الضرب الثاني: تنقيح١ المناط:
وهو: أن يضيف الشارع الحكم إلى سببه، فيقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة، فيجب حذفها عن الاعتبار، ليتسع الحكم.
ومثاله: قوله ﷺ للأعرابي الذي قال: هلكتُ يا رسول الله. قال: "مَا صَنَعتَ؟ " قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان. قال: "أَعْتِقْ رَقَبةً" ٢.
فنقول: كونه أعرابيًّا: لا أثر له٣ فيلحق به "التركي" و"العجمي"، لعلمنا أن مناط الحكم: وقاع مكلف، لا وقاع الأعرابي، إذ التكاليف تعم الأشخاص، على ما مضى٤.
ويلحق به: من أفطر بوقاع في رمضان آخر؛ لعلمنا أن المناط: حرمة رمضان، لا حرمة ذلك الرمضان٥.
стр. 842
وكون الموطوءة منكوحة: لا أثر له، فإن الزنا أشد في هتك الحرمة.
فهذه إلحاقات معلومة تبنى على مناط الحكم، بحذف ما علم بعادة الشرع في مصادره وموارده وأحكامه: أنه لا مدخل له في التأثير.
وقد يكون بعض الأوصاف مظنونًا، فيقع الخلاف فيه كالوقاع، إذ يمكن أن يقال: مناط الكفارة: كونه مفسدًا للصوم المحترم، والجماع آلة الإفساد، كما أن السيف آلة للقتل الموجب للقصاص، وليس هو من المناط، كذا ههنا١.
ويمكن أن يقال: الجماع مما لا تنزجر النفس عنه عند هيجان الشهوة بمجرد وازع الدين، فيحتاج إلى كفارة وازعة، بخلاف الأكل.
والمقصود: أن هذا نظر في تنقيح المناط بعد معرفته بالنص، لا بالاستنباط، وقد أقر به أكثر منكري القياس.
стр. 843
وأجراه أبو حنيفة في الكفارات، مع أنه لا قياس فيها عنده١.
الضرب الثالث، تخريج المناط٢:
وهو: أن ينص الشارع على حكم في محل، ولا يتعرض لمناطه أصلًا. كتحريمه شرب الخمر، والربا في البر.
فيستنبط المناط بالرأي والنظر، فيقول: حرّم الخمر، لكونه مسكرًا، فيقيس عليه النبيذ، وحرّم الربا في البر، لكونه مكيلًا، فيقيس عليه الأرز.
وهذا هو الاجتهاد القياسي الذي وقع الخلاف فيه.
فصل
في إثبات القياس على منكريه
قال بعض أصحابنا: يجوز التعبد بالقياس عقلًا وشرعًا، لقول أحمد،
стр. 844
رحمه الله: "لا يستغني أحد عن القياس"١.
وبه قال عامة الفقهاء والمتكلمين.
وذهب أهل الظاهر والنظام إلى أنه لا يجوز التعبد به عقلًا ولا شرعًا٢. وقد أومأ إليه أحمد ﵀ فقال: "يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس"٣.
وتأوله القاضي على قياس يخالف به نصًّا.
وقالت طائفة: لا حكم للعقل فيه بإحالة ولا إيجاب، لكنه في مظنة الجواز، فأما التعبد به شرعًا: فواجب.
وهو قول بعض الشافعية وطائفة من المتكلمين٤.
стр. 845
وجه قول أصحابنا١:
[الدليل الأول] أن تعميم الحكم واجب، ولو لم يستعمل القياس: أفضى إلى خلو كثير من الحوادث عن الأحكام، لقلة النصوص، وكون الصور٢ لا نهاية لها، فيجب ردهم إلى الاجتهاد ضرورة٣.
فإن قيل: يمكن التنصيص على المقدمات الكلية ويبقى الاجتهاد في المقدمات الجزئية، فيكون من تحقيق المناط، وليس ذلك بقياس، وذلك مثل: أن ينص على: "أن كل مطعوم ربوي" وهذه المقدمة الكلية، فيبقى الاجتهاد في: "أن هذا مطعوم أم لا"؟
وهذا لا خلاف في جوازه.
قلنا: إن تصوّر هذا فليس بواقع، فإن أكثر الحودث ليس بمنصوص على مقدماتها الكية، كميراث الجد وأشباهه، فيقتضي العقل: أن لا يخلو عن حكم٤.
стр. 846
دليل ثان:
أن العقل يدل على العلل الشرعية ويدركها، إذ مناسبة الحكم عقلية مصلحية، يقتضي العقل تحصيلها وورود الشرع بها، كالعلل العقلية١.
ولأننا نستفيد بالقياس ظنًّا غالبًا في إثبات الحكم، والعمل بالظن الراجح متعين٢.
وشبهة المانعين منه عقلًا: ما مضى في رد خبر الواحد٣. وقد مضى
стр. 847
فأما التعبد به شرعًا: فالدليل عليه:
إجماع الصحابة ﵃ على الحكم بالرأي في الوقائع الخالية عن النص.
فمن ذلك
حكمهم بإمامة أبي بكر ﵂ بالاجتهاد مع عدم النص، إذ لو كان ثم نص لنقل، ولتمسك به المنصوص عليه١.
وقياسهم العهد على العقد، إذ عهد أبو بكر إلى عمر ﵄ ولم يرد فيه نص، لكن قياسًا لتعيين الإمام على تعيين الأمة٢.
стр. 848
ومن ذلك: موافقتهم أبا بكر ﵁ في قتال مانعي الزكاة بالاجتهاد١.
وكتابة المصحف بعد طول التوقف فيه٢.
стр. 849
وجمع عثمان له على ترتيب واحد١.
стр. 850
واتفاقهم على الاجتهاد في مسألة "الجد والإخوة" على وجوه مختلفة، مع قطعهم أنه لا نص فيها١.
وقولهم في المشرّكة٢.
стр. 851
ومن ذلك: قول أبي بكر ﵁ في الكلالة: "أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. الكلالة: ما عدا الوالد والولد"١.
ونحوه عن ابن مسعود في قضية بَرْوع بنت واشق٢.
стр. 852
ومنه: حكم الصديق ﵁ في التسوية بين الناس في العطاء، كقوله: "إنما أسلموا لله وأجورهم عليه، وإنما الدنيا بلاغ"، ولما انتهت النوبة إلى عمر ﵁ فصل١ بينهم وقال: "لا أجعل من ترك داره وماله وهاجر إلى الله ورسوله كمن أسلم كرهًا"٢.
ومنه: عهد عمر ﵁ إلى أبي موسى: "اعرف الأمثال والأشباه، وقس الأمور برأيك٣.
стр. 853
وقال علي، ﵁: "اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يُبعن، وأنا الآن أرى بيعهن"١.
وقال عثمان لعمر: "إن نتبع رأيك فرأي رشيد، وإن نتبع رأي من قبلك فنعم ذو الرأي كان"٢.
ومنه: قولهم، في السكران: "إذا سكر هذي، وإذا هذي أفترى، فحدوه حد المفتري"٣.
стр. 854
وهذا التفات منهم إلى أن مظنة الشيء تنزل منزلته.
وقال معاذ للنبي، ﷺ : "أجتهد رأيي"١ فصوبه
فهذا وأمثاله -مما لا يدخل تحت الحصر- مشهور، إن لم تتواتر آحاده: حصل بمجموعة العلم الضروري: أنهم كانوا يقولون بالرأي، وما من وقت إلا وقد قيل فيه بالرأي٢.
ومن لم يقل، فلأنه أغناه غيره عن الاجتهاد، وما أنكر على القائل به، فكان إجماعًا.
[الاعتراضات الواردة على إجماع الصحابة]
فإن قيل: فقد نقل عنهم ذم الرأي وأهله:
فقال عمر، ﵁: "إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء
стр. 855
السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا"١.
وقال علي، ﵁: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه"٢.
وقال ابن مسعود، ﵁: "قراؤكم وصلحاؤكم يذهبون، ويتخذ الناس رؤساء جهالًا فيقيسون ما لم يكن بما كان"٣.
وقولهم: "إن حكمتم بالرأي أحللتم كثيرًا مما حرم الله، وحرمتم كثيرًا مما أحله"٤.
وقول ابن عباس: "إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم برأيه، وقال لنبيه: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ٥ ولم يقل: بما رأيت"٦.
стр. 856
وقوله: "إياكم والمقاييس، فما عبدت الشمس إلا بالمقاييس"١.
وقال ابن عمر: "ذروني من أرأيت وأرأيت"٢.
[الرد على الاعتراضات المتقدمة]
قلنا: هذا منهم ذم لمن استعمل الرأي والقياس في غير موضعه، أو بدون شروطه.
فذم عمر ﵁ ينصرف إلى من قال بالرأي من غير معرفة للنص، ألا تراه قال: "أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها" وإنما يحكم بالرأي في حادثة لا نص فيها، فالذم على ترك الترتيب، لا على أصل القول
стр. 857
بالرأي، ولو قدم إنسان القول بالسنة على ما هو أقوى منها١: كان مذمومًا.
وكذلك قول علي، رضي الله عنه٢.
وكل ذم يتوجه إلى أهل الرأي فلتركهم الحكم بالنص هو أولى، كما قال بعض العلماء٣:
أهل الكلام وأهل الرأي قد جهلوا ... علم الحديث الذي ينجو به الرجل
لو أنهم عرفوا الآثار ما انحرفوا ... عنها إلى غيرها لكنهم جهلوا
جواب ثانٍ:
أنهم ذموا الرأي الصادر عن الجاهل الذي ليس أهلًا للاجتهاد والرأي، ويرجع إلى محض الاستحسان، ووضع الشرع بالرأي، بدليل أن الذين نقل عنهم هذا هم الذين نقل عنهم القول بالرأي والاجتهاد٤.
والقائلون بالقياس مقرون بإبطال أنواع من القياس، كقياس أهل
стр. 858
الظاهر، إذ قالوا، الأصول لا تثبت قياسًا، فكذلك الفروع.
فإذًا: إن بطل القياس، فليبطل قياسهم١
فإن قيل: فلعلهم عولوا في اجتهادهم على عموم، أو أثر، أو استصحاب حال، أو مفهوم، أو استنباط معنى صيغة من حيث الوضع واللغة في جمع بين آيتين أو خبرين، أو يكون اجتهادهم في تحقيق مناط الحكم، لا في استنباطه.
فقد علموا أنه لا بد من إمام، وعرفوا -بالاجتهاد- من يصلح للتقديم، وهكذا في بقية الصور٢.
стр. 859
قلنا:
لم يكن اجتهاد الصحابة مقصورًا على ما ذكروه، بل قد حكموا بأحكام لا تصح إلا بالقياس، كعهد أبي بكر إلى عمر، قياسًا للعهد على العقد بالبيعة، وقياس الزكاة على الصلاة١، وقياس عمر الشاهد على القاذف في حد أبي بكرة٢، وإلحاق السكر بالقذف لأنه مظنته٣.
وقد اشتهر اختلافهم في الجد قياسًا: فقال ابن عباس: "ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا"٤، فأنكر ترك قياس الأبوة على البنوة، مع افتراقهما في الأحكام.
وصرح من سوى بينهما بأن الأخ يدلي بالأب، والجد يدلي به أيضًا، فالمدلى به واحد، والإدلاء مختلف٥.
стр. 860
وصرحوا بالتشبيه بالغصنين، والخليجين١.
стр. 861
ومن فتّش عن اختلافهم في الفرائض وغيرها؛ عرف ضرورة سلوكهم التشبيه والمقايسة، وأنهم لم يقتصروا على تحقيق المناط في إثبات الأحكام، بل استعملوا ذلك في بقية طرق الاجتهاد.
[الأدلة النقلية على حجية القياس]
وقد استدل على إثبات القياس بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ١.
وحقيقة الاعتبار: مقايسة الشيء بغيره كما يقال: "اعتبر الدينار بالصَّنْجة"٢. وهذا هو القياس.
فإن قيل: المراد به الاعتبار بحال من عصى أمر الله، وخالف رسله، لينزجر، ولذلك لا يحسن أن يصرح بالقياس ههنا فيقول:
стр. 862
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ فألحقوا الفروع بالأصول، لتعرف الأحكام.
قلنا: اللفظ عام، وإنما لم يحسن التصريح بالقياس ههنا، لأنه يخرج عن عمومه المذكور في الآية، إذ ليس حالنا فرعًا لحالهم١.
دليل آخر:
قول النبي ﷺ لمعاذ: "بِمَ تَقْضِي؟ " قال: بكتاب الله. قال: "فإن لمْ تَجدْ؟ " قال: بسنة رسول الله ﷺ قال: "فَإن لمْ تَجدْ؟ " قال أجتهد رأيي، قال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ الله ﷺ لما يرضي رسول الله ﷺ ٢".
قالوا: هذا الحديث يرويه الحارث بن عمرو١ عن رجال من أهل
стр. 863
حمص، والحارث، والرجال مجهولون. قاله الترمذي١.
ثم إن هذا الحديث ليس بصريح في القياس، إذ يحتمل أنه يجتهد في تحقيق المناط.
قلنا: قد رواه عبادة بن نُسَيّ٢ عن عبد الرحمن بن غَنْم٣ عن معاذ.
ثم الحديث تلقته الأمة بالقبول، فلا يضره كونه مرسلًا٤.
والثاني١: لا يصح؛ لأنه بين أنه يجتهد فيما ليس فيه كتاب ولا سنة.
خبر آخر:
قول النبي، ﷺ : " إذا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَد فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فََلَهُ أَجْرٌ". رواه مسلم٢.
стр. 866
ويتجه عليه أنه: يجتهد في تحقيق المناط، دون تخريجه١.
خبر آخر:
قول النبي ﷺ للخثعمية٢: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِه أَكانَ يَنْفَعُهُ"؟ قالت: نعم. قال: "فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى".
стр. 867
فهو تنبيه على قياس دين الله على دين الخلق.
وقوله ﵇ لعمر، حين سأله عن قبلة الصائم: "أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ؟ " ١
فهو قياس للقبلة على المضمضة، بجامع أنها مقدمة الفطر، ولا يفطر٢.
وروى أبو عبيد٣ أن النبي ﷺ قال: "إنِّي أَقْضِي بَيْنَكُمْ بالرَّأْي فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ فيهِ وَحْيٌ" ٤. وإذا كان يحكم بينهم باجتهاده: فلغيره الحكم برأيه إذا غلب على ظنهم.
стр. 868
فصل: [الأدلة النقلية للمنكرين للقياس]
احتجوا بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١.
وقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢.
فما ليس في القرآن ليس بمشروع، فيبقى على النفي الأصلي٣.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٥ وهذا حكم بغير المنزل.
стр. 869
وهكذا قوله: ﴿ ... فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١,
وأنتم تردونه إلى الرأي.
стр. 870
فصل: [الأدلة العقلية للمنكرين للقياس]
وأما شبههم المعنوية:
[فالأولى] : قالوا: براءة الذمة بالأصل معلومة قطعًا، فكيف ترفع بالقياس المظنون؟!
والثانية: كيف يتصرف بالقياس في شرع مبناه على التحكم والتعبد، والفرق بين المتماثلات، والجمع بين المختلفات، إذ قال: "يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ، وَيُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ" ١، ويجب الغسل من المني والحيض، دون المذي والبول، ونظائر ذلك كثير.
الثالثة: أن الرسول الله ﷺ قد أوتي جوامع الكلم٢، فكيف يليق به
стр. 871
أن يترك الوجيز المفهم إلى الطويل الموهم، فيعدل عن قوله: "حرَّمتُ الربا في المكيل" إلى الأشياء الستة؟
الرابعة: قالوا: الحكم ثبت في الأصل بالنص؛ لأنه مقطوع به والحكم مقطوع به، فكيف يحال على العلة المظنونة، والحكم يثبت في الفرع بالعلة، فكيف يثبت الحكم فيه بطريق سوى طريق الأصل؟
الخامسة: قالوا: غاية العلة: أن يكون منصوصًا عليها، وذلك لا يوجب الإلحاق، كما لو قال: "أعتقت من عبيدي سالمًا؛ لأنه أسود" لم يقتض عتق كل أسود، ولا يجري ذلك مجرى قوله: "أعتقت كل أسود".
كذا قوله: "حرمت الربا في البر، لأنه مطعوم" لا يجري مجرى قوله: "حرمت الربا في كل مطعوم".
الجواب:
أما قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فإن القرآن دل على جميع الأحكام، لكن إما بتمهيد طريق الاعتبار، وإما بالدلالة على الإجماع والسنة، وهما قد دلا على القياس.
وإلا فأين في الكتاب مسألة: "الجد والإخوة" و"العول" و"المبتوتة" و"المفوضة"١، و"التحريم"٢، وفيها حكم لله شرعي.
стр. 872
ثم قد حرّمتم القياس، وليس في القرآن تحريمه١.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٢.
قلنا: القياس ثابت بالإجماع والسنة، وقد دل عليه القرآن المنزل.
ومن حكم بمعنى: استنبط من المنزل، فقد حكم بالمنزل.
стр. 873
وقوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١. قلنا: نحن لا نرده إلا إلى العلة المستنبطة من كتاب الله -تعالى- ونص رسوله، فالقياس: تفهّم معاني النصوص بتجريد مناط الحكم، وحذف الحشو الذي لا أثر له.
ثم أنتم رددتم القياس بلا نص، ولا معنى نص.
وقولهم: "كيف ترفعون القواطع بالظنون".
قلنا: كما ترفعونه بالظواهر، والعموم، وخبر الواحد، وتحقيق المناط في آحاد الصور.
ثم نقول: لا نرفعه إلا بقاطع، فإنا إذا تعبدنا باتباع العلة المظنونة، فإنا نقطع بوجود الظن، ونقطع بوجود الحكم عند الظن، فيكون قاطعًا.
وقولهم: "مبنى الحكم على التعبدات".
قلنا: نحن لا ننكر التعبدات في الشرع، فلا جرم، قلنا: الأحكام ثلاثة أقسام:
قسم: لا يعلل.
وقسم: يعلم كونه معللًا، كالحجر على الصبي، لضعف عقله.
وقسم: يتردد فيه.
ولا نقيس ما لم يقم دليل على كون الحكم معللًا٢.
стр. 874
وقولهم: "لِمَ لم ينص على المكيل، ويغني عن القياس على الأشياء الستة"؟
قلنا: هذا تحكم على الله -تعالى- وعلى رسوله، وليس لنا التحكم عليه فيما صرّح ونبّه وطوّل وأوجز١، ولو جاز ذلك: لجاز أن يقال: "فلم لم يصرّح بمنع القياس على الأشياء الستة؟ ولِمَ لم يبين الأحكام كلها في القرآن، وفي المتواتر٢، لينحسم الاحتمال؟ وهذا كله غير جائز.
ثم نقول: إن الله -تعالى- علم لطفًا في تعبد العلماء بالاجتهاد، وأمرهم بالتشمير في استنابط دواعي الاجتهاد، لـ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٣.
وقولهم: "كيف يثبت الحكم في الفرع بطريق غير طريق الأصل"؟
قلنا: ليس من ضرورة كون الفرع تابعًا للأصل أن يساويه في طريق
стр. 875
الحكم؛ فإن الضروريات والمحسوسات أصل للنظريات، ولا يلزم تساويهما في الطريق، وإن تساويا في الحكم
وأما إذا قال: "أعتقت سالمًا؛ لسواده" فالفرق بينه وبين أحكام الشرع من حيث الإجمال والتفصيل.
أما الإجمال: فإنه لو قال، مع هذا: "فقيسوا عليه كل أسود" لم يتعد العتق سالمًا.
ولو قال الشارع: "حرمت الخمر لشدّتها، فقيسوا عليه كل مشتد": للزمت التسوية، فكيف يقاس أحدهما على الآخر، مع الاعتراف بالفرق؟
وأما التفصيل: فلأن الله -تعالى- علق الحكم في الأملاك حصولًا وزوالًا على اللفظ، دون الإرادات المجردة.
أما أحكام الشرع: فتثبت بكل ما دل عليه رضا الشارع وإرادته، ولذلك تثبت بدليل الخطاب، وبسكوت النبي ﷺ عما جرى بين يديه من الحوادث.
ولو أن إنسانًا باع مال غيره بأضعاف قيمته وهو حاضر، ولم ينكر ولم يأذن، بل ظهرت عليه علامات الفرح: لا يصح البيع.
بل قد ضيق الشرع أحكام العباد حتى لا تحصل بكل لفظ١.
стр. 876
فلو قال الزوج: "فسخت النكاح، ورفعت علاقة الحل بيني وبين زوجتي" لم يقع الطلاق، إلا أن ينويه.
وإذا أتى بلفظ الطلاق: وقع وإن لم ينوه.
وإذا لم تحصل الأحكام بجميع الألفاظ فكيف تحصل بمجرد الإرادة١؟
على أن القياس مفهوم في اللغة، فإنه لو قال: "لا تأكل الأهليلج٢؛ لأنه مسهل"، و"لا تجالس فلانًا؛ لأنه مبتدع" فهم منه التعدي بتعدي العلة، وهذا مقتضى اللغة، وهو مقتضاه في العتق، لكن التعبد منع منه.
وعلى أن هذا الذي ذكروه قياس لكلام الشارع على كلام المكلفين في امتناع قياس ما وجدت العلة التي علل بها فيه عليه، فيكون رجوعًا إلى القياس الذي أنكروه.
ثم إن قياس كلام الشارع على كلام غيره أبعد من قياس أحكام الشرع بعضها على بعض.
فإن قيل: فلعل الشرع علل الحكم بخاصية المحل، فتكون العلة في تحريم الخمر: شدة الخمر، وفي تحريم الربا بطعم البر، لا بالشدة.
стр. 877
المجردة١. [ولا بالطعم المجرد] ٢.
ولله أسرار في الأعيان: فقد حرم الخنزير والدم والميتة لخواص لا يطلع عليها، فلم يبعد أن يكون لشدة الخمر من الخاصية ما ليس لشدة النبيذ، فبماذا يقع الأمن عن هذا؟ ٣.
قلنا: قد نعلم ضرورة سقوط اعتبار خاصية المحل كقوله: "أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ المَتاع أَحَقُّ بِمَتاعِهِ" ٤ يعلم أن المرأة في معناه.
وقوله: "مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي" ٥ فالأمة في معناه.
стр. 878
لأنا١ عرفنا بتصفّح أحكام العتق، والبيع، وبمجموع أمارات وتكريرات، وقرائن: أنه لا مدخل للذكورية٢ في العتق والبيع.
وقد يظن ذلك ظنًّا يسكن إليه٣.
وقد ٤ عرفنا أن الصحابة عولوا على الظن، فعلمنا أنهم فهموا من رسول الله ﷺ قطعًا، إلحاق الظن بالقطع.
وقد اختلف الصحابة في مسائل، فلو كانت قطعية: لما اختلفوا فيها، فعلمنا أن الظن كالعلم.
فإن انتفى العلم والظن: فلا يجوز الإقدام على القياس.
стр. 879
فصل: [في مذهب النظام في الإلحاق بالعلة المنصوصة]
قال النظام: العلة المنصوص عليها توجب الإلحاق بطريق اللفظ والعموم، لا بطريق القياس، إذ لا فرق في اللغة بين قوله: "حرّمت الخمر لشدتها" وبين: "حرّمت كل مشتد"١.
стр. 880
وهذا خطأ، إذ لا يتناول قوله: "حرمت الخمر لشدتها" من حيث الوضع إلا تحريمها خاصة.
ولو لم يرد التعبد بالقياس: لاقتصرنا عليه، كما لو قال: "أعتقت غانمًا لسواده"١.
وكيف يصح هذا ولله تعالى -أن ينصب شدة الخمر- خاصة- علة، ويكون فائدة التعليل: زوال التحريم عند زوال الشدة.
ويتجه عليه: ما ذكره نفاة القياس٢، والله أعلم.