← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12010

روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان

ابن قدامة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

...............................................................

стр. 457

فصل: هل انقراض العصر شرط لصحة الإجماع ... مسألة: [هل انقراض العصر شرط لصحة الإجماع] ؟ ظاهر كلام أحمد ﵀: أن انقراض أهل العصر شرط في صحة الإجماع، وهو قول بعض الشافعية١. وقد أومأ إلى أن ذلك ليس بشرط، بل لو اتفقت كلمة الأمة ولو في لحظة واحدة: انعقد الإجماع. وهو قول الجمهور واختاره أبو الخطاب٢.

стр. 458

وأدلة ذلك أربعة: أحدها: أن دليل الإجماع: الآية والخبر١، وذلك لا يوجب اعتبار العصر. الثاني: أن حقيقة الإجماع: الاتفاق، وقد وجد، ودوام ذلك استدامة له، والحجة في اتفاقهم، لا في موتهم. الثالث: أن التابعين كانوا يحتجون بالإجماع في زمن أواخر الصحابة كأنس٢ وغيره، ولو اشترط انقراض العصر: لم يجز ذلك. الرابع: أن هذا يؤدي إلى تعذر الإجماع، "فإنه إن بقي واحد من الصحابة: جاز للتابعي المخالفة؛ إذ لم يتم الإجماع"٣. وما دام واحد من عصر التابعي "باق بها"٤ لا يستقر الإجماع منهم، فلتابعي التابعين مخالفتهم، وهذا خبط٥.

стр. 459

ووجه الأول: أمران: أحدهما: ذكره الإمام احمد: وهو أن أم الولد كان حكمها حكم الأمة بإجماع، ثم أعتقهن "عمر" وخالفه "علي" بعد موته١. وحد الخمر: كان في زمن أبي بكر أربعين، ثم جلد "عمر" ثمانين، ثم جلد "علي" أربعين٢، ولو لم يشترط انقراض العصر لم يجز ذلك. الثاني: أن الصحابة لو اختلفوا على قولين: فهو اتفاق منهم على

стр. 460

تسويغ الخلاف، والأخذ بكل واحد من القولين فلو رجعوا إلى قول واحد صارت المسألة إجماعًا. ولو لم يشترط انقراض العصر: لم يجز ذلك؛ لأنه يفضي إلى خطأ أحد الإجماعين١. فإن قيل: لا نسلم تصور وقوع هذا، لكونه يفضي إلى خطأ أحد الإجماعين. ثم إن سلمنا تصوره، فلا نسلم أن اختلافهم إجماع على تسويغ الخلاف، بل كل طائفة تقول: الحق معنا والأخرى مخطئة، وإنما سوّغت للعامي أن يستفتي كل أحد حتى لا يتحرّج، فإذا اتفقوا زال القول الآخر، لعدم من يفتي به. الثالث٢: لا نسلم أن إجماعهم بعد الاختلاف إجماع صحيح.

стр. 461

قلنا١. هذا متصور عقلًا، إذ لا يمتنع أن يتغير اجتهاد المجتهد، ولا نحجر عليه أن يوافق مخالفه، فمن ذهب إلى تصحيح النكاح بغير ولي، لِمَ لا يجوز أن يوافق من أبطله إذا ظهر له دليل بطلانه؟ وإذا انفرد الواحد عن الصحابة، كانفراد ابن عباس في مسألة العول، لم لا يجوز أن يرجع إلى قولهم؟ وقد أجمع الصحابة ﵃ على قتال مانعي الزكاة بعد الخلاف٢.

стр. 462

وعلى أن: "الأئمة من قريش". وعلى إمامة "أبي بكر" ﵁ بعد الخلاف٢. ولا خلاف في تجويز ذلك في القطعيات، فلمَ لا يجوز في الظنيات؟

стр. 463

ومنْع ذلك١؛ بناء على تعارض الإجماعين ينبني على أن الإجماع تم في بعض العصر، وهو محل النزاع، فكيف يجعل دليلًا عليه؟ والثاني باطل؛ إذ لا خلاف أن فرض المجتهد في مسائل الاجتهاد: ما يؤديه إليه اجتهاده. وفرض المقلد: تقليد أي المجتهدين شاء. والثالث: دليله: إجماع الصحابة على خلافة أبي بكر، بعد الاختلاف، فدل على صحته.

стр. 464

خلافًا لداود١، وقد أومأ أحمد ﵀ إلى نحو ذلك٢، لأن الواجب: اتباع سبيل المؤمنين جميعهم، والصحابة وإن ماتوا: لم يخرجوا من المؤمنين ولا من الأمة. ولذلك: لو أجمع التابعون على أحد قولي الصحابة، لم يصر إجماعًا، ولا ينعقد الإجماع دون الغائب، فكذلك الميت٣. ومقتضى هذا٤ أن لا ينعقد الإجماع -أيضًا- للصحابة، لكن لو

стр. 465

اعتبرنا ذلك: لم ينتفع بالإجماع، فاعتبرنا قول من دخل في الوجود، دون من لم يوجد. أو نقول: الآية والخبر تناولا الموجودين الذين كان وجودهم حين نزول الآية؛ إذ المعدوم لا يوصف بإيمان، ولا أنه من الأمة. ولأنه يحتمل: أن يكون لبعض الصحابة في هذه الحادثة قول لم نعلمه يخالف ما أجمع عليه التابعون، فلا ينعقد إجماعهم بخلافه. ولنا: ما ذكرناه من الأدلة على قبول الإجماع، من غير تفريق بين عصر وعصر. والتابعون إذا أجمعوا: فهو إجماع من الأمة، ومن خالفهم سالك غير سبيل المؤمنين. ويستحيل -بحكم العادة- شذوذ الحق عنهم -مع كثرتهم- كما سبق. ولأنه إجماع أهل العصر فكان حجة كإجماع الصحابة. وما ذكروه باطل: إذ يلزم على مساقه: أن لا ينعقد الإجماع بعد موت من مات من الصحابة في عصر النبي ﷺ وبعده، بعد نزول الآية، كشهداء أحد، واليمامة، ولا خلاف في أن موت واحد من الصحابة لا يحسم باب الإجماع. وكما بطل -على القطع- الالتفات إلى اللاحقين: بطل الالتفات إلى الماضين، فالماضي لا يعتبر، والمستقبل لا ينتظر. "فثبت أن وصف"١ كلية الأمة حاصل لكل الموجودين في كل

стр. 466

وقت، ويدخل في ذلك الغائب، لأنه ذو مذهب تمكن مخالفته وموافقته بالقوة، والميت لا يتصور في حقه وفاق ولا خلاف، لا بالقوة ولا بالفعل١. بل الطفل والمجنون لا ينتظر؛ لأنه بطل منه إمكان الوفاق والخلاف، فالميت أولى، وما ذكر من احتمال مخالفة واحد من الصحابة، يبطل بالميت الأول من الصحابة فإن إمكان خلافه لا يكون كحقيقة مخالفته. وهذا هو التحقيق "وهو أنه"٢ لو فتح باب الاحتمال لبطلت الحجج؛ إذ ما من حكم إلا ويتصور تقدير نسخه، "وانفراد الواحد بنقله وموته قبل أن ينقل إلينا"٣. وإجماع الصحابة يحتمل أن يكون واحد منهم أضمر المخالفة وأظهر الموافقة لسبب، أو رجع بعد أن وافق. والخبر يحتمل أن يكون كذبًا، فلا يلتفت إلى هذه الاحتمالات.

стр. 467

فصل: [هل اتفاق التابعين على أحد قولي الصحابة إجماع ؟] وإذا اختلف الصحابة على قولين، فأجمع التابعون على أحدهما١: فقال أبو الخطاب، والحنفية: يكون إجماعًا٢. لقوله ﵇: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق" ٣ وغيره من النصوص. ولأنه: اتفاق من أهل عصر، فهو كما لو اختلف الصحابة على قولين ثم اتفقوا على أحدهما.

стр. 468

وقال القاضي، وبعض الشافعية: لا يكون إجماعًا؛ لأنه فتيا بعض الأمة؛ لأن الذين ماتوا على القول الآخر من الأمة لا يبطل مذهبهم بموتهم١. ولذلك يقال: خالف أحمد، أو وافقه، بعد موته فأشبه ما إذا اختلفوا على قولين، فانقرض القائل بأحدهما. فإن قيل: إن ثبت نعت الكلية للتابعين، فيكون خلاف قولهم حرامًا، وإن لم يكونوا كل الأمة فلا يكون قولهم إجماعًا. أما أن يكونوا كل الأمة في شيء دون شيء فهذا متناقض. قلنا: الكلية٢ تثبت بالإضافة إلى مسألة حدثت في زمنهم. أما ما أفتى به الصحابي: فقوله لا يسقط بموته٣. ولو مات القائل "فأجمع الباقون على خلافه، لا يكون إجماعًا، ولو حدثت مسألة بعد موته"٤ فأجمع عليها الباقون على خلافه كان إجماعًا. ومن وجه آخر: أن اختلاف الصحابة على قولين: اتفاق منهم على تسويغ الأخذ بكل منهما، فلا يبطل إجماعهم بقول من سواهم.

стр. 469

فصل: [اختلاف الصحابة على قولين يمنع إحداث قول ثالث] إذا اختلف الصحابة على قولين: لم يجز إحداث قول ثالث في قول الجمهور١. وقال بعض الحنفية، وبعض أهل الظاهر: يجوز٢؛ لأمور ثلاثة: أحدها: أن الصحابة خاضوا خوض مجتهدين، ولم يصرحوا بتحريم قول ثالث.

стр. 470

الثاني: أنه لو استدل الصحابة بدليل، وعللوا بعلة: جاز الاستدلال والتعليل بغيرهما؛ لأنهم لم يصرحوا ببطلانه، كذا هنا. الثالث: أنهم لو اختلفوا في مسألتين، فذهب بعضهم إلى الجواز فيهما، وذهب الآخرون إلى التحريم فيهما: فذهب التابعي إلى التجويز في إحدهما، والتحريم في الأخرى: كان جائزًا، وهو قول ثالث. ولنا: أن ذلك يوجب نسبة الأمة إلى تضييع الحق، والغفلة عنه؛ فإنه لو كان الحق في القول الثالث: كانت الأمة قد ضيعته وغفلت عنه، وخلا العصر من قائم لله بحجته، ولم يبق منهم عليه أحد وذلك محال. وقولهم١: "لم يصرحوا بتحريم قول ثالث". قلنا: ولو اتفقوا على قول واحد، فهو كذلك، ولو لم يجوّزوا خلافهم. فأما إذا عللوا بعلة، فيجوز بسواها؛ لأنه ليس من فرض دينهم

стр. 471

الاطلاع على جميع الأدلة، بل يكفيهم معرفة الحق بدليل واحد، وليس على الاطلاع على علة أخرى نسبة إلى تضييع الحق، بخلاف مسألتنا. وأما إذا اختلفوا في مسألتين فإنهم: إن صرحوا بالتسوية بين المسألتين: فهو كمسألتنا، لا يجوز التفريق. وإن لم يصرحوا به: جاز التفريق، لأن قوله في كل مسألة موافق لمذهب طائفة. ودعوى المخالفة للإجماع ههنا جهل بمعنى المخالفة، إذ المخالفة: نفي ما أثبتوه، أو إثبات ما نفوه، ولم يتفق أهل العصر على إثبات أو نفي، في حكم واحد، ليكون القول بالنفي والإثبات مخالفًا، ولا يلتئم الحكم من المسألتين، بل نقول: لا يخلو الإنسان من خطأ ومعصية، والخطأ موجود من جميع الأمة، وليس محالًا، إنما المحال: الخطأ بحيث يضيع الحق حتى لا تقوم به طائفة. ولهذا: يجوز أن تنقسم الأمة في مسألتين إلى فريقين، فتخطئ فرقة في مسألة، وتصيب فيها الأخرى، وتخطئ في المسألة الأخرى، وتصيب فيها المخطئة الأولى٢. والله أعلم.

стр. 472

......................................................

стр. 473

فصل: [في حكم الإجماع السكوتي] إذا قال بعض الصحابة١ قولًا، فانتشر في بقية الصحابة، فسكتوا: فإن لم يكن قولا في تكليف فليس بإجماع٢. وإن كان: فعن أحمد ﵁ ما يدل على أنه إجماع، وبه قال أكثر الشافعية. وقال بعضهم: يكون حجة، ولا يكون إجماعًا٣. وقال جماعة آخرون: لا يكون حجة ولا إجماعًا٤، ولا ينسب إلى ساكت قول، إلا أن تدل قرائن الأحوال على أنهم سكتوا مضمرين للرضا، وتجويز الأخذ به.

стр. 474

وقد يسكت من غير إضمار الرضا لسبعة أسباب: أحدها: أن يكون لمانع في باطنه لا يطلع عليه. الثاني: أن يعتقد أن كل مجتهد مصيب. الثالث: أن لا يرى الإنكار في المجتهدات، ويرى ذلك القول سائغًا لمن أداه اجتهاده إليه، وإن لم يكن هو موافقًا. الرابع: أن لا يرى البدار١ في الإنكار مصلحة؛ لعارض من العوارض ينتظر زواله، فيموت قبل زواله، أو يشتغل عنه. الخامس: أن يعلم أنه لو أنكر: لم يلتفت إليه، وناله ذل وهوان، كما قال ابن عباس حين سكت عن القول بالعول في زمن عمر ﵁: "كان رجلًا مهيبا فهبته"٢. السادس: أن يسكت؛ لأنه متوقف في المسألة؛ لكونه في مهلة النظر. السابع: أن يسكت؛ لظنه أن غيره قد كفاه الإنكار، وأغناه عن الإظهار؛ لأنه فرض كفاية ويكون قد غلط فيه؛ وأخطأ في وهمه٣.

стр. 475

ولنا: أن حال الساكت لا يخلو من ستة أقسام١: أحدها: أن يكون لم ينظر في المسألة. الثاني: أن ينظر فيها فلا يتبين له الحكم. وكلاهما خلاف الظاهر؛ لأن الدواعي متوفرة، والأدلة ظاهرة، وترك النظر خلاف عادة العلماء عند النازلة، ثم يفضي ذلك إلى خلو الأرض عن قائم لله بحجته. الثالث: أن يسكت تقيَّة، فلا يُظهِر سَبَبها، ثم يظهر قوله عند ثقاته وخاصته، فلا يلبث القول أن ينتشر. الرابع: أن يكون سكوته لعارض لم يظهر. وهو خلاف الظاهر، ثم يفضي إلى خلو العصر عن قائم لله بحجته. الخامس: أن يعتقد أن كل مجتهد مصيب. فليس ذلك قولًا لأحد من الصحابة. ولهذا: عاب بعضهم على بعض، وأنكر بعضهم على بعض مسائل انتحلوها. ثم العادة: أن من ينتحل مذهبًا يناظر عليه، ويدعو إليه، كما نشاهد في زمننا.

стр. 476

السادس: أن لا يرى الإنكار في المجتهدات. وهو بعيد لما ذكرناه. فثبت أن سكوته كان لموافقته. ومن وجه آخر١: أن التابعين كانوا إذا أشكل عليهم مسألة، فنقل إليهم قول صحابي منتشر وسكوت الباقين: كانوا لا يجوزون العدول عنه، فهو إجماع منهم على كونه حجة. ومن وجه آخر: أنه لو لم يكن هذا إجماعًا: لتعذر وجود الإجماع؛ إذ لم ينقل إلينا في مسألة قول كل علماء العصر مصرحًا به. وقول من قال: "هو حجة وليس بإجماع" غير صحيح؛ فإنا إن قدّرنا رضا الباقين كان إجماعًا، وإلا فيكون قول بعض أهل العصر، والله أعلم.

стр. 477

فصل: في جواز انعقاد الإجماع عن اجتهاد وقياس ... مسألة: [في جواز انعقاد الإجماع عن اجتهاد وقياس] يجوز أن ينعقد الإجماع عن اجتهاد وقياس، ويكون حجة١. وقال قوم: لايتصور ذلك٢؛ إذ كيف يتصور اتفاق الأمة مع اختلاف طبائعها، وتفاوت أفهامها على مظنون؟ أم كيف تجتمع على قياس، مع اختلافهم في القياس؟ وقال آخرون: هو متصور، وليس بحجة؛ لأن القول بالاجتهاد يفتح باب الاجتهاد ولا يجب٣. ولنا:

стр. 478

أن هذا إنما يستنكر فيما يتساوى فيه الاحتمال. أما الظن الأغلب فيميل إليه كل واحد، فأي بُعْدٍ في أن يتفقوا على أن النبيذ في معنى الخمر في التحريم؛ لكونه في معناه في الإسكار؟ وأكثر الإجماعات مستندة إلى عمومات، وظواهر، وأخبار آحاد، مع تطرق الاحتمال. وإذا جاز اتفاق أكثر الأمم على باطل -مع أنه ليس لهم دليل قطعي ولا ظني- لِمَ لا يجوز الاتفاق على دليل ظاهر، وظن غالب؟! وأما منع تصوره بناء على الخلاف في القياس: فإنا نفرض ذلك في الصحابة، وهم متفقون عليه، والخلاف حدث بعدهم١. وإن فرض ذلك بعد حدوث الخلاف فيستند أهل القياس إليه، والآخرون إلى اجتهاد في مظنون ليس بقياس وهو في الحقيقة قياس، فإنه قد يظن غير القياس قياسًا وكذلك العكس. وإذا ثبت تصوره: فيكون حجة لما سبق من الأدلة على الإجماع٢.

стр. 479

فصل: الإجماع ينقسم إلى مقطوع ومظنون ١. فالمقطوع: ما وجد فيه الاتفاق مع الشروط التي لا تختلف فيه مع وجودها، ونقله أهل التواتر. والمظنون: ما اختل فيه أحد القيدين: بأن توجد مع الاختلاف فيه، كالاتفاق في بعض العصر، وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة، أو يوجد القول من البعض والسكوت من الباقين، أو توجد شروطه لكن ينقله آحاد١.

стр. 480

وذهب قوم إلى أن الإجماع لا يثبت بخبر الواحد١؛ لأن الإجماع دليل قاطع، يحكم به على الكتاب والسنة، وخبر الواحد لا يقطع به، فكيف يثبت به المقطوع؟ وليس ذلك بصحيح؛ فإن الظن متبع في الشرعيات، والإجماع المنقول بطريق الآحاد يغلب على الظن، فيكون ذلك دليلًا كالنص المنقول بطريق الآحاد. وقولهم: "هو دليل قاطع".

стр. 481

قلنا قول النبي ﷺ دليل قاطع -أيضًا- في حق من شافهه، أو بلغه بالتواتر، وإذا نقله الآحاد كان مظنونًا، وهو حجة، فالإجماع كذلك، بل هو أولى؛ فإنه أقوى من النص، لتطرق النسخ إلى النص، وسلامة الإجماع منه؛ فإن النسخ إنما يكون بنص، والإجماع لا يكون إلا بعد انقراض زمن النص١.

стр. 482

فصل: [الأخذ بأقل ما قيل ليس إجماعًا] الأخذ بأقل ما قيل: ليس تمسكًا بالإجماع، نحو اختلاف الناس في دية الكتابي: فقيل: دية المسلم١. وقيل: النصف٢. وقيل: الثلث٣.

стр. 483

فالقائل: إنها الثلث ليس هو متمسكًا بالإجماع؛ لأن وجوب الثلث متفق عليه، وإنما الخلاف في سقوط الزيادة، وهو مختلف فيه، فكيف يكون إجماعًا؟ ولو كان إجماعًا كان مخالفه خارقًا للإجماع، وهذا ظاهر الفساد. والله تعالى أعلم. الأصل الرابع استصحاب الحال ودليل العقل اعلم أن الأحكام السمعية لا تدرك بالعقل، لكن دل العقل على براءة الذمة من الواجبات، وسقوط الحرج عن الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل١.

стр. 484

فالنظر في الأحكام: إما في إثباتها، وإما في نفيها. فأما الإثبات: فالعقل قاصر عنه.

стр. 485

...............................................................

стр. 486

وأما النفي: فالعقل قد دل عليه إلى أن يرد دليل السمع الناقل عنه، فينتهض دليلًا على أحد الشطرين١. ومثاله: لما دل السمع٢ على خمس صلوات، بقيت السادسة غير واجبة، لا لتصريح السمع بنفيها؛ فإن لفظه قاصر على إيجاب الخمسة، لكن كان وجوبها منتفيًا، ولا مثبت للوجوب، فيبقى على النفي الأصلي. وإذا أوجب عبادة على قادر، بقي العاجز على ما كان عليه، ولو أوجبها في وقت، بقيت في غيره على البراءة الأصلية. فإن قيل: إذا كان العقل إنما كان دليلًا بشرط أن لا يرد سمع، فبعد وضع الشرع لا يعلم نفي السمع، ومنتهاكم: عدم العلم بوروده، وعدم العلم ليس بحجة. ولو جاز ذلك، لجاز للعامي النفي مستندًا إلى أنه لم يبلغه دليل٣.

стр. 487

قلنا: انتفاء الدليل قد يعلم، وقد يظن؛ فإنا نعلم أنه لا دليل على وجوب صوم شوال، ولا صلاة سادسة؛ إذ لو كان لنقل وانتشر، ولم يخفَ على جميع الأمة، وهذا علم بعدم الدليل، لا عدم علم بالدليل، فإن عدم العلم بالدليل ليس حجة، والعلم بعدم الدليل حجة. وأما الظن: فإن المجتهد إذا بحث عن مدارك الأدلة، فلم يظهر له دليل مع أهليته. واطلاعه على مدارك الأدلة، وقدرته على الاستقصاء، وشدة بحثه، وعنايته، غلب على ظنه انتفاء الدليل، فنزل ذلك منزلة العلم في وجوب العمل؛ لأنه ظن استند إلى بحث واجتهاد، وهذا غاية الواجب على المجتهد. وأما العامي: فلا قدرة له؛ فإن الذي يقدر على التردد في بيته لطلب متاع، إذا فتش وبالغ، أمكنه القطع بنفي المتاع، والأعمى الذي لا يعرف البيت، ولا يدري ما فيه، لا يمكنه ادعاء نفي المتاع. فإن قيل: ليس للاستقصاء غاية محدودة، بل للمجتهد بداية ووسط ونهاية،

стр. 488

فمتى يحل له أن ينفي الدليل السمعي، والبيت محصور، وطلب اليقين فيه ممكن، ومدارك الشرع غير محصورة، فإن الأخبار كثيرة، وربما غاب راوي الحديث. قلنا: مهما علم الإنسان أنه قد بلغ وسعه، فلم يجد فله الرجوع إلى دليل العقل؛ فإن الأخبار قد دونت، والصحاح قد صنّفت فما دخل فيها محصور، وقد انتهى ذلك إلى المجتهدين، وأوردوها في مسائل الخلاف. فإن قيل: لِمَ لا يكون واجبًا لا دليل عليه، أو له دليل لم يبلغنا؟ قلنا: أما إيجاب ما لا دليل عليه فمحال؛ لأنه تكليف ما لا يطاق، ولذلك نفينا الأحكام قبل ورود الشرع، والبحث يدلنا على عدم الدليل، على ما ذكرناه. [استصحاب دليل الشرع] وأما استصحاب دليل الشرع١: فكاستصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص، واستصحاب النص إلى أن يرد النسخ، واستصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه، كالملك الثابت، وشغل الذمة بالإتلاف أو الالتزام، وكذلك الحكم بتكرار اللزوم إذا تكررت الأسباب، كتكرر شهر رمضان، وأوقات الصلوات. فالاستصحاب إذن: عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي،

стр. 489

وليس راجعًا إلى عدم الدليل، بل إلى دليل ظني مع انتفاء المغير١، أو العلم به. فصل: فأما استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف: فليس بحجة في قول الأكثرين٢. وقال بعض الفقهاء: هو دليل٣ واختاره أبو إسحاق بن شاقلا٤.

стр. 490

مثاله: أن يقول في المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة: الإجماع منعقد على صحة صلاته ودوامها، فنحن نستصحب ذلك حتى يأتينا دليل يزيلنا عنه. وهذا فاسد؛ لأن الإجماع إنما دل على دوامها حال العدم. فأما مع الوجود: فهو مختلف فيه، ولا إجماع مع الاختلاف، واستصحاب الإجماع عند انتفاء الإجماع محال. وهذا كما أن العقل دل على البراءة الأصلية بشرط عدم دليل السمع، فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السمع، وهذا لأن كل دليل يضاده نفس الخلاف، لا يمكن استصحابه معه، والإجماع يضاده نفس الخلاف. والعموم، والنص، ودليل العقل، لا يضاده نفس الاختلاف، فلذلك صح استصحابه معه٤.

стр. 491

فصل: [هل النافي للحكم يلزمه الدليل] والنافي للحكم يلزمه الدليل. وقال قوم في الشرعيات كقولنا، وفي العقليات لا دليل عليه. وقال قوم: لا دليل عليه مطلقًا لأمرين: أحدهما: أن المدّعى عليه الدَّين لا دليل عليه. والثاني: أن الدليل على النفي متعذر، فكيف يكلف ما لا يمكن؟ كإقامة الدليل على براءة الذمة١.

стр. 492

ولنا قوله -تعالى-: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١. ومن المعنى: يقال للنافي: ما ادعيت نفيه، علمته، أم أنت شاك فيه؟ فإن أقر بالشك فهو معترف بالجهل. وإن ادعى العلم: فإما أن يعلم بنظر أو تقليد: فإن ادعى العلم بتقليد، فهو -أيضًا- معترف بعمى نفسه، وإنما يدعي البصيرة لغيره. وإن كان ينظر: فيحتاج إلى بيانه.

стр. 493

ولأنه لو أسقط الدليل عن النافي: لم يعجز المثبت عن التعبير عن مقصود إثباته بالنفي فيقول: بدل قوله: "مُحدَث": "ليس بقديم" وبدل قوله: "قادر": "ليس بعاجز"١. وقولهم: "إن المدعى عليه الدين لا دليل عليه": عنه أجوبة٢: أحدها: المنع؛ فإن اليمين دليل، لكنها قصرت عن الشهادة، فشرعت عند عدمها، واختصت بالمنكر؛ لرجحان جانبه باليد التي هي دليل الملك.

стр. 494

واحتمال الكذب فيها لا يمنع كونها دليلًا، كاحتمال الكذب في الشهادة. الثاني: إنما لم يحتج المنكر إلى دليل؛ لوجود اليد التي هي دليل الملك؛ إذ الظاهر أن ما في يد الإنسان ملكه. الثالث: إنما لم يجب عليه الدليل لعجزه عنه؛ إذ لا سبيل إلى إقامة دليل على النفي، فإن ذلك إنما يعرف: بأن يلازمه الشاهد من أول وجوده إلى وقت الدعوى، فيعلم انتفاء سبب اللزوم قولًا وفعلًا، بمراقبته للحظات، وهو محال. وشغل الذمة -أيضًا- لا سبيل إلى معرفته؛ فإن الشاهد لا يحصل إلا الظن بجريان سبب اللزوم، من إتلاف أو غيره، وذلك في الماضي. أما في الحال: فإنه يجوز براءتها بأداء، أو إبراء، فاكتفى بالشهادة على سبب اللزوم، واكتفى معها باليمين لقول النبي ﷺ : "البينة على المدّعي، واليمين على من أنكر"١. أما في مسألتنا: فيمكن إقامة الدليل إن كان النزاع في الشرعيات، فقد يصادف الدليل عليها من الإجماع، كنفي وجوب صلاة الضحى، وصوم شوال، أو النص، كقوله، ﷺ : "لا زكاة في الحلي" ٢، و "لا

стр. 495

زكاة في المعلوفة" ١، أو بمفهوم، أو بقياس، كقياس الخضروات على الرمان في نفي وجوب الزكاة٢.
следующие страницы →