Полный текст (1 205 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
ونهى عن الشذوذ١ وقال: "مَن شَذًٌ شَذٌ فلي النٌار" ٢.
وقال: "لا تزال طائفة من أمتى على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله" ٣.
وقال: "من أراد بحبوحة٤ الجنة فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" ٥.
الحواشي
(١) = المستدرك وابن ماجه: كتاب المناسك، باب الخطبة يوم النحر: "٣٠٥٦" عن جبير بن مطعم، كما رواه أبو داود وابن ماجه عن زيد بن ثابت. انظر: مشكاة المصابيح "١/ ٧٨" ومجمع الزوائد "١/ ١٣٩".
١ الشذوذ: الانفراد والمقارنة، والمقصود: مفارقة جماعة المسلمين.
٢ تقدم تخريجه.
٣ حديث صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الاعتصام، باب قول النبي ﷺ : "لا تزل طائفة من أمتى ظاهرين على الحق" عن المغيرة بن شعبة ﵁ ولفظه: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون".
كما أخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين.
وأخرجه أبو داود في أول كتاب الفتن عن ثوبان ﵁، وكذلك الترمذي وأحمد في المسند "٥/ ٢٧٨".
٤ بحبوحة الجنة: أي وسطها. يقال: بحبوحة الدار: وسطها، ويقال: تبحبح الرجل، وبحبح: إذا تمكن من الحلول والمقام وتوسط المنزل.
٥ حديث صحيح أخرجه الشافعي في الرسالة ص٤٧٤، وأحمد في المسند "١٤/ ١٨، ٢٦" والترمذي حديث "٢١٦٦" وابن ماجه "٢٣٦٣" وابن حبان "٢٢٨٢" والحاكم "١/ ١٨، ٤/ ١" من حديث عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وأبي الدرداء مرفوعًا بألفاظ مختلفة. انظر: شرح البغوي "٣/ ٣٤٧".стр. 422
وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة مشهورة في الصحابة والتابعين، لم يدفعها أحد من السلف والخلف.
وهي وإن لم تتواتر آحادها، حصل لنا بمجموعها العلم الضروري: أن النبي ﷺ عظم شأن هذه الأمة، وبين عصمتها عن الخطأ١.
وبمثل ذلك نجد أنفسنا مضطرين إلى تصديق شجاعة "علي" وسخاء "حاتم" ٢ وعلم "عائشة"، وإن لم يكن آحاد الأخبار فيها متواترًا، بل يجوز على كل واحد منها الكذب لو جرّدنا النظر إليه، ولا يجوز على المجموع.
ويشبه ذلك: ما يحصل فيه العلم بمجموع قرائن آحادها لا ينفك عن الاحتمال، ويحصل بمجموعها العلم الضروري.
ومن وجه آخر٣.
الحواشي
(١) خلاصة ما يريده المصنف من ذلك: أن هذه الأخبار الكثيرة التي أوردها على حجية الإجماع ظاهرة ومشهورة عند الصحابة والتابعين، وهي وإن كانت لم تبلغ حد التواتر اللفظي، إلا أنها إذا انضم بعضها إلى بعض وصلت إلى التواتر المعنوي، كتواتر شجاعة "علي" ﵁ وجود "حاتم الطائي" وعلم السيدة "عائشة" أم المؤمنين ﵂ فهذه الأخبار لو كانت منفردة لجاز عليها الكذب، بخلاف ما لو كانت مجتمعة فإنها تفيد العلم الضروري.
٢ هو: حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج، المشهور بحاتم الطائي، نسبة إلى قبيلة "طيئ" كان جوادًا مشهورًا بالكرم، شاعرًا جيد الشعر، مات سنة ٤٥ قبل الهجرة.
انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة "١/ ٢٤١" تهذيب ابن عساكر "٣/ ٣٢٠ وما بعدها".
٣ خلاصة ذلك: أن المصنف يريد أن يقول: إن دلالة الأحاديث المتقدمة على حجية الإجماع من ثلاثة وجوه:стр. 423
أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين يتمسكون بها في إثبات الإجماع، ولا يظهر فيه أحد خلافًا إلى زمن النظام.
ويستحيل في مطرد العادة ومستقرها توافق الأمم في أعصار مطردة على التسليم لما لم تقم الحجة بصحته، مع اختلاف الطباع، وتباين المذاهب في الرد والقبول.
ولذلك: لم ينفك حكم ثبت بأخبار الآحاد عن خلاف مخالف، وإبداء تردد فيه.
ومن وجه آخر:
أن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلًا مقطوعًا به وهو: الإجماع الذي يحكم على كتاب الله وسنة رسوله.
ويستحيل في العادة التسليم بخبر يرفعون به، الكتاب المقطوع به إلا إذا استند إلى سند مقطوع به.
أما رفع المقطوع بما ليس بمقطوع فليس معلومًا، حتى لا يتعجب
الحواشي
(١) = الوجه الأول: ما تقدم من أن هذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على حجية الإجماع منذ عصور الصحابة والتابعين، وهي وإن لم تتواتر لفظيًّا إلا أنها تفيد التواتر المعنوي كما تقدم.
الوجه الثاني: أن هذه اأحاديث تمسك بها الصحابة والتابعون، ولم يظهر أحد فيها خلافًا إلى زمن النظام، فهو الذي بدأ في إنكار حجية الإجماع، ويستحيل اطراد مثل ذلك إلا إذا كان حجة.
الوجه الثالث: أن المحتجين بهذه الأحاديث أثبتوا بها أصلًا مقطوعًا به يحكم به على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فلا بد وأن يكون مستندًا، إلى دليل قطعي. هذا معنى كلامه، وفيه نظر يطول شرحه.стр. 424
متعجب، ولا يقول قائل: كيف ترفعون الكتاب القاطع بإجماع مستنده إلى خبر غير معلوم الصحة؟!
وكيف يذهل عنه جميع الأمة إلى زمن النظام فيختص بالتنبيه له؟ هذا وجه الاستدلال١.
فصل: ولا يشترط في أهل الإجماع أن يبلغوا عدد التواتر؛
لأن الحجة في قولهم، لصيانة الأمة عن الخطأ بالأدلة المذكورة، فإذا لم يكن على الأرض مسلم سواهم، فهم على الحق يقينًا، صيانة لهم عن الاتفاق على الخطأ٢.
الحواشي
(١) ١ أي وجه الاستدلال بالأحاديث المتقدمة على حجية الإجماع، وهي من ثلاثة أوجه -كما تقدم-.
٢ خلاصة ذلك: أنه لا يشترط لصحة الإجماع أن يبلغ المجمعون عدد التواتر كما لا يشترط ذلك في الدليل السمعي، لأن المقصود اتفاق مجتهدي العصر، وقد حصل، ولا دخل للعدد فيه.
ونقل عن بعض العلماء أنه يشترط التواتر، ومنهم: أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين، وابن السبكي.
هكذا ورد في بعض الكتب مثل: شرح تنقيح الفصول ص٣٤١، شرح الكوكب المنير "٢/ ٢٥٢".
إلا أن الغزالي وغيره من العلماء يفرقون بين من أخذ حجية الإجماع من دليل العقل، وبين من أخذ من الدليل السمعي.
فإذا كان من دليل العقل فيلزم اشتراط التواتر، وإذا كان من السمع ففيه مذهبان:
أحدهما: اشتراط ذلك.
وثانيهما: عدم الاشتراط. =стр. 425
فصل: [في المعتبرين في الإجماع]
ولا اختلاف في اعتبار علماء العصر من أهل الاجتهاد في الإجماع وأنه لا يعتد بقول الصبيان والمجانين.
فأما العوام:
فلا يعتبر قولهم عند الأكثرين.
وقال قوم: يعتبر قولهم؛ لدخولهم في اسم "المؤمنين" ولفظ الأمة١.
الحواشي
(١) = وأورد أدلة كل فريق ورجح عدم الاشتراط كما يقول الجمهور.
راجع في هذه المسألة: "البرهان ١/ ٦٨٠، ٦٩١، المستصفى ٢/ ٣٥١ وما بعدها، بيان المختصر للأصفهاني ١/ ٥٧٣-٥٧٥".
١ خلاصة هذا الفصل: أن كل واحد من الأمة، إما أن يكون مجتهدًا أو لا، فإن كان مجتهدًا فلا خلاف في اعتبار موافقته، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، فإما أن يكون غير مكلف، وإما أن يكون مكلفًا، فإن كان غير مكلف فلا خلاف في عدم اعتبار، وموافقته كالصبي والمجنون.
وإن كان مكلفًا كالعوام، وطلبة العلم الذين لم يصلوا إلى درجة الاجتهاد، فهؤلاء لا يعتبر قولهم من الإجماع، وهذا هو رأي جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة:
وذهب بعض العلماء إلى اعتبار قولهم في الإجماع، كأبي بكر الباقلاني والآمدي.
ومنهم من قال: يعتبر قولهم في المسائل المشهورة والمعلومة من الدين بالضرورة.
ومن الأدلة التي استند إليها هؤلاء: أن اسم "المؤمنين" و"الأمة" يشمل العوام، كما يشمل المجتهدين. وأجيب عنه: بأن العامي خص من هذا العموم، كما خص الصبي والمجنون. =стр. 426
وهذا القول يرجع إلى إبطال الإجماع؛ إذ لا يتصور قول الأمة كلهم في حادثة واحدة.
وإن تصوّر: فمن الذي ينقل قول جميعهم، مع كثرتهم وتفرقهم في البوادي والأمصار والقرى؟!
ولأن العامي ليس له آلة هذا الشأن١، فهو كالصبي في نقصان الآلة، ولا يفهم من عصمة الأمة عن الخطأ: إلا عصمة من تتصور منه الإصابة لأهليته.
والعامي إذا قال قولًا: علم أنه يقوله عن جهل، وليس يدري ما يقول.
ولهذا انعقد الإجماع على أنه يعصي بمخالفة العلماء، ويحرم عليه ذلك.
ولذلك ذم النبي ﷺ الرؤساء الجهال الذين أفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا٢.
وقد وردت أخبار كثيرة بإيجاب المراجعة للعلماء، وتحريم الفتوى بالجهل والهوى٣.
الحواشي
(١) = انظر: "آراء العلماء وأدلتهم في: شرح الكوكب المنير ٢/ ٢٥٢، شرح مختصر الروضة ٣/ ٣١ وما بعدها، العدة ٤/ ١١٣".
١ وهي أهليته للنظر والاجتهاد.
٢ يشير بذلك إلى الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، أن النبي ﷺ قال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم -أو لم يُبق عالمًا- اتخذ الناس رؤساء -وفي بعض الروايات رءوسًا- جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا".
٣ مثل قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] =стр. 427
فصل: [فيمن يعتبر في الإجماع من أصحاب العلوم]
ومن يعرف من العلم ما لا أثر له في معرفة الحكم، كأهل الكلام، واللغة، والنحو ودقائق الحساب: فهو كالعامي لا يعتد بخلافه، فإن كل أحد عامي بالنسبة إلى ما لم يحصل علمه، وإن حصل علمًا سواه١.
فأما الأصولي الذي لا يعرف تفاصيل الفروع، والفقيه الحافظ لأحكام الفروع، من غير معرفة بالأصول، أو النحوي إذا كان الكلام في
الحواشي
(١) و [الأنبياء: ٧] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ... ﴾ [النساء: ٨٣] .
وروى جابر بن عبد الله قال: "خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: "قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتمم ويعصر -أو يعصب- على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده" أخرجه أبو داود "٣٣٦" وابن ماجه "٥٧٢" والدارمي "١/ ١٥٧" وأحمد "٣٠٥٦" والطبراني "١١٤٧٢" وله طرق أخرى كثيرة.
١ وهو رأي الجمهور العلماء. قال الطوفي: "ويعتبر في إجماع كل فن قول أهله، كالفقيه في الفقه، والأصولي في الأصول، والنحوي في النحو، والطبيب في الطب، إذ غير أهل ذلك الفن، بالإضافة إلى ذلك الفن عامة".
ثم قال: "وعلى قول القاضي أبي بكر ينبغي أن يعتبر في الإجماع في فن إجماع أهل سائر الفنون؛ لأن أسوا أحوالهم أن يكونوا كالعامة، وهو يعتبر قولهم" شرح المختصر "٣/ ٣٦".стр. 428
مسألة تنبني على النحو: فلا يعتد بقولهم -أيضًا-.
وقال قوم: لا ينعقد الإجماع بدونهم؛ لأن الأصولي -مثلًا- العارف بمدارك الأحكام، وكيفية تلقيها من المفهوم والمنطوق، وصيغة الأمر والنهي، والعموم: متمكن من درك الأحكام إذا أراد، وإن لم يحفظ الفروع١.
وآية ذلك٢: أن "العباس"٣........................................
الحواشي
(١) ١ قوله "فأما الأصولي ... إلخ" هذا متفرع على مسألة تجزؤ الاجتهاد، فمن أجاز ذلك أجاز أن يكون قول هؤلاء معتبرًا، لأن كلًّا منهم وإن لم يكن أهلًا للاجتهاد في جميع المسائل، لكنه أهل للاجتهاد في بعضها، مثل: أن يبني الأصولي وجوب الزكاة على أن الأمر للفور، ويبني النحوي مسائل الشرط في الطلاق على باب الشرط والجزاء. ومن منع تجزؤ الاجتهاد منع ذلك.
قال الطوفي: "والأشبه بالصواب، وما دل عليه الدليل، اعتبار قول الأصولي والنحوي فقط، دون الفقيه الصرف؛ لتمكّنهما من إدراك الحكم بالدليل، هذا بقواعد الأصول، وهذا بقواعد العربية، لأن علمهما من مواد الفقه وأصوله، فيتسلطان به عليه، ولأن مباحث الأصول والعربية عقلية، وفيهما من القواطع كثير، فيتنقح بهما الذهن، ويقوى بهما استعداد النفس لإدراك التصورات والتصديقات حتى يصير لها ذلك ملكة، فإذا توجهت إلى الأحكام الفقهية أدركتها".
المصدر السابق ص٣٩.
٢ يقصد بذلك: الاستدلال على أنه يعتد بخلاف من لم يصل إلى درجة من العلم كما وصل بعض الصحابة، وأجرى مقارنة بين العباس، وطلحة، والزبير، وبين العبادلة: كعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، وبعضهم كان من أهل الشورى الذين عينهم عمر بن الخطاب، كعبد الله بن عمر وغيره.
٣ هو: العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، كان من أكابر قريش في =стр. 429
و "طلحة"١ و"الزبير" ونظراءهم ممن لم ينصب نفسه للفتيا نصب العبادلة، وزيد بن ثابت ومعاذ: يعتد بخلافهم.
وكيف لا يعتد بهم وهم يصلحون للإمامة العظمى، وقد سمّي بعضهم في الشورى، ولم يكونوا يحفظون الفروع، بل لم تكن الفروع موضوعة بعد.
لكن عرفوا الكتاب والسنة، وكانوا أهلًا لفهمهما.
والحافظ للفروع قد لا يحفظ دقائق مسائل الحيض والوصايا، فأصل هذه الفروع لأصل هذه الدقائق.
ولنا٣: أن من لا يعرف الأحكام لا يعرف النظير فيقيس عليه.
الحواشي
(١) = الجاهلية، وفي الإسلام. توفي سنة ٣٢هـ "صفة الصفوة ١/ ٢٠٣".
١ هو: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو، القرشي، التيمي، شهد أحدًا وما بعدها، أحد العشرة والمبشرين بالجنة، قتل في وقعة الجمل سنة ٣٦هـ. "الإصابة ٣/ ٢٩٠".
٢ هو: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد القرشي الأسدي، ابن عمة النبي ﷺ أول من سل سيفًا في الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة. قتل سنة ٣٦هـ. "الاستيعاب ٢/ ٥١٠-٥١٦".
٣ بدأ المصنف يذكر ما يرجح مذهب القائلين بعدم تجزؤ الاجتهاد، فبين أن من لا يعرف الأحكام الشرعية لا يستطيع معرفة نظائرها، ومن يعرف النصوص الشرعية، ولا يعرف كيف تؤخذ منها الأحكام، والتي تسمى بكيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة، كل هؤلاء لا يمكنهم معرفة الأحكام.
ثم رد على استشهاد المخالفين بالصحابة، بأن هؤلاء الصحابة كانوا على علم بالأدلة الشرعية وبكيفية استنباط الأحكام منها.
ثم أورد استفهامًا على هذه المسألة، هل هي اجتهادية أو قطعية؟ فأجاب: بأنها اجتهادية، ومعنى هذا: أننا إذا اعتبرنا قول العوام ومن في حكمهم في =стр. 430
ومن لا يعرف الاستنباط، مع عدم معرفته ما يستنبط منه: لا يمكنه الاستنباط.
وكذلك من يعرف النصوص، ولا يدري كيف يتلقى الأحكام منها: كيف يمكنه تعرف الأحكام؟
وأما الصحابة الذين ذكروهم: فقد كانوا يعلمون أدلة الأحكام، وكيفية الاستنباط، وإنما استغنوا بغيرهم، واكتفوا بمن سواهم.
فإن قيل: فهذه المسألة اجتهادية أم قطعية؟
قلنا: هي اجتهادية، فمتى جوزنا أن يكون قول واحد من هؤلاء معتبرًا فخالف: لم يبق الاجماع حجة قاطعة.
الحواشي
(١) = الإجماع، فخالف بعضهم، لم يكن الإجماع حجة قطعية، لمخالفة البعض، وإذا لم نعتبره كان الإجماع حجة قطعية، لأن مخالفتهم كمخالفة الصبيان فلا أثر لها.стр. 431
فصل: [في عدم الاعتداد بقول الكافر والفاسق في الإجماع]
ولا يعتد في الإجماع بقول كافر، سواء بتأويل أو بغيره١.
الحواشي
(١) ١ ينقسم الكافر إلى معاند ومتأول، فالمعاند: كاليهود والنصاري ومن ارتد عن الإجماع بلا خوف.
أما المتأول: وهو المستند إلى شبهة، كمبتدعة المسلمين من الخوارج والمعتزلة ونحوهما، فهؤلاء للعلماء فيهم قولان:
أحدهما: عدم قبول قولهم مطلقًا.
والثاني: أنهم كالكفار عند من يكفرهم، فلا يقبل قولهم بالنسبة له، ومن لا يكفرهم يقبل قولهم.стр. 432
فأما الفاسق باعتقاد، أو فعل١ فقال القاضي: لا يعتد بهم٢ وهو قول جماعة٣؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ٤. أي: عدولًا. وهذا غير عدل، فلا تقبل روايته، ولا شهادته، ولا قوله في الإجماع.
ولأنه لا يقبل قوله منفردًا فكذلك مع غيره.
وقال أبو الخطاب. يعتد بهم٥؛ لدخولهم في قوله تعالى: ﴿ ... وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين﴾ . وقوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على خطأ".
الحواشي
(١) ١ مثال الفسق بالاعتقاد: الرفض والاعتزال، والفسق بالفعل: كالزنا والسرقة وشرب الخمر كما في شرح الكوكب المنير "٢/ ٢٢٧" وقال الطوفي: "المختار أن من كان من أهل الشهادتين فإنه لا يكفر ببدعة على الإطلاق، ما استند فيها إلى تأويل يلتبس فيه الأمر على مثله، فيقبل قول جميع مبتدعة المسلمين الذين هم كذلك، إذا عرف منهم الصدق والعدالة في بدعتهم، كما قلنا: إن الكافر العدل في دينه يلي مال ولده الصغير والمجنون؛ لأنه إذا اجتمعت العدالة مع الكفر، فمع البدعة أولى، وقد ثبت أن أئمة الحديث نقلوا أخبار كثير من أهل البدع الغليظة، لصدقهم وعدالتهم في بدعتهم. "الشرح ٣/ ٤٤".
٢ انظر: العدة لأبي يعلى "٤/ ١١٣٩".
٣ منهم: الجصاص: والجرجاني، وكثير من علماء الحنفية وغيرهم.
٤ سورة البقرة من الآية: ١٤٣.
٥ هذا النقل مخالف لما في التمهيد "٣/ ٢٥٣" حيث قال: "والصحيح عندي أنه إذا كان من أهل الاجتهاد وارتكب بدعة كفّر بها لم يعتد بخلافه، وإن لم يكفّر بها اعتد بخلافه" وفي المسألة آراء أخرى ذكرها أيضًا، كما ذكرها أبو يعلى في العدة "٤/ ١٠٤٠".стр. 433
فصل: في الاعتداد بقول التابعي المجتهد في إجماع الصحابة
...
مسألة: [في الاعتداد بقول التابعي المجتهد في إجماع الصحابة]
وإذا بلغ التابعي رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة اعتد بخلافه في الإجماع عند الجمهور، واختاره أبو الخطاب١.
وقال القاضي وبعض الشافعية: لا يعتد به، وقد أومأ أحمد ﵁ إلى القولين٢.
وجه قول القاضي:
أن الصحابة شاهدوا التنزيل، وهم أعلم بالتأويل، وأعرف بالمقاصد، وقولهم حجة على من بعدهم، فهم مع التابعين كالعلماء مع العامة، ولذلك قدمنا تفسيرهم٣.
الحواشي
(١) ١ انظر: التمهيد "٣/ ٢٦٧" وهو رأي الحنفية والمالكية وجمهور الشافعية، وهو ما اختاره ابن عقيل، والقاضي أبو الطيب الطبري، وأبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وابن السمعاني.
وقال القاضي عبد الوهاب، الفقيه المالكي: الحق التفصيل، وهو: أن الواقعة إن حدثت للصحابة بعد أن صار التابعي من أهل الاجتهاد، كان كأحدهم لا إجماع لهم بدونه، وإن حدثت قبل أن يصير من أهل الاجتهاد، فأجمعوا على حكمها، أو اختلفوا، أو توقفوا، لم يعتد بقوله.
قال الطوفي: "قلت: ونحوه اختار الآمدي، والأشبه: أنه متى أدرك الخلاف فيها، أو التوقف، اعتبر قوله فيها، اختلافًا أو اتفاقًا" شرح المختصر "٣/ ٦٢".
٢ الروايتان عن الإمام أحمد ذكرهما القاضي أبو يعلى في العدة "٤/ ١١٥٣، ١١٥٧" وأبو الخطاب في التمهيد "٣/ ٢٦٧، ٢٦٨".
٣ ذكر القاضي أبو يعلى في العدة "٤/ ١١٦٠" عدة وجوه تأييدًا لمذهبه، وأورد أدلة المخالفين وردّ عليها، وخلص من ذلك كله: أن للصحابة ﵃ مزايا لا توجد في التابعين، فلا يشاركهم التابعون في هذا الفضل.стр. 434
وأنكرت عائشة ﵂ على أبي سلمة١ حين خالف ابن عباس، قالت: "إنما مثلك مثل الفروج، سمع الديكة تصيح فصاح لصياحها"٢.
ووجه الأول٣:
أنه إذا بلغ رتبة الاجتهاد: فهو من الأمة، فإجماع غيره لا يكون إجماع كل الأمة، والحجة إجماع الكل.
نعم لو بلغ رتبة الاجتهاد بعد إجماعهم: فهو مسبوق بالإجماع، فهو كمن أسلم بعد تمام الإجماع.
ولا خلاف أن الصحابة ﵃ سوّغوا اجتهاد التابعين:
ولهذا ولى عمر ﵁ "شريحًا"٤ القضاء وكتب إليه:
الحواشي
(١) ١ هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته. كان ثقة كثير الحديث، روى عن أبيه وعن عثمان بن عفان وطلحة وعائشة وغيرهم.
توفي سنة ٩٤هـ. وقيل: سنة ١٠٤هـ. "تهذيب التهذيب ١٢/ ١١٥".
٢ مخالفة أبي سلمة لابن عباس في عدة المتوفى عنها زوجها سيأتي تخريجها قريبًا، وليس فيها كلام السيدة عائشة ﵂ والذي ورد فيه ذلك هو: ما رواه مالك في الموطأ: كتاب الطهارة، باب واجب الغسل إذا التقى الختانان وفيه: "قال أبو سلمة: سألت عائشة زوج النبي ﷺ ما يوجب الغسل؟ فقالت: هل تدري ما مثلك يا أبا سلمة؟ مثل الفروج يسمع الديكة تصرخ، فيصرخ معها، إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل".
٣ أي المذهب الأول وهو مذهب جمهور العلماء، من أن التابعي إذا بلغ رتبة الاجتهاد اعتد برأيه في الإجماع.
٤ هو: شريح بن الحارث بن قيس، أبو أمية الكندي، الكوفي، القاضي المشهور، تولى القضاء ستين سنة مات سنة ٧٨هـ وقيل غير ذلك بعد أن عمر طويلًا. =стр. 435
"ما لم تجد في السنة فاجتهد رأيك"١.
وقد علم أن كثيرًا من أصحاب عبد الله٢، كعلقمة٣، والأسود٤، وغيرهما، وسعيد بن المسيب٥، وفقهاء المدينة٦ كانوا يفتون في عصر الصحابة ﵃ فكيف لا يعتد بخلافهم؟!
الحواشي
(١) = انظر: "تذكرة الحفاظ ١/ ٥٨، شذرات الذهب ١/ ٨٥".
١ كتاب عمر ﵁ إلى شريح أخرجه وكيع في كتابه: أخبار القضاة "٢/ ١٨٩" بسنده إلى الشعبي ولفظه: "عن الشعبي قال: كتب عمر إلى شريح: ما في كتاب الله وقضاء النبي ﷺ فاقض به، فإذا أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يقض به النبي ﵇ فما قضى به أئمة العدل، وما لم يقض به أئمة العدل فأنت بالخيار، إن شئت أن تجتهد رأيك، وإن شئت تؤامرني، ولا أرى في مؤامرتك إياي إلا أسلم ذلك".
كما رواه بلفظ آخر قريب مما تقدم، جاء في آخره: ".. فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يسنه رسول الله، ولم يتكلم به أحد، فاختر أي الأمرين شئت، فإن شئت فتقدم واجتهد رأيك، وإن شئت فأخره، ولا أرى التأخير إلا خيرًا لك".
٢ يعني: عبد الله بن مسعود ﵁ وتقدمت ترجمته.
٣ هو: علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي الهمداني، تابعي، كان يشبه ابن مسعود في هديه وسمته وفضله. توفي سنة ٦٢هـ. "تأريخ بغداد ١٢/ ٢٩٦".
٤ هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، الكوفي، تابعي، روى عن الخلفاء الأربعة، كما روى عن عائشة وغيرها. توفى سنة ٧٥هـ. وقيل غير ذلك.
"تذكرة الحفاظ ١/ ٥٠، تهذيب التهذيب ١/ ٣٢١".
٥ هو: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة. توفي سنة ٩٤هـ. "حلية الأولياء ٢/ ١٦١".
٦ فقهاء المدينة هم: الذين عينهم عمر بن عبد العزيز لأخذ رأيهم في أمور المسلمين كمجلس استشاري له ﵁ حتى روى أنه قال لهم: "إنما =стр. 436
وقد روى الإمام أحمد في الزهد أن أنسًا١ سئل عن مسألة فقال: "سلوا مولانا الحسن٢، فإنه غاب وحضرنا، وحفظ ونسينا"٣ "وإنما
الحواشي
(١) = دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانًا على الحق، ما أريد أن اقطع أمرًا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم" وكانوا عشرة هم:
١- عبد الله بن عامر بن ربيعة توفي سنة بضع وثمانين من الهجرة.
٢- عروة بن الزبير. توفي سنة ٩٤هـ.
٣- أبو بكر بن عبد الرحمن. توفي سنة ٩٤هـ.
٤- عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. توفي سنة ٩٨هـ.
٥- خارجة بن زيد. توفي سنة ١٠٠هـ.
٦- عبد الله بن عبد الله بن عمرو. توفي سنة ١٠٥هـ.
٧- سالم بن عبد الله بن عمر. توفي سنة ١٠٦هـ.
٨- سليمان بن يسار. توفي سنة ١٠٧هـ.
٩- القاسم بن محمد. توفي سنة ١٠٨هـ.
١٠- أبو بكر سليمان بن أبي حثْمة.
انظر: "تأريخ الطبري ٦/ ٤٢٧-٤٢٨" ط. دار المعارف، عمر بن عبد العزيز وسياسته في رد المظالم، ماجدة فيصل زكريا ص٧٣ ط مكتبة الطالب الجامعية مكة المكرمة".
١ يعنى: أنس بن مالك، تقدمت ترجمته.
٢ هو: الحسن بن أبي الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، تابعي عالم زاهد، ولد بالمدينة المنورة في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وتوفي سنة بالبصرة سنة ١١٠هـ. "تذكرة الحفاظ ١/ ٧١".
٣ هذا الأثر أخرجه ابن سعد في الطبقات "٧/ ١٧٦" في ترجمة الحسن البصري وفيه:....... فقالوا: يا أبا حمزة نسألك وتقول: سلوا مولانا الحسن؟! فقال: إنا سمعنا وسمع، فحفظ ونسينا" وذكر مثله الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب "٢/ ٢٦٤".стр. 437
يفضل الصحابي بفضيلة الصحبة"١ أليس فيكم أبو الشعثاء؟ يعني: جابر بن زيد٢.
وروى نحوه عن جابر بن عبد الله٣.
وإنما فضّل الصحابي بفضيلة الصحبة٤، ولو كانت هذه الفضيلة تخصص الإجماع لسقط قول متأخري الصحابة بقول متقدميهم، وقول المتقدم منهم بقول العشرة٥، وقول العشرة بقول الخلفاء، وقولهم بقول أبي بكر وعمر ﵄ وإنكار عائشة على أبي سلمة مخالفة ابن عباس قد خالفها أبو هريرة٧ فقال: "أنا مع ابن اخي"٨ هي قضية في عين،
الحواشي
(١) ١ يبدو أن هذه الجملة مكررة ولا محل لها هنا، وأن قوله "أليس فيكم أبو الشعثاء" من تمام الأثر. والله أعلم.
٢ هو: جابر بن زيد الأزدي ثم الجوفي -نسبة إلى الجوف- محلة بالبصرة، فقيه ثقة، من مشاهير علماء التابعين. توفي سنة ٩٣هـ. "البداية والنهاية ٩/ ٩٣".
٣ تقدمت ترجمته.
٤ هذه الجملة تؤكد أن الجملة السابقة مكررة.
٥ يقصد العشرة المبشرين بالجنة، وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وأبو عبيدة الجراح، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد. ﵃ جميعًا.
٦ يريد أن يرد على الاستشهاد بالأثر المروي عن السيدة عائشة ﵂ بأنه معارض بما روي عن ابي هريرة ﵁ من أنه وافق أبي سلمة على رأيه -كما سيأتي-.
٧ هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، المقلب بأبي هريرة، كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث ورواية له. توفي سنة ٥٩هـ. "تهذيب الأسماء ٢/ ٢٧٠".
٨ أخرج هذا الأثر البخاري في كتاب التفسير، سورة الطلاق، كما أخرجه مسلم، =стр. 438
يحتمل أنها أنكرت عليه ترك التأدب مع ابن عباس، أولم تره بلغ رتبة الاجتهاد، أوغير ذلك من المحتملات. والله أعلم.
الحواشي
(١) = والترمذي والنسائي وغيرهم ولفظه: "عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: كنا نتذاكر أنا وابن عباس وأبو هريرة في عدة المتوفى عنها زوجها، فقال ابن عباس: أبعد الأجلين، وقلت أنا عدتها: أن تضع حملها، وقال أبو هريرة:
أنا مع ابن أخى، فأرسل ابن عباس غلامه "كريبًا" إلى أم سلمة يسألها فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله ﷺ وكان أبو السنابل فيمن خطبها".стр. 439
فصل: [في حكم انعقاد الإجماع بقول الأكثر]
ولا ينعقد الإجماع بقول الأكثرين من أهل العصر في قول الجمهور١.
وقال محمد بن جرير٢، وأبو بكر الرازي٣: ينعقد٤.
الحواشي
(١) ١ وهو: المنقول عن أكثر الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. وهو الذي رجحه الغزالي حيث قال: "والمعتمد عندنا: أن العصمة إنما تثبت للأمة بكليتها، وليس هذا إجماع الجميع، بل هو مختلف فيه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشوري: ١٠] وانظر: المستصفى "٢/ ٣٤١".
٢ وهو: محمد بن جرير بن يزيد، أبو جعفر الطبري، الإمام الجليل والمجتهد، المطلق، جمع من العلوم ما لا يشاركه فيه أحد من أهل عصره. توفي سنة ٣١٠هـ. "وفيات الأعيان ٣/ ٣٣٢، شذرات الذهب ٢/ ٢٦٠".
٣ هو: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص، الفقيه الحنفي المشهور، ولد سنة ٣٠٥هـ وتوفي سنة ٣٧٠هـ. "الدرر المضية ١/ ٨٤".
٤ ونقل أبو الحسن البصرى في "المعتمد" "٢/ ٤٨٦" هذا الرأي عن أبي الحسين الخياط. =стр. 440
وقد أومأ إليه أحمد ﵀.
ووجهه١:
أن مخالفة الواحد شذوذ، وقد نهى عن الشذوذ.
وقال ﵇: "عليكم بالسواد الآعظم". وقال: "الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد".
ولنا٢:
أن العصمة إنما تثبت للأمة بكليتها، وليس هذا إجماع الجميع بل هو مختلف فيه، وقد قال -تعالى-: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ... ﴾ ٤.
فإن قيل٥:
الحواشي
(١) = وفي أصول السرخسي "١/ ٣١٦": أن رأي أبي بكر الرازي فيه تفصيل: وهو أن الأكثرين إذا سوغوا للأقل ذلك الاجتهاد لم ينعقد الإجماع، وإن أنكروا عليهم رأيهم انعقد الإجماع.
ونقل الغزالي رأيًا آخر في المسألة وهو: إن بلغ عدد الأقل عدد التواتر اندفع الإجماع، وإن نقص فلا يندفع.
ونقل الشوكاني في إرشاد الفحول جـ١ ص٣٤١ عن القاضي أبي بكر أنه قال: إن هذا الرأي هو الذي صح عن ابن جرير.
١ أي دليل القائلين بانعقاد الإجماع بقول الأكثر.
٢ بدأ المصنف يذكر أدلة الجمهور على أن الإجماع لا ينعقد بقول الأكثرين.
٣ سورة النساء من الآية: ٥٩.
٤ سورة الشورى من الآية: ١٠.
٥ هذا اعتراض أورده المصنف على لسان المخالفين للجمهور، خلاصته: أنه قد =стр. 441
قد يطلق اسم الكل على الأكثر؟
قلنا: هذا مجاز؛ لأن الجمع المعرّف حقيقة في الاستغراق، ولهذا يصح أن يقال: إنهم ليسوا كل المؤمنين، ولا يجوز التخصيص بالتحكم.
وقد وردت نصوص تدل على قلة أهل الحق وذم الأكثرين: كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١ ونحوها.
وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ... ﴾ ٢. وقال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ٤ وقال ﷺ "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء".
الحواشي
(١) = يطلق اسم الأمة وهو الكل على الأكثر، كما يقال: بنو تميم يحمون الجار، ويكرمون الضيف، ويراد به الأكثر.
وأجاب المصنف على ذلك: بأن هذا من قبيل المجاز، والمجاز لا بد له من دليل، ولا دليل هنا على التخصيص، ولا يجوز التخصيص بالتحكم من غير دليل.
ثم أكمل الرد بقوله بعد ذلك: "وقد وردت نصوص إلخ" ومعناه: أنه كيف تصح دعواكم والحال أنه قد وردت نصوص كثيرة تدل على قلة أهل الحق".
١ سورة الأنعام الآية: ٣٧.
٢ سورة "ص" من الآية: ٢٤.
٣ سورة البقرة من الآية: ٢٤٩.
٤ سورة سبأ من الآية: ١٣.
٥ الحديث رواه مسلم "١٤٦" من حديث عبد الله بن عمر بلفظ "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود -كما بدأ- غريبًا، فطوبى للغرباء".
كما رواه أحمد في المسند "١٦٠٤" عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت أبي =стр. 442
دليل ثان١:
إجماع الصحابة على تجويز المخالفة للآحاد:
الحواشي
(١) = يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود كما بدأ فطوبى يومئذ للغرباء، إذا فسد الناس، والذي نفس أبي القاسم بيده، ليأرز الإيمان بين هذين المسجدين، كما تأرز الحية في جحرها".
ومعنى: يأرز: أي ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض. والمسجدان: هما المسجد الحرام، والمسجد النبوي بالمدينة المنورة.
و"بدأ" بالهمز وبدونه، معناها: الابتداء، وبدون همز معناها الظهور، قال النووي: ضبطناه بالهمز ويؤيده المقابلة بالعود، فإن العود يقابل بالابتداء.
قال ابن بدران: "ومعناه: أن الإسلاكم بدأ في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشر وظهر، ثم سيلحقه النقص والإخلال، حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة -أيضًا- كما بدأ.
وحاصل الاستدلال: أنه إذا لم يكن ضابط يضبط أهل الإجماع، ولا مرد يرجع إليه عند الاختلاف، فلا خلاص إلا بقول الجميع". "نزهة الخاطر ١/ ٣٦٠".
١ هذا دليل ثان لمذهب الجمهور على أن الإجماع لا ينعقد بقول الأكثر، وصرح الغزالي بذلك فقال: "الدليل الثاني: إجماع الصحابة على تجويز الخلاف للآحاد، فكم من مسألة انفرد فيها الآحاد بمذهب، كانفراد ابن عباس بالعول، فإنه أنكره "المستصفى ٢/ ٣٤٣".
ووجه الدلالة من هذا الدليل: أن ابن عباس وغيره من الصحابة خالفوا جمهور الصحابة في مسائل كثيرة، وجوز الصحابة لهم هذه المخالفة، وهذا الانفراد ببعض الآراء، ولو انعقد إجماع الصحابة بدون ذلك، لاستحال ترك النكير عليهم، وإقرارهم على مخالفة الإجماع، فدل ذلك على أن الإجماع مع مخالفة الأقل لا ينعقد وهو المدعى.стр. 443
فانفرد ابن عباس بخمس مسائل في الفرائض١، وانفراد ابن مسعود بمثلها٢.
الحواشي
(١) ١ وضح المصنف -رحمه الله تعالى- هذه المسائل في المغني فقال:
"فصل: حصل خلاف ابن عباس للصحابة في خمس مسائل، اشتهر قوله فيها:
أحدها: زوج وأبوان.
والثانية: امرأة وأبوان، للأم ثلث الباقي عندهم، وجعل هو لها ثلث المال فيهما.
والثالثة: أنه لا يحجب الأم إلا ثلاثة من الأخوة "يعنى من الثلث إلى السدس".
والرابعة: لم يجعل الأخوات مع البنات عصبة.
والخامسة: أنه لم يُعِل المسائل، فهذه الخمس صحت الرواية عنه فيها، واشتهر عنه القول بها، وشذت عنه روايات سوى هذه ذكرنا بعضها فيما مضى" المغني "٩/ ٣٠" طبعة هجر بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي والدكتور عبد الفتاح محمد الحلو.
ومعنى قوله "لم يعد المسائل": أنه يرى إنكار القول بالعول في الفرائض.
٢ في بعض النسخ "فانفرد ابن مسعود بخمس مسائل، وانفرد ابن عباس بمثلها".
والمسائل التي انفرد بها عبد الله بن مسعود ﵁ في الفرائض كثيرة، أشار إليها المصنف في "المغني" وجمع منها ستة مسائل في فصل واحد فقال:
"وإذا كانا ابني عم، أحدهما أخ لأم، فللأخ للأم السدس، وما بقي بينهما نصفين: هذا قول جمهور الفقهاء، يروى عن عمر ﵁ ما يدل على ذلك، ويروى ذلك عن "علي" ﵁ وزيد وابن عباس، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ومن تبعهم. وقال ابن مسعود: المال للذي هو أخ من أم.
ثم قال: وإن كان ابن عم لأبوين، وابن عم هو أخ لأم، فعلى قول الجمهور: للأخ السدس، والباقي للآخر، وعلى قول ابن مسعود: المال كله لابن العم =стр. 444
فإن قيل١:
فقد أنكروا على ابن عباس القول بالمتعة٢، و"إنما الربا في
الحواشي
(١) = الذي هو أخ لأم.... فإن كان ابنا عم، أحدهما أخ من أم، وبنت ابن، فللبنت أو بنت الابن النصف، والباقي بينهما نصفين، وسقطت الإخوة من الأم بالبنت، وإن كان الذي ليس بأخ ابن عم من أبوين، أخذ الباقي كله كذلك، وعلى قول ابن مسعود: الباقي للأخ في المسألتين، بدليل أن الأخ من الأبوين يتقدم على الأخ من الأب، بقرابة الأم، فإن كان في الفريضة بنت تحجب قرابة الأم....".
ثم أشار إلى أن هذه الأمثلة كلها تمثل مسألة واحدة، فقال: "فصل: فحصل خلاف ابن مسعود في مسائل ست، هذه إحداهن.
والثانية: في بنت وبنات ابن وابن ابن، الباقي عنده للابن دون أخواته.
الثالثة: في أخوات لأبوين وأخ وأخوات لأب، الباقي عنده للأخ دون أخواته.
الرابعة: بنت وابن ابن وبنات ابن، عنده لبنات الابن الأضر بهن من السدس أو المقاسمة.
الخامسة: أخت لأبوين وأخ وأخوات لأب، للأخوات عنده الأضر بهن من ذلك.
السادسة: كان يحجب الزوجين والأم بالكفار والعبيد والقاتلين، ولا يورثهم. المصدر السابق ص٣١، ٣٢.
١ هذا يعتبر دليلًا آخر للخصم وردًّا على ما استدل به الجمهور من تجويز الخلاف للآحاد -كما نقل عن ابن مسعود وابن عباس-، وحاصله: أنهم أنكروا على ابن عباس إباحة زواج المتعة، وحصر الربا على النسيئة حتى رجع عنهما، وأنكرت عائشة ﵂ على زيد بن أرقم بيع العينة، وهي شراء ما بيع بأقل مما بيع عليه، ومحل الشاهد: أنه لولا أن اتفاق الأكثر حجة، لما كان لهم الإنكار عليهم.
٢ أخرج البخاري: كتاب الحيل، باب الحيلة في النكاح، عن محمد بن علي: "أن =стр. 445
النسيئة"١، وأنكرت عائشة على "زيد بن أرقم"٢ مسألة العينة٣.
وأنكر ابن عباس على من خالفه في العول والجد٤.
الحواشي
(١) عليًّا ﵁ قيل له: إن ابن عباس لا يرى بمتعة النساء بأسًا، فقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية".
وروى مثله الإمام أحمد في المسند "١/ ١٤٢" والطبراني في الأوسط، وابن أبي شيبة في المصنف "٤/ ٢٩٢-٢٩٣".
١ سبق تخريجه وأن ابن عباس قال: "أخبرني به أسامة بن زيد".
٢ هو: زيد بن أرقم بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، شهد الخندق وما بعدها، وشهد موقعة "صفين" مع علي ﵁ توفي بالكوفة سنة ٦٦هـ. "الإصابة ٢/ ٥٨٩".
٣ يشير إلى ما أخرجه أحمد في المسند، والدارقطني في سننه: كتاب البيوع، عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة ﵂ فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم الأنصاري وامرأة أخرى، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: يا أم المؤمنين، إني بعت غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة، وإني ابتعته بستمائة درهم نقدًا، فقالت لها عائشة: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، إن جهاده مع رسول الله ﷺ قد بطل، إلا أن يتوب".
وله طرق أخرى كثيرة عند البيهقي "٥/ ٣٣٠، ٣٣١" وعبد الرزاق في المصنف "٨/ ١٨٤" وابن حزم في المحلى "٩/ ٦٨٨-٦٩٣".
٤ العول في اللغة: الميل إلى الجور، والرفع. وفي الشرع: زيادة السهام على الفريضة، فتعول المسألة إلى سهام الفريضة، فيدخل النقص عليهم بقدر حصصهم. "التعريفات للجرجاني ص١٥٩".
وخلاف ابن عباس في العول أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب الفرائض باب أول من أعال الفرائض عمر، والبيهقي في سننه: كتاب الفرائض، باب العول في الفرائض، بسنده إلى عتبة بن مسعود قال: "دخلت أنا وزفر بن أوس بن الحدثان على ابن عباس -بعدما ذهب بصره-، فتذاكرنا فرائض الميراث، فقال: ترون الذي أحصى رمل عالج عددًا لم يحص ما في مال نصفًا ونصفًا =стр. 446
............................................................
الحواشي
(١) = وثلثًا، إذا ذهب نصف ونصف فأين موضع الثلث؟! فقال له زفر: يا ابن عباس من أول من أعال الفرائض؟ قال: عمر بن الخطاب ﵁ قال: ولم؟ قال: لما تدافعت عليه وركب بعضها بعضًا، قال: والله ما أدري كيف أصنع بكم، والله ما أدري أيكم قدّم الله، ولا أيكم أخّر، قال: وما أجد في هذا المال شيئًا أحسن من أن أقسمه عليكم بالحصص.
ثم قال: ابن عباس: وأيم الله لو قدم من قدم الله، وأخر من أخر الله ما عالت فريضة، فقال له زفر: وأيهم قدم وأيهم أخر؟ فقال: كل فريضة لا تزول إلا إلى فريضة، فتلك التي قدم الله، وتلك فريضة الزوج، له النصف، فإن زال فإلى الربع، لا ينقص منه، والمرأة لها الربع، فإن زالت عنه صارت إلى الثمن، لا تنقص منه، الأخوات لهن الثلثان، والواحدة لها النصف، فإن دخل عليهن البنات كان لهن ما بقي، فهؤلاء الذين أخر الله، فلو أعطى من قدم الله فريضته كاملة، ثم قسم ما بقي بين من أخر الله بالحصص ما عالت فريضة.
فقال له زفر: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هبته والله.
قال ابن إسحاق: فقال لي الزهري: وأيم الله لولا أن تقدمه إمام هدى كان أمره على الورع ما اختلف على ابن عباس اثنان من أهل العلم".
وأما إنكاره على من خالفه في الجد:
فإن ابن عباس وأبا بكر وغيرهما من الصحابة ﵃ كانوا يرون أن الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات من جميع الجهات، كما يسقطهم الأب.
وكان علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت ﵃ يورّثونهم معه، ولا يحجبونهم به؛ لأن الأخ ذكر يعصّب أخته، فلم يسقطه الجد، كالابن، ولأن ميراثهم ثبت بالكتاب، فلا يحجبون إلا بنص أو إجماع أو قياس، وما وجد شيء من ذلك، فلا يحجبون.
ولأنهم تساووا في سبب الاستحقاق فيتساوون فيه؛ فإن الأخ والجد يدليان بالأب، الجد أبوه، والأخ ابنه، وقرابة النبوة لا تنقص عن قرابة الأبوة، بل ربما كانت أقوى؛ فإن الابن يسقط تعصيب الأب، ولذلك مثّله "علي" ﵁ بشجرة أنبتت غصنًا، فانفرق منه غصنان، كل واحد منهما إلى الآخر أقرب =стр. 447
قلنا: إنما أنكروا عليهم لمخالفتهم السنة المشهورة، والأدلة الظاهرة.
ثم هب أنهم أنكروا عليهم، والمنفرد منكر عليهم إنكارهم، فلم ينعقد الإجماع، فلا حجة في إنكارهم١.
والشذوذ يتحقق بالمخالفة بعد الوفاق.
ولعله أراد به: الشاذ من الجماعة، الخارج على الإمام، على وجه
الحواشي
(١) = منه إلى أصل الشجرة، ومثّله زيد بواد خرج منه نهر، انفرق منه جدولان، كل واحد منهما إلى الآخر أقرب منه إلى الوادي.
ولابن عباس ومن معه من الصحابة أدلة أخرى كثيرة، تدل على أن الجد يسمى أبًا، ويحل محله في حجب الإخوة، ولذلك قال: "ألا يتقي الله زيد؟ يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الاب أبًا".
أخرجه ابن عبد البر في كتابه: "جامع بيان العلم وفضله" "٢/ ١٣١" وانظر: السنن الكبرى للبيهقي "٦/ ٢٤٧" والمغني لابن قدامة "٩/ ٦٥ وما بعدها" طبعة هجر، تحقيق الدكتور عبد الله عبد المحسن تركي والدكتور عبد الفتاح محمد الحلو.
١ هذا جواب عن الدليل المتقدم وهو: إنكار الصحابة على ابن عباس، في المتعة والربا، وإنكار السيدة عائشة على زيد بن أرقم، وإنكار ابن عباس على من خالفه في العول والجد. والجواب من وجهين:
الأول: أن إنكار الصحابة إنما كان بسب مخالفتهم السنة المشهورة والأدلة الظاهرة، لا لكون اتفاقهم مع مخالفة هؤلاء إجماعًا.
الثاني: سلمنا بإنكار الصحابة ﵃ لكن المخالفين أنكروا على الصحابة إنكارهم ... ولذلك روي عن ابن عباس أنه قال: "ألا يتقي الله زيد، يجعل ولد الولد بمنزلة الولد، ولا يجعل أب الأب بمنزلة الأب، إن شاء باهلته عند الحجر الاسود"، وإذا حصل الإنكار من الطرفين فلا إجماع بل هو مختلف فيه.стр. 448
يثير الفتنة١، كفعل الخوارج.
وهذا الجواب عن الحديث الآخر٢، والله أعلم.
الحواشي
(١) ١ هذا جواب عن قول ابن جرير: "إن مخالفة الواحد شذوذ وهو منهي عنه".
وقد أجاب عنه المصنف: بأن المراد بالشذوذ: إما أن يكون ذلك بعد الاتفاق وانعقاد الإجماع، وإما أن يكون المراد به: الشذوذ الذي يشق به صاحبه عصا الطاعة، ويخرج عن حكم الإمام، ويثير الفتن والقلاقل، كما فعل الخوارج، وهم: كل من خرج على الإمام الحق، وكان أول ظهور هذه الفرقة في عهد علي بن أبي طالب، ومن معتقداتهم، التبري من عثمان وعلي، ويكفّرون أصحاب الكبائر، ويرون وجوب الخروج على الحاكم إذا خالف السنة وغير ذلك من معتقداتهم الفاسدة.
٢ وهو قوله: ﷺ "عليكم بالسواد الأعظم" و "الشيطان مع الواحد.." إلخ.стр. 449
فصل: [في حكم إجماع أهل المدينة]
وإجماع أهل المدينة ليس بحجة١.
وقال مالك: هو حجة، لأنها معدن العلم، ومنزل الوحي، وبها أولاد الصحابة، فيستحيل اتفاقهم على غير الحق، وخروجه عنهم٢.
الحواشي
(١) ١ وهو رأي جمهور العلماء، ولم يخالف في ذلك إلا مالك -رحمه الله تعالى-.
٢ ينبغي توضيح المذهب، كما هو وارد عندهم، لأن اعتبار إجماع أهل المدينة حجة مشروط بشرطين:
أحدهما: أن يكون فيما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد.
ثانيهما: أن يكون من الصحابة أو التابعين، دون من بعدهم، لأن قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه في حكم المرفوع، فألحق بهم مالك التابعين =стр. 450
ولنا١:
الحواشي
(١) = من أهل المدينة، لتعلّمهم ذلك عن الصحابة.
أما في مسائل الاجتهاد: فالصحيح عنه أنهم كغيرهم من الأمة، وإن كان قد نقل عنه الإطلاق.
قال صاحب مراقي السعود:
وأوجبنْ حجية للمدني ... فيما على التوقيف أمره بُني
وقيل: مطلقًا..... انظر: نثر الورود على مراقي السعود "٢/ ٤٣١".
ومن الأدلة التي تمسك بها الإمام مالك: الأحاديث التي وردت في فضل المدينة، مثل قوله ﷺ : "أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة تنفي الناس، كما ينفي الكير خبث الحديد" أخرجه البخاري: كتاب فضائل المدينة، ومسلم: في كتاب الحج، باب: المدينة تنفي شرارها بلفظ "ألا إن المدينة كالكير، تخرج الخبيث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها، كما ينفي الكير خبث الحديد".
وقد أجاب المصنف على ذلك -فيما بعد- بأن ورود مثل ذلك لا يدل على أن اتفاق أهلها حجة، فالعصمة ليست للمكان، وإلا لكانت مكة أولى بذلك من المدينة، ومساوية لها، لأنها أفضل من المدينة عند الأكثرين، وإنما العصمة للأمة جميعها. كما أجاب الجمهور عن الاستدلال بالحديث المتقدم؛ بأن هذا الحديث ورد على سبب خاص، وهو: أن أعرابيًا دخل المدينة، وبايع النبي ﷺ إلى ذلك، فخرج بغير إذنه، فقال النبي ﷺ : "إن المدينة كالكير، تنفي خبثها، ويتضيع طيبها" أخرجه البخاري ومسلم أيضًا. ومعنى "يتضيع طيبها" أي: يفوح وينتشر.
كما أجيب عنه بوجه ثان: هو أن الخبث في عرف اللغة لا يفيد الخطأ مطابقة، ولا تضمنًا ولا التزامًا، فكيف يستدل بالحديث على نفي الخطأ؟
انظر: شرح مختصر الروضة "٣/ ١٠٥، ١٠٦".
١ هذا استدلال على أن إجماع أهل المدينة ليس حجة وهو من وجهين:
أحدهما: أن العصمة تثبت للأمة كلها إلخ. =стр. 451
أن العصمة تثبت للأمة بكليتها، وليس أهل المدينة كل الأمة.
وقد خرج من المدينة من هو أعلم من الباقين بها: كعلي، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاذ، وأبي عبيدة، وأبي موسى، وغيرهم من
الحواشي
(١) = الثاني: أنه قد خرج من المدينة عدد كثير من الصحابة، وهم أعلم ممن بقي بها، فكيف ينعقد إجماع بدونهم، وهم من أهل الاجتهاد، ثم ناقش أدلة المالكية، وهي واضحة.
إجماع أهل الحرمين والمصرين:
من المسائل التي يوردها الأصوليون، وأغفلها المصنف ما يسمى بإجماع أهل الحرمين: مكة والمدينة، والمصرين: البصرة والكوفة.
فقد زعم بعض أهل الأصول أن إجماع أهل الحرمين والمصرين حجة مع مخالفة غيرهم؛ لأن هذه المواطن كانت محلًا لإقامة الصحابة ﵃.
قال الزراكشي: "وهذا صريح بأن القائلين بذلك لم يعمموا في كل عصر، بل في عصر الصحابة فقط".
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرزي: "قيل: إن المخالف أراد زمن الصحابة والتابعين، فإن هذا مراده فمسلم لو اجتمع العلماء في هذه البقاع، وغير المسلم أنهم اجتمعوا فيها" فإن الصحابة ﵃ انتشروا في مدن أخرى، كاليمن، والشام، ومصر، والعراق.
وقصر الإجماع على عصر الصحابة ﵃ يخالف الأدلة الكثيرة التي تدل على عدم انحصار الإجماع في عصر دون عصر.
وبذلك يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، من عدم حجية إجماع أهل الحرمين والمصرين، لأن العصمة إنما ثبتت مجتمعة، وهؤلاء بعض الأمة وليس كلها.
انظر في هذه المسألة: "الأحكام لابن حزم "٤/ ٥٦٦" شرح المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني "٢/ ١٥٨" إرشاد الفحول جـ١ ص٣٢١ الطبعة المحققة.стр. 452
الصحابة، فلا ينعقد الإجماع بدونهم.
وقوله: "يستحيل خروج الحق عنهم" تحكم؛ إذ لا يستحيل أن يسمع رجل حديثا من النبي ﷺ في سفر، أو في المدينة، ثم يخرج منها قبل نقله.
وفضل المدينة لا يوجب انعقاد الإجماع بأهلها، فإن مكة أفضل منها، ولا أثر لها في الإجماع.
ولأن إجماعهم لو كان حجة، لوجب أن يكون حجة في جميع الأزمنة. ولا خلاف في أن قولهم لا يعتد به في زماننا فضلًا عن أن يكون إجماعًا.
الحواشي
(١) ١ خلاصة هذا الفصل: أنه لو اتفق الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ على أمر من الأمور بعد وفاة رسول الله ﷺ وخالفهم غيرهم، لا يعد ذلك إجماعًا، وهذا هو رأي الجمهور.
وحجتهم على ذلك: ما ذكره المصنف -قبل ذلك- من أن العصمة عن الخطأ =стр. 453
فصل: [في حكم إجماع الخلفاء الأربعة]
واتفاق الأئمة الخلفاء الأربعة ليس بإجماع.
وقد نقل عن أحمد ﵀ ما يدل على أنه لا يخرج من قولهم إلى قول غيرهم.
والصحيح: أن ذلك ليس بإجماع؛ لما ذكرناه.
وكلام أحمد -في إحدى الروايتين عنه- يدل على أن قولهم حجة، ولا يلزم من كل ما هو حجة ان يكون إجماعًا.
стр. 454
..............................................
الحواشي
(١) = إنما تثبت للأمة كلها، والخلفاء الأربعة ليسوا كل الأمة، وهذا ما أشار إليه بقوله: "والصحيح أن ذلك ليس بإجماع لما ذكرناه".
والمنقول عن الإمام أحمد عدة روايات.
الأولى: كالجمهور، وهو أن اتفاقهم ليس إجماعًا.
الثانية: أنه حجة وليس إجماعًا، ومعنى هذا: أنه لا يلزم من كونه حجة وجوب اتباعه، وإلزام الغير به، غاية الأمر أنه يجوز للمجتهد أن يعمل به وحده ولا يلزم غيره به.
الرواية الثالثة: أنه حجة وإجماع، نقل ذلك الفتوحي وقال: "اختاره ابن البنا من أصحابنا وأبو خازم -بالمعجمتين- وكان قاضيًا حنفيًّا، وحكم بذلك زمن المعتضد "الخليفة العباسي ت٢٨٩هـ" في توريث ذوي الأرحام، فأنفذ حكمه، وكتب به إلى الآفاق، ولم يعتبر خلاف زيد في ذلك، بناء على أن الخلفاء الأربعة يورثونهم ... "شرح الكوكب المنير "٢/ ٢٣٩-٢٤١" وانظر: تاريخ الخلفاء ص٣٦٨.
هذا، ولم يذكر المصنف هنا مسألتين توردهما كتب الأصول كلها وهما:
المسألة الأولى: أبو بكر وعمر ﵁ هل هو: إجماع أو لا؟.
المسألة الثانية: هل ينعقد الإجماع بالعترة وهم: آل بيت النبي ﷺ أو لا؟
أما بالنسبة لاتفاق الخليفتين: أبي بكر وعمر ﵄ فجمهور العلماء على أن اتفاقهما ليس إجماعًا، لأن العصمة إنما تثبت للأمة مجتمعة، وهما ليسا كل الأمة، وإذا لم نعتبر اتفاق الخلفاء الأربعة حجة، فمن باب أولى عدم اعتبار قول الشيخين ﵄.
وذهب بعض العلماء إلى أن اتفاقهما يعتبر إجماعًا، مستدلين بقول رسول الله ﷺ : اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" وراه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث حذيفة بن اليمان. انظر: "تلخيص الحبير ٤/ ١٩٠".
وأجاب الجمهور عن هذا الاستدلال: بأن المقصود من الحديث أنهم أهل للاقتداء بهم، لا على أن قولهم حجة على غيرهم، فإن المجتهد متعبد بالبحث =стр. 455
.................................................
الحواشي
(١) = عن الدليل حتى يظهر له ما يظنه حقًّا.
كما أن الحديث معارض بأحاديث أخرى تفيد حجية قول بعض الصحابة منفردًا، مثل قوله ﷺ : "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد" وهو: عبد الله بن مسعود، رواه الطبراني ورجاله ثقات "مجمع الزوائد ٩/ ٢٦٠".
وقوله ﷺ عن أبي عبيدة بن الجراح: "إنه أمين هذه الأمة" رواه البخاري ومسلم.
فلو كان الحديث الخاص بالشيخين دالًّا على أن قولهما يعتبر إجماعًا، لكان هذان الحديثان دالين على حجية قول ابن مسعود وحده، وقول أبي عبيدة وحده حجة، وهذا غير مسلم.
انظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب "٢/ ٣٦" وشرح مختصر الروضة "٣/ ١٠٢".
إجماع آل البيت:
أما مسألة إجماع العترة، وهم: آل بيت النبي ﷺ : علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء، بنت رسول الله ﷺ والحسن، والحسين ﵃ جميعًا-، وهم الذين نزل فيهم قول الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
فقد روي أنه لما نزلت هذه الآية أدار النبي ﷺ الكساء وقال: "هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا" رواه الترمذي عن عمر بن أبي سلمة، ورواه أحمد والحاكم وصححه، وابن جرير الطبري عن أم سلمة، ورواه مسلم من حديث عائشة.
انظر: مسند الإمام أحمد "٦/ ٢٩٦" صحيح مسلم "٤/ ١٨٨٣" تحفة الأحوذي "٩/ ٦٦".
وجمهور العلماء على أن اتفاقهم ليس إجماعًا، لأنهم ليسوا كل الأمة، والعصمة إنما ثبتت للأمة مجتمعة، متمثلة في اتفاق مجتهديها.
وذهبت الشيعة إلى أن اتفاقهم يعتبر إجماعًا، واستدلوا على ذلك بالآية المتقدمة، وقالوا: إن الله -تعالى- أخبر عن نفي الرجس عن أهل البيت، =стр. 456
...............................................................
الحواشي
(١) = والخطأ رجس، فيكون منفيًّا عنهم، وإذا انتفى عنهم الخطأ كان إجماعهم حجة.
ورد عليهم: بأنه لم يقل أحد: إن الخطأ رجس، فالرجس -في اللغة- هو القذر أو العذاب، فلا دلالة في الآية على المدعي.
كما استدلوا بأحاديث تدل على فضلهم وشرفهم، مثل قوله ﷺ : "إني تارك فيكم الثقلين، فإن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي".
أخرجه أحمد في المسند "٣/ ١٧" والحاكم "٣/ ١٤٨" والطبراني في الكبير "٥/ ١٩٠، ٢٠٥، ٢١٠" وفي الصغير "١/ ١٣١" ورواه الترمذي بلفظ "إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي: أهل بيتي".
وأجاب الجمهور على هذا:
أولًا: أن هذا خبر آحاد، وليس حجة عند الشيعة.
ثانيًا: ومع التسليم بأنه حجة، فلا نسلم أن المراد بالثقلين: القرآن والعترة وإنما المراد: القرآن والسنة، كما في الرواية الأخرى: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله" أخرجه مالك في الموطأ.
وإنما خص ﷺ العترة بالذكر؛ لأنهم أخبر بحاله ﷺ .
ثالثًا: على أن أقصى ما تدل عليه هذه الرواية: إنما هو بيان فضلهم وشرفهم، وهذا أمر لم ينازع فيه أحد، وفرق بين الفضيلة والحجية، على نحو ما سبق في إجماع الخلفاء الأربعة والشيخين.
قال الطوفي: "أقرب ما يسلك في الرد على الإمامية في هذه المسألة:.... أن يقال: إذا خالف أهل البيت باقي الأمة في حكم، فإما أن يعتبر القولان، أو يلغيا جميعًا، وهو باطل باتفاق، أو يقدم قول أهل البيت، وهو ضعيف لوجهين:
أحدهما: أنه مخالف لقوله ﵇: "اتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار".
الثاني: أن إصابة آحاد يسيرة، وخطأ الجم الغفير بعيد جدًّا.
شرح مختصر الروضة "٣/ ١١٦".
وبذلك يترجح قول الجمهور، وهذا هو الذي عليه العمل والله أعلم.стр. 457
فصل: هل انقراض العصر شرط لصحة الإجماع
...
مسألة: [هل انقراض العصر شرط لصحة الإجماع] ؟
ظاهر كلام أحمد ﵀: أن انقراض أهل العصر شرط في صحة الإجماع، وهو قول بعض الشافعية١.
وقد أومأ إلى أن ذلك ليس بشرط، بل لو اتفقت كلمة الأمة ولو في لحظة واحدة: انعقد الإجماع.
وهو قول الجمهور واختاره أبو الخطاب٢.
الحواشي
(١) ١ وهؤلاء اختلفوا في كيفية الانقراض: فمنهم من اشترط انقراض جميع أهل العصر، ومنهم من اشتراط انقراض الأكثر، وهو الماوردي، ومنهم من اشترطه في إجماع الصحابة دون غيرهم. انظر: التقرير والتحبير "٣/ ٨٧".
٢ وهو رأي الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهو المنقول عن أكثر الحنفية والمتكلمين.
وفي المسألة مذاهب أخرى:
فقيل: يشترط ذلك في الإجماع السكوتي دون غيره، وهو مذهب أبي إسحاق الإسفراييني واختاره الآمدي؛ لاحتمال أن يكون السكوت من أجل التأمل والنظر، وإظهار الخلاف بعد سكوت دليل على هذا الاحتمال، بخلاف الإجماع القولي أو الفعلي، فليس فيهما هذا الاحتمال.
وقيل: إن كان مستند الإجماع دليلًا قطعيًّا فلا يشترط فيه الانقراض، أما إن كان عن دليل ظني اشترط فيه ذلك. وهو مذهب إمام الحرمين.
وقيل: إن كان المجمع عليه من الأحكام التي لا يتعلق بها إتلاف واستهلاك اشترط فيه انقراض العصر، وإن تعلق بها ذلك فوجهان، وهو مذهب الماوردي.
وقيل: إن كان الإجماع مطلقًا لم يشترط الانقراض، وإن كان معلقًا على شرط اعتبر، مثل أن يقول المجمعون: هذا قولنا، ويجوز أن يكون الحق في غيره، فإذا وضح نظرنا إليه، وهو منقول عن بعض الشافعية. =стр. 458
وأدلة ذلك أربعة:
أحدها: أن دليل الإجماع: الآية والخبر١، وذلك لا يوجب اعتبار العصر.
الثاني: أن حقيقة الإجماع: الاتفاق، وقد وجد، ودوام ذلك استدامة له، والحجة في اتفاقهم، لا في موتهم.
الثالث: أن التابعين كانوا يحتجون بالإجماع في زمن أواخر الصحابة كأنس٢ وغيره، ولو اشترط انقراض العصر: لم يجز ذلك.
الرابع: أن هذا يؤدي إلى تعذر الإجماع، "فإنه إن بقي واحد من الصحابة: جاز للتابعي المخالفة؛ إذ لم يتم الإجماع"٣.
وما دام واحد من عصر التابعي "باق بها"٤ لا يستقر الإجماع منهم، فلتابعي التابعين مخالفتهم، وهذا خبط٥.
الحواشي
(١) = انظر في هذه المذاهب: البرهان "١/ ٦٩٣" والإحكام للآمدي "١/ ٢٣١"، المسودة لآل تيمية ص٣٢٠، أدب القاضي للماوردي "١/ ٤٧٤"، التمهيد لأبي الخطاب "٣/ ٣٤٦-٣٤٧".
١ أما الآية: فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ... ﴾ .
وأما الخبر: فالأحاديث الكثيرة التي دلت على عصمة الأمة عن الخطأ، مثل قوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على خطأ".
٢ أي: أنس بن مالك حيث توفي سنة ٩٣هـ "صفة الصفوة ١/ ٢٩٨".
٣ ما بين القوسين من المستصفى "٢/ ٣٧٢" ومن النسخة التي حققها الدكتور: عبد الكريم النملة -يحفظه الله-. "٢/ ٤٨٣".
٤ ما بين القوسين من المستصفى.
٥ وعبارة الغزالي: "وهذا خبط لا أصل له" وفي هذا دلالة على أن ابن قدامة ينقل كلام الغزالي ويختصر منه بعض العبارات.стр. 459
ووجه الأول: أمران:
أحدهما: ذكره الإمام احمد: وهو أن أم الولد كان حكمها حكم الأمة بإجماع، ثم أعتقهن "عمر" وخالفه "علي" بعد موته١.
وحد الخمر: كان في زمن أبي بكر أربعين، ثم جلد "عمر" ثمانين، ثم جلد "علي" أربعين٢، ولو لم يشترط انقراض العصر لم يجز ذلك.
الثاني: أن الصحابة لو اختلفوا على قولين: فهو اتفاق منهم على
الحواشي
(١) ١ خلاصة الدليل الأول: أنه لو لم يشترط انقراض العصر، لما جاز للمجتهد الرجوع عما وافق عليه المجمعين، لاستقرار الإجماع قبل رجوعه، فيكون محجوجًا به، لكن ذلك جائز وواقع فعلًا، كالأمثلة التي ذكرها المصنف.
ومنها: أن الصحابة ﵃ أجمعوا في زمن عمر ﵁ على أن أم الولد تعتق بموت سيدها ولا تباع، ثم خالف "علي" هذا الإجماع بعد موت "عمر" وأجاز بيعها كالأمة، كما كانت قبل الإجماع.
والأثر المروي في ذلك: عن عبيدة السلماني قال: "سمعت عليًّا يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، قال: ثم رأيت بعد أن يبعن. قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إليّ من رأيك وحدك في الفرقة".
أخرجه عبد الرزاق في المصنف: باب بيع أمهات الأولاد، وابن أبي شيبة في مصنفه: كتاب البيوع والأقضية، باب في بيع أمهات الأولاد، والبيهقي في سننه الكبرى: كتاب عتق أمهات الأولاد، باب الخلاف في أمهات الأولاد.
٢ روى مسلم: كتاب الحدود، باب حد الخمر، "أن عثمان ﵁ لما أراد إقامة الحد على الوليد بن عقبة- لما شرب الخمر- قال لعلي ﵁: قم فاجلده، فقال على: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولّ حارها من تولى قارّها، "فكأنه وجد عليه" فقال: يا عبد الله بن جعفر: قم فاجلده، فجلده، وعلي يعد، حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد =стр. 460
تسويغ الخلاف، والأخذ بكل واحد من القولين فلو رجعوا إلى قول واحد صارت المسألة إجماعًا.
ولو لم يشترط انقراض العصر: لم يجز ذلك؛ لأنه يفضي إلى خطأ أحد الإجماعين١.
فإن قيل: لا نسلم تصور وقوع هذا، لكونه يفضي إلى خطأ أحد الإجماعين.
ثم إن سلمنا تصوره، فلا نسلم أن اختلافهم إجماع على تسويغ الخلاف، بل كل طائفة تقول: الحق معنا والأخرى مخطئة، وإنما سوّغت للعامي أن يستفتي كل أحد حتى لا يتحرّج، فإذا اتفقوا زال القول الآخر، لعدم من يفتي به.
الثالث٢: لا نسلم أن إجماعهم بعد الاختلاف إجماع صحيح.
الحواشي
(١) = النبي ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنة، وهذا أحب إلي".
١ هذا هو الدليل الثاني لمذهب القائلين باشتراط انقراض العصر، خلاصته أنه لو لم يشترط انقراض العصر لما كان اتفاق المجمعين على أحد القولين في المسألة بعد اختلافهم فيها إجماعًا، إذ يلزم منه تعارض الإجماعين، وهو باطل، إذ إن اختلافهم في مسألة على قولين إجماع منهم على تسويغ الخلاف، فإذا رجعوا إلى أحد القولين واتفقوا عليه، صار ذلك إجماعًا على عدم تسويغ الخلاف، بل حصروا الحكم في أحد القولين، فصار الإجماع الثاني معارضًا للإجماع الأول، وتعارض الإجماعين باطل، لأن كلًّا منهما قاطع، والقواطع المعصومة لا تتعارض، لكن اتفاقهم على أحد القولين بعد اختلافهم في المسألة إجماع صحيح، ولا يلزم منه محال، وقد وقع، كاتفاق الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وعلى أن الأئمة من قريش بعد اختلافهم فيهما وفي أمثالهما.
٢ الثالث من وجوه الاعتراض التي بدأها بقوله: "فإن قيل.." وكان على =следующие страницы →