← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12010

روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان

ابن قدامة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

حسن أن يقول: "وإن كان فاسقًا"؟ ولو عم اللفظ: لما حسن الاستفسار. ولنا دليلان١: أحدهما: إجماع الصحابة ﵃ فإنهم مع أهل اللغة بأجمعهم، أجروا ألفاظ الكتاب والسنة على العموم، إلا ما دل على تخصيصه دليل؛ فإنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص، لا دليل العموم: فعملوا بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُم﴾ ٢ واستدلوا به على إرث فاطمة٣ ﵂ حتى نقل أبو بكر، ﵁: "نحنُ معاشِرَ الأنْبِيَاءِ لا نُورَثُ، ما تَرَكْنَاه صَدَقة" ٤.

стр. 702

وأجروا ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَة﴾ ١، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ٢، و ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ ٣، و ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ ٤، ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم﴾ ٥ و ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْد﴾ ٦، و "لَا تُنْكَحُ المَرْأَة على عَمَّتِها" ٧، "ومَنْ أَغْلَقَ عليه بابَهُ فهو آمِنٌ"٨، و " لا يَرِثُ القَاتِلُ" ٩، وغير ذلك مما لا يحصى على العموم

стр. 703

ولما نزل قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ قال ابن أم مكتوم٢: "إني ضرير البصر" فنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾ فعَقَل الضرير وغيره من عموم اللفظ٣. ولما نزل ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ٤ قال ابن الزبعري٥: لأخصمن محمدًا، فقال له: قد عُبدت الملائكة

стр. 704

والمسيح، أفيدخلون النار؟ فنزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُون﴾ ١. فعقَل العموم، ولم ينكر عليه، حتى بين الله -تعالى- المراد من اللفظ. ولما أراد أبو بكر ﵁ قتال مانعي الزكاة، قال له عمر: كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله، ﷺ : "أُمِرْتُ أنْ أقاتِلَ الناس حَتَّى

стр. 705

يقولوا: يقولوا لا إِلَه إِلّا اللهُ ... " ١ الحديث. فلم ينكر أبو بكر احتجاجه، بل قال: أليس قد قال: "إِلّا بِحَقِّهَا" والزكاة من حقها. واختلف عثمان وعلي في الجمع بين الأختين٢: فاحتج عثمان بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم﴾ ٣. واحتج علي بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْن﴾ ٤.

стр. 706

ولما سمع عثمان بن مظعون١ قول لبيد٢: .................... ... وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحالَةَ زَائلُ قال له: كذبت، إن نعيم الجنة لا يزول٣. وهذا وأمثاله مما لا ينحصر كثرة، يدل على اتفاقهم على فهم العموم من صيغته، والإجماع حجة. ولو لم يكن إجماعهم حجة، لكان حجة من حيث إنهم أهل اللغة، وأعرف بصيغتها وموضوعاتها.

стр. 707

المسلك الثاني١: أن صيغ العموم يحتاج إليها في كل لغة، ولا تختص بلغة العرب. فيبعد جدًّا أن يغفل عنها جميع الخلق، فلا يضعونها مع الحاجة إليها. ويدل على وضعه٢: توجه الاعتراض على من عصى الأمر العام، وسقوطه عمن أطاع، ولزوم النقض والخلف على الخبر العام، وبناء الاستحلال٣ والأحكام على الألفاظ العامة. فهذه أربعة أمور تدل على الغرض. وبيانها: أن السيد إذا قال لعبده: "من دخل داري فأعطه رغيفًا" فأعطى كل داخل: لم يكن للسيد أن يعترض عليه. ولو قال: "لِمَ أعطيت هذا وهو قصير" وإنما أردت الطوال؟ فقال: "ما أمرتني بهذا، وإنما أمرتني بإعطاء كل داخل" فعرض هذا على العقلاء: رأوا اعتراض السيد ساقطًا، وعذر العبد متوجهًا. ولو أن العبد حرَم واحدًا، فقال له السيد: "لِمَ لم تعطه"؟ فقال: "لأن هذا أسود، ولفظك ما اقتضى العموم، فيحتمل أنك أردت الأبيض" استوجب التأديب عند العقلاء، وقيل له: "ما لك وللنظر إلى اللون، وقد أمرت بإعطاء كل داخل"؟

стр. 708

وأما النقض: فإنه لو قال: "ما رأيت أحدًا" وكان قد رأى جماعة: كان كلامه خلفًا١ ومنقوضًا وكذبًا. ولذلك قال الله تعالى: ﴿ ... قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ ٢. وإنما أورد هذا نقضًا على كلامهم، فإن لم يكن هذا عامًّا: فلِمَ أورد النقض عليهم؟ فإن هم أرادوا٣ غير موسى، فلِمَ لزم دخول موسى تحت اسم البشر؟ وأما إثبات الاستحلال والأحكام: فإذا قال: "أعتقت عبيدي وإمائي" ومات عقيبه، جاز لمن سمع أن يزوج عبيده، ويتزوج من إمائه بغير رضا الورثة. ولو قال: "العبيد الذين في يدي ملك فلان": كان إقرارًا محكومًا "به"٤ في الكل. ولو ادعى على رجل دينًا فقال٥: "مالك عليّ شيء" كان إنكارًا لدعواه، ولو حلف على ذلك: بريء في الحكم

стр. 709

ولو كان له عليه دين، فحلف هذه اليمين، كان كاذبًا آثمًا١. وبناء أمثال هذه الأحكام على العموم لا ينحصر. فإن قيل: إنما ثبت هذا الذي ذكرتموه بالقرائن، لا بمجرد اللفظ. قلنا: هذا باطل؛ فإنه لو قدر انتفاء القرائن: لفهم العموم: فإنه لو قدر أن سيدًا أمر عبدًا له لم يعرف له عادة، ولا عاشره زمانًا بأمر عام، ولا يعلم له غرضًا في إثباته وانتفائه، لتمهد عذره في العمل بعمومه، وتوجه إليه اللوم بترك الامتثال. ولو قال: "كل عبد لي حرٌّ" ولم تعلم منه قرينة أصلًا: حكمنا بحرية الكل. وتقدير قرينة -ههنا- كتقدير قرينة في سائر أنواع أدلة الكتاب والسنة، وهذا يبطلها بأسرها. ولأن اللفظ لو لم يكن للعموم: لخلا عن الفائدة، واختلت أوامر الشرع العامة كلها؛ لأن كل واحد يمكنه أن يقول: "لم أعلم أنني مراد بهذا الأمر، ولا في اللفظ دلالة على أنني مراد به، ولا يلزمني الامتثال". وكذلك النواهي، يقول: "لست مخاطبًا بالنهي لعدم دلالته على العموم في حقي" فتختل الشريعة، وتبطل دلالة الكتاب والسنة. ولا يصح من أحد الاحتجاج بلفظ عام في صورة خاصة، لعدم دلالته عليها. ولا يقدر أحد أن يأمر جماعة، ولا ينهاهم، ولا يذكر لهم شيئًا يعمهم بلفظ واحد.

стр. 710

وهذا باطل يقينًا، وفاسد قطعًا، فوجب اطّراحه. وأما حجة الواقفية: فحاصلها: مطالبة بالدليل، وليس بدليل١. ثم قد ذكرنا وجه الدليل على التعميم، وأنها إنما تستعمل على الخصوص مع قرينة. وإنما حسن الاستفسار عن الفاسق؛ لأنه يفهم من الإعطاء: الإكرام، ويفهم من عادة الناس أنهم لا يكرمونهم. فلتوهم القرينة المخصصة: حسن السؤال. ولذلك: لم يحسن في بقية الصفات، ولأنه لو لم يراجع، وأعطى الفاسق: لكان عذره متمهدًا. ثم إنه إنما حسن الاستفهام لظهور التجوز به عن الخصوص، فلذلك كان للمستفهم الاحتياط في طلبه. ولهذا دخل التوكيد في الكلام، لرفع اللبس، وإزالة الاتساع. ولهذا يحسن الاستفهام في الخاص، فإذا قال: "رأيت الخليفة" قيل له: "أنت رأيته"؟!

стр. 711

فصل: [في الخلاف في عموم بعض الصيغ] وقد قال قوم بالعموم، إلا فيما فيه الألف واللام١. وقال آخرون: بالعموم، إلا في اسم الواحد بالألف واللام٢. وقال بعض النحويين المتأخرين في "النكرة في سياق النفي" لا تعم، إلا أن تكون فيه "مِنْ" مظهرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٣، أو مقدرة، كقوله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه﴾ ٤، بدليل أنه يحسن أن يقال:

стр. 712

ما عندي رجل، بل رجلان١. ومن أنكر أن الألف واللام للاستغراق قال:

стр. 713

يحتمل أن تكون للمعهود. ويحتمل أن تكون للاستغراق. ويحتمل أنها لجملة من الجنس. فما دليل التعميم؟ ١ ثم وإن سلم في البعض، فما قولكم في جمع القلة، وهو ما ورد على وزن الأفعال، كالأحمال، والأَفْعُل، كالأكلُب، والأكعُب، والأَفْعِلَة، كالأرغفة، والفِعلة، كالصبية؟ فقد قال أهل اللغة: إنه للتقليل وهو ما دون العشرة. وقال ناس بالتعميم، إلا في لفظة المفرد المحلى بالألف واللام؛ لأنه لفظ واحد، والواحد ينقسم إلى: واحد بالنوع، وواحد بالذات. فإذا دخله التخصيص علم أنه ما أراد الواحد بالنوع، فانصرف إلى الواحد بالذات. قلنا: ما ذكرناه من الاستدلال جار فيما فيه الألف واللام، وفي النكرة في سياق النفي، فإنه إذا قال لعبده: "أعط الفقراء والمساكين،

стр. 714

واقتل المشركين١، واقطع السارق والسارقة، وارجم الزانية والزاني٢، ولا تؤذ مسلمًا، ولا تجعل مع الله إلهًا"٣ واقتصر عليه، وانتفت القرائن، جرى فيه حكم الطاعة والعصيان، وتوجه الاعتراض وسقوطه. ولو قال: "والله لا آكل رغيفًا": حنث إذا أكل رغيفين. وقد قال الله، تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَة﴾ ٤، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾ ٥ ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ٦، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة﴾ ٧، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور﴾ ٨. ولا يحل أن يقال في مثل هذا: إن اللفظ ما اقتضى التعميم٩. وقولهم: "إن الألف واللام للمعهود". قلنا: إنما يصرف إلى المعهود عند وجوده، وما لا معهود فيه يتعين حمله على الاستغراق.

стр. 715

وهذا لأن الألف واللام للتعريف، فإذا كان ثم معهود فحمل عليه حصل التعريف. وإن لم يكن ثم معهود فصرف إلى الاستغراق، حصل التعريف أيضًا. وإن صرف إلى أقل الجمع أو إلى واحد، لم يحصل التعريف، وكان دخول اللام وخروجها واحدًا. ولأنهما إذا كانا للعهد استغرقا جميع المعهود، فإذا كانا للجنس يجب أن يستغرقا. وأما جمع القلة: فإن العموم إنما يتلقى من الألف واللام. ولهذا استفيد١ من لفظ الواحد في مثل: السارق والسارقة، والدينار أفضل من الدرهم و "أهْلَك الناسَ الدينارُ والدرهمُ" ٢. ولذلك صح توكيده بما يقتضي العموم، وجاز الاستثناء منه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٣، والاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت الخطاب.

стр. 716

فقوله: "إنه يصح أن يقول: ما عندي رجل، بل رجلان"١. قلنا: قوله: "بل رجلان" قرينة لفظية تدل على أنه استعمل لفظ العموم في غير موضوعه. ولا يمنع ذلك من حمله على موضوعه عند عدم القرينة، كما أن لفظة "الأسد" إذا استعملت في الرجل الشجاع بقرينة، لا يمنع من استعمالها في موضوعها وحملها عليه عند الإطلاق. وأما لفظة "مِنْ" فهي من مؤكدات العموم، وتمنع من استعماله في مجازه. ولتأثيرها في التأكيد، ومنعها من التوسع، واستعمال اللفظ في غير العموم: تطرق الوهم إلى القائل بنفي التعميم فيما خلت منه.

стр. 717

وبعض الشافعية١: أن أقله اثنان، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُس﴾ ٢ ولا خلاف في حجبها باثنين. وقد جاء ضمير الجمع للاثنين في قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ ٣، ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ ٤، وكانوا اثنين، ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ٥ و ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ٦. وقال النبي، ﷺ : "الاثنان فما فوقهما جماعة" ٧.

стр. 718

ولأن الجمع مشتق من جمع الشيء إلى الشيء وضمه إليه، وهذا يحصل في الاثنين. ولنا: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال لعثمان، ﵁: "حَجبتَ الأم بالاثنين من الإخوة، وإنما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُس﴾ ١، وليس الأخوان بإخوة في لسانك، ولا في لسان قومك؟ " فقال له عثمان: "لا أنقض أمرًا كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار"٢، فعارضه على أنه في لسان العرب ليس بحقيقة في الاثنين، وإنما صار إليه للإجماع.

стр. 719

دليل آخر: أن أهل اللسان فرقوا بين الآحاد، والتثنية، والجمع، وجعلوا لكل واحد من هذه المراتب لفظًا وضميرًا مختصًّا به، فوجب أن يغاير الجمع التثنية، كمغايرة التثنية الآحاد. ولأن الاثنين لا ينعت بهما الرجال والجماعة في لغة أحد، فلا تقول: رأيت رجالًا اثنين، ولا جماعة رجلين، ويصح أن يقال: ما رأيت رجالًا، وإنما رأيت رجلين، ولو كان حقيقة فيه لما صح نفيه. وأما ما احتجوا به فغايته: أنه جاز التعبير بأحد اللفظين عن الآخر مجازًا، كما عبر عن الواحد بلفظ الجمع في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُم﴾ ١ و ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر﴾ ٢. ثم إن "الطائفة" و"الخصم" يقع على الواحد والجمع، والقليل والكثير، فرد الضمير إلى الجماعة الذين اشتمل عليهم لفظ "الطائفة" و"الخصم". وأما قوله: "الاثنان ... جماعة" فأراد في حكم الصلاة، وحكم انعقاد الجماعة، لأن كلام النبي ﷺ يحمل على الأحكام، لا على بيان الحقائق٣.

стр. 720

وقولهم: "إنه جمع شيء إلى شيء". قلنا: الأسماء في اللغة لا يلزم فيها حكم الاشتقاق، على ما مضى.

стр. 721

فصل: [في حكم العام الوارد على سبب خاص] إذا ورد لفظ العموم على سبب خاص: لم يسقط عمومه١، كقوله

стр. 722

-﵇ حين سئل: أنتوضأ بماء البحر في حال الحاجة؟ قال: "هُو الطَّهُورُ مَاؤُه" ١. وقال مالك٢، وبعض الشافعية٣: يسقط عمومه:

стр. 723

إذ لو لم يكن للسبب تأثير لجاز إخراج السبب بالتخصيص من العموم. ولما نقله الراوي، لعدم فائدته. ولما أخر بيان الحكم إلى وقوع الواقعة. ولأنه جواب، والجواب يكون مطابقًا للسؤال. ولنا: أن الحجة في لفظ الشارع، لا في السبب، فيجب اعتباره بنفسه في خصوصه وعمومه١. ولذلك: لو كان أخص من السؤال: لم يجز تعميمه، لعموم السؤال. ولو سألت امرأة زوجها الطلاق، فقال: "كل نسائي طوالق" طلقن كلهن، لعموم لفظه، وإن خص السؤال. ولذلك: يجوز أن يكون الجواب معدولًا عن سَنَن السؤال٢، فلو قال قائل: "أيحل أكل الخبز، والصيد، والصوم" فيجوز أن يقول: الأكل مندوب، والصوم واجب، والصيد حرام، فيكون جوابًا، وفيه: وجوب، وندب، وتحريم، والسؤال وقع عن الإباحة. وكيف ينكر هذا وأكثر أحكام الشرع نزلت على أسباب: كنزول آية

стр. 724

الظهار١ في أوس الصامت٢، وآية اللعان٣ في هلال بن أمية٤ ونحو هذا

стр. 725

ولا يلزم من وجوب التعميم: جواز تخصيص السبب، فإنه لا خلاف في أنه بيان الواقعة، وإنما الخلاف: هل هو بيان لها خاصة، أم لها ولغيرها؟ فاللفظ يتناولها يقينًا، ويتناول غيرها ظنًّا، إذ لا يسأل عن شيء فيعدل عن بيانه إلى بيان غيره، إلا أن يجيب عن غيره بما ينبه على محل السؤال، كما قال لعمر، لما سأله عن القبلة للصائم: "أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ؟ " ١ ولهذا كان نقل الراوي للسبب مفيدًا، ليبين به تناول اللفظ له يقينًا، فيمتنع تخصيصه. وفيه فوائد أخر، من معرفة أسباب النزول، والسير، والتوسع في الشريعة. وقولهم: لم أخر بيان الحكم؟ قلنا: الله أعلم بفائدته في أي وقت يحصل ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَل﴾ ٢ ثم لعله أخره إلى وقت الواقعة، لوجوب البيان في تلك الحال، أو اللطف، ومصلحة للعباد داعية إلى الانقياد، لا تحصل بالتقديم ولا بالتأخير. ثم يلزم لهذه العلة: اختصاص الرجم بماعز، وغيره من الأحكام

стр. 726

وقولهم: تجب المطابقة. قلنا: يجب أن يكون متناولًا له. أما أن يكون مطابقًا له، فكلا. بل لا يمتنع أن يسأل عن شيء، فيجب عنه وعن غيره، كما سئل عن الوضوء بماء البحر، فبين لهم حل ميتته١.

стр. 727

.................................

стр. 728

فصل: [حكاية الفعل من الصحابي تقتضي العموم] قول الصحابي: "نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة"١ و"قضى بالشفعة فيما لم يقسم"٢: يقتضي العموم٣. وقال قوم: لا عموم له٤؛ لأن الحجة في المحكي، لا في لفظ الحاكي.

стр. 729

والصحابي يحتمل أنه سمع لفظًا خاصًّا، أو يكون عمومًا، أو يكون فعلًا لا عموم له. وقضاؤه بالشفعة، لعله حكم في عين، أو بخطاب خاص مع شخص، فكيف يتمسك بعمومه؟ أم كيف يثبت العموم مع التعارض والشك١؟ ولنا: إجماع الصحابة ﵃ فإنه قد عرف عنهم الرجوع إلى هذا اللفظ في عموم الصور. كرجوع ابن عمر إلى حديث رافع: "نهى النبي ﷺ عن المخابرة"٢، واحتجاجهم بهذا اللفظ، نحو: "نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة، والمحاقلة، والمخابرة، وبيع الثمر حتى يبدو صلاحه، والمنابذة"٣ وسائر المناهي. وكذلك أوامره، وأقضيته، ورخصه، مثل: "وأَرْخَصَ في السَّلَمِ"٤

стр. 730

و "وضع الجوائح"١. وقد اشتهر هذا عنهم في وقائع كثيرة، مما يدل على اتفاقهم على الرجوع إلى هذه الألفاظ. واتفاق السلف على نقل هذه الألفاظ دليل على اتفاقهم على العمل بها، إذ لو لم يكن كذلك: لكان اللفظ مجملًا. ثم لو كانت القضية في شخص واحد: وجب التعميم، لما ذكرناه في المسألة الأخرى٢.

стр. 731

فصل: [الخطاب المضاف إلى الناس والمؤمنين يعم العبيد والنساء] وما ورد من خطاب مضافًا إلى "الناس" و"المؤمنين"١ دخل فيه العبد، لأنه من جملة من يتناوله اللفظ.

стр. 732

وخروجه عن بعض التكاليف١ لا يوجب رفع العموم فيه، كالمريض، والمسافر، والحائض. ويدخل النساء في الجمع المضاف إلى "الناس" وما لا يتبين فيه لفظ التذكير والتأنيث، كأدوات الشرط٢. ولا يدخلن فيما يختص بالذكور من الأسماء، كالرجال والذكور. فأما الجمع بالواو والنون، كالمسلمين، وضمير المذكرين، كقوله، تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ ٣ فاختار القاضي أنهن يدخلن فيه٤. وهو قول بعض الحنفية وابن داود٥. واختار أبو الخطاب والأكثرون: أنهن لا يدخلن فيه، لأن الله -تعالى- ذكر "المسلمات"٦ بلفظ متميز، فيما يثبته ابتداء، ويخصه بلفظ "المسلمين" لا يدخلن فيه إلا بدليل آخر، من قياس، أو كونه في معنى المنصوص، وما يجري مجراه٧.

стр. 733

ولنا: أنه متى اجتمع المذكر والمؤنث، غلب التذكير. ولذلك: لو قال، لمن بحضرته من الرجال والنساء: "قوموا واقعدوا" يتناول جميعهم. ولو قال: قوموا، وقمن، واقعدوا، واقعدن: عُدَّ تطويلًا ولكنه١. ويبينه قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾ ٢، وكان ذلك خطابًا لآدم وزجته والشيطان. وأكثر خطاب الله -تعالى- في القرآن بلفظ التذكير، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٣ و ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ ٤، و ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِين﴾ ٥، ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِين﴾ ٦، ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِين﴾ ٧ والنساء يدخلن في جملته. وذكره لهن بلفظ مفرد -تبيينًا وإيضاحًا- لا يمنع دخولهن في اللفظ

стр. 734

العام الصالح لهن، كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال﴾ ١ وهما من الملائكة. وقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ ٢ وقد يعطف العام على الخاص، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُم﴾ ٣ والمال عام في الكل.

стр. 735

فصل: [العام بعد التخصيص حجة] العام إذا دخله التخصيص يبقى حجة فيما لم يخص عند الجمهور. وقال أبو ثور١ وعيسى بن أبان٢: لا يبقى حجة٣؛ لأنه يصير مجازًا، فقد خرج الوضع من أيدينا، ولا قرينة تفصل وتحصر، فيبقى مجملًا.

стр. 736

ولنا: تمسك الصحابة ﵃ بالعمومات١، وما من عموم: إلا وقد تطرق إليه التخصيص -إلا اليسير- كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ٢، و ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣ فعلى قولهم٤، لا يجوز التمسك بعمومات القرآن أصلًا. ولأن لفظ "السارق" يتناول كل سارق بالوضع، فالمخصص صرف دلالته عن البعض، فلا تسقط دلالته عن الباقي، كالاستثناء. وقولهم: "يصير مجازًا" ممنوع٥. وإن سلم: فالمجاز دليل إذا كان معروفًا، لأنه يعرف منه المراد، فهو كالحقيقة.

стр. 737

وقولهم: "لا قرينة تفصل". قلنا: ليس كذلك، فإنا إنما نجعل اللفظ مجازًا بدليل التخصيص، فيختص الحكم به، دون ما عداه.

стр. 738

فصل: [العام بعد التخصيص حقيقة] واختار القاضي١ أنه حقيقة بعد التخصيص، وهو قول أصحاب الشافعي٢.

стр. 739

وقال قوم: يصير مجازًا على كل حال١؛ لأنه وضع للعموم، فإذا أريد به غير ما وضع له كان مجازًا٢. وإن لم يكن هذا هو المجاز فلا يبقى للمجاز معنى إذًا، ولا خلاف في أنه لو رد إلى ما دون أقل الجمع فقال: "لا تكلم الناس" وأراد "زيدًا" وحده كان مجازًا، وإن كان هو داخلًا فيه. وقال آخرون٣: إن خص بدليل منفصل٤ صار مجازًا، لما ذكرناه٥، وإن خص بلفظ متصل٦ فليس بمجاز، بل يصير الكلام بالزيادة كلامًا آخر، موضوعًا لشيء آخر، فإنا نقول: "مسلم" فيدل على واحد، ثم نزيد الواو والنون، فيدل على أمر زائد، ولا نجعله مجازًا، ثم نزيد الألف والنون في "رجل" فيصير صيغة أخرى بالزيادة. ولا فرق بين زيادة كلمة، أو زيادة حرف، فإذا قال: "السارق للنصاب يقطع" أو "يقطع السارق، إلا سارق دون النصاب" فلا مجاز فيه، بل مجموع هذا الكلام موضوع للدلالة على ما دل عليه، فقوله تعالى:

стр. 740

﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ ١ دل على تسعمائة وخمسين وضعًا، فكأن العرب وضعت لذلك عبارتين ويمكن أن يقال: ما صار بالوضع عبارة عن هذا القدر، بل بقي الألف للألف، والخمسون للخمسين، و"إلا" للرفع بعد الإثبات، فإذا رفعنا من الألف خمسين بقي تسعمائة وخمسون. أما زيادة الواو والنون: فلا معنى لها في نفسها، بخلاف هذا. ووجه قول القاضي: أن القرينة المنفصلة من الشرع كالقرينة المتصلة؛ لأن كلام الشارع يجب بناء بعضه على بعض، فهو كالاستثناء، وقد تبين الكلام فيه.
следующие страницы →