← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12010

روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان

ابن قدامة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقال آخرون: هي اصطلاحية١؛ إذ لا يفهم التوقيف ما لم يكن لفظ صاحب التوقيف معروفًا للمخاطب باصطلاح سابق. وقال القاضي: يجوز أن تكون توقيفية، ويجوز أن تكون اصطلاحية ويجوز أن يكون بعضها توقيفية وبعضها اصطلاحية، وأن يكون بعضها ثبت قياسًا، فإن جميع ذلك متصور في العقل٢.

стр. 527

أما التوقيف: فإن الله -سبحانه- قادر على أن يخلق لخلقه العلم بأن هذه الأسماء قصدت للدلالة على المسميات. وأما الاصطلاح: فبأن تجتمع دواعي العقلاء للاشتغال بما هو مهمهم وحاجتهم من تعرف الأمورالغائبة، فيبتدئ واحد، ويتبعه آخر، حتى يتم الاصطلاح. أما الواقع منها: فلا مطمع في معرفته يقينًا؛ إذ لم يرد به نص، ولا مجال للعقل والبرهان في معرفته. ثم هذا أمر لا يرتبط به تعبّد عملي، ولا يرهق إلى اعتقاده حاجة، فالخوض فيه فضول، فلا حاجة إلى التطويل. والأشبه: أنها توقيفية، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١.

стр. 528

فإن قيل١: يحتمل: أنه ألهمه وضع ذلك، ثم نسبه إلى تعليمه؛ لأنه الهادي إليه. ويحتمل: أنه كان موضوعًا قبل آدم بوضع خلق آخرين، فعلمه ما تواضع عليه غيره. ويحتمل: أنه أراد أسماء السماء والأرض، وما في الجنة والنار، دون الأسامي التي حدثت مسمياتها. قلنا: هذا نوع تأويل يحتاج إلى دليل.

стр. 529

فصل: [هل تثبت الأسماء بالقياس] قال القاضي يعقوب: يجوز أن تثبت الأسماء قياسًا، كتسمية النبيذ خمرًا، لعلمنا: أن مسكر العنب إنما سمي خمرًا؛ لأنه يخامر العقل -أي: يغطيه- وقد وجد هذا المعنى في النبيذ فيسمى به، حتى يدخل في عموم قوله ﵇: "حرمت الخمر لعينها" ١. وبه قال بعض الشافعية٢.

стр. 530

وقال أبو الخطاب، وبعض الحنفية، وبعض الشافعية: ليس هذا بمرض؛ فإنا عرفنا أن أهل اللغة خصوا مسكر عصير العنب باسم "الخمر" فوضعه لغيره اختراع من عندنا، فلا يكون من لغتهم. وإذا علمنا أنهم وضعوه لكل مسكر: فاسم "الخمر" ثابت للنبيذ توقيفًا من جهتهم، لا قياسًا. وإن احتمل الأمرين، فَلِمع نتحكّم عليهم ونقول: لغتكم هذه؟ وقد رأيناهم يضعون الاسم لمعانٍ ويخصصونها بالمحل، كما يسمون الفرس: أدهم؛ لسواده، وكميتًا١؛ لحمرته، والقارورة من الزجاج، لأنه

стр. 531

يقر فيها المائعات، ولا يتجاوزون بهذه الأسماء محلها، وإن كان المعنى عامًّا في غيره. فإذًا: ما ليس على قياس التصريف الذي عرف منهم لا سبيل إلى إثباته ووضعه١. قلنا: متى تحققنا أنهم وضعوا الاسم لمعنى استدللنا على أنهم وضعوه بإزاء كل ما فيه المعنى، كما أنه إذا نُص على حكم في صورة لمعنى، علمنا: أنه قُصد إثبات الحكم في كل ما وجد فيه المعنى. فالقياس: توسيع مجرى الحكم٢. وإذا جاز قياس التصريف، فسموا فاعل الضرب: ضاربًا، ومفعوله: مضروبًا: فَلَِم لا يجوز فيما نحن فيه؟ وفيما استشهدوا به من الأسماء: وضع الاسم لشيئين: الجنس والصفة، ومتى كانت العلة ذات وصفين: لم يثبت الحكم بدونهما٣.

стр. 532

فصل: في تقاسيم الأسماء وهي أربعة أقسام: وضعية. وعرفية. وشرعية. ومجاز مطلق١. أما الوضعية: فهي الحقيقة. وهو: اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي٢.

стр. 533

وأما العرفية: فإن الاسم يصير عرفيًّا باعتبارين: أحدهما: أن يخصص عرف الاستعمال من أهل اللغة الاسم ببعض مسمياته الوضعية١. كتخصيص الدابة بذوات الأربع، مع أن الوضع لكل ما يدب. الاعتبار الثاني: أن يصير الاسم شائعًا في غير ما وضع له أولًا، بل هو مجاز فيه، كالغائط، والعذرة، والراوية٢. وحقيقة الغائط: المطمئن من الأرض، والعذرة: فناء الدار، والراوية: الجمل الذي يستقى عليه. فصار أصل الوضع منسيًّا، والمجاز معروفًا، سابقًا إلى الفهم، إلا أنه ثبت بعرف الاستعمال، لا بالوضع الأول٣. وأما الشرعية:

стр. 534

فهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع، كالصلاة، والصيام والزكاة والحج١.

стр. 535

وقال قوم: لم ينقل شيء، بل الاسم باق على ما هو عليه في اللغة، لكن اشترط للصحة شروط، فالركوع أو السجود شرط للصلاة، لا من نفس الصلاة بدليل أمرين: أحدهما: أن القرآن عربي، والنبي ﷺ مبعوث بلسان قومه١.

стр. 536

ولو قال: "أكرموا العلماء" وأراد الفقراء: لم يكن هذا بلسانهم، وإن كان اللفظ المنقول إليه عربيًّا. والثاني: أنه لو فعل ذلك: للزمه تعريف الأمة ذلك بالتوقيف١. وهذا ليس بصحيح٢؛ فإن ما تصوره الشرع من العبادات ينبغي أن يكون لها أسام معروفة، لا يوجد ذلك في اللغة إلا بنوع تصرف، إما النقل، وإما التخصيص. وإنكار أن الركوع والسجود والقيام والقعود الذي هو ركن الصلاة منها: بعيد حدًّا٣. وتسليم أن الشرع يتصرف في ألفاظ اللغة بالنقل تارة، والتخصيص أخرى -على مثال تصرف أهل العرف- أسهل وأولى مما ذكروه؛ إذ للشرع عرف في الاستعمال كما للعرب. وقد سمى الله -تعالى- الصلاة إيمانًا بقوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ٤. وهذا لا يخرج هذه الأسامي عن أن تكون عربية -كما قلنا في

стр. 537

تصرف أهل اللغة- ولا تسلب الاسم العربي عن القرآن، كما لو اشتمل على مثلها من الكلمات الأعجمية على ما مضى١. وقوله: "كان يجب التوقيف على تصرفه" فهذا إنما يجب إذا لم يعلم مقصوده بالقرائن، والتكرير مرة بعد أخرى، فإذا فهم حصل الغرض٢. [إذا أطلق اللفظ حمل على المعنى الشرعي] وعند إطلاق هذه الألفاظ في لسان الشرع، وكلام الفقهاء، يجب حمله على الحقيقة الشرعية، دون اللغوية، ولا يكون مجملًا، لأن غالب عادة الشارع استعمال هذه الأسامي على عرف الشرع لسائر الأحكام الشرعية. وحكي عن القاضي: أنه يكون مجملًا، وهو قول بعض الشافعية، والأولى: ما قلناه٣.

стр. 538

....................................

стр. 539

[المجاز وعلاقاته] وأما المجاز: فهو اللفظ المستعمل في غير موضوعه على وجه يصح. ثم إنه إنما يصح بأمور: أحدها: اشتراكهما١ في المعنى المشهور في محل الحقيقة، كاستعارة لفظ "الأسد" في الرجل الشجاع؛ لاشتهار الشجاعة في الأسد الحقيقي. ولا تصح استعارة "الأسد" في الرجل الأبخر، وإن كان البخر موجودًا في محل الحقيقة؛ لكونه غير مشهور به. والثاني: بسبب المجاورة غالبًا، كتسمية المزادة٢: راوية، باسم الجمل الحامل لها؛ لتجاورهما في الأعم الأغلب.

стр. 540

وتسمية المرأة "ظعينة"١ باسم الجمل الذي تظعن عليه؛ للزومها إياه. وكذلك تسمية الفضلة المستقذرة: غائطًا وعذرة٢. الثالث: إطلاقهم اسم الشيء على ما يتصل به، كقولهم "الخمر محرمة" والمحرم: شربها، "والزوجة محلّلة" والمحلل: وطؤها. وكإطلاقهم السبب على المسبب وبالعكس٣. الرابع: حذفهم المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٤، ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ ٥ أي: حب العجل.

стр. 541

[المجاز يستلزم الحقيقة دون العكس] وكل مجاز له حقيقة في شيء أخر، إذ هو عبارة عن [اللفظ] المستعمل في غير موضوعه، فلا بد أن يكون له موضوع١. ولا يلزم أن يكون لكل حقيقة مجاز؛ إذ كون الشيء له موضوع لا يلزم أن يستعمل فيما عداه.

стр. 542

فصل: [في تعارض الحقيقة والمجاز] متى دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز: فهو للحقيقة١، ولا يكون

стр. 543

مجملًا، إلا أن يدل دليل على أنه أريد به المجاز١؛ إذ لو جعلنا كل لفظ أمكن التجوز فيه مجملًا: لتعذرت الاستفادة في أكثر الألفاظ، واختل مقصود الوضع، وهو التفاهم٢. ولأن واضع الاسم لمعنًى إنما وضعه ليكتفي به فيه، فكأنه قال:

стр. 544

"متى ما سمعتم هذه اللفظة: فافهموا ذلك المعنى" فيجب حمله عليه. إلا أن يغلب المجاز بالعرف، كالأسماء العرفية، فتصير -حينئذ- الحقيقة كالمتروكة؛ فإنه لو قال: "رأيت غائطا أو راوية" لم نفهم منه الحقيقة، فيصير الحكم للعرف ولا يصرف إلى الحقيقة، ولا يصرف إلى حقيقة إلا بدليل.

стр. 545

فصل: [في علامات الحقيقة والمجاز] ويستدل على معرفة الحقيقة من المجاز بشيئين: أحدهما: أن يكون أحد المعنيين يسبق إلى الفهم من غير قرينة، والآخر لا يفهم إلا بقرينة، فيكون حقيقة فيما يفهم منه مطلقًا. أو يكون أحد المعنيين يستعمل فيه اللفظ مطلقًا، والمعنى الآخر لا يقتصر فيه على مجرد لفظه، فيكون حقيقة فيما يقتصر فيه على مجرد اللفظ١.

стр. 546

الثاني: أن يصح الاشتقاق من أحد اللفظين، كالأمر في الكلام حقيقة، لأنه يصح منه: "أمر، يأمر، أمرًا" وليس بحقيقة في الشأن نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ١؛ لأنه لا يقال منه: "أمر، يأمر، أمرًا"٢.

стр. 547

فصل: [في تعريف الكلام وأقسامه] الكلام: هو الأصوات المسموعة، والحروف المؤلفة١. وهو ينقسم إلى مفيد وغير مفيد. وأهل العربية يخصون الكلام بما كان مفيدًا، وهو: الجملة المركبة من مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل، أو حرف نداء واسم. وما عداه: إن كان لفظة واحدة: فهي كلمة وقول. وإن كثر فهو كلم وقول.

стр. 548

والعرف: ما قلناه١، مع أنه لا مشاحة في الاصطلاح. والكلام المفيد ينقسم ثلاثة أقسام: نص. وظاهر. ومجمل٢. القسم الأول- النص٣: وهو: ما يفيد بنفسه من غير احتمال، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ٤.

стр. 549

وقيل: هو الصريح في معناه. وحكمه: أن يصار إليه ولا يعدل عنه إلا بنسخ. وقد يطلق اسم النص على الظاهر١. ولا مانع منه؛ فإن النص في اللغة بمعنى الظهور، كقولهم: "نصت الظبية رأسها" إذا رفعته وأظهرته. قال امرؤ القيس٢: وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل ومنه سميت منصة العروس للكرسي الذي تجلس عليه لظهورها عليه.

стр. 550

إلا أن الأقرب تحديد النص بما ذكرناه أولًا١؛ دفعًا للترادف والاشتراك عن الألفاظ، فإنه على خلاف الأصل. وقد يطلق النص على: ما لا يتطرق إليه احتمال لا يعضده دليل٢. فإن تطرق إليه احتمال لا دليل عليه: فلا يخرجه عن كونه نصًّا. القسم الثاني- الظاهر: وهو: ما يسبق إلى الفهم منه عند الإطلاق معنى، مع تجويز غيره. وإن شئت قلت: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر. فحكمه: أن يصار إلى معناه الظاهر، ولا يجوز تركه إلا بتأويل. والتأويل: صرف اللفظ عن الاحتمال الظاهر إلى احتمال مرجوح به لاعتضاده بدليل يصير به، أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر. إلا أن الاحتمال يقرب تارة ويبعد أخرى: وقد يكون الاحتمال بعيدا جدًّا فيحتاج إلى دليل في غاية القوة. وقد يكون قريبًا فيكفيه أدنى دليل.

стр. 551

وقد يتوسط بين الدرجتين، فيحتاج دليلًا متوسطًا. والدليل١ يكون قرينة. أو ظاهرًا آخر. ومهما تساوى الاحتمال وجب المصير إلى الترجيح.

стр. 552

...............................

стр. 553

[الأمور التي تلزم المتأول] وكل متأول يحتاج إلى: بيان احتمال اللفظ لما حمله عليه. ثم إلى دليل صارف له١. وقد يكون في الظاهر قرائن تدفع الاحتمال بمجموعها، وآحادها لا تدفعه٢. مثاله: تأويل الحنفية قول النبي ﷺ لغيلان بن سلمة٣ -حيث أسلم على عشر نسوة-: "أمسك منهن أربعا وفارق نت سواهن"٤: بالانقطاع عنهن وترك نكاحهن، وعضدوه بالقياس.

стр. 554

إلا أن في الحديث قرائن عضدت الظاهر، وجعلته أقوى من الاحتمال: أحدها: أنه لم يسبق إلى أفهام الصحابة إلا الاستدامة؛ فإنهم لو فهموه لكان هو السابق إلى أفهامنا. والثاني: أنه فوض الإمساك والمفارقة إلى اختياره، وابتداء النكاح لا يصح إلا برضاء المرأة.

стр. 555

والثالث: أنه لو أراد ابتداء النكاح: لذكر شرائطه؛ لئلا يؤخر البيان عن وقت الحاجة، وما أحوج حديث العهد بالإسلام إلى معرفة شرائط النكاح. الرابع: أن ابتداء النكاح لا يختص بهن، فكان ينبغي أن يقول: "انكح أربعًا ممن شئت". ومثال التأويل في العموم القوي: قول الحنفية في قول النبي ﷺ : "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل"١. قالوا: هذا محمول على الأمة. فثناهم عن قولهم "فلها المهر بما استحل من فرجها"؛ فإن مهر الأمة للسيد فعدلوا إلى المكاتبة.

стр. 556

وهذا تعسف ظاهر؛ لأن العموم قوي، والمكاتبة نادرة بالإضافة إلى النساء. وليس من كلام العرب إرادة الشاذ النادر باللفظ الذي ظهر منه قصد العموم إلا بقرينة تقترن باللفظ. وليس قياس النكاح على المال، والإناث على الذكور: قرينة تقترن باللفظ وتصلح لتنزيله على صورة نادرة١. ودليل ظهور قصد التعميم٢ أمور: الأول: أنه صدر بأي، وهي من كلمات الشرط، ولم يتوقف في عموم أدوات الشرط جماعة ممن خالف في صيغ العموم. الثاني: أنه أكد بـ"ما" وهي من مؤكدات العموم. الثالث: أنه رتب بطلان النكاح على الشرط في معرض الجزاء. ولو اقترح على العربي الفصيح أن يأتي بصيغة دالة على العموم مع الفصاحة والجزالة: لم تسمح قريحته بأبلغ من هذه الصيغة. ونعلم أن الصحابة لم يفهموا من هذه الصيغة "المكاتبة" ولو سمعنا نحن هذه الصيغة: لم نفهم منها "المكاتبة". ولو قال القائل: أردت المكاتبة: لنسب إلى الأإغاز٣.

стр. 557

ولو أخرج "المكاتبة" وقال: "ما خطرت ببالي" لم يستنكر. فما لم يخطر على البال إلا بالإخطار كيف يجوز قصر العموم عليه؟ وقد قيل في تأويل قوله ﵇: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام بالليل" ١ -يحمله على القضاء- إنه من هذا القبيل٢؛ لأن التطوع غير مراد، فلا يبقى إلا الغرض الذي هو ركن الدين، وهو صوم رمضان، والقضاء والنذر يجب بأسباب عارضة، فهو كالمكاتبة في مسألة النكاح.

стр. 558

والصحيح: أنه ليس ندرة هذا كندرة المكاتبة١، وإن كان كالغرض أسبق إلى الفهم، فيحتاج هذا التخصيص إلى دليل قوي. وليس يظهر بطلانه كظهور التخصيص بالمكاتبة. وعند هذا يعلم: أن إخراج النادر قريب، والقصر على النادر ممتنع، وبينهما درجات تتفاوت في البعد والقرب. ولكل مسألة ذوق يجب أن تفرد بنظر خاص، ويليق ذلك بالفروع. القسم الثالث- المجمل: وهو: ما لا يفهم منه عند الإطلاق معنى٢.

стр. 559

وقيل: ما احتمل أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر١. وذلك مثل: الألفاظ المشتركة كلفظة "العين": المشتركة بين "الذهب" و"العين الناظرة" وغيرها٢. و"القرء" للحيض والطهر٣، والشفق للبياض والحمرة٤. وقد يكون الإجمال في لفظ مركب، كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ٥، متردد بين الزوج والولي٦.

стр. 560

وقد يكون بحسب التصريف كالمختار، يصلح للفاعل والمفعول١. وقد يكون لأجل حرف محتمل: كالواو، تصلح عاطفة، ومبتدأة٤. و"من" تصلح للتبعيض، وابتداء الغاية، والجنس، وأمثال ذلك. [حكم المجمل] فحكم هذا التوقف فيه حتى يتبين المراد منه٤.

стр. 561

[صور اختلف في إجمالها] فأما قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة﴾ ١ ونحوها٢: فليس بمجمل، لظهوره من جهة العرف في تحريم الأكل، والعرف كالوضع. ولذلك قسمنا الأسماء إلى عرفية ووضعية٣. ومن أنس بتعارف أهل اللغة: علم أنهم يريدون بقوله: "حرمت عليك الطعام": الأكل، دون اللمس والنظر، و"حرمت عليك الجارية": أي الوطء. ويذهبون في تحريم كل عين إلى تحريم ما هي معدة له. وهذا اختيار أبي الخطاب وبعض الشافعية٤. وحكي عن القاضي أنه مجمل٥؛ لأن الأعيان لا تتصف بالتحريم حقيقة، وإنما يحرم فعل ما يتعلق بها، فلا يدري ما ذلك الفعل في الميتة:

стр. 562

أكلها، أم بيعها، أم النظر إليها أو لمسها؟ وهذا قول جماعة من المتكلمين. وقد ذكرنا أن هذا ظاهر من جهة العرف في الأكل، والصريح يكون بالوضع تارة، وبالعرف أخرى. وقوله الله -تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ١: ليس بمجمل، وإنما هو لفظ عام، فيحمل على عمومه٢. وقال القاضي: هو مجمل٣.

стр. 563

فصل: [نفي الذوات لا يقتضي الإجمال] وقول النبي ﷺ "لا صلاة إلا بطهور" ١ ليس بمجمل٢. وقال الحنفية: هو مجمل٣؛ لأن المراد به: نفي حكمه؛ إذ لا يمكن حمل اللفظ على نفي صورة الفعل، فيكون خلفا٤، وليس حكم أولى من حكم٥.

стр. 564

قلنا: إذا حملناه على نفي الصلاة الشرعية: لم يحتج إلى إضمار الحكم، وإنما يصار إلى الإضمار: إذا لم يمكن حمل اللفظ على ما أضيف إليه اللفظ١. فإن قيل فالفاسدة تسمى صلاة. قلنا: ذلك مجاز؛ لكونها على صورة الصلاة، والكلام يحمل على حقيقته. والصحيح: أن يحمل ذلك على نفي الصحة.

стр. 565

وجهه١: أنه قد اشتهر في العرف نفي الشيء لنفي فائدته كقولهم: "لاعلم إلا ما نفع" و "لا عمل إلا بنية" و "لا بلدة إلا بسلطان" يراد به: نفي الفائدة والجدوى. ولو قضينا بالصحة لم تنتف الفائدة، فيكون على خلاف العرف. ولا يصح حمله على نفي الصلاة الشرعية؛ فإنه: إن أريد بالصلاة الشرعية: الصورة: لم يكن حمل اللفظ عليه لكونه خلفًا. وإن فسرت بالفعل مع الحكم: لم يصح؛ لأن الصلاة يؤمر بها وينهى عنها، والأمر والنهي إنما يتعلق بالفعل الذي يمكن الإتيان به وتركه. فصل وقول النبي ﷺ "لا عمل إلا بنية" ٢ يدل على نفي الأجزاء
следующие страницы →