قوله: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ" ١ يتناول الفائتة بعمومه، والوقت بخصوصه.
وقوله: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوه" مع قوله: "نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ" ٢.
فهما سواء، لعدم ترجيح أحدهما على الآخر، فيتعارضان، ويعدل إلى دليل غيرهما.
стр. 772
وقال قوم: لا يجوز تعارض عمومين خاليين عن دليل الترجيح، لأنه يؤدي إلى وقوع الشبهة، وهو منفر عن الطاقة.
قلنا: بل ذلك جائز، ويكون مبيَّنًا للعصر الأول.
وإنما خفي علينا، لطول المدة، واندراس القرائن والأدلة، ويكون ذلك محنة وتكليفًا علينا، لنطلب دليلًا آخر، ولا تكليف في حقنا إلا بما بلغنا.
وأما التنفير: فباطل، فقد نفر طائفة من الكفار من النسخ، ثم لم يدل ذلك على استحالته، والله أعلم.
стр. 773
فصل: في الاستثناء
وصيغته: "إلا" و"غير" و"سوى" و"عدا" و"ليس" و"لا يكون" و"حاشا" و"خلا".
وأمُّ الباب "إلا"١
وحدّه: أنه قول ذو صيغة متصل يدل على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول٢
стр. 774
ويفارق الاستثناء التخصيص١ بشيئين:
أحدهما: في اتصاله٢.
والثاني: أنه يتطرق إلى النص، كقوله: "عشرة إلا ثلاثة"٣.
والتخصيص بخلافه
стр. 775
ويفارق النسخ -أيضًا- في ثلاثة أشياء:
أحدها: في اتصاله.
والثاني: أن النسخ رافع لما دخل تحت اللفظ، والاستثناء يمنع أن يدخل اللفظ ما لولاه لدخل١.
والثالث: أن النسخ يرفع جميع حكم النص، والاستثناء إنما يجوز في البعض٢.
стр. 776
فصل: [في شروط الاستثناء]
ويشترط في الاستثناء ثلاثة شروط:
أحدهما: أن يتصل بالكلام، بحيث لا يفصل بينهما كلام، ولا سكوت يمكن الكلام فيه؛ لأنه جزء من الكلام يحصل به الإتمام، فإذا انفصل: لم يكن إتمامًا، كالشرط، وخبر المبتدأ، فإنه لو قال: "أكرم من دخل داري" ثم قال، بعد شهر: "إلا زيدًا": لم يفهم، كما لو قال: "زيدًا" ثم قال، بعد شهر: "قائم" لم يعد خبرًا، وكذلك الشرط.
وحكي عن ابن عباس: أنه يجوز أن يكون منفصلًا٣.
стр. 777
وعن عطاء١ والحسن٢: جواز تأخيره ما دام في المجلس٣. وأومأ إليه أحمد ﵀ في الاستثناء في اليمين٤.
والأولى: ما ذكرناه٥.
الشرط الثاني: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه٦
стр. 778
فأما الاستثناء من غير الجنس: فمجاز لا يدخل في الإقرار، ولو أقر بشيء واستثنى من غير جنسه: كان استثناؤه باطلًا١.
وهذا قول بعض الشافعية.
وقال بعضهم٢، ومالك وأبو حنيفة، وبعض المتكلمين: يصح؛ لأنه قد جاء في القرآن واللغة الفصيحة.
قال الله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا﴾ ٣، و ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ... ﴾ ٤، ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ ٥.
وقال الشاعر٦:
...................وَما بالرَّبْعِ مِنْ أَحَدٍ
стр. 779
إلَّا الأَوَاريّ.....١
[وقال آخر] ٢:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس٣
ومثله كثير.
стр. 780
ولنا: أن الاستثناء: إخراج بعض ما يتناوله المستثنى منه بدليل: أنه مشتق من قولهم: "ثنيت فلانًا عن رأيه" و"ثنيت العنان" فيشعر بصرف الكلام عن صوبه١ الذي كان يقتضيه سياقه٢.
فإذا ذكر ما لا دخول له في الكلام الأول، لولا الاستثناء، فما صرف الكلام ولا ثناه عن وجه استرساله.
فتكون تسميته استثناء تجوزًا باللفظ عن موضوعه، وتكون "إلا" ههنا بمعنى "لكن"٣.
قال هذا ابن قتيبة٤. وقال: هو قول سيبويه٥، وقاله غيرهما من أهل العربية.
стр. 781
وإذا كانت بمعنى "لكن" لم يكن لها في الإقرار معنى١، فلم يصح أن ترفع شيئًا منه، فتكون لاغية، فإن "لكن" إنما تدخل للاستدراك بعد الجحد، والإقرار ليس بجحد، فلا يصح فيه.
ولذلك: لم يأت الاستثناء المنقطع في إثبات بحال.
الشرط الثالث: أن يكون المستثنى أقل من النصف.
وفي استثناء النصف وجهان.
стр. 782
وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين: يجوز استثناء الأكثر.
ولا نعلم خلافًا في أنه: لا يجوز استثناء الكل١.
واحتج من جوزه -أي: جوز الأكثر- بقوله تعالى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ٢.
وقال في أخرى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ .
فاستثنى كل واحد منهما من الآخرن وأيهما كان الأكثر: حصل المقصود٤.
стр. 783
وقال الشاعر:
أدُّوا التي نَقَصَتْ تسعين مِنْ مائةٍ ... ثم ابْعَثوا حكمًا بالحقّ قَوَّاما١
ولأنه إذا جاز استثناء الأقل، جاز استثناء الأكثر.
ولأنه رفع بعض ما تناوله اللفظ، فجاز في الأكثر كالتخصيص.
ولنا: أن الاستثناء لغة، وأهل اللغة نفوا ذلك وأنكروه٢.
قال أبو إسحاق الزجاج٣: لم يأت الاستثناء إلا في القليل من الكثير٤.
وقال ابن جني٥: لو قال قائل: "مائة إلا تسعة وتسعين" ما كان متكلمًا بالعربية، وكان كلامه عيًّا من الكلام ولكنة.
стр. 784
وقال القتيبي١: يقال: "صمت الشهر كله إلا يومًا واحدًا، ولا يقال: صمت الشهر إلا تسعة وعشرين يومًا" ويقول: "لقيت القوم جميعهم إلا واحدًا أو اثنين"، ولا يجوز أن يقول: "لقيت القوم إلا أكثرهم".
إذا ثبت أنه ليس من اللغة: فلا يقبل.
ولو جاز هذا: لجاز في كل ما كرهوه وقبحوه.
وأما الآية التي احتجوا بها: فقد أجيب عن احتجاجهم بها بأجوبة.
منها: أنه استثناء في إحدى الآيتين المخلصين من بني آدم وهم الأقل.
وفي الأخرى: استثناء الغاوين من جميع العباد وهم الأقل، فإن الملائكة من عباد الله، قال الله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ٢ وهم غير غاوين٣.
ومنها: أنه استثناء منقطع في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ٤ بمعنى "لكن" بدليل أنه قال في آية أخرى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ ... ﴾ ٥
стр. 785
وأما البيت فليس فيه استثناء.
مع أنه قال ابن فصال النحوي١: هذا بيت مصنوع ولم يثبت عن العرب.
وأما القياس في اللغة٢: فغير جائز. ولو كان جائزًا: فهو جمع بغير علة٣ ومثل هذا لو جاز استثناء البعض، جاز استثناء الكل.
ويعارضه: بأنه إذا لم يجز استثناء الكل، فلا يجوز استثناء الأكثر.
والفرق بين القليل والكثير: أن العرب استعملته في القليل دون الكثير، فلا يقاس في لغتهم ما أنكروه على ما حسّنوه وجوّزوه.
стр. 786
فصل: [في حكم الاستثناء بعد جمل متعددة]
إذا تعقب الاستثناء جملًا، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا....﴾ ، وقول النبي، ﷺ : "لا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ في سُلْطانِه، وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتَه إلَّا بإِذْنِه" ٢: رجع الاستثناء إلى جميعها، وهو قول أصحاب الشافعي٣.
وقال الحنفية: يرجع إلى أقرب المذكورين٤ لأمور ثلاثة:
стр. 787
أحدهما: أن العموم يثبت في كل صورة بيقين، وعود الاستثناء على جميعها مشكوك فيه، فلا يزيل -أي: العموم- المتيقن بالشك١.
стр. 788
الثاني: أن الاستثناء إنما وجب رده إلى ما قبله، ضرورة أنه لا يستقل بنفسه، فإذا تعلق بما يليه: فقد استقل وأفاد، فلا حاجة إلى تعلقه بما قبل ذلك، فلا نعلقه به، وصار كالاستثناء من الاستثناء.
والثالث: أن الجملة مفصول بينها وبين الأولى، فأشبه ما لو حصل فصل بينهما بكلام آخر١.
وأدلتنا ثلاثة:
أحدهما: أن الشرط إذا تعقب جملًا: عاد إلى جميعها، كقوله "نسائي طوالق، وعبيدي أحرار إن كلمتُ زيدًا" فكذلك الاستثناء، فإن الشرط والاستثناء سيّان٢ في تعلقهما بما قبلهما وبغيرهما له، ولهذا يسمى التعليق بشرط مشيئة الله: استثناء، فما ثبت لأحدهما ثبت في الآخر.
فإن قيل: الفرق بينهما: أن الشرط رتبته التقديم، بخلاف الاستثناء. قلنا: إذا تأخر الشرط فلا فرق بينهما.
ثم إن كان متقدمًا: فلم لا يتعلق بالجملة الأولى، دون ما بعدها؟
فإذا تعلق بجميع الجمل -تقدم أو تأخر- وكذلك الاستثناء، فإنه
стр. 789
مساو للشرط في حال تأخره١.
الثاني: اتفاق أهل اللغة على أن تكرار الاستثناء عقيب كل جملة٢ عيٌّ ولكنة، ولو لم يعد الاستثناء إلى الجميع، لم يقبح ذلك، بل كان متعينًا لازمًا فيما يريد فيه الاستثناء من جميع الجمل.
الثالث: أن العطف بالواو يوجب نوعًا من الاتحاد بين المعطوف والمعطوف عليه، فتصير الجمل كالجملة الواحدة، فيصير كأنه قال: "اضرب الجماعة الذين هم قتلة وسرّاق إلا من تاب" ولا فرق بين هذا وبين قوله: "اضرب من قتل وسرق إلا من تاب"٣.
стр. 790
وقولهم: "إن التعميم مستيقن": ممنوع، فإن العموم والإطلاق لا يثبت قبل تمام الكلام، وما تم حتى أردف باستثناء يرجع إليه١.
ثم يبطل بالشرط والصفة، وقد سلم أكثرهم عموم ذلك.
ولما ذكر الله -تعالى- خصال كفارة اليمين الثلاثة، ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ ٢: رجع ذلك إلى جميعها.
وقولهم: "إن الاستثناء إنما تعلق بما قبله ضرورة" ممنوع، بل إنما رجع إلى ما قبله، لصلاحيته لذلك٣.
стр. 791
ثم يبطل -أيضًا- بالشرط والصفة١.
أما الاستثناء من الاستثناء٢: فلم يمكن عوده إلى الأول، لأن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي٣، فتعذر النفي من النفي.
وهكذا كل ما فيه قرينة تصرفه عن الرجوع، لا يرجع على الأول، كقوله تعالى: ﴿ ... فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ ٤ لا يعود إلى التحرير، لأن صدقتهم إنما تكون بمالهم، فالعتق ليس حقًّا لهم.
فصل: في الشرط
الشرط: ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده.
стр. 792
والعلة: يلزم من وجودها وجود المعلول، ولا يلزم من عدمها عدمه في الشرعيات.
والشرط: عقلي، وشرعي، ولغوي:
فالعقلي: كالحياة للعلم، والعلم للإرادة.
والشرعي: كالطهارة للصلاة، والإحصان للرجم.
واللغوي: كقوله: "إن دخلت الدار فأنت طالق" و"إن جئتني أكرمتك" مقتضاه في اللغة: اختصاص الإكرام بالمجيء، فينزل منزلة التخصيص والاستثناء.
والاستثناء والشرط يغير الكلام عما كان يقتضيه لولاه حتى يجعله متكلمًا بالباقي، لا أنه يخرج من الكلام ما دخل فيه؛ فإنه لو دخل لما خرج١. فإذا قال: "أنت طالق إن دخلت الدار" معناه: أنك عند الدخول طالق.
وقوله: "له عشرة إلا ثلاثة" معناه: له عليّ سبعة، فإنه لو ثبت له عليه عشرة: لما قدر على إسقاط ثلاثة، ولو قدر على ذلك بالكلام
стр. 793
المتصل: لقدر عليه بالمنفصل، فيصير موضوع الكلام ذلك.
فقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ١ لا حكم له قبل إتمام الكلام، فإذا تم كان الكلام مقصورًا على من وجد منه السهو والرياء، لا أنه دخل فيه كل مصلٍّ، ثم خرج البعض، كذلك الاستثناء والشرط.
стр. 794
فصل: في المطلق والمقيد
المطلق: هو المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه١، وهي النكرة في سياق الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٢.
стр. 795
وقد يكون في الخبر، كقوله، ﵇: "لا نِكَاحَ إلَّا بِوَليٍّ" ١.
والمقيد: هو المتناول لمعيّن، أو غير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ٣ قيد الرقبة بالإيمان، والصيام بالتتابع.
وقد يكون اللفظ مطلقًا مقيدًا بالنسبة٤، كقوله تعالى:
стр. 796
﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ١ مقيدة بالإيمان، مطلقة بالنسبة إلى السلامة وسائر الصفات.
ويسمى الفعل مطلقًا، نظرًا إلى ما هو من ضرورته من: الزمان، والمكان، والمصدر، والمفعول به، والآلة فيما يفتقر إلى الآلة والمحل للأفعال المتعدية، وقد يتقيد بأحدها، دون بقيتها٢ والله أعلم.
стр. 797
فصل: [في حمل المطلق على المقيد]
إذا ورد لفظان: مطلق ومقيد، فهو على ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
أن يكون في حكم واحد، بسبب واحد، كقوله، ﵇: "لا نِكَاحَ إلَّا بِوَليٍّ" ٣، وقال: "لا نِكَاحَ إلَّا بِوَليٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهدَيْ عَدْلٍ" ٤، فيجب حمل المطلق على المقيد.
стр. 798
وقال أبو حنيفة: لا يحمل عليه؛ لأنه نسخ، فإن الزيادة على النص نسخ، فلا سبيل إلى النسخ بالقياس١.
وقد بينا فساد هذا٢، فإن قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٣ ليس بنص في إجزاء الكافرة٤، بل هو مطلق يعتقد ظهور عمومه، مع تجويز الدليل على خصوصه، والتقييد صريح في الاشتراط، فيجب تقديمه.
стр. 799
القسم الثاني: أن يتحد الحكم ويختلف السبب، كالعتق في كفارة الظهار، والقتل، قيد الرقبة في كفارة القتل بالإيمان، وأطلقها في الظهار.
فقد روي عن الإمام أحمد ﵀ ما يدل على أن المطلق لا يحمل على المقيد، وهو اختيار أبي إسحاق بن شاقلا، وقول جل الحنفية، وبعض الشافعية١.
واختار القاضي: حمل المطلق على المقيد٢.
وهو قول المالكية٣، وبعض الشافعية٤، لأن الله -تعالى- قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٥، وقال في المداينة:
стр. 800
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ١، ولم يذكر عدلان ولا يجوز إلا عدل، فظاهر هذا حمل المطلق على المقيد.
ولأن العرب تطلق في موضع، وتقيد في موضع آخر، فيحمل أحدهما على صاحبه.
كما قال٢:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك أرض والرأي مختلف
وقال آخر:٣
وما أدري إذا يمّمتُ أرضًا ... أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
стр. 801
وقال أبو الخطاب: يبني عليه من جهة القياس١؛ لأن تقييد المطلق كتخصيص العموم، وذلك جائز بالقياس الخاص على ما مر٢.
فإن كان ثَمَّ مقيدان بقيدين مختلفين ومطلقًا: ألحق بأشبههما به وأقربهما إليه٣.
ومن نصر الأول٤ قال: هذا تحكم محض يخالف وضع اللغة، إذ لا يتعرض القتل للظهار، فكيف يرفع الإطلاق الذي فيه؟
والأسباب المختلفة تختلف -في الأكثر- شروط واجباتها.
ثم يلزم من هذا تناقض؛ فإن الصوم مقيد بالتتابع في الظهار، وبالتفريق في الحج، حيث قال تعالى:
стр. 802
﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ١، ومطلق في اليمين، فعلى أيهما يحمل؟
وفي المواضوع التي استشهدوا بها: كان التقييد بأمر آخر٢، والله أعلم.
القسم الثالث:
أن يخلف الحكم: فلا يحمل المطلق على المقيد، سواء اتفق السبب أو اختلف، كخصال الكفارة، إذا قيد الصيام بالتتابع، وأطلق الإطعام٣؛ لأن القياس شرطه: اتحاد الحكم، والحكم ههنا مختلف٤.
стр. 803
باب: في الفحوى والإشارة
فصل: فيما يقتبس من الألفاظ من فحوها وإشارتها لا من صيغها ١
وهي خمسة أضرب.
الأول: يسمى اقتضاء.
стр. 804
وهو ما يكون من ضرورة اللفظ١، وليس بمنطوق به: إما أن لا يكون المتكلم صادقًا إلا به، كقوله: "لا عمل إلا بنية"٢، أو من حيث يمتنع وجود الملفوظ شرعًا بدونه، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ....﴾ ٣ أي: فأفطر فعدَّة، وقولهم: "أعتق عبدك عني وعليَّ ثمنه" يتضمن الملك ويقتضيه ولم ينطق به٤.
أو من حيث يمتنع وجوده عقلًا بدونه، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ٥ يتضمن إضمار الوطء ويقتضيه.
стр. 805
ويجوز أن يلقب هذا بالإضمار، ويقرب من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.
الضرب الثاني: فهم التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب: كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١ يفهم منه: كون السرقة علة، وليس بمنطوق به، ولكن يسبق إلى الفهم من فحوى الكلام.
وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ ٢ أي: لبرهم ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ٣ أي: لفجورهم.
وهذا قد يسمى "إيماء" و"إشارة" و"فحوى الكلام" و"لحنه" وإليك الخيرة في تسميته.
الضرب الثالث: التنبيه:
وهو فهم الحكم في المسكوت من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده، ومعرفة وجود المعنى في المسكوت بطريق الأولى، كفهم تحريم الشتم والضرب من قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٤.
ولا بد من معرفتنا المعنى في الأدنى، ومعرفة وجوده في الأعلى.
стр. 806
فلولا معرفتنا أن الآية سيقت للتعظيم للوالدين؛ لما فهمنا منع القتل، إذ قد يقول السلطان، إذا أمر بقتل ملك لمنازعته له في ملكه: اقتله، ولا تقل له: أف.
ويسمى مفهوم الموافقة، وفحوى اللفظ.
واختلف أصحابنا في تسميته قياسًا.
فقال أبو الحسن الجزري١ وبعض الشافعية: هو قياس؛ لأنه إلحاق المسكوت بالمنطوق في الحكم، لاجتماعهما في المقتضى، وهذا هو القياس٢.
وإنما ظهر فيه المعنى، فسبق إلى الفهم من غير تأمل، فأشبه القياس فيما ظهرت العلة فيه بنص أو غيره٣، مثل: قياس الجوع المفرط على الغضب في المنع من الحكم؛ لكونه يمنع كمال الفكر٤.
وقياس الزيت على السمن في حكم النجاسة إذا وقعت فيه، في حال جموده، أو كونه مائعًا بغير الفأرة٥.
стр. 807
وقال القاضي أبو يعلى، والحنفية، وبعض الشافعية، ليس بقياس١، إذ هو مفهوم من اللفظ من غير تأمل ولا استنباط، بل يسبق على الفهم حكم المسكوت مع المنطوق من غير تراخ، إذا كان هو الأصل في القصد، والباعث على النطق، وهو أولى في الحكم.
ومن سماه قياسًا: سلم أنه قاطع، فلا تضره تسميته قياسًا٢
وقد يلتحق بهذا الفن ما يشبهه٣ من وجه، ولا يفيد القطع، كقولهم: "إذا ردت شهادة الفاسق، فالكافر أولى؛ لأن الكفر فسق وزيادة" فهذا ليس بقاطع، إذ لا يبعد أن يقال: الفاسق متهم في دينه، والكفار يحترز من الكذب لدينه.
وأما الفاسد من هذا الضرب٤: فنحو قولهم: "إذا جاز السلم في
стр. 808
المؤجل: ففي الحال أجوز، ومن الغرر أبعد" فإنه لا بد من اشتراكهما في المقتضى، وليس المقتضى لصحة السلم المؤجل: بعده من الغرر ليلتحق به الحال، بل الغرر مانع، احتمل في المؤجل، والحكم لا يصح لعدم مانعه، بل لوجود مقتضيه.
ولو كان بُعده من الغرر علة الصحة فما وجدت في الأصل، فكيف يصح الإلحاق؟
الضرب الرابع: دليل الخطاب:
ومعناه: الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم عما عداه.
ويسمى مفهوم المخالفة؛ لأنه فهم مجرد لا يستند إلى منطوق، وإلا فما دل عليه المنطوق -أيضًا- مفهوم.
ومثاله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ ١ و "في سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاةُ" ٢ يدل على انتقال الحكم في المخطئ٣ والمعلوفة٤. وهذا حجة في قول إمامنا٥، والشافعي، ومالك، وأكثر المتكلمين٦.
стр. 809
وقالت طائفة منهم١، وأبو حنيفة٢: لا دلالة له، لأمور خمسة:
أحدها: أنه يحسن الاستفهام، فلو قال: "من ضربك عامدًا فاضربه" حسن أن تقول: "فإن ضربني خاطئًا هل أضربه؟ " ولو دل على النفي: لما حسن الاستفهام فيه كالمنطوق.
الثاني: أن العرب تعلق الحكم على الصفة مع مساواة المسكوت عنه٣، كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ ٤، ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ ٥، ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ٦ فالمسكوت -أيضًا- محتمل للمساواة وعدمها، فلا سبيل إلى دعوى النفي بالتحكم.
стр. 810
الثالث: أن تعليقه الحكم على اللقب، والاسم العلَم لا يدل على التخصيص، ومنع ذلك بهت واختراع على اللغات، إذ يلزم من أن يكون قوله: "زيد عالم" كفر؛ لأنه نفي للعلم عن الله وملائكته.
ويلزم من قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ١ نفي الرسالة عن غيره، وذلك كفر.
الرابع: أنه كما أن للعرب طريقًا إلى الخبر عن مخبر واحد واثنين مع السكوت عن الباقي: فلها طرق في الخبر عن الموصوف بصفة، فتقول: "رأيت الظريف، وقام الطويل" فلو قال، بعد: "والقصير" لم يكن مناقضة.
الخامس: أن التخصيص للمذكور بالذكر قد يكون لفائدة سوى تخصيص الحكم به:
فمنها: توسعة مجاري الاجتهاد، لينال المجتهد فضيلته٢.
ومنها: الاحتياط على المذكور بالذكر، كي لا يفضي اجتهاد بعض الناس إلى إخراجه من عموم اللفظ بالتخصيص.
ومنها: تأكيد الحكم في المسكوت، لكون المعنى فيه أقوى كالتنبيه٣.
ومنها: معان لا يطلع عليها٤.