← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12010

روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان

ابن قدامة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فصل: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به ... فصل: مسألة: [الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به] الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به، ما لم يدل عليه دليل١. مثاله: قوله ﵇ "مروهم بالصلاة لسبع" ٢ ليس بخطاب من الشارع للصبي، ولا إيجابًا عليه، مع أن الأمر واجب على الولي.

стр. 632

لكن إذا كان المأمور بالأمر النبي ﷺ كان واجبًا بأمر النبي ﷺ ؛ لقيام الدليل على وجوب طاعة النبي ﷺ وتحريم مخالفته١ أما إذا كان المأمور بالأمر غيره: فلا يبعد أن يجب عليه الأمر؛ لحكمة فيه، مختصة به. ولهذا لا يمتنع أن يقال للولي الذي يعتقد أن لطفله على طفل آخر شيئًا: عليك المطالبة بحقه. ويقال لولي الطفل الآخر: إذا لم تعلم أن على طفلك شيئًا يجب عليك الممانعة، وليس لك التسليم.

стр. 633

فصل: [أمر الجماعة أمر لكل واحد منهم] الأمر لجماعة يقتضي وجوبه على كل واحد منهم، ولا يسقط الواجب عنهم بفعل واحد منهم، إلا أن يدل عليه دليل، أو يرد الخطاب بلفظ لا يعم، كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فيكون فرض كفاية١.

стр. 634

[فرض الكفاية] فإن قيل: ما حقيقة فرض الكفاية؟ أهو واجب على الجميع ويسقط بفعل البعض؟ أم على واحد غير معين، كالواجب المخير؟ أم واجب على من حضر دون من غاب، كحاضر الجنازة -مثلًا-؟ قلنا: بل واجب على الجميع ويسقط بفعل البعض، بحيث لو فعله الجميع: نال الكل ثواب الفرض، ولو امتنعوا: عم الإثم الجميع، ويقاتلهم الإمام على تركه١.

стр. 635

وسقوط الفرض بدون الأداء ممكن: إما بالنسخ أو بسبب آخر. أما الإيجاب على واحد لا بعينه: فمحال؛ لأن المكلف ينبغي أن يعلم أنه مكلف، وإذا أبهم الوجوب لم يعلم. بخلاف إيجاب خصلة من خصلتين؛ فإن التخيير فيهما لا يوجب تعذر الامتثال١.

стр. 636

فصل: [أمر الله تعالى للنبي أمر للأمة ما لم يوجد تخصيص] إذا أمر الله -تعالى- نبيه ﷺ بلفظ ليس فيه تخصيص، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْل﴾ ١، أو أثبت في حقه حكمًا: فإن أمته يشاركونه في ذلك الحكم، ما لم يقم على اختصاصه به دليل. وكذلك إذا توجه الحكم إلى واحد من الصحابة دخل فيه غيره، ويدخل فيه النبي ﷺ نحو قوله: "إن الله فرض عليكم صيامه" ٢.

стр. 637

هذا قول القاضي، وبعض المالكية، وبعض الشافعية١. وقال أبو الحسن التميمي، وأبو الخطاب، وبعض الشافعية: يختص الحكم بمن توجه إليه الأمر؛ لأن السيد من أهل اللغة لو أمر عبدا من عبيده بأمر: لاختص به دون بقية عبيده. ولو أمر الله -تعالى- بعبادة، لم يتناول -بمطلقه- عبادة أخرى.

стр. 638

فقال: لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" ١. وروي عنه ﷺ في القبلة للصائم مثل ذلك. رواه مسلم٢. فالحجة فيه من وجهين: أحدهما: أنه أجابهم بفعله، ولو اختص به الحكم، لم يكن جوابًا لهم. الثاني: أنه أنكر عليهم مراجعتهم له باختصاصه بالحكم، فدل على أن مثل هذا لا يجوز اعتقاده. ولأن الصحابة ﵃ كانوا يرجعون إلى أفعال

стр. 639

النبي ﷺ فيما يختلفون فيه من الأحكام: كرجوعهم إلى فعله في الغسل من التقاء الختانين من غير إنزال١، وإيجاب الوضوء من الملامسة٢، وصحة الصوم ممن أصبح جنبًا٣، وعدم ثبوت حكم الإحرام في حق من

стр. 640

بعث هديه وأقام في أهله١، حتى عدوا ذلك ناسخًا لما قبله، معارضًا لما خالفه من أمره ونهيه. ولأن الله -تعالى- أمر نبيه ﷺ بقيام الليل٢، ودخل فيه أمته، حتى نسخه بقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ ٣.

стр. 641

ولما عاتبه في تحريم ما أحل الله ما أحل الله له١، قال -عقيبه-: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ٢. وابتدأ الخطاب بمناداته وحده، ثم تممه بلفظ الجمع بقوله: ﴿ياَ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ..﴾ ٣. وهذا يدل على أن حكم خطابه لا يختص به.

стр. 642

وقد أشار إليه ﵇ بقوله: "إِنّمَا أََسْهُو لأَسُنًّ" ١. فإذا ثبت أن امته يشاركونه في حكمه: فلزم مشاركته لهم في أحكامهم؛ لوجود التلازم ظاهرًا؛ فإن ما ثبت في أحد المتلازمين ثبت في الآخر؛ فإنه لو ثبت في حقهم حكم انفردوا به دونه: لثبت نقيض ذلك الحكم في حقه دونهم، وقد أقمنا الدليل على خلافه. لذلك: قالت حفصة٢ للنبي ﷺ : ما شأن الناس حلُّوا ولم تحلل من عمرتك؟ قال، "إِنَّي لَبدَتُّ رَأْسِي٣، وَقَلَّدتُّ، هَدْبِي، فَلاَ أُحِلَّ حَتىَّ أَنْحَرَ" ٤. فلولا أنه داخل فيما ثبت لهم من الأحكام: ما استدعوا منه موافقتهم، ولا أقرهم على ذلك، وبين لهم عذره.

стр. 643

والدلالة على أن الحكم إذا ثبت في حق واحد من الصحابة دخل فيه غيره: قوله ﵇: "خطابي للواحد خطاب للجماعة" ١. ولأن الصحابة ﵃ كانت ترجع في أحكامهم إلى قضايا النبي ﷺ في الأعيان٢: كرجوعهم في حد الزاني إلى قصة

стр. 644

ماعز١ وفي دية الجنين إلى حديث حمل بن مالك٢، وفي "المفوضة" إلى قصة بروع بنت واشق، و"في السكنى والنفقة" إلى حديث فاطمة بنت قيس، وفريعة بنت مالك٣، وإلى حديث صفية الأنصارية٤ في: "سقوط طواف الوداع عن الحائض" وغير ذلك.

стр. 645

ولأنه لو اختص به لما احتيج إلى التخصيص بقوله -لأبي بردة١- في التضحية بالجذع من المعز: "تجزئك ولا تجزئ عن أحد بعدك" ٢. دليل آخر: أن قول الراوي: "نهي رسول الله ﷺ أو أمر، أو قضى" يعم، ولو اختص الحكم من شوفه به: لم يكن عامًا؛ لاحتمال أن يكون الراوي سمع نهي النبي ﷺ أو أمره لواحد فلا يكون عامًا.

стр. 646

ولأن الخطاب بالكتاب والسنة إنما شوفه به أصحاب النبي ﷺ ولا خلاف في ثبوت حكمه في حق أهل الأعصار١.

стр. 647

فصل: [في تعلق الأمر بالمعدوم] الأمر يتعلق بالمعدوم، وأوامر الشرع قد تناولت المعدومين إلى قيام الساعة، بشرط وجودهم على صفة من يصح تكليفه. خلافًا للمعتزلة وجماعة من الحنفية١ قالوا: لا يتعلق الأمر به؛ لأنه يستحيل خطابه، فيستحيل تكليفه. ولأنه لا يقع منه فعل ولا ترك، فلم يصح أمره، كالعاجز والمجنون، ولأن المعدوم ليس بشيء، فأمره هذيان.

стр. 648

وكما أن من شرط القدرة: وجود المقدور، يجب أن يكون من شرط الأمر: وجود المأمور. ولنا: اتفاق الصحابة ﵃ والتابعين على الرجوع إلى الظواهر المتضمنة أوامر الله -سبحانه- وأوامر نبيه ﵇ على من لم يوجد في عصرهم، لا يمتنع من ذلك أحد. ولأنه قد ثبت أن كلام الله –تعالى- قديم، وصفة من صفاته، لم يزل آمرا ناهيًا. وقال الله -تعالى-: ﴿فَاتَّبِعُوه﴾ ١ وهذا أمر باتباع النبي ﷺ ولا خلاف أنا مأمورون باتباعه ولم نكن موجودين. قولهم٢: "إن خطاب المعدومين محال". قلنا: إنما يستحيل خطابه بإيجاد الفعل حال عدمه٣. أما أمره بشرط الوجود: فغير مستحيل، بأن يفعل عند وجوده ما أمر به متقدمًا، كما يقول: الوالد يوجب على أولاده، ويلزمهم التصدق عنه إذا عقلوا وبلغوا، فيكون الإلزام حاصلا بشرط الوجود.

стр. 649

ولو قال لعبده: "صم غدًا" فهو أمر في الحال بصوم الغد، لا أنه أمر في الغد. وأما العاجز: فإنه يصح أمره بشرط القدرة، كمسألتنا بغير فرق. فإن قيل: هذا مخالف لقوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي ... " ١ قلنا: المراد به: رفع المأثم والإيجاب المضر، بدليل أنه قرن به النائم. ولا نسلم أن شرط القدرة: وجود المقدور؛ فإن الله قادر قبل أن يوجد مقدور٢.

стр. 650

فصل: [في التكليف بغير الممكن] ويجوز الأمر من الله -سبحانه- لما في معلومه أن المكلف لا يتمكن من فعله. وعند المعتزلة: لا يجوز ذلك إلا أن يكون تعلقه بشرط تحققه مجهولا عند الآمر، أما إذا كان معلوما أنه لا يتحقق الشرط، فلا يصح الأمر به؛ لأن الأمر طلب، فكيف يطلب الحكيم ما يعلم امتناعه؟ وكيف يقول السيد لعبده: خط ثوبي إن صعدت السماء؟ وبهذا يفارق أمر الجاهل؛ لأن من لا يعرف عجز غيره عن القيام: يتصور أن يطلبه منه. أما إذا علم امتناعه: فلا يكون طالبًا، وإذا لم يكن طالبًا: لم يكن آمرا. ولأن إثبات الأمر بشرط يفضي إلى أن يكون وجود الشيء مشروطًا بما يوجد بعده، والشرط ينبغي أن يقارن، أو يتقدم أما أن يتأخر عن المشروط، فمحال. وهذه المسألة تنبني على النسخ قبل التمكن، وأن فيه فائدة، على ما مضى١.

стр. 651

ولنا: الإجماع على أن الصبي إذا بلغ يجب عليه أن يعلم ويعتقد أنه مأمور بشرائع الإسلام، منهي عن الزنا والسرقة، ويثاب على امتثال المأمورات، وترك المنهيات، ويكون متقربًا بذلك وإن لم يحضر وقت عبادة، ولا يتمكن١ من زنا ولا سرقة. وعلمه بأن الله -تعالى- عالم بعاقبة الأمر: لا ينفي عنه ذلك. وإن احتمل أن لا يكون مأمورا منهيًّا، لعدم مساعدة التمكن يجب أن يشك في كونه مأمورًا منهيًّا، وفي كونه متقربًا؛ إذ لا خلاف في أن العزم على امتثال ما ليس بمأمور، وترك ما ليس بمنهي ليس بقربة، وهذا لا يتيقن أنه مأمور ولا متقرب وهذا خلاف الإجماع. ودليل ثان: الإجماع على أن صلاة الفرض لا تصح إلا بنية الفرضية، ولا تقبل نية الفرضية، إلا بعد معرفة الفرضية والعبد ينوي في أول الوقت فرض الظهر، وربما مات في أثنائها، فتبين -عندهم٢- أنها لم تكن فرضًا،

стр. 652

فليكن شاكًّا في الفرضية، فتمتنع النية لأنها لا تتوجه إلا إلى معلوم. فإن قيل: فإذا مات في أثنائها كيف يقال: إن الأربع كانت فريضة على الميت؟ قلنا: هو قاطع بأنها فرض عليه، لكن بشرط البقاء، والأمر بشرط أمر في الحال، وليس بمعلق من عزم عليه يثاب ثواب العزم على الواجبات؛ فإن قول السيد لعبده: "صم غدًا" أمر في الحال بصوم الغد، لا أنه أمر في الغد. ولو قال: "فرضت عليك بشرط بقائك": فهو فارض في الحال، لكن بشرط. ولو قال لوكيله: "بع داري في رأس الشهر": كان وكيلًا في الحال، يصح أن يقال: وكّله، ويصح عزله. وإذا قال: وكّلني، وعزلني: كان صادقًا، فإن مات قبل رأس الشهر لم يتبين كذبه. بخلاف ما إذا قال: "إذا جاء رأس الشهر فأنت وكيلي"، فإنه لا يكون وكيلًا في الحال. الثالث: الإجماع على لزوم الشروع في صوم رمضان، فإن كان الموت يتبين به عدم الأمر، والموت مجوّز١، فيصير مشكوكًا فيه، فكيف تلزمه العبادة؟. قالوا٢: لأن الظاهر بقاؤه، والحاصل يستصحب، والاستصحاب أصل تنبني عليه الأمور، كما أن من أقبل عليه سبع: لم يقبح الهرب، وإن

стр. 653

كان من المحتمل موت السبع دونه، ولو فتح هذا الباب: لم يتصور امتثال أمر. قلنا: هذا يلزمكم، ومذهبكم يفضي إليه، وما أفضي إلى المحال محال١. وأما الهرب: فحزم، وأخذ بالأسوأ من الأحوال، ويكفي فيه الاحتمال البعيد والشك، فإن من شك في سبع في الطريق، أو لص: حسن منه الاحتراز عنه. وأما الوجوب: فلا يثبت بالشك والاحتمال، بل ينبغي أن من أعرض عن الصوم لم يكن عاصيًا؛ لأنه أخذ بالاحتمال الآخر. وقولهم٢: "الأمر طلب، وطلب المستحيل من الحكيم محال". قلنا: الأمر إنما هو قول الأعلى لمن دونه: "افعل" مع تجردها عن القرائن، وهذا متصور مع علمه بالاستحالة٣. وعلى أنا لو سلمنا أن الأمر طلب، فليس الطلب من الله -تعالى- كالطلب من الآدميين؛ وإنما هو استدعاء فعل لمصلحة العبد، وهذا يحصل مع الاستحالة؛ لكي يكون توطئة للنفس على عزم الامتثال، أو الترك؛ لطفًا به في الاستعداد، والانحراف عن الفساد، وهذا متصور. ويتصور من السيد -أيضًا- أن يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه،

стр. 654

مع عزمه على فسخ الأمر قبل الامتثال؛ امتحانًا للعبد واستصلاحًا له. ولو وكل رجلًا في عتق عبده غدًا، مع عزمه على عتق العبد: صح، ويتحقق فيها المقصود من: استمالة الوكيل، وامتحانه في إظهار الاستبشار بأوامره، والكراهية له، وكل ذلك معقول الفائدة، فكذا ههنا. وقولهم١: "يفضي إلى تقدم المشروط على الشرط". قلنا: ليس هذا شرطًا لذات الأمر، بل الأمر موجود، وجد الشرط أم لم يوجد، وإنما هو شرط لوجوب التنفيذ، فلا يفضي إلى ما ذكروه.

стр. 655

فصل: [في النهي] اعلم أن ما ذكرناه من الأوامر، تتضح به أحكام النواهي؛ إذ لكل مسألة من الأوامر وزان من النواهي٢ وعلى العكس، فلا حاجة إلى التكرار إلا في اليسير.

стр. 656

من ذلك: أن النهي عن الأسباب المفيدة للأحكام يقتضي فسادها١. وقال قوم: النهي عن الشيء لعينه: يقتضي الفساد٢، والنهي عنه لغيره لا يقتضيه؛ لأن الشيء قد يكون له جهتان هو مقصود من إحداهما، مكروه من الأخرى على ما مضى٣. وقال آخرون: النهي عن العبادات يقتضي فسادها، وفي المعاملات

стр. 657

لا يقتضيه؛ لأن العبادة طاعة، والطاعة موافقة الأمر، والأمر والنهي يتضادان، فلا يكون النهي مأمورًا، فلا يكون طاعة ولا عبادة. ولأن النهي يقتضي التحريم وكون الشيء قربة محرمًا محال١. وحكي عن طائفة، منهم أبو حنيفة: أن النهي يقتضي الصحة؛ لأن النهي يدل على التصور، لكونه يراد للامتناع، والممتنع في نفسه، المستحيل في ذاته، لا يمكن الامتناع منه، فلا يتوجه إليه النهي، كنهي الزَّمِن٢ عن القيام، والأعمى عن النظر. وكما أن الأمر يستدعي مأمورًا يمكن امتثاله: فالنهي يستدعي منهيًّا يمكن ارتكابه، إذا ثبت تصوره. فلفظات الشرع تحمل على المشروع، دون اللغوي فإذا نهى عن صوم يوم النحر، دل على تصوره شرعًا٣.

стр. 658

وقال بعض الفقهاء وعامة المتكلمين: لا يقتضي فسادًا ولا صحة؛ لأن النهي من خطاب التكليف، والصحة والفساد من خطاب الأخبار١، فلا يتنافى أن يقول: نهيتك عن كذا، فإذا فعلته رتبت عليك حكمه.

стр. 659

فإن قيل: معناه: ليس بمقبول قربة ولا طاعة. قلنا: قوله: "مردود" يقتضي رد ذاته، فإن لم يكن١، اقتضى رد ما يتعلق به؛ ليكون وجوده وعدمه واحدًا. والثاني: أن الصحابة ﵃ استدلوا على فساد العقود بالنهي عنها: فاستدلوا على فساد عقود الربا بقوله ﵇: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل" ٢. واحتج ابن عمر ﵁ في فساد نكاح المشركات بقوله

стр. 660

-تعالى-: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ ١، وفي نكاح المحرم بالنهي٤. وفي بيع الطعام قبل قبضه بالنهي٣. وغير ذلك مما يطول. الثالث: أن النهي عن الشيء يدل على تعلق المفسدة به، أو بما يلازمه؛ لأن الشارع حكيم لا ينهى عن المصالح، إنما ينهى عن المفاسد، وفي القضاء بالفساد إعدام لها بأبلغ الطرق٤. الرابع: أن النهي عنها مع ربط الحكم بها يفضي إلى التناقض في الحكمة؛ لأن نصبها سببًا تمكين من التوسل، والنهي منع من التوسل.

стр. 661

ولأن حكمها مقصود الآدمي، ومتعلق غرضه، فتمكينه منه حث على تعاطيه، والنهي منع من التعاطي ولا يليق ذلك بحكمة الشرع. ثم لا فرق بين كون النهي عن الشيء لعينه، أو لغيره، لدلالة النهي على رجحان ما يتعلق به من المفسدة، والمرجوح كالمستهلك المعدوم. وقولهم١: "إن النهي لا ينافي الصحة". قد بينا تناقضهما. وإن سلمنا أنه لا ينافيه، لكن يدل على الفساد ظاهرًا، ويكفي ذلك. وفي المواضع التي قضينا بالصحة٢، خولف فيه الظاهر، فلا يخرجه عن أن يكون الأصل ما ذكرناه، كما لو خولف مقتضاه في التحريم. وقولهم: "إنه يدل على الصحة". بعيد جدًّا؛ فإنهم إذا لم يجعلوه دليلًا على الفساد مع قربه منه، كيف يجعلونه دليلًا على الصحة؟! قولهم: "إنه يدل على التصور".

стр. 662

قلنا: يدل على تصوره حسَّا، وهو الأفعال١. أما الصحة والفساد: فحكمان شرعيان، لا ينهى عنهما، ولا يؤمر بهما، ودليله: مناهي الشرع: كالمحاقلة والمزابنة، والمنابذة والملامسة٢، وقوله -تعالى-: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ ٣، ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ٤، وقوله ﵇: "دعي الصلاة أيام أقرائك" ٥. إلى نظائره. قولهم: "إن الأسامي الشرعية تحمل على موضوع الشرع".

стр. 663

عنه جوابان: أحدهما: أن الأصل تقرير الأوضاع اللغوية، إلا ما صرف عنه الاستعمال الشرعي١. وفي الأوامر: ألفنا من الشارع استعمال هذه الأسماء للموضوع الشرعي. أما في المنهيات فلم يثبت هذا العرف. الثاني: أنا نسلم استعماله في الموضوع الشرعي، لكن الصلاة الشرعية: هي الأفعال المنظومة، والصحة غير داخلة في حدها؛ لما ذكرناه٢.

стр. 664

............................................ = الخامس: أنه لا يقتضي الصحة ولا الفساد. وقد أورد الطوفي مذهبًا سادسًا، ذكر أنه المختار، وأنه أقرب إلى التحقيق من الإطلاقات الواردة في المسألة خلاصته: أن النهي عن الفعل إما أن يكون لذاته، أو لوصف لازم له، لا ينفك عنه، أو لأمر خارج عنه، لا يتعلق به أصلًا، أو لوصف يتعلق به، لكنه غير لازم له. فإن كان النهي عنه لذاته، كالكفر والكذب والظلم، دل النهي على الفساد والبطلان. وكذلك إذا كان لوصف لازم له، كالنهي عن نكاح الكافر المسلمة. وإن كان لأمر خارج عنه لا يتعلق له به أصلًا، فلا يدل على الفساد، مثل: النهي عن غرس العنب خشية جعله خمرًا. وإن كان لوصف غير لازم: مثل النهي عن الصلاة وقت النداء للجمعة ففيه خلاف. قال: "والصحيح من مذهب أحمد أنه لا يصح، لظاهر النهي ... ". انظر: شرح الطوفي "٢/ ٤٣٩-٤٤١".

стр. 665

فهرس موضوعات الجزء الأول: مقدمة الشارح ٥ من خصائص الشريعة الإسلامية: حفظ أصولها من التحريف والتبديل ٧ معجزتها مستمرة تخاطب العقل وتساير الفطرة ٧ جمعها بين ما هو ثابت وما هو متغير ٧ دور أصول الفقه في تحقيق ذلك ٩ أهلية الاجتهاد كانت متحققة عند علماء العصور الأولى ٩ تعليم الرسول ﷺ لأصحابه كيف يواجهون كل المستجدات ١٠ تطبيق الصحابة ﵃ للقواعد الأصولية ١٠ التابعون يسيرون على منهج الصحابة ﵃ ١٥ ظهور حوادث ووقائع لم تكن معروفة من قبل ١٦ اختلاف العلماء في التعامل مع هذه الوقائع ١٦ انقسام العلماء إلى اتجاهين: أهل الحديث وأهل الرأي ١٦ ظهور النزاع والخلاف بين الاتجاهين السابقين ١٦ الإمام الشافعي يدون علم الأصول لحسم هذا الخلاف ١٦ كتاب "الرسالة" للإمام الشافعي ومنهجه فيها ١٧ دعوى سبق الإمام الشافعي في التأليف لا دليل عليها ١٧ اصول الفقه بعد الإمام الشافعي واتجاهات العلماء في ذلك ١٨ اتجاه المتكلمين وأهم الكتب المؤلفة في ذلك ١٨ اتجاه الفقهاء أو الحنفية وأهم الكتب المؤلفة في ذلك ١٩ اتجاه الجميع بين المنهجين السابقين وأول من بدأه ٢٠ اتجاه تخريج الفروع على الأصول وأول من بدأه ٢١ اتجاه بناء القواعد الأصولية على مقاصد الشريعة ٢٢ استمرار التأليف على غرار المناهج المتقدمة ٢٢ التعريف بالإمام ابن قدامة اسمه ونسبه ونشأته ٢٤ شيوخه ٢٥ تلاميذه ٢٦

стр. 666

عقيدته ٢٦ مذهبه الفقهي ٢٨ مكانته وثناء العلماء عليه ٢٨ وفاته ٢٩ مؤلفاته أولًا: في العقيدة ٣٠ ثانيًا: في أصول الفقه ٣٠ ثالثًا: في الفقه ٣١ رابعًا: في الكتاب والسنة ٣١ خامسًا: في الفضائل والأخلاق ٣١ سادسًا: في التاريخ والأنساب ٣٢ منهج ابن قدامة في كتابه روضة الناظر وجنة المناظر جمع المذاهب المختلفة في كل مسألة وبيان الراجح منها ٣٣ سلك مسلك الإمام الغزالي في كتابه: "المستصفى" مع مخالفته في بعض المسائل وفي ترتيب الكتاب من التقديم والتأخير ٣٤ الإحالة على بعض المسائل المناظرة طلبًا للاختصار ٣٥ اهتم بنقل أراء الحنابلة وخاصة رأي الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه٣٦ غالبًا ما يبدأ بذكر المذهب الراجح -من وجهة نظره- ثم يختم المسألة بأدلة المذهب الذي رجحه، ومناقشة أدلة المخالفين٣٧ قيمة الكتاب العلمية ومزاياه ٣٨ اهتمام العلماء بشرحه واختصاره والتعليق عليه ٣٩ ما يؤخذ على الكتاب ٤٢ عملي في الكتاب ٤٨ مقدمة ابن قدامة ٥١ معنى الفقه والأصول معنى الفقه لغة وشرعًا ٥٣-٥٤ معنى أصول الفقه ٥٤ المقدمة المنطقية ٥٦ مدارك العقول تنحصر في الحد والبرهان ٥٦

стр. 667

فصل في أقسام الحدّ الحد الحقيقي وشروطه ٥٨ تعريف الماهية ٥٨ صيغ السؤال ٥٨ تعريف الكيفية ومم تتركب ٦٠ تعريف الوصف اللازم والوصف العارض ٦٠ تقسيم الأوصاف الذاتية ٦١ الجنس وأقسامه ٦١ تعريف الفصل ٦٢ شروط الحد ٦٢ الحد الرسمي وشروطه ٦٣ الحد اللفظي وشرطه ٦٥ تعريف الحد الحقيقي ٦٥ فصل في أن تعذر البرهان على الحد لا يمنع صحته أقل ما يتركب منه الحد ٦٨ فصل في البرهان تعريف البرهان ٦٩ الجهات التي يتطرق منها الخلل إلى البرهان ٦٩ فصل في كيفية دلالة الألفاظ على المعاني دلالة المطابقة ٧١ دلالة التضمن ٧١ دلالة الالتزام ٧١ تقسيم اللفظ من حيث التعيين وعدمه معنى المعين وأمثلته ٧٢

стр. 668

معنى المطلق وأمثلته ٧٢ تقسيم الألفاظ المتعددة المعاني باعتبار مسمياتها المترادفة ومعناها ٧٢ المتباينة ومعناها ٧٣ المتواطئة ومعناها ٧٣ المشتركة ومعناها ٧٣ فصل في النظر في المعاني تقسيم المعاني المدركة إلى محسوسة ومتخيّلة ومعقولة ٧٤ أمثلة على ذلك ٧٥ فصل في تأليف مفرادت المعاني أنواع القضايا وأمثلتها ٧٨ فصل في مقدمتي البرهان وأضربه الضرب الأول وشروطه ٨٠ الضرب الثاني وشروطه ٨٢ الضرب الثالث ٨٣ الضرب الرابع ٨٤ الضرب الخامس ٨٥ فصل من أسباب مخالفة البرهان أو القياس قصور علم الناظر ٨٦ إهمال إحدى المقدمتين ٨٦

стр. 669

فصل في اليقين ومدراكه معنى اليقين ٨٨ مدارك اليقين خمسة ٩٠ الأول: الأوليات ٩٠ الثاني: المشاهدات الباطنة ٩١ الثالث المحسوسات الظاهرة ٩١ الرابع: التجريبيات ٩١ الخامس: المتواترت ٩٢ فصل في لزوم النتيجة من المقدمتين أمثلة على ذلك ٩٢ فصل في تقسيم البرهان برهان العلة ٩٤ برهان الدلالة ٩٥ فصل في الاستدلال بالاستقراء معنى الاستقراء ٩٥ الباب الأول في حقيقة الحكم وأقسامه معنى الحكم في اللغة ٩٧ معنى الحكم في الاصطلاح ٩٨ أقسام الحكم ٩٨ الحكم العقلي: معناه وأمثلته ٩٨ الحكم العادي: معناه وامثلته ٩٨ الحكم الشرعي: معناه عند الفقهاء ٩٨ معنى الحكم عند الأصوليين ٩٨

стр. 670

الحكم الشرعي قسمان: تكليفي ووضعي ١٠٠ معنى الحكم التكليفي وأقسامه عند الجمهور ١٠٠ تقسيم الحكم التكليفي عند الحنفية ١٠١ الفرق بين الحكم التكليفي والوضعي ١٠١ الواجب وتقسيماته تعريف الواجب ١٠٢ هل الفرض والواجب مترادفان أو مختلفان؟ ١٠٣ الفرض والواجب بمعنى واحد عند الجمهور ١٠٣ الحنفية يفرقون بينهما ١٠٤ ابن قدامة يرى أن الخلاف لفظي ١٠٥ فصل في تقسيم الواجب باعتبار ذاته الواجب المعين والواجب المخير ١٠٥ إنكار المعتزلة للواجب المخير والرد عليهم عقلًا وشرعًا ١٠٥ فصل في تقسيم الواجب باعتبار وقت الأداء الواجب ينقسم إلى مضيق وموسع عند الجمهور ١٠٨ إنكار أصحاب أبي حنيفة للواجب الموسع والرد عليهم ١٠٨ أدلة المنكرين للواجب الموسع والرد عليهم ١٠٨ آراء العلماء في الوقت الذي يتعلق به الوجوب في الواجب الموسع ١١٢ فصل في تضييق الواجب الموسع إذا آخر المكلف الواجب الموسع فمات قبل خروج الوقت هل يعتبر عاصيًا١١٦ فصل في مقدمة الواجب وحكمها ما لا يتم الواجب إلا به إما أن يكون مقدورًا للعبد أو غير مقدور له ١١٨ آراء العلماء في وجوب مقدمة الواجب ١١٨-١١٩
следующие страницы →