← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12010

روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان

ابن قدامة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

[صور اختلف في إجمالها] فأما قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة﴾ ١ ونحوها٢: فليس بمجمل، لظهوره من جهة العرف في تحريم الأكل، والعرف كالوضع. ولذلك قسمنا الأسماء إلى عرفية ووضعية٣. ومن أنس بتعارف أهل اللغة: علم أنهم يريدون بقوله: "حرمت عليك الطعام": الأكل، دون اللمس والنظر، و"حرمت عليك الجارية": أي الوطء. ويذهبون في تحريم كل عين إلى تحريم ما هي معدة له. وهذا اختيار أبي الخطاب وبعض الشافعية٤. وحكي عن القاضي أنه مجمل٥؛ لأن الأعيان لا تتصف بالتحريم حقيقة، وإنما يحرم فعل ما يتعلق بها، فلا يدري ما ذلك الفعل في الميتة:

стр. 562

أكلها، أم بيعها، أم النظر إليها أو لمسها؟ وهذا قول جماعة من المتكلمين. وقد ذكرنا أن هذا ظاهر من جهة العرف في الأكل، والصريح يكون بالوضع تارة، وبالعرف أخرى. وقوله الله -تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ١: ليس بمجمل، وإنما هو لفظ عام، فيحمل على عمومه٢. وقال القاضي: هو مجمل٣.

стр. 563

فصل: [نفي الذوات لا يقتضي الإجمال] وقول النبي ﷺ "لا صلاة إلا بطهور" ١ ليس بمجمل٢. وقال الحنفية: هو مجمل٣؛ لأن المراد به: نفي حكمه؛ إذ لا يمكن حمل اللفظ على نفي صورة الفعل، فيكون خلفا٤، وليس حكم أولى من حكم٥.

стр. 564

قلنا: إذا حملناه على نفي الصلاة الشرعية: لم يحتج إلى إضمار الحكم، وإنما يصار إلى الإضمار: إذا لم يمكن حمل اللفظ على ما أضيف إليه اللفظ١. فإن قيل فالفاسدة تسمى صلاة. قلنا: ذلك مجاز؛ لكونها على صورة الصلاة، والكلام يحمل على حقيقته. والصحيح: أن يحمل ذلك على نفي الصحة.

стр. 565

وجهه١: أنه قد اشتهر في العرف نفي الشيء لنفي فائدته كقولهم: "لاعلم إلا ما نفع" و "لا عمل إلا بنية" و "لا بلدة إلا بسلطان" يراد به: نفي الفائدة والجدوى. ولو قضينا بالصحة لم تنتف الفائدة، فيكون على خلاف العرف. ولا يصح حمله على نفي الصلاة الشرعية؛ فإنه: إن أريد بالصلاة الشرعية: الصورة: لم يكن حمل اللفظ عليه لكونه خلفًا. وإن فسرت بالفعل مع الحكم: لم يصح؛ لأن الصلاة يؤمر بها وينهى عنها، والأمر والنهي إنما يتعلق بالفعل الذي يمكن الإتيان به وتركه. فصل وقول النبي ﷺ "لا عمل إلا بنية" ٢ يدل على نفي الأجزاء

стр. 566

وعدمه؛ لما ذكرنا من العرف، فليس هذا من المجملات، بل هو من المألوف في العرف وكل هذا نفي لما لا ينتفي، وهو صدق، لأن المراد: نفي مقاصده لا نفي ذاته١.

стр. 567

فصل: [رفع الخطأ رفع للحكم] وقوله ﵊: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ١ المراد به رفع حكمه؛ فإنا علمنا أنه لم يرد رفع صورته؛ لأن كلامه يجل عن الخلف.

стр. 568

وقيل: المراد: رفع حكمه الذي هو المؤاخذة، لا نفي الضمان ولزوم القضاء، لأنه ليس بصيغة عموم فيجعل عامًّا في كل حكم، كما لم يجعل قوله -تعالى- ﴿حَرَّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ عامًّا في كل حكم. بل لا بد من إضمار فعل يضاف النفي إليه. فههنا لا بد من إضمار حكم يضاف الرفع إليه، ثم ينزل على ما يقتضيه عرف الاستعمال قبل الشرع. وقد١ كان يفهم من قولهم: "رفعت عنك الخطأ" المؤاخذة به والعقاب، والضمان لا يجب للعقاب خاصة، بل قد يجب امتحانًا، ليثاب عليه٢، ولهذا يجب على الصبي والمجنون، وعلى العاقلة، ويجب على المضطر مع وجوب الإتلاف، ويجب عقوبة على قاتل الصيد. وأكثر ما يقال: إنه ينتفي الضمان الذي يجب عقوبة. قال أبو الخطاب: "وهذا لايصح؛ لأنه لو أراد نفي الإثم: لم يكن لهذه الأمة فيه مزية؛ فإن الناسي لا يكلف في كل شريعة"٣.

стр. 569

ولأنه لما أضاف الرفع إلى ما لا يرتفع ذاته: اقتضى رفع ما يتعلق به؛ ليكون وجوده وعدمه واحدًا. كما أنه لما أضاف النفي إلى ما لا تنتفي ذاته: انتفى حكمه؛ ليكون وجوده وعدمه واحدًا.

стр. 570

فصل: في البيان والمبيّن في مقابلة المجمل١.

стр. 571

واختلف في البيان: فقيل: هو الدليل. وهو: ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم أو ظن. وقيل: هو إخراج الشيء من الإشكال إلى الوضوح. وقيل: هو ما دل على المراد بما يستقل بنفسه في الدلالة على المراد. وقد قيل: هذان الحدان يختصان بالمجمل١. يقال لمن دل على شيء: "بينه" و"هذا بيان حسن" وإن لم

стр. 572

يكن مجملًا، والنصوص المعربة عن الأحكام ابتداء: بيان، وليس ثم إشكال. ولا يشترط -أيضًا- حصول العلم للمخاطب؛ فإنه يقال: "بيّن له، غير أنه لم يتبيّن".

стр. 573

فصل: [الأمور التي يحصل بها البيان] ثم البيان يحصل: بالكلام١. وبالكتابة: ككتابة النبي ﷺ إلى عماله في الصدقات٢.

стр. 574

وبالإشارة، كقوله ﷺ : "الشٌَهْرُ هَكَذَا وهَكَذَا وهَكَذَا" وأشار بأصابعه١. وبالفعل٢، كتبيينه الصلاة والحج بفعله.

стр. 575

فإن قيل: إنما حصل البيان بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ١ و"خذوا عني مناسككم" ٢. قلنا: هذا اللفظ لا تعلم منه الصلاة والمناسك، وإنما بان وعلم بفعله. والبيان بالفعل أدل على الصفة، وأوقع في الفهم من الصفة بالقول، لما في المشاهدة من المزيد عن الإخبار. وقد يتبين جواز الفعل بالسكوت عنه، فإن النبي ﷺ لا يقر على الخطأ. فكل مفيد من الشارع بيان٣.

стр. 576

.............................................

стр. 577

ويجوز تبيين الشيء بأضعف منه، كتبيين آي القرآن بأخبار الآحاد١.

стр. 578

فصل: [لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة] ولا خلاف في: أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة١. واختلف في تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة: قال ابن حامد والقاضي يجوز٢. وبه قال أكثر الشافعية وبعض الحنفية٣. وقال أبو بكر: عبد العزيز٤، وأبو الحسن التميمي: لا يجوز

стр. 579

ذلك، وهو قول أهل الظاهر والمعتزلة١. ووجهه ثلاثة أمور: أحدها: أن الخطاب يراد لفائدته، وما لا فائدة فيه وجوده كعدمه. ولا يجوز أن يقال: "أبجد هوز" يراد به: وجوب الصلاة، ثم يبينه فيما بعد. والثاني: أنه لا يجوز مخاطبة العربي بالعجمية؛ لأنه لا يفهم معناه، ولا يسمع إلا لفظه. والثالث: أنه لا خلاف أنه لو قال: "في خمس من الإبل شاة"٢: يريد به: خمس من البقر: لم يجز؛ لأنه تجهيل في الحال٣، وإيهام لخلاف المراد. وكذا قوله -تعالى-: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ يوهم قتل كل مشرك، فإذا لم يبين التخصيص: فهو تجهيل في الحال. ولو أراد بالعشرة: سبعة: لم يجز إلا بقرينة الاستثناء. كذلك العام، لا يجوز أن يراد به الخصوص إلا بقرينة متصلة مبينة، فإن لم يكن بقرينة فهو تغيير للوضع. وقال آخرون: يجوز تأخير بيان المجمل، ولا يجوز تأخير بيان

стр. 580

التخصيص في العموم؛ فإنه يوهم العموم، فمتى أريد به الخصوص، ولم يبين مراده: أوهم ثبوت الحكم في صورة غير مرادة. والمجمل بخلاف هذا، فإنه لم يفهم منه شيء١. ولنا٢ الاستدلال بوقوعه في الكتاب والسنة: قال الله -تعالى-: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ٤ وثم للتراخي٥، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ٦ ولم يفصّل إلا بعد السؤال٧.

стр. 581

وقال -في خمس الغنيمة-: ﴿ ... وَلِذِي الْقُرْبَى ... ﴾ ١ وأراد: "بني هاشم" و"بني المطلب" ولم يبينهم، فلما منع "بني نوفل" و"بني عبد شمس": سئل عن ذلك فقال: "إنا وبني عبد المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام"٢. وقال لنوح: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ ٣ فتوهم نوح ﵇ أن ابنه من اهله، حتى بين الله -تعالى- له. وقال: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٤. وبين المراد بصلاة جبريل بالنبي ﷺ في اليومين٥.

стр. 582

وبان المراد بقوله -تعالى-: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١ بقول النبي ﷺ : "في أربعين شاة شاة" ٢ و "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" ٣. وبان المراد بقوله ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ٤ بفعله؛ لقوله: "خُذُوا عَنَي مَناَسِكَكَُمْ" ٥. والنكاح، والإرث أصلهما في الكتاب وبينهما النبي ﷺ متراخيا بالتدريج: من يرث، ومن لا يرث، ومن يحل نكاحه، ومن يحرم. وقوله -تعالى-: ﴿وَجَاهِدُوا﴾ ٦ عام، ثم قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى﴾ ٧.

стр. 583

وكل عام أتى في الشرع ورد خصوصه بعده. وهذا لا سبيل إلى إنكاره. وإن تطرق الاحتمال إلى بعض هذه الاستشهادات، فلا يتطرق إلى الجميع. المسلك الثاني١: أنه لا يجوز تأخير النسخ، بل يجب، والنسخ: بيان للوقت فيجوز أن يرد بلفظ يدل على تكرار الفعل على الدوام، ثم ينسخ بعد حصول اعتقاد اللزوم في الدوام. أما قولهم٢: "لا فائدة في الخطاب بمجمل": فغير صحيح؛ فإن قوله -تعالى-: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه﴾ ٣ يعرف وجوب الإيتاء،

стр. 584

ووقته، وأنه حق المال، ويمكن العزم على الامتثال، والاستعداد له، ولو عزم على تركه: عصى. وقوله -تعالى-: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ١ يعرف إمكان سقوط المهر بين الزوج والولي. فهو كالأمر إذا لم يتبين أنه للإيجاب أو للندب، وأنه على الفور أم على التراخي، فقد أفاد اعتقاد الأصل، وإن خلا من كمال الفائدة، وليس ذلك مستنكرًا، بل واقع في الشريعة والعادة، بخلاف "أبجد هوز" فإنه لا فائدة فيه أصلًا. والتسوية٢ بينه -أيضًا- وبين الخطاب بالفارسية لمن لا يفهمها، غير صحيحة لما ذكرنا٣. ثم لا يمتنع أن يخاطب رسول الله ﷺ جميع أهل الآرض بالقرآن، وينذر به من بلغه من الزنج٤ وغيرهم، ويشعرهم اشتماله على

стр. 585

أوامر يعرفهم المترجم "إياها"١. وكيف يبعد هذا، ونحن نجوز كون المعدوم مأمورًا على تقدير الوجود، فأمر الأعجمي على تقدير البيان أقرب، وههنا يسمى خطابًا؛ لحصول أصل الفائدة. وأما الثالث٢: فإنما يلزم لو كان العام نصًّا في الاستغراق، وليس٣ كذلك، بل هو ظاهر، وإرادة الخصوص به من كلام العرب٤. فمن اعتقد العموم قطعًا: فذلك لجهله، بل يعتقد أنه محتمل للخصوص، وعليه الحكم بالعموم إن خلى والظاهر، وينتظر أن ينبه على الخصوص. أما إرادة السبعة بالعشرة، والبقرة بالإبل، فليس من كلام العرب، بخلاف ما ذكرناه.

стр. 586

باب: الأمر مدخل ... باب: الأمر الأمر: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء١. وقيل: هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به٢.

стр. 587

وهو فاسد؛ إذ تتوقف معرفة المأمور على معرفة الأمر، والحد ينبغي أن يعرف المحدود، فيفضي إلى الدور١. وللأمر صيغة مبينة فتدل بمجردها على كونها أمرًا إذا تعرت عن القرائن وهي: "افعل" للحاضر، "وليفعل" للغائب. هذا قول الجمهور٢. وزعمت فرقة من المبتدعة: أنه لا صيغة للأمر، بناء على خيالهم: أن الكلام معنى قائم بالنفس٣.

стр. 588

فخالفوا الكتاب والسنة وأهل اللغة والعرف: أما الكتاب: فإن الله -تعالى- قال لزكريا: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا، فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ١. فلم يسم إشارته إليهم كلامًا. وقال لمريم: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ ٢. فالحجة فيه مثل الحجة في الأول. وأما السنة: فإن النبي ﷺ قال "إن الله عفا لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به" ٣. وقال لمعاذ: "أمسك عليك لسانك" قال: وإنا لمؤاخذون بما نقول؟ قال: "ثكلتك أمك وهل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" ٤.

стр. 589

وقال: "إذا قال الإمام ﴿وَلا الضَّالِّين﴾ فَقًُولُوا: آمين" ١ ولم يرد بذلك ما في النفس. وأما أهل اللسان٢: فإنهم اتفقوا -عن آخرهم- على أن الكلام: اسم، وفعل وحرف٢. واتفق الفقهاء -بأجمعهم- على أن من حلف لا يتكلم، فحّدث نفسه بشيء دون أن ينطق بلسانه: لم يحنث، ولو نطق: حنث. وأهل العرف -كلهم- يسمون الناطق: متكلمًا، ومن عداه: ساكتًا، أو أخرس٣.

стр. 590

ومن خالف كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله ﷺ وإجماع الناس كلهم -على اختلاف طبقاتهم- فلا يعتد بخلافه. فأما الدليل على أن هذه صيغة الأمر: فاتفاق أهل اللسان على تسمية هذه الصيغة أمرًا. ولو قال رجل لعبده: "اسقني ماء" عُدَّ آمرًا، وعُدَّ العبد مطيعًا بالامتثال، عاصيا بالترك، مستحقا للأدب والعقوبة. [معاني صيغة الأمر] فإن قيل: هذه الصيغة مشتركة بين: الإيجاب كقوله-تعالى-: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ ١. والندب كقوله-تعالى-: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ....﴾ ٢. والإباحة كقوله-تعالى-: ﴿فَاصْطَادُوا ... ﴾ ٣. والإكرام كقوله-تعالى-: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ﴾ ٤. والإهانة كقوله- تعالى-: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ٥. والتهديد كقوله-تعالى-: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ.....﴾ ٦.

стр. 591

والتعجيز كقوله -تعالى-: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ ١. والتسخير كقوله -تعالى-: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ ٢. والتسوية كقوله -تعالى-: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ ٣. والدعاء -كقوله-: "اللهم اغفر لي"٤. والخبر كقوله -تعالى-: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ ٦. والتمني كقول الشاعر: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي٧. فالتعيين يكون تحكمًا.

стр. 592

قلنا: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: مخالفة أهل اللسان؛ فإنهم جعلوا هذه الصيغة أمرًا، وفرقوا بين "الأمر" و"النهي" فقالوا: باب الأمر: "افعل"، وباب النهي: "لا تفعل"، كما ميزوا بين الماضي والمستقبل. وهذا أمر نعلمه بالضرورة من كل لسان: من العربية، والعجمية، والتركية، وسائر اللغات، لا يشككنا فيه إطلاق مع قرينة التهديد ونحوه في نوادر الأحوال. الثاني: أن هذا يفضي إلى سلب فائدة كبيرة من الكلام، وإخلاء الوضع عن كثير من الفائدة. وفي الجملة: كالاشتراك على خلاف الأصل؛ لأنه يخل بفائدة الوضع، وهو: الفهم. والصحيح: أن هذه صيغة الأمر، ثم تستعمل في غيره مجازًا مع

стр. 593

القرينة، كاستعمال ألفاظ الحقيقة بأسرها في مجازها١.

стр. 594

فصل: [لا يشترط الإرادة في الأمر] ولا يشترط في كون الأمر أمرًا: إرادة الآمر في قول الأكثرين. وقالت المعتزلة: إنما يكون أمرًا بالإرادة١.

стр. 595

وحده بعضهم: بأنه: إرادة الفعل بالقول على وجه الاستعلاء. قالوا: لأن الصيغة مترددة بين أشياء، فلا ينفصل الأمر منها مما ليس بأمر إلا بالإرادة. ولأن الصيغة إن كانت أمرا لذاتها: فهو باطل بلفظ التهديد، أو لتجردها عن القرائن، فيبطل بكلام النائم والساهي. فثبت أن المتكلم بهذه الصيغة على غير وجه السهو غرضه: المأمور به، وهو نفس الإرادة ولنا: أن الله أمر إبراهيم –﵇ بذبح ولده، ولم يرده منه وأمر أبليس بالسجود، ولم يرده منه؛ إذ لو أراده لوقع؛ فإن الله -تعالى- فعال لما يريد. دليل ثان: أن الله -تعالى- أمر بأداء الأمانات بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ١. ثم لو ثبت أنه لو قال: "والله لأؤدين أمانتك إليك غدا إن شاء الله" فلم يفعل: لم يحنث٢؛ فإن الله -تعالى- قد شاء ما أمره به من أداء أمانته.

стр. 596

دليل آخر: أن دليل الأمر ما ذكرنا١ عن أهل اللسان، وهم لا يشترطون الإرادة. ودليل آخر: أنا نجد الأمر متميزا عن الإرادة؛ فإن السلطان لو عاتب رجلا على ضرب عبده، فمهد عذره بمخالفة أمره فقال له بين يدي الملك: "أسرج الدابة" وهو لا يريد أن يسرج؛ فيه من خطر الهلاك للسيد. ولأنه قصد تمهيد عذره، ولا يتمهد إلا بمخالفته، وتركه امتثال أمره، وهو أمر، لولاه لما تمهد العذر. وكيف لا يكون آمرا، وقد فهم العبد والملك والحاضرون منه الأمر٢؟. فأما الاشتراك في الصيغة: فقد أجبنا عنه٣. ولأننا قد حددنا الأمر بأنه: استدعاء الفعل بالقول، ومع التهديد لا يكون استدعاء. وهذا الجواب عن الكلام الثاني٤، فإنا نقول: هي أمر؛ لكونها استدعاء على وجه الاستعلاء.

стр. 597

ويخرج من هذا النائم والساهي؛ فإنه لا يجد على وجه الاستعلاء١.

стр. 598

فصل: مسألة: الأمر المجرد يدل على الوجوب ... مسألة: [الأمر المجرد يدل على الوجوب] إذا ورد الأمر متجردا عن القرائن١: اقتضى الوجوب في قول الفقهاء وبعض المتكلمين. وقال بعضهم: يقتضى الإباحة لأنها أدنى الدرجات، فهي مستيقنة، فيجب حمله على اليقين٢.

стр. 599

وقال بعض المعتزلة: يقتضي الندب؛ لأنه لا بد من تنزيل الأمر على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب وهو: طلب الفعل واقتضاؤه، وأن فعله خير من تركه، وهذا معلوم، أما لزوم العقاب بتركه فغير معلوم، فيتوقف فيه١. ولأن الأمر طلب، والطلب يدل على حسن المطلوب لا غير، والمندوب حسن، فيصح طلبه، وما زاد على ذلك درجة لا يدل عليها مطلق الأمر، فيحمل على اليقين. وقالت الواقفية: هو على الوقف، حتى يرد الدليل ببيانه؛ لأن كونه موضوعا لأحد الأقسام: إما أن يعلم بنقل أو عقل، ولم يوجد أحدهما، فيجب التوقف فيه٢. ولنا: ظواهر الكتاب، والسنة، والإجماع، وقول أهل اللسان:

стр. 600

أما الكتاب: فقوله –تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. حذر الفتنة والعذاب الأليم في مخالفة الأمر، فلولا أنه مقتض للوجوب ما لحقه ذلك. وأيضا قول الله –تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ٣ ذمهم على ترك امتثال الأمر، والواجب: ما يذم يتركه. ومن السنة: ما روى البراء بن عازب: أن النبي ﷺ أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، فردوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق حتى دخل على عائشة غضبان، فقالت: "من أغضبك أغضبه الله"؟ فقال: "وما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع" ٤.
следующие страницы →