← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12010

روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان

ابن قدامة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ولنا: تمسك الصحابة ﵃ بالعمومات١، وما من عموم: إلا وقد تطرق إليه التخصيص -إلا اليسير- كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ٢، و ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣ فعلى قولهم٤، لا يجوز التمسك بعمومات القرآن أصلًا. ولأن لفظ "السارق" يتناول كل سارق بالوضع، فالمخصص صرف دلالته عن البعض، فلا تسقط دلالته عن الباقي، كالاستثناء. وقولهم: "يصير مجازًا" ممنوع٥. وإن سلم: فالمجاز دليل إذا كان معروفًا، لأنه يعرف منه المراد، فهو كالحقيقة.

стр. 737

وقولهم: "لا قرينة تفصل". قلنا: ليس كذلك، فإنا إنما نجعل اللفظ مجازًا بدليل التخصيص، فيختص الحكم به، دون ما عداه.

стр. 738

فصل: [العام بعد التخصيص حقيقة] واختار القاضي١ أنه حقيقة بعد التخصيص، وهو قول أصحاب الشافعي٢.

стр. 739

وقال قوم: يصير مجازًا على كل حال١؛ لأنه وضع للعموم، فإذا أريد به غير ما وضع له كان مجازًا٢. وإن لم يكن هذا هو المجاز فلا يبقى للمجاز معنى إذًا، ولا خلاف في أنه لو رد إلى ما دون أقل الجمع فقال: "لا تكلم الناس" وأراد "زيدًا" وحده كان مجازًا، وإن كان هو داخلًا فيه. وقال آخرون٣: إن خص بدليل منفصل٤ صار مجازًا، لما ذكرناه٥، وإن خص بلفظ متصل٦ فليس بمجاز، بل يصير الكلام بالزيادة كلامًا آخر، موضوعًا لشيء آخر، فإنا نقول: "مسلم" فيدل على واحد، ثم نزيد الواو والنون، فيدل على أمر زائد، ولا نجعله مجازًا، ثم نزيد الألف والنون في "رجل" فيصير صيغة أخرى بالزيادة. ولا فرق بين زيادة كلمة، أو زيادة حرف، فإذا قال: "السارق للنصاب يقطع" أو "يقطع السارق، إلا سارق دون النصاب" فلا مجاز فيه، بل مجموع هذا الكلام موضوع للدلالة على ما دل عليه، فقوله تعالى:

стр. 740

﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ ١ دل على تسعمائة وخمسين وضعًا، فكأن العرب وضعت لذلك عبارتين ويمكن أن يقال: ما صار بالوضع عبارة عن هذا القدر، بل بقي الألف للألف، والخمسون للخمسين، و"إلا" للرفع بعد الإثبات، فإذا رفعنا من الألف خمسين بقي تسعمائة وخمسون. أما زيادة الواو والنون: فلا معنى لها في نفسها، بخلاف هذا. ووجه قول القاضي: أن القرينة المنفصلة من الشرع كالقرينة المتصلة؛ لأن كلام الشارع يجب بناء بعضه على بعض، فهو كالاستثناء، وقد تبين الكلام فيه.

стр. 741

فصل: [فيما ينتهي إليه التخصيص] ويجوز تخصيص العموم على أن يبقى واحد١. وقال الرازي٢ والقفال٣ والغزالي: لا يجوز النقصان من أقل

стр. 742

الجمع؛ لأنه يخرج به عن الحقيقة١. ولنا: أن القرينة المتصلة كالقرينة المنفصلة وفي القرينة المتصلة يجوز ذلك، فكذلك في المنفصلة٢.

стр. 743

فصل: [الخطاب العام يتناول من صدر منه] والمخاطب يدخل تحت الخطاب بالعام١. وقال قوم: لا يدخل٢، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٣. ولو قال قائل لغلامه: "من دخل الدار فأعطه درهمًا" لم يدخل في ذلك. وهذا فاسد٤؛ لأن اللفظ عام، والقرينة هي التي أخرجت المخاطب فيما ذكروه. ويعارضه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٥، ومجرد كونه مخاطبًا ليس بقرينة قاضية بالخروج عن العموم، والأصل اتباع العموم. واختار أبو الخطاب: أن الآمر لا يدخل في الأمر؛ لأن الأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه، وليس يتصور كون الإنسان دون نفسه، فلم توجد حقيقته٦.

стр. 744

ولأن مقصود الآمر: الامتثال، وهذا لا يكون إلا من الغير. وقال القاضي: يدخل النبي ﷺ فيما أمر به. ويمكن أن تنبني هذه المسألة على أن ما ثبت في حق الأمة من حكم، شاركهم النبي ﷺ في ذلك الحكم٢. ولذلك لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، ثم لم يفعل، سألوه عن ترك الفسخ، فبين لهم عذره٣. وقد عاب الله -تعالى- الذين يأمرون بالبر وينسون أنفسهم٤. وقال -في حق شعيب- ﵇: ﴿....وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ ٥. وفي الأثر: "إذا أمرت بمعروف فكن من آخذ الناس به، وإذا نهيت عن منكر فكن من أترك الناس له، وإلا هلكت"٦.

стр. 745

فصل: [العام يجب اعتقاد عمومه في الحال] اللفظ العام يجب اعتقاد عمومه في الحال١، في قول أبي بكر٢، والقاضي٣. وقال أبو الخطاب: لا يجب حتى يبحث فلا يجد ما يخصصه ٤. قال ٥: وقد أومأ إليه٦ في رواية صالح٧ وأبي الحارث٨.

стр. 746

وقال القاضي: فيه روايتان١. وعن الحنفية: كقول أبي بكر٢ وعنهم: أنه إن سمع من النبي ﷺ على طريق تعليم الحكم، فالواجب اعتقاد عمومه، وإن سمعه من غيره فلا٣. وعن الشافعية كالمذهبين٤ قالوا٥: لأن لفظ العموم يفيد الاستغراق مشروطًا بعدم المخصص، ونحن لا نعلم عدم إلا بعد أن نطلب فلا نجد، ومتى لم يوجد الشرط لا يوجد المشروط. وكذلك كل دليل أمكن أن يعارضه دليل، فهو دليل بشرط سلامته عن المعارض، فلا بد من معرفة الشرط، والجمع بين الأصل والفرع بعلة مشروط بعدم الفرق، فلا بد من معرفة عدمه٦. ثم اختلفوا إلى متى يجب البحث؟

стр. 747

فقال قومه: يكفيه أن يحصل غلبة الظن بالانتفاء، عند الاستقصاء في البحث، كالباحث عن المتاع في البيت، إذا لم يجده: غلب على ظنه انتفاؤه. وقال آخرون: لا بد من اعتقاد جازم، وسكون نفس، بأنه لا مخصص، فيجوز الحكم حينئذ. أما إذا كان تشعر نفسه بدليل شذ عنه، وتخيل في صدره إمكانه، فكيف يحكم بدليل يجوز أن يكون الحكم به حرامًا؟! ولنا: أن اللفظ موضوع للعموم، فوجب اعتقاد موضوعه، كأسماء الحقائق، والأمر والنهي. ولأن اللفظ عام في الأعيان والأزمان، ثم يجب اعتقاد عمومه في الزمان، ما لم يرد نسخ، كذلك في الأعيان. وقولهم١: "إن دلالته مشروطة بعدم القرينة".

стр. 748

قلنا: لا نسلم، وإنما القرينة مانعة من حمل اللفظ على موضوعه، فهو كالنسخ، يمنع استمرار الحكم. والتأويل يمنع حمل الكلام على حقيقته. واحتمال وجوده لا يمنع من اعتقاد الحقيقة. ولأن التوقف يفضي إلى ترك العمل بالدليل؛ فإن الأصول غير محصورة، ويجوز أن لا يجد اليوم، ويجده بعد اليوم، فيجب التوقف أبدًا، وذلك غير جائز، والله أعلم. فصل في الأدلة التي يخص بها العموم لا نعلم اختلافًا في جواز تخصيص العموم١. وكيف ينكر ذلك مع الاتفاق على تخصيص قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢ و ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٣ و ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٤؟

стр. 749

وقد ذكرنا أن أكثر العمومات مخصصة١. وأدلة التخصيص تسعة٢: الأول: دليل الحس٣. وبه خصص قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ ٤ خرج منه السماء والأرض وأمور كثيرة بالحس٥.

стр. 750

الثاني: دليل العقل. وبه خصص قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ١ لدلالة العقل على استحالة تكليف من لا يفهم. فإن قيل: العقل سابق على أدلة السمع، والمخصص ينبغي أن يتأخر؛ لأن التخصيص: إخراج ما يمكن دخوله تحت اللفظ، وخلاف المعقول لا يمكن تناول اللفظ له. قلنا: نحن نريد بالتخصيص: الدليل المعرّف إرادة المتكلم، وأنه أراد باللفظ الموضوع للعموم معنى خاصًّا، والعقل يدل على ذلك، وإن كان متقدمًا٢. فإن قلتم: لا يسمى ذلك تخصيصًا، فهو نزاع في عبارة ٣. وقولهم: "لا يتناوله اللفظ".

стр. 751

قلنا: يتناوله من حيث اللسان لكن لما وجب الصدق في كلام الله -تعالى- تبين أنه يمتنع دخوله تحت الإرادة، مع شمول اللفظ له وضعًا١. الثالث: الإجماع٢. فإن الإجماع قاطع، والعام يتطرق إليه الاحتمال. وإجماعهم على الحكم في بعض صور العام على خلاف موجب العموم: لا يكون إلا عن دليل قاطع بلغهم في نسخ اللفظ، إن كان أريد به العموم، أو عدم دخوله تحت الإرادة عند ذكر العموم٣.

стр. 752

الرابع: النص الخاص يخصص اللفظ العام: فقول النبي، ﷺ : "لَا قَطْعَ إِلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ" ١ خصص عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٢. وقوله ﵇: "لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ" ٣ خصص عموم قوله: "فِيما سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ" ٤.

стр. 753

ولا فرق بين أن يكون العام كتابًا أو سنة١ أو متقدمًا أو متأخرًا٢. وبهذا قال أصحاب الشافعي.

стр. 754

وقد روي عن أحمد ﵀ رواية أخرى: أن المتأخر يقدم، خاصًّا كان أو عامًّا. وهو قول الحنفية١، لقول ابن عباس: "كنا نأخذ بالأحداث فالأحداث من أمر رسول الله ﷺ "٢.

стр. 755

ولأن العام يتناول الصور التي تحتهن كتناول اللفظ لها بالتنصيص عليها، ولو نص على الصورة الخاصة: لكان نسخًا، فكذلك إذا عم. وهذا فيما إذا علم المتأخر. فإن جهل: فهذه الرواية تقتضي: أن يتعارض الخاص وما قابله من العام ولا يقضي بأحدهما على الآخر. وهي قول طائفة. لأنه يحتمل أن يكون العام ناسخًا، لكونه متأخرًا. ويحتمل أن يكون مخصوصًا، فلا سبيل إلى التحكم١. وقال بعض الشافعية: لا يخصص عموم السنة بالكتاب٢.

стр. 756

وخرّجه١ ابن حامد رواية لنا، لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢، لأن المبيِّن تابع للمبيَّن، فلو خصصنا السنة بالقرآن صار تابعًا لها٣. وقالت طائفة من المتكلمين: لا يخصص عموم الكتاب بخبر الواحد. وقال عيسى بن أبان: يخص العام المخصوص، دون غيره٤. وحكاه القاضي عن أصحاب٥ أبي حنيفة، لأن الكتاب مقطوع به، والخبر مظنون، فلا يترك به المقطوع، كالإجماع لا يخص بخبر الواحد. وقال بعض الواقفية: بالتوقف؛ لأن خبر الواحد مظنون الأصل، مقطوع المعنى.

стр. 757

واللفظ العام من الكتاب مقطوع الأصل، مظنون الشمول، فهما متقابلان، ولا دليل على الترجيح١. ولنا في تقديم الخاص مسلكان٢: أحدهما: أن الصحابة ﵃ ذهبت إليه: فخصصوا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٣ برواية أبي هريرة عن النبي، ﷺ : "لا تُنْكَحُ المرأةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِها" ٤. وخصصوا آية الميراث بقوله: "لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَاَ الْكَافِرُ

стр. 758

المُسْلِمَ" ١، " وَلَاَ يَرِثُ الْقَاتِلُ " ٢، و "إنَّا مَعَاشِرَ الْْأَنْبِياءِ لَا نُورَثُ" ٣. وخصصوا عموم الوصية٤ بقوله: "لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" ٥. وعموم قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ٦، بقوله: "حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا" ٧.

стр. 759

إلى نظائر كثيرة لا تحصى، مما يدل على أن الصحابة والتابعين كانوا يسارعون إلى الحكم بالخاص، من غير اشتغال بطلب تاريخ، ولا نظر في تقديم ولا تأخير. الثاني: أن إرادة الخاص بالعام غالبة معتادة، بل هي الأكثر١، واحتمال النسخ كالنادر البعيد٢، وكذلك احتمال تكذيب الراوي، فإنه عدل جازم في الرواية.

стр. 760

وسكون النفس إلى العدل في الرواية فيما هو نص، كسكونها إلى عدلين في الشهادات. ولا يخفى أن احتمال صدق أبي بكر ﵁ في روايته عن النبي، ﷺ : "نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنبياء لا نورث" أرجح من احتمال أن تكون الآية سيقت لبيان حكم ميراث النبي ﷺ -١. فلذلك: عمل به الصحابة، والعمل بالراجح متعين. فأما قول من قال بالتعارض والوقف: فهو مطالبة بالدليل لا غير٢. وقد ذكرنا الدليل من وجهين، وبينا أن احتمال إرادة الخصوص أرجح من احتمال النسخ؛ فإن أكثر العمومات مخصصة وأكثر الأحكام مقررة غير منسوخة. وكون النبي ﷺ مبينًا لا يمنع من حصوله البيان بغيره، فقد أخبر الله -تعالى- أنه أنزل الكتاب تبيانًا لكل شيء٣. وقولهم: "المبيِّن تابع" غير صحيح فإن الكتاب يبين بعضه بعضًا، والسنة يخص بعضها بعضًا، وليس المخصص تابعًا للمخصوص. وقد بينا -فيما تقدم- جواز التخصيص بدليل سابق٤، وبالإجماع ويجوز تخصيص الآحاد بالمتواتر، وليس فرعًا له.

стр. 761

وقولهم: "إن الكتاب مقطوع به"١ قلنا: دخول المخصوص في العموم، وكونه مرادًا ليس بمقطوع، بل هو مظنون ظنًّا ليس بالقوى، بل ظن الصدق أقوى منه، لما ذكرنا. ثم إن براءة الذمة قبل السمع مقطوع بها، بشرط أن لا يرد سمع، وتشتغل بخبر الواحد. جواب آخر: آن وجوب العمل بخبر الواحد مقطوع به بالإجماع، وإنما الاحتمال في صدق الراوي، ولا تكليف علينا في اعتقاد صدقه، فإن تحليل البضع٢، وسفك الدم واجب٣ بقول عدلين قطعًا، مع أنا لا نقطع بصدقهما، كذا الخبر. الخامس: المفهوم بالفحوى ودليل الخطاب٤. فإن الفحوى قاطع كالنص، ودليل الخطاب حجة كالنص، فيخص عموم قوله، ﵇: "في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ" ٥ بمفهوم قوله: "في

стр. 762

سائِمةِ الغَنَمِ زَكَاةٌ" في إخراج المعلوفة٢. السادس: فعل رسول الله، ﷺ ، كتخصيص عموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ٣ بما روت عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض"٤. ولذلك: ذهب بعض الناس إلى تخصيص قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ٥ برجمه لماعز، وتركه جلده٦.

стр. 763

السابع: تقرير رسول الله ﷺ واحدًا من أمته بخلاف موجب العموم وسكوته عليه، فإن سكوت النبي ﷺ عن الشيء يدل على جوازه، فإنه لا يحل له الإقرار على الخطأ، وهو معصوم١. وقد بينا أن إثبات الحكم في حق واحد يعم الجميع٢. الثامن: قول الصحابي، عند من يراه حجة مقدمًا على القياس

стр. 764

يخص به العموم، فإن القياس يخصص به، فقول الصحابي المقدم عليه أولى١. فإن قيل: فالصحابي يترك مذهبه للعموم، كترك ابن عمر مذهبه لحديث رافع بن خديج في المخابرة٢، فغيره يجب أن يتركه. قلنا: إنما تركه لنص عارضه، لا للعموم. التاسع: قياس نص خاص إذا عارض عموم نص آخر: فيه وجهان: أحدهما: يخص به العموم. وهو قول أبي بكر٣، والقاضي٤، وقول الشافعي، وجماعة من الفقهاء والمتكلمين٥. والوجه الآخر: لا يخص به العموم. وهو قول أبي إسحاق بن شاقلا وجماعة من الفقهاء، لحديث معاذ٦.

стр. 765

ولأن الظنون المستفادة من النصوص أقوى من الظنون المستفادة من المعاني المستنبطة. ولأن العموم أصل، والقياس فرع، فلا يقدم على الأصل. ولأن القياس إنما يراد لطلب حكم ما ليس منطوقًا به، فما هو منطوق به لا يثبت بالقياس. وقال قوم: يقدم جلي القياس على العموم، دون خفية١، لأن الجلي أقوى من العموم، والخفي ضعيف. والعموم -أيضًا- يضعف تارة بأن لا يظهر منه قصد التعميم، ويظهر ذلك بأن يكثر المخرج منه، ويتطرق إليه تخصيصات كثيرة، فإن دلالة قوله: "لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بالْبُرِّ" ٢ على تحريم بيع الأرز، أظهر من دلالة قوله

стр. 766

تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ١ على إباحة بيعه متفاضلًا. ودلالة تحريم الخمر على تحريم النبيذ بقياس الإسكار، أغلب في الظن من دلالة قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ... ﴾ ٢ على إباحته. فإن تقابل الظنان: وجب تقديم أقواهما، كالعمل في العمومين، والقياسين المتقابلين.

стр. 767

فصل: [تعريف القياس الجلي والخفي] ثم القائلون بهذا اختلفوا في القياس الجلي. ففسّره قوم: بأنه قياس العلة، والخفي: بقياس الشبه٣. وقيل: الجلي: ما يظهر فيه المعنى، كقوله، ﵇: "لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" ٤، وتعليل ذلك بما يدهش الفكر

стр. 768

حتى يجري ذلك في الجائع١. وقال عيسى بن أبان: يجوز ذلك في العام المخصوص، دون غيره، لضعف العام بالتخصيص٢. وحكاه القاضي عن أصحاب٣ أبي حنيفة. وجه الأول٤. أن صيغة العموم محتملة للتخصيص، معرضة له، والقياس غير محتمل، فيقضي به على المحتمل، كالمجمل مع المفسر. فأما حديث معاذ٥: فإن كون هذه الصورة مرادة باللفظ العام غير مقطوع به، والقياس يدلنا على أنها غير مرادة. ولهذا جاز ترك عموم الكتاب بخبر الواحد، وبالخبر المتواتر اتفاقًا، ورتبة السنة بعد رتبة الكتاب في الخبر٦، والسنة لا يترك بها الكتاب، لكن تكون مبينة له، والتبيين يكون تارة باللفظ، وتارة بمعقول اللفظ.

стр. 769

وقولهم: "إن الظنون المستفادة من النصوص أقوى". فلا نسلم ذلك على الإطلاق. وقولهم: "لا يترك الأصيل بالفرع". قلنا: هذا القياس فرع نص آخر، لا فرع النص المخصوص به، والنص يخص تارة بنص آخر، وتارة بمعقول النص. ثم يلزم: أن لا يخصص عموم القرآن بخبر الواحد١. وقولهم: "هو منطوق به"٢. قلنا: كونه منطوقًا به أمر مظنون، فإن العام إذا أريد به الخاص: كان نطقًا بذلك القدر، وليس نطقًا بما ليس بمراد. ولهذا جاز التخصيص بدليل العقل القاطع، مع أن دليل العقل لا يقابل النص الصريح من الشارع؛ لأن الأدلة لا تتعارض.

стр. 770

فصل: في تعارض العمومين إذا تعارض عمومان: فأمكن الجمع بينهما، بأن يكون أحدهما أخص من الآخر، فيقدم الخاص١. أو يكون أحدهما يمكن حمله على تأويل صحيح، والآخر غير ممكن تأويله، فيجب التأويل في المؤول، ويكون الآخر دليلًا على المراد منهن جمعًا بين الحديثين، إذ هو أولى من إلغائهما. وإن تعذر الجمع بينهما، لتساويهما، ولكونهما متناقضين، كما لو قال: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقتلُوه" ٢، "مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَلَا تَقْتُلُوه": فلا بد أن يكون أحدهما ناسخًا للآخر. فإن أشكل التاريخ طلب الحكم من دليل غيرهما. وكذلك لو تعارض عمومان، كل واحد عام من وجه خاص من وجه، مثل قوله، ﵇: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَها فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" ٣، فإنه يتناول الفائتة بخصوصها، ووقت النهي بعمومه، مع

стр. 771

قوله: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ" ١ يتناول الفائتة بعمومه، والوقت بخصوصه. وقوله: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوه" مع قوله: "نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ" ٢. فهما سواء، لعدم ترجيح أحدهما على الآخر، فيتعارضان، ويعدل إلى دليل غيرهما.

стр. 772

وقال قوم: لا يجوز تعارض عمومين خاليين عن دليل الترجيح، لأنه يؤدي إلى وقوع الشبهة، وهو منفر عن الطاقة. قلنا: بل ذلك جائز، ويكون مبيَّنًا للعصر الأول. وإنما خفي علينا، لطول المدة، واندراس القرائن والأدلة، ويكون ذلك محنة وتكليفًا علينا، لنطلب دليلًا آخر، ولا تكليف في حقنا إلا بما بلغنا. وأما التنفير: فباطل، فقد نفر طائفة من الكفار من النسخ، ثم لم يدل ذلك على استحالته، والله أعلم.

стр. 773

فصل: في الاستثناء وصيغته: "إلا" و"غير" و"سوى" و"عدا" و"ليس" و"لا يكون" و"حاشا" و"خلا". وأمُّ الباب "إلا"١ وحدّه: أنه قول ذو صيغة متصل يدل على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول٢

стр. 774

ويفارق الاستثناء التخصيص١ بشيئين: أحدهما: في اتصاله٢. والثاني: أنه يتطرق إلى النص، كقوله: "عشرة إلا ثلاثة"٣. والتخصيص بخلافه

стр. 775

ويفارق النسخ -أيضًا- في ثلاثة أشياء: أحدها: في اتصاله. والثاني: أن النسخ رافع لما دخل تحت اللفظ، والاستثناء يمنع أن يدخل اللفظ ما لولاه لدخل١. والثالث: أن النسخ يرفع جميع حكم النص، والاستثناء إنما يجوز في البعض٢.
следующие страницы →