← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12010

روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان

ابن قدامة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فصل: [هل النافي للحكم يلزمه الدليل] والنافي للحكم يلزمه الدليل. وقال قوم في الشرعيات كقولنا، وفي العقليات لا دليل عليه. وقال قوم: لا دليل عليه مطلقًا لأمرين: أحدهما: أن المدّعى عليه الدَّين لا دليل عليه. والثاني: أن الدليل على النفي متعذر، فكيف يكلف ما لا يمكن؟ كإقامة الدليل على براءة الذمة١.

стр. 492

ولنا قوله -تعالى-: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١. ومن المعنى: يقال للنافي: ما ادعيت نفيه، علمته، أم أنت شاك فيه؟ فإن أقر بالشك فهو معترف بالجهل. وإن ادعى العلم: فإما أن يعلم بنظر أو تقليد: فإن ادعى العلم بتقليد، فهو -أيضًا- معترف بعمى نفسه، وإنما يدعي البصيرة لغيره. وإن كان ينظر: فيحتاج إلى بيانه.

стр. 493

ولأنه لو أسقط الدليل عن النافي: لم يعجز المثبت عن التعبير عن مقصود إثباته بالنفي فيقول: بدل قوله: "مُحدَث": "ليس بقديم" وبدل قوله: "قادر": "ليس بعاجز"١. وقولهم: "إن المدعى عليه الدين لا دليل عليه": عنه أجوبة٢: أحدها: المنع؛ فإن اليمين دليل، لكنها قصرت عن الشهادة، فشرعت عند عدمها، واختصت بالمنكر؛ لرجحان جانبه باليد التي هي دليل الملك.

стр. 494

واحتمال الكذب فيها لا يمنع كونها دليلًا، كاحتمال الكذب في الشهادة. الثاني: إنما لم يحتج المنكر إلى دليل؛ لوجود اليد التي هي دليل الملك؛ إذ الظاهر أن ما في يد الإنسان ملكه. الثالث: إنما لم يجب عليه الدليل لعجزه عنه؛ إذ لا سبيل إلى إقامة دليل على النفي، فإن ذلك إنما يعرف: بأن يلازمه الشاهد من أول وجوده إلى وقت الدعوى، فيعلم انتفاء سبب اللزوم قولًا وفعلًا، بمراقبته للحظات، وهو محال. وشغل الذمة -أيضًا- لا سبيل إلى معرفته؛ فإن الشاهد لا يحصل إلا الظن بجريان سبب اللزوم، من إتلاف أو غيره، وذلك في الماضي. أما في الحال: فإنه يجوز براءتها بأداء، أو إبراء، فاكتفى بالشهادة على سبب اللزوم، واكتفى معها باليمين لقول النبي ﷺ : "البينة على المدّعي، واليمين على من أنكر"١. أما في مسألتنا: فيمكن إقامة الدليل إن كان النزاع في الشرعيات، فقد يصادف الدليل عليها من الإجماع، كنفي وجوب صلاة الضحى، وصوم شوال، أو النص، كقوله، ﷺ : "لا زكاة في الحلي" ٢، و "لا

стр. 495

زكاة في المعلوفة" ١، أو بمفهوم، أو بقياس، كقياس الخضروات على الرمان في نفي وجوب الزكاة٢.

стр. 496

وإن عدم الأدلة: فيتمسك باستصحاب النفي الأصلي الثابت بدليل العقل. وأما العقليات: فيمكن نفيها، فإن إثباتها يفضي إلى محال، وما أفضى إلى المحال محال.

стр. 497

ويمكن الدليل عليه بدليل التلازم؛ فإن انتفاء أحد المتلازمين دليل على انتفاء الآخر، كقوله -تعالى-: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ١. فانتفاء الفساد دليل على انتفاء إله ثان٢. هذا بيان أصول مختلف فيها، وهي أربعة الأول- شرع من قبلنا: إذا لم يصرح شرعنا بنسخه، هل هو شرع لنا؟ وهل كان النبي ﷺ متعبدًا بعد البعثة باتباع شريعة من قبله٣؟

стр. 498

...........................................

стр. 499

فيه روايتان١: إحداهما: أنه شرع لنا اختارها التميمي، وهو قول الحنفية. والثانية: ليس بشرع لنا. وعن الشافعية كالمذهبين. وجه أنه ليس بشرع لنا سبعة أدلة: الأول: قوله تعالى: لكل ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٢ فدل على أن كل نبي اختص بشريعة لم يشاركه فيها غيره. الثاني: قوله ﵇: "بعثت إلى الأحمر والأسود، وكل نبي بُعث إلى قومه" ٣.

стр. 500

فدل على أن كل نبي يختص شرعه بقومه، ومشاركتنا لهم تمنع الاختصاص. الثالث: أن النبي ﷺ رأى يومًا بيد "عمر" قطعة من التوراة فغضب فقال: "ما هذا ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو أدركني موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي" ١. الرابع: أن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: "بم تحكم" ٢؟ فذكرالكتاب، والسنة، والاجتهاد ولم يذكر شرع من قبلنا، وصوبه النبي ﷺ ولو كانت من مدارك الأحكام لم يجز العدول إلى الاجتهاد، إلا بعد العجز عنها. فإن قيل: اندرجت التوارة والإنجيل تحت الكتاب، فإنه اسم جنس، يعم كل كتاب.

стр. 501

قلنا: إطلاق اسم الكتاب لا يفهم منه المسلمون غير القرآن، كيف ولم يعهد من "معاذ" تعلم شيء من هذه الكتب، ولا الرجوع إليها؟ الخامس: لو كان النبي ﷺ متعبدًا بها للزمه مراجعتها والبحث عنها، ولكان لا ينتظر الوحي، ولا يتوقف في الظهار والمواريث ونحوها. ولم يعهد منه ذلك إلا في آية الرجم، ليبين أنه ليس بمخالف لدينهم١. السادس: أنه لو كان مَدْرَكًا لكان تعلمها وحفظها ونقلها فرض

стр. 502

كفاية، ولوجب على الصحابة مراجعتها في تعرف الأحكام ولم يفعلوا. السابع: إطباق الأمة على أن هذه الشريعة: شريعة رسول الله ﷺ بجملتها، ولو تعبد بشرع غيره، كان مخبرًا لا شارعًا. ووجه الرواية الأخرى: خمس آيات، وثلاثة أحاديث: أما الآيات: فقوله -تعالى-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ ١. وقوله -تعالى-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ ٢. وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ... ﴾ ٣. وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ ٤. وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٥. فإن قيل: أما الآيات الثلاث٦: فالمراد بها التوحيد، بدليل: أنه أمره باتباع هدى جميعهم، وما وصّى به جملتهم، وشرائعهم مختلفة، وناسخة

стр. 503

ومنسوخة، فيدل على أنه أراد الهدى المشترك. والملة: عبارة عن أصل الدين، بدليل: أنه قال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ١. ولا يجوز تسفيه الأنبياء الذين خالفوا شريعة إبراهيم ﵇. والهدى والنور: أصل الدين والتوحيد٢. قلنا: الشريعة من جملة الهدى، فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وهي من جملة ما أوصى الله به الأنبياء ﵈. قولهم: "في شرائعهم الناسخ والمنسوخ". قلنا: إنما يتّبع الناسخ دون المنسوخ، كما في الشريعة الواحدة. وأما الأحاديث: فمنها: أنه قضى في السن بالقصاص، وقال: "كتاب الله القصاص"٣ وليس في القرآن قصاص في السن إلا في قوله تعالى: ﴿السِّنَّ بِالسِّنِ﴾ ٤.

стр. 504

الثاني: مراجعته التوراة في رجم الزانيين١. الثالث: قوله: "من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"٢ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ٣. وهذا خطاب لموسى ﵇. وقد أجيب عن الأول٤: بأنه دخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ٥. وعن الثاني٦: بأنه راجع التوراة ليبين كذبهم، وأنه ليس بمخالف لشريعتهم. ومن المعنى٧: أن شرع الله -تعالى- الحكم في حق أمة يدل على تعلق المصلحة به؛ فإنه حكيم لا يخلو حكمه عن مصلحة، ويدل على اعتبار الشرع له، فلا يجوز العدول عنه حتى يدل على نسخه دليل، كما في الشريعة الواحدة. وأما قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٧ فإن

стр. 505

المشاركة في بعض الشريعة لا تمنع نسبتها بكمالها إلى المبعوث بها؛ نظرًا إلى الأكثر. وبقية الأدلة تندفع بكون الشريعة الأولى لم تثبت بطريق موثوق به، بل قد أخبر الله -تعالى- بتحريف أهلها وتبديلهم، فلذلك أنكر النبي ﷺ على "عمر" كتاب التوراة، وصوب معاذًا في إعراضه عن كتبهم، ولم يلزمه ولا الصحابة الرجوع إليها، ولا البحث عنها. وإنما الواجب: الرجوع إلى ما ثبت منها بشرعنا، كآية القصاص١، والرجم، ونحوهما، وهو ما تضمنه الكتاب والسنة، فيكون منهما، فلا يجوز العدول إلى الاجتهاد مع وجوده.

стр. 506

الأصل الثاني من المختلف فيه قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف١ فروي: أنه حجة يقدم على القياس، ويخص به العموم وهو قول مالك، والشافعي في القديم، وبعض الحنفية.

стр. 507

وروي١: ما يدل على أنه ليس بحجة. وبه قال عامة المتكلمين، والشافعي في الجديد، واختاره أبو الخطاب؛ لأن الصحابي يجوز عليه الغلط والخطأ والسهو، ولم تثبت عصمته. وكيف تتصور عصمة من يجوز عليهم الاختلاف؟ وقد جوز الصحابة مخالفتهم، فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما. فانتفاء الدليل على العصمة، ووقوع الخلاف بينهم، وتجويزهم مخالفتهم: ثلاثة أدلة٢. وقال قوم: الحجة قول الخلفاء الراشدين؛ لقوله ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" ٣. وذهب آخرون: إلى أن الحجة قول أبي بكر وعمر

стр. 508

-﵄ لقوله ﵇: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" ١. ووجه الرواية الأولى٢. قوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ٣. فإن قيل: هذا خطاب لعوام عصره؛ بدليل: أن الصحابي غير داخل فيه. قلنا: اللفظ عام، لكن خرج منه الصحابي بقرينة: أنهم الذين أُمِرَ بتقليدهم، وجعل الأمر لغيرهم. ومن وجه آخر: هو أن الصحابة أقرب إلى الصواب، وأبعد من الخطأ؛ لأنهم حضروا التنزيل، وسمعوا كلام الرسول منه، فهم أعلم

стр. 509

بالتأويل، وأعرف بالمقاصد، فيكون قولهم أولى، كالعلماء مع العامة١.

стр. 510

وما ذكروه١ "من عدم العصمة": فلا يلزم؛ فإن المجتهد غير معصوم، ويلزم العامي تقليده. وقول من خص الأئمة٢ بالاحتجاج بقولهم: لا يصح؛ لما ذكرناه من عموم الدليل في غيرهم٣. وتخصيصهم بالأمر بالاقتداء بهم: يحتمل أنه أراد الاقتداء بهم في سيرتهم وعدلهم، ويحتمل: أنه ذكرهم؛ لكونهم من جملة من يجب الاقتداء بهم. فصل وإذا اختلف الصحابة على قولين: لم يجز للمجتهد٤ الأخذ بقول بعضهم من غير دليل٥. خلافًا لبعض الحنفية وبعض المتكلمين: أنه يجوز ذلك، ما لم ينكر

стр. 511

على القائل قوله؛ لأن اختلافهم إجماع على تسويغ الخلاف، والأخذ بكل واحد من القولين. ولهذا رجع "عمر" ﵁ إلى قول "معاذ" في ترك رجم المرأة١. وهذا فاسد؛ فإن قول الصحابة لا يزيد على الكتاب والسنة، ولو تعارض دليلان من كتاب أو سنة: لم يجز الأخذ بواحد منهما بدون الترجيح. ولأننا نعلم أن أحد القولين صواب، والآخر خطأ، ولا نعلم ذلك إلا بدليل. وإنما يدل اختلافهم على تسويغ الاجتهاد في كلا القولين، أما على الأخذ به: فكلَّا.

стр. 512

وأما رجوع "عمر" ﵁ إلى معاذ: فلأنه بان له الحق بدليله، فرجع إليه١. الثالث: الاستحسان ولا بد أولًا من فهمه. وله ثلاثة معان٢:

стр. 513

أحدها: أن المراد به: العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنة. قال القاضي يعقوب١: القول بالاستحسان مذهب أحمد ﵀ وهو: أن تترك حكما إلى حكم هو أولى منه. وهذا مما لا ينكر، وإن اختلف في تسميته، فلا فائدة في الاختلاف في الاصطلاحات مع الاتفاق في المعنى.

стр. 514

الثاني: أنه يستحسنه المجتهد بعقله. وقد حكي عن أبي حنيفة أنه قال: هو حجة؛ تمسكًا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ١، وقوله: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٢. وبقول النبي ﷺ "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن"٣. ولأن المسلمين استحسنوا دخول الحمام من غير تقدير أجرة، وكذلك نظائره؛ إذ التقدير في مثله قبيح، فاستحسنوا تركه. ولنا على فساده مسلكان: الأول: أن هذا لا يعرف من ضرورة العقل ونظره، ولم يرد من سمع متواتر، ولا نقل آحاد، ومهما انتفى الدليل وجب النفي٤.

стр. 515

الثاني أنا نعلم -بإجماع الأمة قبلهم- على أن العالم ليس له الحكم بمجرد هواه وشهوته من غير نظر في الأدلة. والاستحسان من غير نظر حكم بالهوى المجرد، فهو كاستحسان العامي، وأي فرق بين العامي والعالم غير معرفة الأدلة الشرعية، وتمييز صحيحها عن فاسدها؟ ولعل مستند استحسانه وهم وخيال، إذا عرض على الأدلة لم يحصل منه طائل. روي عن الشافعي ﵀ أنه قال: "من استحسن فقد شرع"١. ولما بعث معاذ إلى "اليمن" لم يقل: إني أستحسن، بل ذكر الكتاب والسنة والاجتهاد فقط. وأما اتباع أحسن ما أنزل إلينا من ربنا: فواجب، فليبينوا أن هذا أنزل إلينا، فضلًا عن أن يكون من أحسنه. والخبر٢ دليل على أن الإجماع حجة، ولا خلاف فيه. ثم يلزمهم استحسان العوام والصبيان، فإن فرقوا بأنهم ليسوا أهلًا للنظر، قلنا: إذا كان لا ينظر في الأدلة، فأي فائدة في أهلية النظر؟ وما استشهدوا به من المسائل: لعل مستند ذلك: جريانه في عصر النبي ﷺ وتقريره عليه، من معرفته به؛ لأجل المشقة في تقدير الماء

стр. 516

المصبوب في الحمام، ومدة المقام، والمشقة سبب الرخصة. ويحتمل أن يقال: دخول الحمام مستباح بالقرينة، والماء متلف بشرط العوض، بقرينة حال الحمامي، ثم ما يبذله له إن ارتضى الحمامي، واكتفى به عوضًا، وإلا طالبه بالتسديد إن شاء، فهذا أمر يقاس، والقياس حجة. الثالث: قولهم: "المراد به دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه" وهذا هوس١؛ فإن ما لا يعبر عنه لا يدري أهو وهم أو تحقيق، فلا بد من إظهاره ليعتبر بأدلة الشريعة، فلتصححه أو تزيفه.

стр. 517

...................................................

стр. 518

الاستصلاح، أو المصلحة المرسلة الرابع من الأصول المختلف فيها: الاستصلاح١: وهو: اتِّباع المصلحة المرسلة. والمصلحة: هي جلب المنفعة، أو دفع المضرة. وهي ثلاثة أقسام: قسم شهد الشرع باعتبارها. فهذا هو القياس، وهو: اقتباس الحكم من معقول النص أو الإجماع٢.

стр. 519

القسم الثاني: ما شهد ببطلانه: كإيجاب الصوم بالوقاع في رمضان على الملك؛ إذ العتق سهل عليه فلا ينزجر، والكفارة وضعت للزجر، فهذا لا خلاف في بطلانه؛ لمخالفته النص، وفتح هذا يؤدي إلى تغيير حدود الشرع١. الثالث- ما لم يشهد له بإبطال، ولا اعتبار معين: وهذا على ثلاثة ضروب: أحدها: ما يقع في مرتبة الحاجات: كتسليط الولي على تزويج الصغيرة، فذلك لا ضرورة إليه، لكنه محتاج إليه؛ لتحصيل الكفؤ؛ خيفة من الفوات، واستقبالًا للصلاح المنتظر في المآل. الضرب الثاني: ما يقع موقع التحسين والتزيين، ورعاية حسن المناهج في العبادات والمعاملات، كاعتبار الولي في النكاح؛ صيانة

стр. 520

للمرأة عن مباشرة العقد؛ لكونه مشعرًا بتوقان نفسها إلى الرجال، فلا يليق ذلك بالمروءة، ففوض ذلك إلى الولي؛ حملًا للخلق على أحسن المناهج. ولو أمكن تعليل ذلك بقصور رأي المرأة في انتقاء الأزواج وسرعة الاغترار بالظاهر: لكان من الضرب الأول، ولكن لا يصح ذلك في سلب عبارتها. فهذان الضربان لا نعلم خلافًا في أنه لا يجوز التمسك بهما من غير أصل؛ فإنه لو جاز ذلك: كان وضعا للشرع بالرأي، ولما احتجنا إلى بعثة الرسل. ولكان العامي يساوي العالم في ذلك؛ فإن كل أحد يعرف مصلحة نفسه١. الضرب الثالث- ما يقع في رتبة الضروريات٢:

стр. 521

وهو ما عرف من الشارع الالتفات إليها. وهي خمسة: أن يحفظ عليهم دينهم، وأنفسهم، وعقلهم، ونسبهم، ومالهم. ومثاله: قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي إلى البدع، صيانة لدينهم١. وقضاؤه بالقصاص، إذ به حفظ النفوس. وإيجابه حد الشرب؛ إذ به حفظ العقول. وإيجابه حد الزنا، حفظًا للنسل والأنساب٢. وإيجابه زجر السارق؛ حفظًا للأموال٣. وتفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل.

стр. 522

[آراء العلماء في اعتبار المصالح المرسلة] فذهب مالك، وبعض الشافعية إلى أن هذه المصلحة حجة؛ لأنا قد علمنا أن ذلك من مقاصد الشرع. وكون هذه المعاني مقصودة عرف بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال، وتفاريق الأمارات. فيسمى ذلك مصلحة مرسلة، ولا نسميه قياسًا؛ لأن القياس يرجع إلى أصل معين١. والصحيح: أن ذلك ليس بحجة؛ لأنه ما عرف من الشارع المحافظة على الدماء بكل طريق.

стр. 523

...........................................................

стр. 524

ولذلك لم يشرع المثلة، وإن كانت أبلغ في الردع والزجر، ولم يشرع القتل في السرقة وشرب الخمر. فإذا ثبت حكمًا لمصلحة من هذه المصالح لم يعلم أن الشرع حافظ على تلك المصلحة بإثبات ذلك الحكم، كان وضعًا للشرع بالرأي، وحكمًا بالعقل المجرد، كما حكي أن مالكا قال: "يجوز قتل الثلث من الخلق لاستصلاح الثلثين". ولا نعلم أن الشرع حافظ على مصلحتهم بهذا الطريق، فلا يشرع مثله.

стр. 525

باب: في تقاسيم الكلام والأسماء فصل: اختلاف في مبدأ اللغات ... باب: في تقاسيم الكلام والأسماء ١ فصل: اختلف في مبدأ اللغات: فذهب قوم إلى أنها توقيفية٢؛ لأن الاصطلاح لا يتم إلا بخطاب ومناداة، ودعوة إلى الوضع، ولا يكون ذلك إلا عن لفظ معلوم قبل الاجتماع للاصطلاح.

стр. 526

وقال آخرون: هي اصطلاحية١؛ إذ لا يفهم التوقيف ما لم يكن لفظ صاحب التوقيف معروفًا للمخاطب باصطلاح سابق. وقال القاضي: يجوز أن تكون توقيفية، ويجوز أن تكون اصطلاحية ويجوز أن يكون بعضها توقيفية وبعضها اصطلاحية، وأن يكون بعضها ثبت قياسًا، فإن جميع ذلك متصور في العقل٢.

стр. 527

أما التوقيف: فإن الله -سبحانه- قادر على أن يخلق لخلقه العلم بأن هذه الأسماء قصدت للدلالة على المسميات. وأما الاصطلاح: فبأن تجتمع دواعي العقلاء للاشتغال بما هو مهمهم وحاجتهم من تعرف الأمورالغائبة، فيبتدئ واحد، ويتبعه آخر، حتى يتم الاصطلاح. أما الواقع منها: فلا مطمع في معرفته يقينًا؛ إذ لم يرد به نص، ولا مجال للعقل والبرهان في معرفته. ثم هذا أمر لا يرتبط به تعبّد عملي، ولا يرهق إلى اعتقاده حاجة، فالخوض فيه فضول، فلا حاجة إلى التطويل. والأشبه: أنها توقيفية، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١.

стр. 528

فإن قيل١: يحتمل: أنه ألهمه وضع ذلك، ثم نسبه إلى تعليمه؛ لأنه الهادي إليه. ويحتمل: أنه كان موضوعًا قبل آدم بوضع خلق آخرين، فعلمه ما تواضع عليه غيره. ويحتمل: أنه أراد أسماء السماء والأرض، وما في الجنة والنار، دون الأسامي التي حدثت مسمياتها. قلنا: هذا نوع تأويل يحتاج إلى دليل.

стр. 529

فصل: [هل تثبت الأسماء بالقياس] قال القاضي يعقوب: يجوز أن تثبت الأسماء قياسًا، كتسمية النبيذ خمرًا، لعلمنا: أن مسكر العنب إنما سمي خمرًا؛ لأنه يخامر العقل -أي: يغطيه- وقد وجد هذا المعنى في النبيذ فيسمى به، حتى يدخل في عموم قوله ﵇: "حرمت الخمر لعينها" ١. وبه قال بعض الشافعية٢.

стр. 530

وقال أبو الخطاب، وبعض الحنفية، وبعض الشافعية: ليس هذا بمرض؛ فإنا عرفنا أن أهل اللغة خصوا مسكر عصير العنب باسم "الخمر" فوضعه لغيره اختراع من عندنا، فلا يكون من لغتهم. وإذا علمنا أنهم وضعوه لكل مسكر: فاسم "الخمر" ثابت للنبيذ توقيفًا من جهتهم، لا قياسًا. وإن احتمل الأمرين، فَلِمع نتحكّم عليهم ونقول: لغتكم هذه؟ وقد رأيناهم يضعون الاسم لمعانٍ ويخصصونها بالمحل، كما يسمون الفرس: أدهم؛ لسواده، وكميتًا١؛ لحمرته، والقارورة من الزجاج، لأنه
следующие страницы →