالس السماع، وقبولهم لشهادتهم فيما سمعوه قبل البلوغ. والثالث: الضبط٤: فمن لم يكن حاله السماع ممن يضبط، ليؤدي في الآخرة٥ على
следующие страницы →