← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12010

روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان

ابن قدامة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فلولا معرفتنا أن الآية سيقت للتعظيم للوالدين؛ لما فهمنا منع القتل، إذ قد يقول السلطان، إذا أمر بقتل ملك لمنازعته له في ملكه: اقتله، ولا تقل له: أف. ويسمى مفهوم الموافقة، وفحوى اللفظ. واختلف أصحابنا في تسميته قياسًا. فقال أبو الحسن الجزري١ وبعض الشافعية: هو قياس؛ لأنه إلحاق المسكوت بالمنطوق في الحكم، لاجتماعهما في المقتضى، وهذا هو القياس٢. وإنما ظهر فيه المعنى، فسبق إلى الفهم من غير تأمل، فأشبه القياس فيما ظهرت العلة فيه بنص أو غيره٣، مثل: قياس الجوع المفرط على الغضب في المنع من الحكم؛ لكونه يمنع كمال الفكر٤. وقياس الزيت على السمن في حكم النجاسة إذا وقعت فيه، في حال جموده، أو كونه مائعًا بغير الفأرة٥.

стр. 807

وقال القاضي أبو يعلى، والحنفية، وبعض الشافعية، ليس بقياس١، إذ هو مفهوم من اللفظ من غير تأمل ولا استنباط، بل يسبق على الفهم حكم المسكوت مع المنطوق من غير تراخ، إذا كان هو الأصل في القصد، والباعث على النطق، وهو أولى في الحكم. ومن سماه قياسًا: سلم أنه قاطع، فلا تضره تسميته قياسًا٢ وقد يلتحق بهذا الفن ما يشبهه٣ من وجه، ولا يفيد القطع، كقولهم: "إذا ردت شهادة الفاسق، فالكافر أولى؛ لأن الكفر فسق وزيادة" فهذا ليس بقاطع، إذ لا يبعد أن يقال: الفاسق متهم في دينه، والكفار يحترز من الكذب لدينه. وأما الفاسد من هذا الضرب٤: فنحو قولهم: "إذا جاز السلم في

стр. 808

المؤجل: ففي الحال أجوز، ومن الغرر أبعد" فإنه لا بد من اشتراكهما في المقتضى، وليس المقتضى لصحة السلم المؤجل: بعده من الغرر ليلتحق به الحال، بل الغرر مانع، احتمل في المؤجل، والحكم لا يصح لعدم مانعه، بل لوجود مقتضيه. ولو كان بُعده من الغرر علة الصحة فما وجدت في الأصل، فكيف يصح الإلحاق؟ الضرب الرابع: دليل الخطاب: ومعناه: الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم عما عداه. ويسمى مفهوم المخالفة؛ لأنه فهم مجرد لا يستند إلى منطوق، وإلا فما دل عليه المنطوق -أيضًا- مفهوم. ومثاله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ ١ و "في سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاةُ" ٢ يدل على انتقال الحكم في المخطئ٣ والمعلوفة٤. وهذا حجة في قول إمامنا٥، والشافعي، ومالك، وأكثر المتكلمين٦.

стр. 809

وقالت طائفة منهم١، وأبو حنيفة٢: لا دلالة له، لأمور خمسة: أحدها: أنه يحسن الاستفهام، فلو قال: "من ضربك عامدًا فاضربه" حسن أن تقول: "فإن ضربني خاطئًا هل أضربه؟ " ولو دل على النفي: لما حسن الاستفهام فيه كالمنطوق. الثاني: أن العرب تعلق الحكم على الصفة مع مساواة المسكوت عنه٣، كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ ٤، ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ ٥، ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ٦ فالمسكوت -أيضًا- محتمل للمساواة وعدمها، فلا سبيل إلى دعوى النفي بالتحكم.

стр. 810

الثالث: أن تعليقه الحكم على اللقب، والاسم العلَم لا يدل على التخصيص، ومنع ذلك بهت واختراع على اللغات، إذ يلزم من أن يكون قوله: "زيد عالم" كفر؛ لأنه نفي للعلم عن الله وملائكته. ويلزم من قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ١ نفي الرسالة عن غيره، وذلك كفر. الرابع: أنه كما أن للعرب طريقًا إلى الخبر عن مخبر واحد واثنين مع السكوت عن الباقي: فلها طرق في الخبر عن الموصوف بصفة، فتقول: "رأيت الظريف، وقام الطويل" فلو قال، بعد: "والقصير" لم يكن مناقضة. الخامس: أن التخصيص للمذكور بالذكر قد يكون لفائدة سوى تخصيص الحكم به: فمنها: توسعة مجاري الاجتهاد، لينال المجتهد فضيلته٢. ومنها: الاحتياط على المذكور بالذكر، كي لا يفضي اجتهاد بعض الناس إلى إخراجه من عموم اللفظ بالتخصيص. ومنها: تأكيد الحكم في المسكوت، لكون المعنى فيه أقوى كالتنبيه٣. ومنها: معان لا يطلع عليها٤.

стр. 811

فلا سبيل إلى دعوى عدم الفائدة بالتحكم١ فلا ينكر الفرق بين المنطوق والمسكوت، لكن من حيث أن الأصل عدم الحكم في الكل، فبالذكر يبين ثبوته، في المذكور، وبقي المسكوت عنه على ما كان عليه، لم يوجد في اللفظ نفي له ولا إثبات له. فإذًا: لا دليل في اللفظ على المسكوت بحال. وعماد الفرق: نفي وإثبات. فمستند الإثبات: الذكر الخاص. ومستند النفي: الأصل. والذهن إنما ينبه على الفرق عن الذكر الخاص، فيسبق إلى الأوهام العامية أن الاختصاص والفرق من الذكر، لكن أحد طرفي الفرق حصل من الذكر، والآخر كان حاصلًا في الأصل. وهذا دقيق لأجله غلط الأكثرون٢.

стр. 812

ولنا دليلان١: أحدهما: أن فصحاء أهل اللغة يفهمون من تعليق الحكم على شرط، أو وصف: انتفاء الحكم بدونه، بدليل: ما روى يعلى بن أمية٢ قال: قلت لعمر بن الخطاب، ﵁: ألم يقل، تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٣، فقد أمن الناس؟ فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" رواه مسلم٤. فهما٥ من تعليق إباحة القصر على حالة الخوف: وجوب الإتمام حال الأمن، وعجبا من ذلك.

стр. 813

فإن قيل: الإتمام واجب بحكم الأصل فلما استثنى حالة الخوف: بقيت حالة الأمن على مقتضاه، فلذلك عجبا؛ حيث خولف الأصل. ثم الآية حجة لنا١، فإنه لم يثبت انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، فدل على انتفاء الدليل٢. قلنا: ليس في القرآن آية تدل على وجوب التمام، بل قد روي عن عمر ﵁ وهو صاحب القصة، وعائشة، وابن عباس: "أن الصلاة إنما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر"٣. فدل على أن فهمهم: وجوب الإتمام وتعجبهم إنما كان لمخالفة دليل الخطاب، وإنما ترك دليل الخطاب لدليل آخر كما قد يخالف العموم. ولما قال النبي، ﷺ : "يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ الأَسْوَدُ" قال عبد الله بن الصامت٤ لأبي ذر٥: ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر؟

стр. 814

فقال: سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: "الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ" ١. ففهما من تعليق الحكم على الموصوف بالسواد: انتفاءه عما سواه. ولأن النبي ﷺ لما سئل عما يلبس المحرم من الثياب فقال: "لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّراوِيلاتِ وَلَا الْبَرانِسَ" ٢. فلولا أن تخصيصه المذكور بالذكر يدل على إباحة لبس ما سواه: لم يكن جوابًا للسائل عما يجوز للمحرم لبسه. الدليل الثاني: أن تخصيص الشيء بالذكر لا بد له من فائدة، فإن استوت السائمة والمعلوفة: فلم خص السائمة بالذكر، مع عموم الحكم، والحاجة إلى البيان شاملة للقسمين؟

стр. 815

بل لو قال: "في الغنم الزكاة" لكان أخصر في اللفظ، وأعم في بيان الحكم، فالتطويل لغير فائدة يكون لكنة في الكلام وعيًّا، فكيف إذا تضمن تفويت بعض المقصود؟! فظهر أن القسم المسكوت عنه غير مساو للمذكور في الحكم. اعترضوا عليه من أربعة وجوه: أحدها: أنكم جعلتم طلب الفائدة طريقًا إلى معرفة الوضع١. وينبغي أن يعرف الوضع، ثم تترتب عليه الفائدة، أما أن يكون الوضع يتبع معرفة الفائدة: فلا. الثاني: لِمَ قلتم: إنه لا فائدة سوى اختصاص الحكم؟ فلئن قلتم: ما علمنا له فائدة. قلنا: فلعل ثَمَّ فائدة لم يعثروا عليها، وعدم العلم بعدم الفائدة ليس علمًا بعدمها. الثالث: يبطل بمفهوم اللقب، فلِمَ لم يقولوا: إن تخصيص الأشياء الستة٢ في الربا يوجب اختصاصها به، وإن تخصيص سائمة الغنم يمنع وجوبها في بقية المواشي؟ الرابع: أن من التخصيص فائدة سوى ما ذكرتم، على ما قدمناه٣. ويحتمل أن السؤال وقع عنها، أو اتفقت المعاملة فيها، أو غير ذلك من أسباب لا يطلع عليها.

стр. 816

الجواب: أما الأول: فغير صحيح، فإن الاستدلال على الشيء بآثاره وثمراته جائز غير ممتنع في طرف النفي والإثبات، فإننا استدللنا على عدم الاشتراك في الصور المتنازع فيها بإخلاله بمقصود الوضع، وهو التفاهم. واستدللنا على عدم إلهٍ ثان بعدم وقوع الفساد١. فإذ قد علمنا: أن كلام الله -تعالى- لا يخلو من فائدة، وأنه لا فائدة للتخصيص سوى اختصاصه بالحكم، فيلزم منه ذلك ضرورة. وأما الثاني٢: فإن قصر الحكم عليه فائدة متيقنة، وما سواها أمر موهوم يحتمل العدم والوجود، فلا يترك المتيقن لأمر موهوم، كيف والظاهر عدمها؟ إذ لو كان ثم فائدة لم تخف على الفطن العالم بدقائق الكلام مع بحثه وشدة عنايته، فجرى هذا مجرى الاستدلال باستصحاب الحال المشروط بعدم الدليل الشرعي. وأما مفهوم اللقب: فقد قيل: إنه حجة٣. ثم الفرق بينهما ظاهر، وهو: أن تخصيص اللقب يحتمل حمله على أنه لم يحضره ذكر المسكوت عنه٤. وهذا يبعد فيما إذا ذكر أحد الوصفين المتضادين؛ لأن ذكر الصفة يذكر ضدها، وهو منتف بالكلية فيما إذا ذكر الوصف العام، ثم وصفه بالخاص، فظهر احتمال المفهوم.

стр. 817

وأما الثالث١: فباطل؛ فإن النبي ﷺ بعث للبيان والتعليم٢، والتبيين للأحكام من المقاصد الأصيلة التي بعث لها، والاجتهاد ثبت ضرورة، لعدم إمكان بناء كل الأحكام على النصوص، فلا تظن أن النبي ﷺ ترك ما بعث له، لتوسعة مجاري الضرورات، ثم يفضي إلى محذور، وهو نفي الحكم في الصورة التي هو ثابت فيها. وأما الفائدة الثانية والثالثة٣: فلا تحصل؛ لأن الكلام فيما إذا كان المسكوت أدنى في المعنى من المنطوق في المقتضى، أو مماثلًا له. فالتخصيص إذًا يكون بعيدًا. وأما إذا كان المسكوت أعلى في المعنى: فهو التنبيه، وقد سبق الكلام فيه. وأما الرابع٤: فأمور موهومة، فلا يترك لها المتيقن، لما ذكرنا٥. وقولهم: "يحسن الاستفهام عنه" ممنوع٦.

стр. 818

وأما إذا قال: "من ضربك متعمدًا فاضربه" فلا يحسن أن يقال: "من ضربني خاطئًا، هل أضربه؟ " لكن يحسن أن يقال: "فالخاطئ ما حكمه"؟ أو ما أصنع به"؟ وهذا غير ما دل عليه الخطاب. ولو سلمنا: فيحسن الاستفهام، ليستفد التأكيد في معرفة الحكم، كما يحسن الاستفهام في بعض صور العموم١. وقولهم: "إن العرب تعلق الحكم على ما لا ينتفي عند عدمه"٢. قلنا: لا ننكر هذا إذا ظهر للتخصيص فائدة سوى اختصاص الحكم به: إما لكونه الأغلب، أو غير ذلك. والكلام فيما إذا لم يظهر له فائدة. والله أعلم. فصل في درجات أدلة الخطاب اعلم أن ههنا صورًا أنكرها منكرو المفهوم، بناء على أنها منه، وليست منه، وهي ثلاثة:

стр. 819

الأولى: قوله: "لا عَالم إلا زيد"١ فهذه أنكرها غلاة منكري المفهوم٢. وقالوا: هو نطق بالمستثنى، وسكوت عن المستثنى منه، فما خرج بقوله: "إلا" فمعناه: أنه لم يدخل في الكلام، فصار الكلام مقصورًا على الباقي، والمستثنى غير متعرض له بنفي ولا إثبات. وهذا فاسد: فإن هذا صريح في الإثبات والنفي: فمن قال: "لا إله إلا الله" مثبت للإلهية لله -سبحانه- نافٍ لها عمن سواه. وقولهم: "لا سيف إلا ذو الفقار" و"لا فتى إلا علي" نفي وإثبات

стр. 820

يقينًا؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي. فهذا من صريح اللفظ، لا من مفهومه. فأما قوله: "لا صلاة إلَّا بطهورٍ" ١ و "لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بالْبُرِّ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ" ٢ فإن هذه صيغة الشرط، ومقتضاها: نفي الصلاة عند انتفاء الطهارة. وأما وجودها عند وجودها: فليس منطوقًا بل هو على وفق قاعدة المفهوم، فإن نفي شيء عند انتفاء شيء لا يدل على إثباته عند وجوده، بل يبقى كما كان قبل النطق. فالمنطوق به: الانتفاء عند النفي فقط؛ فإن قوله: "لا صلاة" ليس فيه تعرض للطهارة، بل للصلاة فقط، وقوله: "إلا بطهور" إثبات للطهور الذي لم يتعرض له الكلام، فلم يفهم منه إلا الشرط٣.

стр. 821

الصورة الثانية، قوله: "إنما الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" ١. فهذا قد أصر أصحاب أبي حنيفة، وبعض منكري المفهوم على إنكاره. وقالوا: هو إثبات فقط، لا يدل على الحصر؛ لأن "إنما" مركبة

стр. 822

من "إن" و"ما" و"إن" للتوكيد، و"ما" زائدة كافة١، فلا تدل على نفي، كما لو قال: "إنما النبي محمد". وهذا فاسد٢، فإن لفظة "إنما" موضوعة للحصر والإثبات: تثبت المذكور، وتنفي ما عداه؛ لأنها مركبة من حرفي نفي وإثبات: "إن" للإثبات و"ما" للنفي فتدل عليهما. ولذلك لا تستعمل في موضع لا يحسن فيه النفي والاستثناء منه، كقوله، تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٣ و ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٤ و ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ ٥، كما قال: ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ﴾ ٦، وقول النبي، ﷺ : "إنما الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ" ٧، مثل قوله: "لا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ" ٨ وقال الشاعر٩: أنا الرجل الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي

стр. 823

وقولهم: "إنها إثبات فقط": غير صحيح١ وقولهم: "إنما النبي محمد" فهذا اختراع على اللغة لم يسمع به. بلى لو قال: "إنما العالم زيد": ساغ ذلك مجازًا، لتأكيد العلم في "زيد" كما قال: "ولا فتى إلا علي" يريد بذلك تأكيد الفتوة فيه، وهذا مجاز، لا تترك الحقيقة له إلا بدليل٢. فالقول فيه كالقول في الاستثناء بإلا من النفي بلا فرق. الصورة الثالثة٣: قوله، ﵇: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ" ٤ و"تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" ٥.

стр. 824

وهذا يلتحق بالصورة التي قبله، وإن كان دونه في القوة. ووجهه: أن الاسم المحلى بالألف واللام يقتضي الاستغراق وأن خبر المبتدأ يجب أن يكون مساويًا للمبتدأ، كقولنا: "الإنسان بشر" أو أعم منه كقولنا: "الإنسان حيوان". ولا يجوز أن يكون أخص منه، كقولنا: "الحيوان إنسان". فلو جعلنا التسليم أخص من تحليل الصلاة: كان خلاف موضوع اللغة. ولو جعلنا الشفعة فيما يقسم: لم يكن كل الشفعة منحصرًا فيما لم يقسم، وهو خلاف الموضوع١. [درجات دليل الخطاب] فأما ما هو من دليل الخطاب: فعلى درجات ست: [مفهوم الغاية] أولها: هو مد الحكم إلى غاية بصيغة "إلى" أو "حتى". كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ٢، ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ٣.

стр. 825

أنكره بعض منكري المفهوم، لأن النطق إنما هو بما قبل الغاية، وما بعدها مسكوت عنه، وكل ما له ابتداء: فغايته مقطع ابتدائه، فيرجع الحكم بعد الغاية إلى ما كان قبل البداية، وقبل البداية لم يكن فيه دليل على نفي ولا إثبات، فليكن بعدها كذلك. ولنا: مع ما سبق من الأدلة١: أن ﴿حَتَّى تَنْكِح﴾ ليس بمستقل، ولا يصح حتى يتعلق بقوله: ﴿فَلا تَحِلُّ لَه﴾ ولا بد فيه من إضمار وهو "حتى تنكح زوجًا غيره فتحل له". ولهذا يقبح الاستفهام لو قال قائل: "فإن نكحت هل تحل له؟ " ولأن الغاية نهاية، ونهاية الشيء مقطعه؛ فإن لم يكن مقطعًا: فليس بنهاية ولا غاية٢. [مفهوم الشرط] الدرجة الثانية: التعليق على شرط، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ٣. أنكره قوم٤، لأنه يجوز تعليق الحكم بشرطين، كما يجوز

стр. 826

بعلتين١، فإن قوله: "احكم بالمال إن شهد به شاهدان" لا يمنع الحكم به بالإقرار، وبالشاهد واليمين. ولا يكون نسخًا، ولهذا جوّزناه بخبر الواحد. ولنا: ما سبق٢. وتعليقه بشرطين؛ لأن كل واحد منهما يقوم مقام الآخر في ثبوت الحكم به، لا يمنع من انتفاء الحكم عند انتفائهما، كما لو صرح فقال: "لا تحكم إلا بشاهدين أو إقرار"٣. وجوزناه بخبر الواحد؛ لأنه تخصيص، وتخصيص العام بخبر الواحد جائز. [اقتران الاسم العام بصفة خاصة] الدرجة الثالثة: أن يذكر الاسم العام، ثم تذكر الصفة الخاصة في معرض الاستدلال٤ والبيان كقوله: "في الغَنَم السَّائمةِ الزَّكاةُ" أو: في

стр. 827

سَائِمةِ الغَنَم الزَّكاةُ" ١، و "مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثمَرتُهُ لِلْبَائِعِ" ٢ فهو حجة –أيضًا– طلبًا لفائدة التخصيص٣. [مفهوم التقسيم] وفي معنى هذه الدرجة: إذا قسم الاسم إلى قسمين، فأثبت في قسم منهما حكمًا، يدل على انتفائه في الآخر، إذ لو عمهما: لم يكن للتقسيم فائدة.

стр. 828

ومثاله: قوله، ﵇: "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِها مِنْ وَلِيِّهَا، وَالبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ" ١. [مفهوم الصفة] الدرجة الرابعة: أن يخص بعض الأوصاف التي تطرأ وتزول بالحكم، كقوله: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليِّها" ٢ فيدل على أن ما عداه بخلافه، طلبًا للفائدة في التخصيص٣. وبه قال جل أصحاب الشافعي. واختار التميمي٤: أنه ليس بحجة.

стр. 829

وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين. والفرق بين هذه الصورة وما قبلها: أن ذكر الثيب يظهر معه أنه ذاكر للبكر، ويحتمل الغفلة عن الذكر، فصار المفهوم ظاهرًا. وعند ذكره الوصف الخاص مع العام انقطع احتمال عدم الحضور، فصار المفهوم ههنا أظهر١. [مفهوم العدد] الدرجة الخامسة: أن يخص نوعًا من العدد بحكم، كقوله: "لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا المَصَّتَانِ" ٢ و "لَيْسَ الْوُضُوءُ مِنَ الْقَطْرَةِ

стр. 830

والْقَطْرَتَيْنِ" ١ فيدل على: أن ما زاد على الاثنين بخلافهما. وبه قال مالك، وداود، وبعض الشافعية. وخالف فيه أبو حنيفة٢، وجل أصحاب الشافعي. والكلام فيه قد تقدم٣.

стр. 831

[مفهوم اللقب] الدرجة السادسة: أن يخص اسمًا بحكم، فيدل على أن ما عداه بخلافه. الخلاف فيها كالخلاف في التي قبلها. وأنكره الأكثرون، وهو الصحيح؛ لأنه يفضي إلى سد باب القياس. وأن تنصيصه على الأعيان الستة في الربا يمنع جريانه في غيرها١ ولا فرق بين كون الاسم مشتقًا كالطعام٢، أو غير مشتق كأسماء الأعلام٣، والله تعالى أعلم.

стр. 832

......................................................................................

стр. 833

.......................................................................

стр. 834

باب: القياس فصل: تعريف القياس ... باب: القياس القياس في اللغة: التقدير، ومنه: "قست الثوب بالذراع": إذا قدرته به١. قال الشاعر٢، يصف جراحة أو شجة: إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت ... غثيثتها أو زاد وهيًا هزومها٣.

стр. 835

"وقاس الطبيب الجراحة": إذا جعل فيها الميل١ يقدّرها به، ليعرف غورها. وهو في الشرع: حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما٢. وقيل: حكمك على الفرع بمثل ما حكمت به في الأصل، لاشتراكهما في العلة التي اقتضت ذلك في الأصل. وقيل: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما، بجامع بينهما من إثبات حكم أو صفة لهما، أو نفيهما٣ عنهما. ومعاني هذه الحدود متقاربة٤. وقيل: هو الاجتهاد

стр. 836

وهو خطأ، فإن الاجتهاد قد يكون بالنظر في العمومات وسائر طرق الأدلة، وليس بقياس. ثم لا ينبيء في العرف١ إلا عن بذل المجهود، إذ من حمل خردلة لا يقال: اجتهد. وقد يكون القياس جليًّا٢ لا يحتاج إلى استفراغ الوسع وبذل

стр. 837

الجهد. ولا بد في كل قياس من أصل، وفرع، وعلة، وحكم. فأما إطلاق القياس على المقدمتين اللتين يحصل منهما نتيجة: فليس بصحيح؛ لأن القياس يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر، ويقدر به، فهو اسم إضافي بين شيئين على ما ذكرناه في اللغة١.

стр. 838

فصل: في العلة ونعني بالعلة: مناط الحكم١. وسميت علة؛ لأنها غيرت حال المحل، أخذًا من علة المريض؛ لأنها اقتضت تغيير حاله٢.

стр. 839

فصل: [طرق الاجتهاد في إثبات العلة] والاجتهاد في العلة على ثلاثة أضرب: تحقيق المناط للحكم، وتنقيحه، وتخريجه. أما تحقيق المناط١، فنوعان: أولهما: لا نعرف في جوازه خلافًا. ومعناه: أن تكون القاعدة الكلية متفقًا عليها، أو منصوصًا عليها، ويجتهد في تحقيقها في الفرع. ومثاله: قولنا: "في حمار الوحش: بقرةٌ" لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ٢ فنقول: "المثل واجب، والبقرة مثل، فتكون هي الواجب". فالأول: معلوم بالنص والإجماع، وهو: وجوب المثلية في البقرة٣. أما تحقيق المثلية في البقر، فمعلوم بنوع من الاجتهاد٤.

стр. 840

ومنه الاجتهاد في القبلة فنقول: وجوب التوجه إلى القبلة معلوم بالنص، أما أن هذه جهة القبلة١: فيعلم بالاجتهاد. وكذلك تعيين الإمام٢، والعدل، ومقدار الكفاية في النفقات ونحوه٤. فليعبر عن هذا بتحقيق المناط، إذ كان معلومًا، لكن تعذر معرفة وجوده في آحاد الصور، فاستدل عليه بأمارات٥ الثاني: ما عرف علة الحكم فيه بنص أو إجماع، فيبين المتجهد وجودها في الفرع باجتهاده. مثل: قول النبي ﷺ في الهر: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجسٍ؛ إِنَّهَا مِنَ

стр. 841

الضرب الثاني: تنقيح١ المناط: وهو: أن يضيف الشارع الحكم إلى سببه، فيقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة، فيجب حذفها عن الاعتبار، ليتسع الحكم. ومثاله: قوله ﷺ للأعرابي الذي قال: هلكتُ يا رسول الله. قال: "مَا صَنَعتَ؟ " قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان. قال: "أَعْتِقْ رَقَبةً" ٢. فنقول: كونه أعرابيًّا: لا أثر له٣ فيلحق به "التركي" و"العجمي"، لعلمنا أن مناط الحكم: وقاع مكلف، لا وقاع الأعرابي، إذ التكاليف تعم الأشخاص، على ما مضى٤. ويلحق به: من أفطر بوقاع في رمضان آخر؛ لعلمنا أن المناط: حرمة رمضان، لا حرمة ذلك الرمضان٥.

стр. 842

وكون الموطوءة منكوحة: لا أثر له، فإن الزنا أشد في هتك الحرمة. فهذه إلحاقات معلومة تبنى على مناط الحكم، بحذف ما علم بعادة الشرع في مصادره وموارده وأحكامه: أنه لا مدخل له في التأثير. وقد يكون بعض الأوصاف مظنونًا، فيقع الخلاف فيه كالوقاع، إذ يمكن أن يقال: مناط الكفارة: كونه مفسدًا للصوم المحترم، والجماع آلة الإفساد، كما أن السيف آلة للقتل الموجب للقصاص، وليس هو من المناط، كذا ههنا١. ويمكن أن يقال: الجماع مما لا تنزجر النفس عنه عند هيجان الشهوة بمجرد وازع الدين، فيحتاج إلى كفارة وازعة، بخلاف الأكل. والمقصود: أن هذا نظر في تنقيح المناط بعد معرفته بالنص، لا بالاستنباط، وقد أقر به أكثر منكري القياس.

стр. 843

وأجراه أبو حنيفة في الكفارات، مع أنه لا قياس فيها عنده١. الضرب الثالث، تخريج المناط٢: وهو: أن ينص الشارع على حكم في محل، ولا يتعرض لمناطه أصلًا. كتحريمه شرب الخمر، والربا في البر. فيستنبط المناط بالرأي والنظر، فيقول: حرّم الخمر، لكونه مسكرًا، فيقيس عليه النبيذ، وحرّم الربا في البر، لكونه مكيلًا، فيقيس عليه الأرز. وهذا هو الاجتهاد القياسي الذي وقع الخلاف فيه. فصل في إثبات القياس على منكريه قال بعض أصحابنا: يجوز التعبد بالقياس عقلًا وشرعًا، لقول أحمد،

стр. 844

رحمه الله: "لا يستغني أحد عن القياس"١. وبه قال عامة الفقهاء والمتكلمين. وذهب أهل الظاهر والنظام إلى أنه لا يجوز التعبد به عقلًا ولا شرعًا٢. وقد أومأ إليه أحمد ﵀ فقال: "يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس"٣. وتأوله القاضي على قياس يخالف به نصًّا. وقالت طائفة: لا حكم للعقل فيه بإحالة ولا إيجاب، لكنه في مظنة الجواز، فأما التعبد به شرعًا: فواجب. وهو قول بعض الشافعية وطائفة من المتكلمين٤.

стр. 845

وجه قول أصحابنا١: [الدليل الأول] أن تعميم الحكم واجب، ولو لم يستعمل القياس: أفضى إلى خلو كثير من الحوادث عن الأحكام، لقلة النصوص، وكون الصور٢ لا نهاية لها، فيجب ردهم إلى الاجتهاد ضرورة٣. فإن قيل: يمكن التنصيص على المقدمات الكلية ويبقى الاجتهاد في المقدمات الجزئية، فيكون من تحقيق المناط، وليس ذلك بقياس، وذلك مثل: أن ينص على: "أن كل مطعوم ربوي" وهذه المقدمة الكلية، فيبقى الاجتهاد في: "أن هذا مطعوم أم لا"؟ وهذا لا خلاف في جوازه. قلنا: إن تصوّر هذا فليس بواقع، فإن أكثر الحودث ليس بمنصوص على مقدماتها الكية، كميراث الجد وأشباهه، فيقتضي العقل: أن لا يخلو عن حكم٤.
следующие страницы →