← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12010

روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان

ابن قدامة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

دليل آخر: أن دليل الأمر ما ذكرنا١ عن أهل اللسان، وهم لا يشترطون الإرادة. ودليل آخر: أنا نجد الأمر متميزا عن الإرادة؛ فإن السلطان لو عاتب رجلا على ضرب عبده، فمهد عذره بمخالفة أمره فقال له بين يدي الملك: "أسرج الدابة" وهو لا يريد أن يسرج؛ فيه من خطر الهلاك للسيد. ولأنه قصد تمهيد عذره، ولا يتمهد إلا بمخالفته، وتركه امتثال أمره، وهو أمر، لولاه لما تمهد العذر. وكيف لا يكون آمرا، وقد فهم العبد والملك والحاضرون منه الأمر٢؟. فأما الاشتراك في الصيغة: فقد أجبنا عنه٣. ولأننا قد حددنا الأمر بأنه: استدعاء الفعل بالقول، ومع التهديد لا يكون استدعاء. وهذا الجواب عن الكلام الثاني٤، فإنا نقول: هي أمر؛ لكونها استدعاء على وجه الاستعلاء.

стр. 597

ويخرج من هذا النائم والساهي؛ فإنه لا يجد على وجه الاستعلاء١.

стр. 598

فصل: مسألة: الأمر المجرد يدل على الوجوب ... مسألة: [الأمر المجرد يدل على الوجوب] إذا ورد الأمر متجردا عن القرائن١: اقتضى الوجوب في قول الفقهاء وبعض المتكلمين. وقال بعضهم: يقتضى الإباحة لأنها أدنى الدرجات، فهي مستيقنة، فيجب حمله على اليقين٢.

стр. 599

وقال بعض المعتزلة: يقتضي الندب؛ لأنه لا بد من تنزيل الأمر على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب وهو: طلب الفعل واقتضاؤه، وأن فعله خير من تركه، وهذا معلوم، أما لزوم العقاب بتركه فغير معلوم، فيتوقف فيه١. ولأن الأمر طلب، والطلب يدل على حسن المطلوب لا غير، والمندوب حسن، فيصح طلبه، وما زاد على ذلك درجة لا يدل عليها مطلق الأمر، فيحمل على اليقين. وقالت الواقفية: هو على الوقف، حتى يرد الدليل ببيانه؛ لأن كونه موضوعا لأحد الأقسام: إما أن يعلم بنقل أو عقل، ولم يوجد أحدهما، فيجب التوقف فيه٢. ولنا: ظواهر الكتاب، والسنة، والإجماع، وقول أهل اللسان:

стр. 600

أما الكتاب: فقوله –تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. حذر الفتنة والعذاب الأليم في مخالفة الأمر، فلولا أنه مقتض للوجوب ما لحقه ذلك. وأيضا قول الله –تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ٣ ذمهم على ترك امتثال الأمر، والواجب: ما يذم يتركه. ومن السنة: ما روى البراء بن عازب: أن النبي ﷺ أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، فردوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق حتى دخل على عائشة غضبان، فقالت: "من أغضبك أغضبه الله"؟ فقال: "وما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع" ٤.

стр. 601

فإن قيل: هذا أمر اقترن به ما دل على الوجوب. قلنا: النبي ﷺ إنما علل غضبه بتركهم اتباع أمره، ولولا أن أمره للوجوب، لما غضب من تركه. وقول النبي ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" ١. والندب غير شاق، فدل على أن أمره اقتضى الوجوب. وقوله ﵇ لبريرة٢: "لو راجعتيه؟ " قالت: أتأمرني يا رسول الله؟ فقال: "إنما أنا شافع" ٣. فقالت: لا حاجة لي فيه.

стр. 602

وإجابة شفاعة النبي ﷺ مندوب إليها، فدلنا ذلك على أن أمره للإيجاب. الثالث: إجماع الصحابة ﵃ فإنهم أجمعوا على وجوب طاعة الله -تعالى- وامتثال أوامره من غير سؤال النبي ﷺ عما عنى بأوامره، وأوجبوا أخذ الجزية من المجوس بقوله: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ١. وغسل الإناء من الولوغ بقوله " ... فليغسله سبعا" ٢. والصلاة عند ذكرها بقوله: ".... فليصلها إذا ذكرها" ٣. واستدل أبو بكر ﵁ على إيجاب الزكاة بقوله

стр. 603

- تعالى-: ﴿.... وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١. ونظائر ذلك مما لا يخفى، يدل على إجماعهم على اعتقاد الوجوب. الرابع: أن أهل اللغة عقلوا٢ من إطلاق الوجوب؛ لأن السيد لو أمر عبده، فخالفه، حسن -عندهم- لومه وتوبيخه وحسن العذر في عقوبته لمخالفتة الأمر، والواجب: ما يعاقب بتركه، أو يذم بتركه. فإن قيل: إنما لزمت العقوبة؛ لأن الشريعة أوجبت ذلك. قلنا: إنما أوجبت طاعته إذا أتى السيد بما يقتضي الإيجاب، ولو أذن له في الفعل، أو حرمه عليه: لم يجب عليه. ولأن مخالفة الأمر معصية. قال الله -تعالى-: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ ٣، وقال: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ٤، ويقال: ﴿أمرتك فعصيتني﴾ . وقال الشاعر٥: أمرتك أمرا جازما فعصيتني٦ ... .............................

стр. 604

والمعصية موجبة للعقوبة؛ قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ١. وأما قول من قال: "نحمله على الإباحة٢؛ لأنه اليقين" فهو باطل؛ فإن الأمر: استدعاء وطلب، والإباحة ليست طلبًا ولا استدعاء، بل إذن له وإطلاق. وقد أبعد من جعل قوله: "افعل" مشتركًا بين الإباحة والتهديد، الذي هو: المنع وبين الاقتضاء؛ فإنا ندرك في وضع اللغات -كلها- قولهم: "افعل" و"لا تفعل" و"إن شئت فافعل" و"إن شئت فلا تفعل". حتى لو قدرنا انتفاء القرائن كلها يسبق إلى الأفهام اختلاف معاني هذه الصيغ، ونعلم -قطعًا- أنها ليست أسامي مترادفة على معنى واحد، كما ندرك التفرقة بين قولهم: "قام" و"يقوم" في: أن هذا ماض، وذاك مستقبل، وهذا أمر يعلم ضرورة، ولا يشككنا فيه إطلاق مع قرينة التهديد. وبالطريق الذي نعرف فإنه لم يوضع للتهديد: فعلم أنه لم يوضع للتخيير. وقول من قال: "هو للندب؛ لأنه اليقين"٣: لايصح لوجهين:

стр. 605

أحدهما: أنا قد بينا أن مقتضى الصيغة الوجوب بما ذكرنا من الأدلة. الثاني: أن هذا إنما يصح أن لو كان الوجوب ندبًا وزيادة، وليس١ كذلك؛ لأنه يدخل في حد الندب: جواز الترك، وليس بموجود في الوجوب. وأما أهل الوقف٢: فغاية ما معهم: المطالبة بالأدلة، وقد ذكرناها. ثم قد سلموا أن الأمر اقتضى: ترجيح الفعل على الترك، فيلزمهم: أن يقولوا بالندب، ويتوقفوا فيما زاد، كقول أصحاب الندب. أما القول: بأن الصيغة لا تفيد شيئًا: فتسفيه لواضع اللغة، وإخلاء للوضع عن الفائدة بمجرده٣. وإن توقفوا لمطلق الاحتمال: لزمهم التوقف في الظواهر كلها، وترك العمل بما لا يفيد القطع، واطراح أكثر الشريعة فإن أكثرها إنما ثبت بالظنون.

стр. 606

فصل: [فيما تفيده صيغة الأمر بعد الحظر] إذا وردت صيغة الأمر بعد الحظر: اقتضت الإباحة وهو ظاهر قول الشافعي١.

стр. 607

وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين: تفيد ما كانت تفيده١ لولا الحظر؛ لعموم أدلة الوجوب. ولأنها صيغة أمر مجردة عن قرينة أشبهت ما لم يتقدمه حظر. ولأن صيغة الأمر اقتضت نسخ الحظر، وقد ينسخ بإيجاب، وينسخ بإباحة، وإذا احتمل الأمرين: بقي الأمر على مقتضاه في الوجوب. ولأن النهي بعد الأمر يقتضي ما كان مقتضيًا له، فكذلك الأمر بعد الحظر. وقال قوم: إن ورد الأمر بعد الحظر بلفظة "افعل": فكقولنا٢. وإن ورد بغير هذه الصيغة كقولهم: "أنتم مأمورون بعد الإحرام بالاصطياد" كقولهم٣؛ لأنه في الأول انصرف بعرف الاستعمال إلى رفع الذم -فقط- حتى رجع حكمه إلى ما كان. وفي الثاني لا عرف له في الاستعمال، فيبقى على ما كان٤.

стр. 608

ولنا: أن عرف الاستعمال في الأمر بعد الحظر الإباحة، بدليل: أن أكثر أوامر الشرع بعد الحظر للإباحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ١ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ ٢، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ ٣. وقول النبي ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحى فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأوعية كلها، ولا تشربوا مسكرا" ٤. وفي العرف: أن السيد لو قال لعبده: "لا تأكل هذا الطعام" ثم قال: "كله" أو قال لأجنبي: "ادخل داري وكل من ثماري" اقتضى ذلك رفع الحظر دون الإيجاب. ولذلك: لا يحسن اللوم والتوبيخ على تركه.

стр. 609

فإن قيل: فقد قال الله -تعالى-: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. قلنا: ما استفيد وجوب القتل بهذه الآية، بل بقوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ١، ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ ٢. وأما أدلة الوجوب: فإنما تدل على اقتضائه مع عدم القرائن الصارفة له، بدليل المندوبات وغيرها وتقدم الحظر قرينة صارفة لما ذكرناه. وقولهم: "إن النسخ يكون بالإيجاب"٣. قلنا: النسخ إنما يكون بالإباحة التي تضمنها الإيجاب، زائد لا يلزم من النسخ، ولا يستدل به عليه. وأما النهي٤ بعد الإيجاب: فهو مقتض لإباحة الترك، كقوله ﵇: "توضئوا من لحوم الإبل ولا توضئوا من لحوم الغنم"٥.

стр. 610

وإن سلمنا: فالنهي آكد٦.

стр. 611

فصل: [الأمر المطلق هل يقتضي التكرار] الأمر المطلق١: لا يقتضي التكرار في قول أكثر الفقهاء والمتكلمين. وهو اختيار أبي الخطاب٢. وقال القاضي وبعض الشافعية: يقتضي التكرار٣؛ لأن قوله: "صم" ينبغي أن يعم كل زمان، كما أن قوله -تعالى-: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ يعم كل مشرك؛ لأن إضافة الأمر إلى جميع الزمان كإضافة لفظ المشترك إلى جميع الأشخاص. ولأن الأمر بالشيء: نهي عن ضده، وموجب النهي: ترك المنهي أبدًا، فليكن موجب الأمر: فعل الصوم أبدًا، فإن قوله: "صم" معناه: لا تفطر، وقوله: "لا تفطر" يقتضي التكرار أبدًا٥.

стр. 612

ولأن الأمر يقتضي العزم، والفعل ثمراته تقتضي العزم على التكرار، فكذلك الموجب الآخر١. وقيل: إن علق الأمر على شرط اقتضى التكرار، وإلا فلا يقتضيه٢؛ لأن تعليق الحكم بالشرط كتعلقه بالعلة، ثم إن الحكم يتكرر بتكرر علته، فكذلك يتكرر بتكرر شرطه. ولأنه لا اختصاص له بالشرط الأول دون بقية الشروط، ودليل اعتباره: النهي المعلق على شرط. وقيل: إن كرر لفظ الأمر كقوله: "صل غدًا ركعتين" اقتضي التكرار؛ طلبًا لفائدة الأمر الثاني، وحملا له على مقتضاه في الوجوب والندب كالأول. وحكي هذا القول عن أبي حنيفة وأصحابه٣. ولنا: أن الأمر خالٍ عن التعرض لكمية المأمور به؛ إذ ليس في نفس اللفظ

стр. 613

تعرض للعدد، ولا هو موضوع لآحاد الأعداد وضع اللفظ المشترك، لكنه محتمل للإتمام ببيان الكمية، فهو كقوله: "اقتل"، لا نقول: هو مشترك بين زيد وعمرو، ولا فيه تعرض لهما، فتفسيره بهما، أو بأحدهما زيادة على كلام ناقص، فإتمامه بلفظ دل على تلك الزيادة، لا بمعنى البيان. فحصل من هذا: أن ذمته تبرأ بالمرة الواحدة؛ لأن وجوبها معلوم، والزيادة لا دليل عليها، ولم يتعرض اللفظ لها، فصار الزائد كما قبل الأمر؛ فإنا كنا نقطع بانتفاء الوجوب، فقوله: "صم" أزال القطع في مرة واحدة، فصار كما كان١. ويعتضد هذا باليمين، والنذر والوكالة، والخبر: بيانه: أنه لو قال: "والله لأصومن" أو: "لله علي أن أصوم" برّ بصوم يوم. ولو قال لوكيله: "طلق زوجتي" لم يكن له أكثر من تطليقة.

стр. 614

ولو أمر عبده بدخول الدار، أو بشراء متاع: خرج عن العهدة بمرة واحدة، ولم يحسن لومه، ولا توبيخه. ولو قال: "صمت" أو "سوف أصوم": صدق بمرة واحدة. فإن قيل: فلم حصل الاستفسار عنه؟ قلنا: هذا يلزمكم إن كان يقتضي التكرار فلم حسن الاستفسار١؟ ثم يبطل بما ذكرناه من الأمثلة بحسن الاستفسار، مع انه لا يقتضي التكرار٢. ثم إنه حسن الاستفسار؛ لأنه محتمل له، لما ذكرناه.

стр. 615

وقولهم: "إن صم عام في الزمان": ليس بصحيح١؛ إذ لا يتعرض للزمان بعموم ولا خصوص، لكن الزمان من ضرورته كالمكان، ولا يجب عموم الأماكن بالفعل، كذا الزمان. وليس هذا نظير قوله -تعالى-: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ، بل نظيره قولهم: "صم الأيام". ونظير مسألتنا قوله: "اقتل" مطلقًا، فإنه لا يقتضي العموم في كل من يمكن قتله. والفرق بين الأمر والنهي: أن الأمر يقتضي: وجود المأمور مطلقًا٢. والنهي يقتضي: ألا يوجد مطلقًا، والنفي المطلق يعم، والوجود المطلق لا يعم، فكل ما وجد مرة فقد وجد مطلقًا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا. ولذلك افترقا في اليمين، والنذر، والتوكيل، والخبر٣. ولأن الأمر يقتضي الإثبات، والنهي يقتضي النفي، والنفي في النكرة يعم، والإثبات المطلق لا يعم.

стр. 616

وتحقيقه: أنه لو قال: لا تفعل مرة واحدة: اقتضى العموم. ولو قال: افعل مرة واحدة: اقتضى التخصيص بلا خلاف١. وقولهم: "إن الأمر بالشيء نهي عن ضده". قلنا: إنما هو نهي عما يعقب الامتثال، فكان النهي مقيدًا بزمن امتثال الأمر٢. وقولهم: "إن الأمر يقتضي الاعتقاد على الدوام". قلنا: يبطل بما لو قال: افعل مرة واحدة. والفرق بين الفعل والاعتقاد: أن الاعتقاد: ما وجب بهذا الأمر، إنما وجب بإخباره أنه يجب اعتقاد أوامره، فمتى عرف الأمر، ولم يعتقد وجوبًا: كان مكذبًا. وقولهم: "إن الحكم يتكرر بتكرار العلة، فكذا الشرط"٣.

стр. 617

قلنا: العلة تقتضي حكمها، فيوجد بوجودها. والشرط: لا يقتضي، وإنما هو بيان لزمان الحكم، فإذا وجد: ثبت عنده ما كان يثبت بالأمر المطلق، كاليمين، والنذر، وسائر ما استشهدنا به. وقولهم: "إن الواجب يتكرر بتكرر اللفظ": لا يصح؛ فإن اللفظ الثاني دل على ما دل عليه اللفظ الأول، فلا يصح حمله على واجب سواه. ولذلك لو كرر اليمين فقال: "والله لأصومن، والله لأصومن" بّر بصوم واحد. وقد نقل أن النبي ﷺ قال "والله لأغزون قريشا –ثلاثا-" ١. ثم غزاهم غزوة الفتح. ولو كرر لفظ النذر: لكان الواجب به واحدًا. وفائدة اللفظ الثاني: تحصيل التأكيد، فإنه من سائغ كلام العرب.

стр. 618

فصل: الأمر المطلق: هل يقتضي الفور ... فصل: مسألة: [الأمر المطلق: هل يقتضي الفور] ١ الأمر يقتضي فعل المأمور به على الفور، في ظاهر المذهب٢. وهو قول الحنفية٣.

стр. 619

وقال أكثر الشافعية: هو على التراخي١؛ لأن الأمر يقتضي فعل المأمور لا غير، أما الزمان: فهو لازم الفعل، كالمكان والآلة والشخص، فيما إذا أمره بالقتل، فلا يدل على تعيين الزمان، كما لا يدل على تعيين المكان والآلة. ولأن الزمان في الأمر إنما حصل ضرورة، والضرورة تندفع بأي زمان كان فالتعيين تحكم٢. ويعتضد هذا بالوعد واليمين، لو قال: "سوف أفعل" فمتى فعل. كان صادقًا، وكذا اليمين. وقالت الواقفية: هو على الوقف في الفور والتراخي، والتكرار وعدمه. وهو بيّن البطلان؛ فإن المبادر ممتثل بإجماع الأمة، مبالغ في

стр. 620

الطاعة، مستوجب جميل الثناء. ولو قيل لرجل: "قم" فقام في الحال: عُدَّ ممتثلًا، ولم يُعدَّ مخطئًا باتفاق أهل اللغة. وقد أثنى الله -تعالى- على المسارعين فقال: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ١. ولنا أدلة٢: أحدها: قوله -تعالى- ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ ٤ أمر بالمسارعة، وأمره يقتضي الوجوب٥.

стр. 621

الثاني: أن مقتضاه عند أهل اللسان: الفور فإن السيد لو قال لعبده: "اسقني" فأخر: حسن لومه وتوبيخه وذمه. ولو اعتذر عن تأديبه على ذلك: بأنه خالف أمري وعصاني: لكان عذره مقبول١. الثالث: أنه لا بد [للأمر] من زمان، وأولى الأزمنة عقيب الأمر؛ ولأنه يكون ممتثلا يقينًا، وسالما من الخطر قطعًا. ولأن الأمر سبب للزوم الفعل، فيجب أن يتعقبه حكمه، كالبيع، والطلاق، وسائر الإيقاعات؛ ولذلك يعقبه العزم على الفعل والوجوب. الرابع: أن جواز التأخير غير مؤقت ينافي الوجوب؛ فإنه لا يخلو: إما أن يؤخر إلى غاية. أو إلى غير غاية. فالأول: باطل؛ لأن الغاية لا يجوز أن تكون مجهولة؛ لأنه يكون تكليفًا لما لا يدخل تحت الوسع. وإن جعلت الغاية: الوقت الذي يغلب على ظنه البقاء إليه: فباطل -أيضًا-؛ فإن الموت يأتي بغتة كثيرًا. ثم لا ينتهي إلى حالة يتيقن الموت فيها إلا عند عجزه عن العبادات.

стр. 622

لا سيما العبادات الشاقة، كالحج، لا سيما والإنسان طويل الأمل، يهرم ويشب أمله١. وإن قيل: يؤخر إلى غير غاية: فباطل -أيضًا-؛ لأنه لا يخلو من قسمين: إما أن يؤخر إلى غير بدل، فيلتحق بالنوافل والمندوبات٢. أو إلى بدل: فلا يخلو البدل: إما أن يكون بالوصية به، أو العزم عليه: والوصية لا تصلح بدلًا؛ لأن كثيرا من العبادات لا تدخلها النيابة. ولأنه لو جاز التأخير للموصي: جاز للوصي -أيضًا- فيفضي إلى سقوطه. والعزم ليس ببدل؛ لأن العزم يجب قبل دخول الوقت، والبدل لا يجب قبل دخول وقت المبدل. ولأن وجوب البدل يحذو وجوب المبدل، والمبدل لا يجب على الفور، فكذلك البدل. ولأن البدل يقوم مقام المبدل، ويجزئ عنه، والعزم ليس بمسقط للفعل، وكيف يجب الجمع بين البدل والمبدل؟

стр. 623

ثم لا ينفعكم تسميته بدلًا، مع كون الفعل واجبًا، فما الذي يسقط وجوب الفعل ويقوم مقامه؟ فإن قيل: هذا يبطل بما إذا قال: "افعل أي وقت شئت، فقد أوجبته عليك" فإنه لا يتناقض. قلنا: يتناقض؛ إذ حقيقة الواجب: ما لا يجوز تركه مطلقًا، وهذا جائز الترك مطلقًا. وقولهم١: "إن الأمر لا يتعرض للزمان" فهي مطالبة بالدليل، وقد ذكرناه٢. والفرق بين الزمان، والمكان، والآلة: أن عدم التعيين في الزمان يفضي إلى فواته، بخلاف المكان. ولأن المكانين سواء بالنسبة إلى الفعل، والزمان الأول أولى، لسلامته فيه من الحظر، والخروج من العهدة يقينًا، فافترقا٢.

стр. 624

فصل: [الواجب المؤقت إذا فات وقته لا يحتاج إلى أمر جديد] ١ الواجب المؤقت لا يسقط بفوات وقته، ولا يفتقر إلى أمر جديد. وهو قول بعض الفقهاء٢. وقال الأكثرون: لا يجب القضاء إلا بأمر جديد. اختاره أبو الخطاب٣. لأن تخصيص العبادة بوقت الزوال، وشهر رمضان، كتخصيص الحج: بعرفات، والزكاة: بالمساكين، والصلاة: بالقبلة، والقتل: بالكفار. ولا فرق بين الزمان، والمكان، والشخص؛ إذ جميع ذلك تقييد له بصفة، فالعاري عنها لا يتناوله اللفظ، بل يبقى على ما كان قبل الأمر. ولنا٤: أن الأمر اقتضى الوجوب في الذمة، فلا تبرأ منه إلا بأداء أو إبراء، كما في حقوق الآدميين.

стр. 625

وخروج الوقت ليس بواحد منهما. ويصير هذا كما لو اشتغل الحيز بجوهر، لا يزول الشغل إلا بمزيل. والفرق بين الزمان والمكان١: أن الزمن الثاني تابع للأول، فما ثبت فيه انسحب على جميع الأزمنة التي بعده، بخلاف الأمكنة والأشخاص.

стр. 626

فصل: [مقتضى الأمر: حصول الإجزاء بفعل المأمور به] ١ ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر يقتضي الإجزاء بفعل المأمور به.

стр. 627

إذا امتثل المأمور بكمال وصفه وشرطه. وقال بعض المتكلمين: لا يقتضي الإجزاء، ولا يمتنع وجوب القضاء مع حصول الامتثال: بدليل المضي في الحج الفاسد، ويجب القضاء. ومن ظن أنه متطهر فإنه مأمور بالصلاة، إذا صلى فهو ممتثل مطيع، ويجب القضاء. ولأن القضاء إنما يجب بأمر جديد، والأمر بالشيء لا يمنع إيجاب مثله١. يدل عليه: أن الأمر إنما يدل على اقتضاء المأمور وطلبه لا غير، والإجزاء أمر زائد لا يدل عليه الأمر ولا يقتضيه.

стр. 628

ولنا: ما روي أن امرأة١ سنان بن مسلمة الجهني٢ أمرت أن تسأل رسول الله ﷺ أن أمها ماتت ولم تحج، أفيجزئ عنها أن تحج عنها؟ قال: "نعم لو كان على أمها دين فقضته ألم يكن يجزئ عنها؟ فلتحج عنها" ٣. وهذا يدل على أن الإجزاء بالقضاء: كان مقررًا عندهم. ولأن الأصل براءة الذمة، وإنما اشتغلت بالمأمور به، وطريق

стр. 629

الخروج عن عهدته: الإتيان به فإذا أتى به يجب أن تعود ذمته بريئة كما كانت كديون الآدميين. وفي المحققات: إذا اشتغل الحيز بجوهر، فبرفعه يزول الشغل. ولأنه لو لم يخرج عن العهدة: للزمه الامتثال أبدًا، فإذا قال له: "صم يومًا" فصامه، فالأمر يتوجه إليه بصوم يوم كما كان، قبل منه ذلك أبدًا، وهو خلاف الإجماع١. قولهم: "إن القضاء يجب بأمر جديد": ممنوع٢. وإن سلم: فإن القضاء إنما سمي قضاء إذا كان فيه تدارك لفائت من أصل العبادة أو وصفها. وإن لم يكن كذلك: استحال تسميته قضاء. والحج الفاسد، والصلاة بلا طهارة، أمر بها مع الخلل، ضرورة حاله ونسيانه، فعقل الأمر بتدارك الخلل.

стр. 630

أما إذا أتى بها مع الكمال بلا خلل، فلا يعقل إيجاب القضاء. والمفسد لحجة لا يقضي الفاسد، وإنما هو مأمور بحج خال عن الفساد، وقد أفسده على نفسه، فيبقى في عهدة الأمر، ويؤمر بالمضي بالفاسد؛ ضرورة الخروج عن الإحرام١. وقولهم: "لا يقتضي الأمر إلا الامتثال": هو محل النزاع لا يقبل.

стр. 631

فصل: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به ... فصل: مسألة: [الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به] الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به، ما لم يدل عليه دليل١. مثاله: قوله ﵇ "مروهم بالصلاة لسبع" ٢ ليس بخطاب من الشارع للصبي، ولا إيجابًا عليه، مع أن الأمر واجب على الولي.

стр. 632

لكن إذا كان المأمور بالأمر النبي ﷺ كان واجبًا بأمر النبي ﷺ ؛ لقيام الدليل على وجوب طاعة النبي ﷺ وتحريم مخالفته١ أما إذا كان المأمور بالأمر غيره: فلا يبعد أن يجب عليه الأمر؛ لحكمة فيه، مختصة به. ولهذا لا يمتنع أن يقال للولي الذي يعتقد أن لطفله على طفل آخر شيئًا: عليك المطالبة بحقه. ويقال لولي الطفل الآخر: إذا لم تعلم أن على طفلك شيئًا يجب عليك الممانعة، وليس لك التسليم.

стр. 633

فصل: [أمر الجماعة أمر لكل واحد منهم] الأمر لجماعة يقتضي وجوبه على كل واحد منهم، ولا يسقط الواجب عنهم بفعل واحد منهم، إلا أن يدل عليه دليل، أو يرد الخطاب بلفظ لا يعم، كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فيكون فرض كفاية١.

стр. 634

[فرض الكفاية] فإن قيل: ما حقيقة فرض الكفاية؟ أهو واجب على الجميع ويسقط بفعل البعض؟ أم على واحد غير معين، كالواجب المخير؟ أم واجب على من حضر دون من غاب، كحاضر الجنازة -مثلًا-؟ قلنا: بل واجب على الجميع ويسقط بفعل البعض، بحيث لو فعله الجميع: نال الكل ثواب الفرض، ولو امتنعوا: عم الإثم الجميع، ويقاتلهم الإمام على تركه١.

стр. 635

وسقوط الفرض بدون الأداء ممكن: إما بالنسخ أو بسبب آخر. أما الإيجاب على واحد لا بعينه: فمحال؛ لأن المكلف ينبغي أن يعلم أنه مكلف، وإذا أبهم الوجوب لم يعلم. بخلاف إيجاب خصلة من خصلتين؛ فإن التخيير فيهما لا يوجب تعذر الامتثال١.
следующие страницы →