أولًا: جمع القرآن بمعنى كتابته وتدوينه في عهد الرسول ﷺ :
كتاب الوحي:
اتخذ الرسول ﷺ عددًا من الصحابة كان إذا نزل عليه شيء من القرآن أمر أحدهم بكتابته وتدوينه ويعرف هؤلاء الصحابة بـ "كتّاب الوحي" ومنهم:
стр. 107
الخلفاء الأربعة، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، ومعاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن أبي سفيان وخالد بن سعيد بن العاصي وحنظلة بن الربيع، والزبير بن العوام وعامر بن فهيرة، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن الأرقم، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد، وثابت بن قيس، وغيرهم١.
صفة هذا الجمع:
وصف هذا الجمع صحابيان جليلان فقال زيد بن ثابت ﵁: "كنا عند رسول الله ﷺ نوَلِّف القرآن من الرِّقاع"٢ أي نجمعه لترتيب آياته من الرقاع، وروى عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ : كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من كان يكتبه فيقول: "ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا". الحديث٣.
أدوات الكتابة:
لم تكن أدوات الكتابة ميسرة للصحابة في ذلك الوقت فكانوا يكتبونه على كل ما تناله أيديهم من العُسُب "وهي جريد النخل".
واللِّخَاف: "وهي الحجارة الرقيقة".
والرقاع: "وهي القطعة من الجلد أو الورق".
الكرانيف: "وهي أطراف العسب العريضة".
والأقتاب: "جمع قتَب وهي الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه".
стр. 108
والأكتاف: "جمع كتف وهي عظم عريض للإبل والغنم".
وكان كتاب الوحي ﵃ يضعون كل ما يكتبون في بيت رسول الله ﷺ وينسخون لأنفسهم منه نسخة.
مميزات جمع القرآن في عهد الرسول ﷺ :
١- ثبت في السنة نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف ومما ورد في ذلك حديث عمر بن الخطاب ﵁ وفيه قال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه" ١ وقد كانت كتابة القرآن في عهد الرسول ﷺ على الأحرف السبعة.
٢- أجمع العلماء على أن جمع القرآن في عهد رسول الله ﷺ كان مرتب الآيات أما ترتيب السور ففيه خلاف.
٣- بعض ما كتب في عهد الرسول ﷺ نسخت تلاوته وظل مكتوبًا حتى توفي رسول الله ﷺ وفي الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: "عشر رضعات معلومات يحرمن" ثم نسخن "بخمس معلومات" فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن٢.
٤- لم يكن القرآن الكريم في عهد الرسول الله ﷺ مجموعًا في مصحف واحد، بل كان مفرقا في الرقاع والأكتاف واللخاف وغيرها؛ ولهذا قال زيد بن ثابت ﵁: "قبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء"٣، وقال أيضًا لما أمر بجمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁: "فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال"٤.
стр. 109
ولعلك تسأل بعد هذا لماذا لم يجمع القرآن في عهد الرسول ﷺ في مصحف واحد؟ وقد أجاب العلماء رحمهم الله تعالى على ذلك، وذكروا أسبابًا منها:
١- أن الله تعالى قد أمن نبيه ﵊ من النسيان بقوله : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى، إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ١، أي ما شاء أن يرفع حكمه بالنسخ فلا خوف إذن أن يذهب شيء من القرآن الكريم، وأما بعد وفاته ﷺ فإن النسيان قد يقع فبادر المسلمون إلى جمعه في مصحف واحد٢.
٢- قال الخطابي: "إنما لم يجمع ﷺ القرآن في المصحف لما يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة٣.
وقال الزركشي: "وإنما ترك جمعه في مصحف واحد؛ لأن النسخ كان يرد على بعض، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعض لأدى إلى الاختلاف واختلاط الدين، فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمان النسخ ثم وَفق لجمعه الخلفاء الراشدين"٤.
٣- أن القرآن الكريم لم ينزل جملة واحدة، بل نزل منجمًا في ثلاث وعشرين سنة.
٤- أن ترتيب آيات القرآن وسوره ليس على حسب ترتيب نزوله،
стр. 110
ولو جمع القرآن في مصحف واحد حينئذاك لكان عرضة للتغيير كلما نزل شيء من القرآن١.
ولم يكن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- إذا اختلفوا في شيء من القرآن يرجعون إلى ما هو مكتوب بل كانوا يرجعون إلى الرسول ﷺ فيعرضون عليه قراءتهم ويسألونه عنها.
وبعد وفاة الرسول ﷺ ومقتل بعض القراء من الصحابة دعت الحاجة إلى جمع القرآن في مصحف واحد، فكان ذلك في عهد أبي بكر الصديق ﵁.
стр. 111
ثانيا: جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁:
سببه:
بعد وفاة الرسول ﷺ ارتدت بعض قبائل العرب فأرسل أبو بكر ﵁ خليفة الرسول ﷺ الجيوش لقتال المرتدين وكان قوام هذه الجيوش هم الصحابة رضوان الله عليهم وفيهم حفاظ القرآن، وكانت حروب الردة شديدة قتل فيها عدد من القراء الذين يحفظون القرآن الكريم، فخشي بعض الصحابة أن يذهب شيء من القرآن بذهاب حفظته١ فأراد أن يجمع القرآن في مصحف واحد بمحضر من الصحابة.
وقصة ذلك رواها البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إلي أبو بكر -مقتل أهل اليمامة- فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر٢ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقرآء
стр. 112
بالموطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله عليه وسلم. قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ قال: هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر ﵂"١.
تاريخ هذا الجمع:
هو كما جاء في الحديث بعد معركة اليمامة، وفي السنة الثانية عشرة من الهجرة.
أسباب اختيار زيد بن ثابت ﵁ لهذا الجمع:
ترجع أسباب اختيار زيد بن ثابت لأمور منها:
١- أنه كان من حفاظ القرآن الكريم.
٢- أنه شهد العرضة الأخيرة للقرآن الكريم، وقد روى البغوي عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال: قرأ زيد بن ثابت عن رسول الله ﷺ في العام الذي توفاه الله فيه مرتين إلى أن قال عن زيد بن ثابت أنه: "شهد
стр. 113
العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصاحب ﵃ أجمعين"١.
٣- أنه من كتاب الوحي للرسول ﷺ .
٤- خصوبة عقله، وشدة ورعه، وكمال خلقه، واستقامة دينه، وعظم أمانته ويشهد لذلك قول أبي بكر ﵁ له: "إنك رجل شاب، عاقل، ولا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ " وقوله نفسه ﵁: "فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن".
منهج زيد في هذا الجمع:
من المعلوم أن زيد بن ثابت ﵁ كان يحفظ القرآن كله في صدره, وكان القرآن مكتوبًا عنده ومع هذا فلم يعتمد على ما حفظه ولا على ما كتب بيده، وذلك أن عمله ليس جمع القرآن فحسب، وإنما التوثيق والتثبت فيما يكتب؛ ولهذا يقول الزركشي رحمه الله تعالى عن زيد: "وتتبعه للرجال كان للاستظهار لا لاستحداث العلم"٢ وقال ابن حجر رحمه الله تعالى: "وفائدة التتبع المبالغة في الاستظهار والوقوف عند ما كتب بين يدي النبي ﷺ "٣.
وقد رسم أبو بكر ﵁ لزيد المنهج لهذا الجمع فقال له ولعمر بن الخطاب ﵁: "اقعدوا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه"٤، ٥.
стр. 114
وقد امتثلا ذلك فقد قام عمر في الناس فقال: "من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن فليأتنا به"١.
وقد بين زيد نفسه المنهج الذي سلكه بقوله ﵁: "فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال"٢.
وعلى هذا فإن منهج زيد في جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁ يقوم على أسس أربعة:
- الأول: ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ .
- الثاني: ما كان محفوظًا في صدور الرجال.
- الثالث: أن لا يقبل شيئًا من المكتوب حتى يشهد شاهدان على أنه كتب بين يدي الرسول ﷺ قال السخاوي معناه: "من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله الذي كتب بين يدي رسول الله ﷺ "٣.
وقال ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى: "وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي ﷺ لا من مجرد الحفظ"٤.
- الرابع: أن لا يقبل من صدور الرجال إلا ما تلقوه من فم الرسول ﷺ فإن عمر ﵁ ينادي: "من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن فليأتنا به" ولم يقل من حفظ شيئًا من القرآن فليأتنا به.
стр. 115
مميزات جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁:
١- جمع القرآن الكريم في هذا العهد على أدق وجوه البحث والتحري والإتقان على الوجه الذي أشرنا إليه في منهج الجمع.
٢- أهمل في هذا الجمع ما نسخت تلاوته من الآيات.
٣- أن هذا الجمع كان بالأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن الكريم كما كان في الرقاع التي كتبت في عهد الرسول ﷺ .
٤- أن هذا الجمع كان مرتب الآيات باتفاق واختلف العلماء في السور هل كانت مرتبة في هذا الجمع أم أن ترتيبها كان في عهد عثمان ﵁.
٥- اتفق العلماء على أنه كتب نسخة واحدة من القرآن في هذا الجمع حفظها أبو بكر لأنه إمام المسلمين.
٦- ظفر هذا الجمع بإجماع الأمة عليه وتواتر ما فيه.
مكانة هذا الجمع:
ظفر هذا الجمع باتفاق الصحابة ﵃ على صحته ودقته وأجمعوا على سلامته من الزيادة أو النقصان، وتلقوه بالقبول والعناية التي يستحقها حتى قال علي بن أبي طالب ﵁: "أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر فإنه أول من جمع ما بين اللوحين"١.
ومع هذا التصريح من علي ﵁ فقد زعم قوم أن أول من جمع القرآن هو علي ﵁ وقد رد عليهم الألوسي فقال: وما شاع أن عليا -كرم الله وجهه- لما توفي رسول الله ﷺ تخلف لجمعه. فبعض طرقه ضعيفة، وبعضها موضوعة، وما صح فمحمول كما قيل على الجمع في الصدر، وقيل: كان جمعًا بصورة أخرى لغرض آخر، ويؤيده أنه
стр. 116
قد كتب فيه الناسخ والمنسوخ فهو ككتاب علم١. ولهذا روي أن أول من جمعه عمر ﵁، كما روي أن أول من جمعه سالم مولى أبي حذيفة، أقسم أن لا يرتدي برداء حتى يجمعه وكل ذلك محمول على ما حمل عليه جمع علي ﵁ بل ذكر ابن حجر وغيره أن جمع علي ﵁ كان حسب ترتيب النزول وذكر النهاوندي -أحد مفسري الرافضة- "أن الكتاب الذي جمعه أمير المؤمنين -رضى الله عنه- كان فيه بيان شأن نزول الآيات. وأسماء الذين نزلت فيهم وأوقات نزولها وتأويل متشابهاتها وتعيين ناسخها ومنسوخها، وذكر عامها وخاصها، وبيان العلوم المرتبطة بها، وكيفية قراءاتها"٢.
وإن صح هذا -مع استحالته- فليس هو بجمع للقرآن وإنما هو كتاب في علوم القرآن. وإنما قلت مع استحالته؛ فلأن جمعه حسب ترتيب النزول غير ممكن فقد سأل محمد بن سيرين عكرمة مولى ابن عباس فقال: "قلت لعكرمة: ألفوه كما أنزل الأول فالأول؟ قال: لو اجتمع الإنس والجن على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا"٣.
تسميته بالمصحف:
لم يكن "المصحف" يطلق على القرآن قبل جمع أبي بكر الصديق ﵁ وإنما عرف هذا الاسم بعد أن أتم زيد جمع القرآن فقد روى السيوطي عن ابن أشتة في كتابه "المصاحف" أنه قال: "لما جمعوا القرآن فكتبوه في الورق قال أبو بكر: التمسوا له اسمًا فقال بعضهم السفر وقال
стр. 117
بعضهم المصحف فإن الحبشة يسمونه المصحف وكان أبو بكر أول من جمع كتاب الله وسماه المصحف"١.
خبر هذا المصحف:
بعد أن أتم زيد جمع القرآن في المصحف سلمه لأبي بكر الصديق ﵁ فحفظه عنده حتى وفاته، ثم انتقل إلى أمير المؤمنين من بعده عمر بن الخطاب ﵁ وبعد وفاته انتقل المصحف إلى حفصة أم المؤمنين ﵂ لأن عمر ﵁ جعل أمر الخلافة من بعده شورى، فبقي عند حفصة إلى أن طلبه منها عثمان ﵁ لنسخه بعد ذلك، ثم أعاده إليها -لما سيأتي- ولما توفيت حفصة ﵂ أرسل مروان بن الحكم إلى أخيها عبد الله بن عمر ﵄ ساعة رجعوا من جنازة حفصة بعزيمة ليرسلن بها فأرسل بها ابن عمر إلى مروان فمزقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك خلاف ما نسخ عثمان رضي الله عنه٢.
стр. 118
ثالثا: جمع القرآن بمعنى نسخه في عهد عثمان بن عفان ﵁:
سببه:
عندما اتسعت الفتوحات الإسلامية انتشر الصحابة ﵃ في البلاد المفتوحة يعلمون أهلها القرآن وأمور الدين، وكان كل صحابي يعلم بالحرف الذي تلقاه من الأحرف السبعة، فكان أهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب ﵁ فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضًا١. وعندما اتجه جيش المسلمين لفتح "أرمينيه" و"أذربيجان" كان الجنود من أهل العراق وأهل الشام فكان
стр. 119
الشقاق والنزاع يقع بينهم ورأى حذيفة بن اليمان ﵁ اختلافهم في القراءة وبعض ذلك مشوب باللحن مع إلف كل منهم لقراءته واعتياده عليها واعتقاده أنها الصواب وما عداها تحريف وضلال، حتى كفر بعضهم بعضا فأفزع هذا حذيفة ﵁ فقال والله لأركبن إلى أمير المؤمنين "يعني عثمان بن عفان ﵁"، وكان عثمان قد رأى نحو هذا في المدينة, فقد كان المعلم يعلم بقراءة والمعلم الآخر يعلم بقراءة فجعل الصبيان يلتقون فينكر بعضهم قراءة الآخر فبلغ ذلك عثمان ﵁ فقام خطيبًا وقال: "أنتم عندي تختلفون فيه فتلحنون فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا، اجتمعوا يا أصحاب محمد، واكتبوا للناس إمامًا"١.
فلما جاء حذيفة إلى عثمان ﵄ وأخبره بما جرى تحقق عند عثمان ما توقعه، وقد روى البخاري في صحيحه قصة ذلك الجمع في حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح "أرمينيه" و"أذربيجان" مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان٢.
تاريخ هذا الجمع:
كان ذلك في أواخر سنة ٢٤ وأوائل سنة ٢٥ كما قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى٣.
стр. 120
فكرة الجمع:
لما سمع عثمان ﵁ ما سمع وأخبره حذيفة ﵁ بما رأى استشار الصحابة فيما يفعل، فقد روى ابن أبي داود بإسناد صحيح -كما يقول ابن حجر١- من طريق سويد بن غفلة قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: "يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف.. فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعًا، قال ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرًا، قلنا: فما ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا يكون اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت.. قال علي: والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل٢.
اللجنة المختارة:
اختار عثمان ﵁ أربعة لنسخ المصاحف هم:
زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهؤلاء الثلاثة من قريش.
فقد سأل عثمان ﵁ الصحابة: من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت قال: فأي الناس أعرب؟ وفي رواية أفصح. قالوا: سعيد بن العاص، قال عثمان: فليمل سعيد، وليكتب زيد"٣.
المنهج في هذا الجمع:
بعد أن اتفق عثمان مع الصحابة ﵃ أجمعين على جمع
стр. 121
القرآن على حرف سلك منهجًا فريدًا، وطريقًا سليمًا، أجمعت الأمة على سلامته ودقته.
١- فبدأ عثمان ﵁ بأن خطب في الناس فقال: "أيها الناس عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن وتقولون: "قراءة أبي" و"قراءة عبد الله" يقول الرجل: "والله ما تقيم قراءتك"!! فأعزم على كل رجل منكم ما كان من كتاب الله شيء لما جاء به، وكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن حتى جمع من ذلك كثرة، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلًا رجلًا فناشدهم، لسمعت رسول الله عليه وسلم وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم"١.
٢- وأرسل عثمان ﵁ إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر ﵄ أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نعيدها إليك، فأرسلت بها إليه، ومن المعلوم أن هذه الصحف هي التي جمعت في عهد أبي بكر الصديق ﵁ على أدق وجوه البحث والتحري.
٣- ثم دفع ذلك إلى زيد بن ثابت والقرشيين الثلاثة وأمرهم بنسخ مصاحف منها وقال عثمان للقرشيين: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم"٢.
٤- إذا تواتر في آية أكثر من قراءة تكتب الآية خالية من أية علامة تقصر النطق بها على قراءة واحدة فتكتب برسم واحد يحتمل القراءتين أو القراءات فيها جميعًا مثل:
أ- ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ٣ التي قرأت أيضا "فتثبتوا"٤.
стр. 122
ب- ﴿نُنشِزُهَا﴾ ١ قرأت أيضا "ننشرها"٢.
أما إذا لم يكن رسمها بحيث تحتمل القراءات فيها فتكتب في بعض المصاحف برسم يدل على قراءة، وفي مصاحف أخرى برسم يدل على القراءة الأخرى مثل:
أ- ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ٣ هكذا تكتب في بعض المصاحف وفي بعضها "وأوصى"٤.
ب- ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٥ بواو قبل السين في بعض المصاحف وفي بعضها بحذف الواو٦.
وبعد الفراغ من نسخ المصاحف بعث عثمان بنسخ منها إلى الأمصار الإسلامية حيث نشط المسلمون في نسخ مصاحف منها للأفراد, وكان زيد بن ثابت في المدينة يتفرغ في رمضان من كل سنة لعرض المصاحف فيعرضون مصاحفهم عليه وبين يديه مصحف أهل المدينة٧.
مزايا جمع القرآن في عهد عثمان ﵁:
تميز هذا الجمع بمزايا عديدة منها:
١- الاقتصار على حرف واحد من الأحرف السبعة، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: جمع عثمان ﵁ الناس على حرف واحد من
стр. 123
الأحرف السبعة التي أطلق لهم رسول الله ﷺ القراءة بها لما كان ذلك مصلحة"١.
٢- إهمال ما نسخت تلاوته:
فقد كان قصد عثمان ﵁ جمع الناس على مصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه، ومفروض قراءته وحفظه، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد٢.
٣- الاقتصار على ما ثبت في العرضة الأخيرة وإهمال ما عداه.
فقد روى ابن أبي داود في المصاحف عن محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثنى عشر رجلًا من قريش والأنصار فيهم أبي بن كعب، وزيد بن ثابت قال فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بها، قال وكان عثمان يتعاهدهم فكانوا إذا تدارءوا في شيء أخروه، قال محمد: فقلت لكثير وكان منهم فيمن يكتب: هل تدرون لم كانوا يؤخرونه؟ قال: لا، قال محمد فظننت ظنا أنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الأخيرة فيكتبونها على قوله٣.
٤- الاقتصار على القراءات الثابتة المعروفة عن الرسول ﷺ وإلغاء ما لم يثبت٤.
٥- كان مرتب الآيات والسور على الوجه المعروف الآن.
قال الحاكم في المستدرك: "إن جمع القرآن لم يكن مرة واحدة، فقد جمع بعضه بحضرة الرسول ﷺ ثم جمع بعضه بحضرة أبي بكر الصديق،
стр. 124
والجمع الثالث هو في ترتيب السور وكان في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عثمان ﵃ أجمعين"١.
الفروق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان ﵄:
كان معنى "الجمع" ظاهرًا في جمع القرآن في عهد أبي بكر فقد كان القرآن مفرقًا فأمر بجمعه كما قال المحاسبي: "كان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله ﷺ فيها القرآن منتشر، فجمعها جامع، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء"٢.
إذًا فمعنى الجمع فيه ظاهر لا يحتاج إلى تفريق بينه وبين الجمع في عهد الرسول ﷺ لكن الإشكال واللبس هو في الجمعين الثاني والثالث، إذ كيف يأمر عثمان بجمع القرآن وهو مجموع في عهد أبي بكر ﵄ ولذا فإن العلماء يولون التفريق بين جمع القرآن في عهد أبي بكر وجمعه في عهد عثمان عنايتهم لإزالة هذا اللبس، ويذكرون فروقًا.
قال القاضي أبو بكر في الانتصار: "لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع القرآن بين لوحين وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي ﷺ وإلغاء ما ليس كذلك"٣ وقال ابن التين وغيره: "الفروق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته لأنه لم يكن مجموعًا في أي موضع واحد فجمعه في صحائف مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ﷺ وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرءوه بلغاتهم على اتساع اللغات؛ فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشي من تفاقم الأمر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبًا لسوره، واقتصر
стр. 125
من سائر اللغات على لغة قريش محتجًا بأنه نزل بلغتهم١.
ومن هذين النصين نستطيع أن نستخلص أهم الفروق وهي:
١- أن الباعث لجمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ خشية أن يذهب شيء من القرآن بذهاب حفظته، وذلك حين استحر القتل بالقراء في حروب الردة، أما جمعه في عهد عثمان ﵁ فلكثرة الاختلاف في وجوه القراءة.
٢- أن جمع أبي بكر ﵁ على الأحرف السبعة، أما جمعه في عهد عثمان فقد كان على حرف واحد.
٣- أن جمع أبي بكر ﵁ كان مرتب الآيات وفي ترتيب السور خلاف، أما جمع عثمان فقد كان مرتب الآيات والسور باتفاق.
٤- أن الجمع في عهد أبي بكر ﵁ بمعنى الجمع في مصحف واحد وأما الجمع في عهد عثمان ﵁ فبمعنى نسخه في مصاحف متعددة.
إنفاذ المصاحف:
بعد أن أتمت اللجنة نسخ المصاحف أنفذ عثمان إلى آفاق الإسلام بنسخ منها وأرسل مع كل مصحف من يوافق قراءته فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني وبعث عبد الله بن السائب مع المكي والمغيرة بن أبي شهاب٢ مع الشامي وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي وعامر بن عبد القيس مع البصري وتلقى التابعون في كل قطر قراءة إمامهم وتفرغ قوم منهم لضبط القراءات حتى صاروا أئمة يرحل إليهم٣.
стр. 126
موقف الصحابة من هذا الجمع:
وبعد أن أنفذ عثمان المصاحف أمر بما سوى مصحفه أن يحرق وبعث "إلى أهل الأمصار إني قد صنعت كذا وكذا ومحوت ما عندي فامحوا ما عندكم"١.
وقد رضي الصحابة ﵃ ما صنع عثمان وأجمعوا على سلامته وصحته وقال زيد بن ثابت "فرأيت أصحاب محمد يقولون: أحسن والله عثمان، أحسن والله عثمان"٢.
وروى ابن أبي داود عن مصعب بن سعد قال: "أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك وقال: لم ينكر ذلك منهم أحد"٣.
وروى سويد بن غفلة قال: قال علي ﵁: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا"٤ وعند ابن أبي داود قال: قال علي في المصاحف "لو لم يصنعه عثمان لصنعته"٥.
ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلاف أو معارضة لما فعل عثمان ﵁ إلا ما روي من معارضة عبد الله بن مسعود وينبغي أن نعلم أن معارضته ﵁ لم تكن بسبب حصول تقصير في الجمع أو نقص أو زيادة، وإنما جاءت معارضته لعدم تعيينه مع أعضاء لجنة النسخ للمصاحف، ولهذا قال "أعزل عن نسخ المصاحف وتولاها رجل والله لقد
стр. 127
أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر"١.
وروى الترمذي عن ابن شهاب قال: "فبلغني أن ذلك كرهه من مقالة ابن مسعود رجال من أفاضل أصحاب النبي ﷺ "٢ وقد دافع أبو بكر الأنباري عن اختيار زيد بقوله: "ولم يكن الاختيار لزيد.. إلا أن زيدًا كان أحفظ للقرآن من عبد الله إذا وعاه كله ورسول الله ﷺ حي، ولا ينبغي أن يظن جاهل أن في هذا طعنًا على عبد الله بن مسعود؛ لأن زيدًا إذا كان أحفظ للقرآن منه فليس ذلك موجبًا لتقدمته عليه؛ لأن أبا بكر وعمر ﵄ كان زيد أحفظ منهما للقرآن وليس هو خيرًا منهما ولا مساويًا لهما في الفضائل، والمناقب، وما بدا عن عبد الله بن مسعود من نكير فشيء نتجه الغضب، ولا يعمل به ولا يؤخذ به، ولا يشك في أنه ﵁ قد عرف بعد زوال الغضب عنه حسن اختيار عثمان ومن معه من أصحاب رسول الله ﷺ وبقي على موافقتهم وترك الخلاف لهم"٣ وأكد ذلك الذهبي فقال: "وقد ورد أن ابن مسعود رضي وتابع عثمان ولله الحمد"٤ وقال ابن كثير: "وإنما روي عن عبد الله بن مسعود شيء من الغضب؛ بسبب أنه لم يكن ممن كتب المصاحف إلى أن قال.. ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق"٥.
فإن قيل كيف جاز للصحابة ترك الأحرف الستة التي أمر الرسول ﷺ قراءة القرآن بها واقتصروا على حرف واحد؟
قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة.. وإذا كان ذلك لم يكن القوم بتركهم بقية الأحرف
стр. 128
تاركين ما عليهم نقله، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما يؤدون به الواجب وهو أحد هذه الأحرف, فإذا حفظوه ونقلوه فقد فعلوا ما كلفوا به١.
وقد علل ابن القيم -رحمه الله تعالى- جمع الناس على حرف واحد، فأحسن حيث قال: "فلما خاف الصحابة ﵃ على الأمة أن يختلفوا في القرآن ورأوا أن جمعهم على حرف واحد أسلم وأبعد من وقوع الاختلاف فعلوا ذلك ومنعوا الناس من القراءة بغيره، وهذا كما لو كان للناس عدة طرق إلى البيت، وكان سلوكهم في تلك الطرق يوقعهم في التفرق والتشتيت ويطمع فيهم العدو, فرأى الإمام جمعهم على طريق واحد، فترك بقية الطرق جاز ذلك، ولم يكن فيه إبطال لكون تلك الطرق موصلة إلى المقصود وإن كان فيه نهي عن سلوكه لمصلحة الأمة"٢.
عدد المصاحف التي أمر عثمان ﵁ بنسخها:
اختلف في عدد النسخ التي كتبها عثمان إلى خمسة أقوال:
١- قيل إنها أربع نسخ:
قال أبو عمرو الداني: "أكثر العلماء على أن عثمان بن عفان ﵁ لما كتب المصحف جعله على أربع نسخ, وبعث إلى كل ناحية من النواحي بواحدة منهن، فوجه إلى الكوفة إحداهن وإلى البصرة أخرى وإلى الشام الثالثة، وأمسك عند نفسه واحدة٣.
٢- قيل إنها خمس نسخ:
قال السيوطي: "المشهور أنها خمسة"٤.
стр. 129
٣- قيل: إنها سبع نسخ:
فقد روى ابن أبي داود عن أبي حاتم السجستاني قال: لما كتب عثمان المصاحف حين جمع القرآن كتب سبعة مصاحف فبعث واحدا إلى مكة وآخر إلى الشام وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدا"١.
وقيل: إنها ثمانية وقيل إنها ستة.
خبر هذه المصاحف:
ذكر بعض المؤرخين القدامى رؤيتهم لبعض هذه المصاحف وممن ذكر رؤيته لبعضها ابن جبير "ت٦١٤هـ" حين زار جامع دمشق رأى في الركن الشرقي من المقصورة الحديثة في المحراب خزانة كبيرة فيها مصحف من مصاحف عثمان ﵁ وهو المصحف الذي وجه به إلى الشام كما قال٢ وقد زار المسجد أيضًا ابن بطوطة "ت٧٧٩هـ" فقال: "وفي قبلة المسجد المقصورة العظمى التي يؤم فيها إمام الشافعية وفي الركن الشرقي منها إزاء المحراب خزانة كبيرة فيها المصحف الكريم الذي وجه أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ إلى الشام"٣ ورأى النسخة نفسها ابن كثير "٧٧٤هـ" رحمه الله تعالى حيث قال: "وأما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كان قديمًا في طبرية، ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثماني عشرة وخمس مائة, وقد رأيته كتابًا جليلًا عظيمًا ضخمًا بخط حسن مبين قوي بحبر محكم في رق أظنه من جلود الإبل والله أعلم٤ كما ذكر ابن بطوطة أنه رأى في مسجد علي ﵁ في
стр. 130
البصرة المصحف الذي كان عثمان ﵁ يقرأ فيه لما قتل، وأثر تغيير الدم في الورقة التي فيها قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١، ٢ ويبدو كذلك أن ابن الجزري وابن فضل الله العمري قد رأيا كلاهما هذا المصحف الشامي نفسه٣. ورأى ابن الجزري مصحفًا في مصر٤.
ويبدو -كذلك- أن المصحف الشامي ظل محفوظًا في الجامع الأموي إلى أوائل القرن الرابع عشر الهجري حيث قيل: إنه احترق، فقد قال الأستاذ محمد كرد علي في حديثه عن الجامع الأموي: حتى إذا كانت سنة ١٣١٠هـ. سرت النار إلى جذوع سقوفه فالتهمتها في أقل من ثلاث ساعات فدثر آخر ما بقي من آثاره، ورياشه وحرق فيه مصحف كبير بالخط الكوفي كان جيء به من مسجد عتيق في بُصرى, وكان الناس يقولون: إنه المصحف العثماني٥ وقيل: إن هذا المصحف أمسى زمنًا في حوزة قياصرة الروس في دار الكتب في لينينجراد ثم نقل إلى إنجلترا٦.
كما أن هناك مصاحف أثرية تحتويها خزائن الكتب والآثار في مصر، ومنها المصحف المحفوظ في خزائن الآثار بالمسجد الحسيني، ويقال عنها إنها مصاحف عثمانية، وقد شكك كثيرًا الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني بهذا, معللا بأن فيها زركشة ونقوشًا موضوعة كعلامات للفصل بين السور ولبيان أعشار القرآن، ومعلوم أن المصاحف العثمانية كانت خالية من كل هذا٧.
стр. 131
وفقد هذه المصاحف لا يقلل من ثقتنًا اليقينية بما تواتر واستفاض نقله من المصاحف ثقة عن ثقة وإمامًا عن إمام، وسواء وجدت هذه المصاحف أو فقدت, فإنا على يقين تام لا يزاوله شك ولا يعتريه ريب بسلامة هذه المصاحف من الزيادة أو النقصان، وقد اعترف بذلك غير المسلمين من العلماء المحققين يقول المستشرق موير: "إن المصحف الذي جمعه عثمان قد تواتر انتقاله من يد ليد حتى وصل إلينا بدون أي تحريف، ولقد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر، بل نستطيع أن نقول: إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها، والمتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، وهذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم يعد أكبر حجة ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا١.
стр. 132
النوع الثالث: جمعه بمعنى تسجيله صوتيا
مدخل
...
النوع الثالث: جمعه بمعنى تسجيله صوتيًّا:
من المعلوم أن للتلاوة أحكامًا ينبغي أن يأخذ بها تالي القرآن الكريم كالقلقلة والرَّوْم والإشمام، والإخفاء، والإدغام، والإقلاب، والإظهار، ونحو ذلك. وليس من السهل بل قد تتعذر كتابة مثل هذا.
ولهذا قرر العلماء -رحمهم الله تعالى- أنه لا يصح التعويل على المصاحف وحدها، بل لا بد من التلقي عن حافظ متقن، وكانوا يقولون: "من أعظم البلية تشييخ الصحيفة"١. ويقولون: "لا تأخذوا القرآن من مصحفي ولا العلم من صحفي"٢. وهو الذي يعلم الناس وينظر إلى رسم المصحف. وكان الشافعي -رحمه الله تعالى- يقول: "من تفقه من بطون
стр. 133
الكتب ضيع الأحكام"١. بل إن أعلام حفاظ القرآن يميزون الحفظ بالتلقي، فهذا ابن مسعود ﵁ يقول: "والله لقد أخذت من فيِّ رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة"٢ ويبين عمن أخذ باقيه فيقول في رواية أخرى: "وأخذت بقية القرآن عن أصحابه"٣ ولإدراكه ﵁ مكانة التلقي بالمشافهة كان إذا سئل عن سورة لم يكن تلقاها عن رسول الله ﷺ صرح لهم بذلك، ودلهم على من تلقاها بالمشافهة عن الرسول ﷺ فعن معد يكرب قال: أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ "طسم" المائتين، فقال: ما هي معي, ولكن عليكم من أخذها من رسول الله ﷺ خباب بن الأَرَتّ، قال: فأتينا خباب بن الأرت، فقرأها علينا٤.
وما قاله ابن مسعود وغيره من أعلام الحفاظ في وجوب التلقي للقرآن مشافهة لم يبتدعوه من عند أنفسهم, وإنما أخذوه من سنة رسول الله ﷺ فقد كان النبي ﷺ نفسه يتعلم القرآن من جبريل ﵇ ويشافهه به مشافهة، ويعارضه القرآن في كل عام في شهر رمضان، وعارضه عام وفاته بالقرآن مرتين، والصلوات الخمس يجهر في ثلاث منها، وكذا في صلاة الجمعة، والاستسقاء، والخسوف، والكسوف، والتراويح، والعيدين، وفي هذا إشارة إلى تعلم الناس للتلاوة الصحيحة في الصلاة الجهرية ثم تطبيقها في الصلاة السرية.
وكان الرسول ﷺ يبعث القراء إلى من يدخل في الإسلام لتعليمهم التلاوة وكان بإمكانه ﷺ أن يكتب لهم، واقتدى بسنته من بعده الخلفاء
стр. 134
الراشدون فأرسلوا إلى أهل البلدان المفتوحة قراء يعلمونهم القرآن، ولما نسخ عثمان المصاحف أرسل مع كل مصحف قارئًا يعلم الناس عليه.
ولا شك أن هذا دليل قاطع على أن من أحكام القراءة ما لا يمكن إتقانه إلا بالتلقي الشفهي.
ولم يكن من وسيلة لتحقيق ذلك إلا عن طريق القراء وقد جدت في العصر الحديث وسائل وآلات تسجل الصوت، ثم تعيده.
ولا شك أن هذه الآلات والاستفادة منها في نشر القرآن الكريم وبثه في العالم الإسلامي خاصة في البلدان التي تفتقد المعلم الضابط من خير الوسائل لحفظه وتعليمه.
وقد أدرك هذا الأمر بعض الغيورين على الإسلام والحريصين على نشره فتداعوا لجمع القرآن في أشرطة صوتية كما جمع على الورق في الصحف.
وتبنت الجمع الجمعية العامة للمحافظة على القرآن الكريم بمصر وكان ذلك سنة ١٣٧٩هـ باقتراح من رئيسها الأستاذ لبيب السعيد١، وقد اتفقوا على تسمية المشروع بـ "المصحف المرتل" أو "الجمع الصوتي".
стр. 135
تعريف المصحف المرتل:
أما المصحف: فمثلثة الميم، والأصل والأشهر الضم، وهو مأخوذ من "أصحف" أي جعلت فيه الصحف١.
واصطلاحًا: هو مجموعة صحائف القرآن مرتبة الآيات والسور على الوجه الذي تلقته الأمة الإسلامية من النبي ﷺ .
والفرق بين المصحف والقرآن أن المصحف اسم لمجموع الصحائف المدون فيها القرآن، أما القرآن الكريم فهو الألفاظ ذاتها.
стр. 136
وأما المرتل لغة: فمأخوذ من رَتِل الثغر، إذا استوى نباته، وحسن تنضيده، وكان مُفلِجا.
واصطلاحًا: القراءة بتؤدة واطمئنان وإخراج كل حرف من مخرجه مع إعطائه حقه ومستحقه ومع تدبر المعاني، وقيل هو رعاية مخارج الحروف، وحفظ الوقوف.
والترتيل أفضل مراتب القراءة الأربع وهي:
١- التحقيق: وهو أكثرها اطمئنانًا وأكثر ما يستعمل في التعليم.
٢- الترتيل: القراءة بتؤدة واطمئنان.
٣- التدوير: وهي مرتبة بين الترتيل والحدر.
٤- الحدر: وهو الإسراع بالقراءة مع مراعاة الأحكام.
المراد به:
المصحف المرتل هو التسجيل المسموع للقرآن الكريم.
أدواته:
أجهزة التسجيل الحديثة وأشرطته وأسطواناته ونحوها.
سببه:
أما بواعث التفكير في الجمع الصوتي للقرآن الكريم فكثيرة منها:
١- اقتضاء المحافظة على القرآن الكريم وذلك عن طريق:
أ- تعليم النطق الصحيح الذي لا محيص عنه لطالب القرآن والذي بغيره لا يؤمن التصحيف.
ب- المحافظة على القراءات التي نزل بها القرآن وأجمع عليها المسلمون وثبت تواترها.
ج- المنع من القراءة بالشواذ التي تعلق بها أفراد من القراء.
٢- تيسير تحفيظ القرآن الكريم وتعليمه.
أ- لأن المصاحف المرتلة نماذج صوتية ممتازة للترتيل الصحيح.
ب- لأنها تيسر القرآن للحفظ والتعليم خاصة في البلدان التي تفتقد المعلم الضابط.
ج- لأنها طِبُّ اختلاف الرسم العثماني عن الرسم الإملائي المعروف.
стр. 137
٣- ضرورة الذود عن القرآن الكريم ضد الطاعنين عليه وضد كل محاولة لتحريفه، وكل عقبة توضع أمام وحدة أتباعه أو أمام نشره وتوزيعه بين المسلمين وذلك بأن يبث في الإذاعات ونحوها.
٤- معاضدة المصحف العثماني الذي أجمع المسلمون عليه.
٥- درء أي تحريف عن القرآن الكريم.
٦- نشر لغة القرآن الكريم وتوطيد الوحدة بين المسلمين.
стр. 138
تاريخ المصحف المرتل:
عقد أول اجتماع في الجمعية العامة للمحافظة على القرآن الكريم برئاسة الأستاذ لبيب السعيد لدراسة الموضوع في مساء ١٤/ رمضان/ ١٣٧٨هـ في القاهرة وتمت الموافقة عليه ووضعت الشروط والمواصفات.
بدء الطبع:
لاقى المشروع في بدايته عقبات كثيرة مادية وعلمية وغيرها، وقد تجاوز بحمد الله كل هذا، وبدأ الطبع لأول مرة سنة ١٣٧٩هـ في ذي القعدة، وكانت الطبعة الأولى في المحرم من عام ١٣٨١هـ, وذلك بقراءة الشيخ محمود خليل الحصري برواية حفص عن عاصم، فأعقب هذا سنة ١٣٨٢هـ تسجيل قراءة أبي عمرو برواية الدوري.
كيفية التسجيل:
لم يكن التسجيل شيئًا هينا فمع امتياز القارئ وكونه قد أصبح آنئذ شيخ المقارئ المصرية, فقد كانت اللجنة تستوقفه كثيرًا ليعيد التسجيل على النحو النموذجي المطلوب.
القراء وهم:
١- محمود خليل الحصري ويقرأ برواية حفص عن عاصم.
٢- مصطفى المَلَّواني ويقرأ برواية خلف عن حمزة.
٣- عبد الفتاح القاضي ويقرأ برواية ابن وردان عن أبي جعفر.
٤- فؤاد العروسي، ومحمد صديق المنشاوي، وكامل يوسف البهتيمي برواية الدوري عن أبي عمرو. ولم يتم تسجيل شيء لغير الحصري.
стр. 139
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف:
وقد أدركت حكمة المملكة العربية السعودية -وفقها الله تعالى إلى كل خير- الحاجة الماسة للعناية بطباعة المصحف وتسجيله, فأنشأت "مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف" وتم افتتاحه في السادس من شهر صفر عام ١٤٠٥ ومن أهداف هذا المجمع:
١- طباعة المصحف الشريف:
طباعة تنأى به عن الأخطاء المطبعية، حيث أنشأت مطبعة تعد من أضخم المطابع في العالم وأحدثها. ويسمى المصحف الذي تصدره "مصحف المدينة النبوية" وتبلغ طاقة المطبعة ثلاثين مليون نسخة سنويًّا أي بمعدل مصحف كامل كل "ثانية" بدون توقف.
٢- ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات المختلفة:
وقد أصدر المجمع حتى نهاية رجب عام ١٤٢٣هـ أربعين ترجمة لمعاني القرآن الكريم.
٣- تسجيل القرآن الكريم:
يضم المجمع أستديو للتسجيلات الصوتية، مجهزًا بأحدث الآلات والمعدات ذات التقنية العالية، حيث يتم تسجيل تلاوة القرآن الكريم بأصوات كبار القراء بالمملكة والعالم الإسلامي تحت إشراف لجنة من كبار العلماء تراقب أعمال التسجيل.
ويسعى المجمع في خطته المستقبلية إلى إنتاج إصدارات صوتية لترجمة معاني القرآن الكريم باللغات المختلفة.
وتبلغ الطاقة الإنتاجية من أشرطة الكاسيت في المجمع أكثر من مليونين وأربع مائة ألف شريط سنويًّا.
стр. 140
وحتى نهاية رجب عام ١٤٢٣هـ تم تسجيل القرآن الكريم كاملًا برواية حفص عن عاصم بأصوات كل من:
١- الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي إمام المسجد النبوي الشريف.
٢- الشيخ محمد أيوب محمد يوسف.
٣- الشيخ عبد الله بن علي بصفر.
٤- الشيخ إبراهيم الأخضر علي القيم.
٥- الدكتور عماد بن زهير حافظ.
كما تم تسجيل القرآن الكريم كاملًا بصوت الشيخ علي الحذيفي برواية قالون عن نافع.
وتم تسجيل معاني القرآن الكريم مترجمة إلى اللغة الأورمية وهناك خطة لتسجيل معاني القرآن الكريم بلغات أخرى.
٤- الوفاء باحتياجات الحرمين الشريفين والمساجد والعالم الإسلامي من الإصدارات الخاصة بالقرآن الكريم.
٥- خدمة السنة والسيرة النبوية الشريفة.
وذلك بجمع وحفظ الكتب والمخطوطات والوثائق والمعلومات المتعلقة بالسنة والسيرة وإعداد موسوعة في الحديث النبوي إلى جانب ترجمة بعض أمهات كتب السنة والسيرة.
٦- إجراء البحوث والدراسات المتعلقة بالقرآن والسنة١.
стр. 141
ترتيب سور القرآن الكريم وآياته
مدخل
...
ترتيب سور القرآن الكريم وآياته:
وهذا مبحث مهم من المباحث الجليلة، أولاه العلماء اهتمامهم وعنايتهم وزادت قيمته ومكانته حين ظهر الاتجاه الحديث في الدراسات القرآنية بتناول السور القرآنية مستقلة بناء على الوحدة الموضوعية، وأن كل سورة ذات هدف معين وغرض أساس أنزلت لأجله، وأكدوا على هذا المعنى باعتباره مدخلًا لفهم معانيها وكشف أسرارها وحكمها, ثم بنوا على ذلك الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم وبيان المناسبات بين الآيات والسور.
وتقسيم القرآن إلى سور وآيات من خصائصه التي لا يشاركه فيها كتاب آخر قال الجاحظ: "سمى الله كتابًا اسمه مخالفًا لما سمى العرب كلامهم على الجمل والتفصيل سمى جملته قرآنًا كما سموا ديوانًا، وبعضه سورة كقصيدة، وبعضها آية كالبيت وآخرها فاصلة كقافية"١.
стр. 142
أولا سور القرآن الكريم
مدخل
...
أولا- سور القرآن الكريم:
السور: جمع سورة، وفي نطق "السورة" لغتان:
أولاهما:
"السؤرة" بالهمزة مشتقة من "أسأر" أي أبقى "والسؤر" البقية التي تبقى من شرب الشارب في الإناء، وسميت سؤرة كأن السؤرة بقية جملة القرآن وقطعة منه.
стр. 143
ثانيهما:
"السورة" بدون همز ومعناها في اللغة: المنزلة والشرف وما طال من البناء وحسن، والعلامة، وسميت السورة سورة لارتفاعها وشرفها وكونها علامة على صدق من جاء بها، ودليلًا على أن هذا القرآن من عند الله، وهي تشبه السور من وجهين:
- الأول: أن السور له علو حسي والسورة لها علو معنوي.
- الثاني: أن السور يقوم بناؤه على لبنات بعضها فوق بعض والسورة يقوم بناؤها على آيات يتبع بعضها بعضًا.
أما في الاصطلاح: فهي "طائفة مستقلة من آيات القرآن ذات مطلع ومقطع".
стр. 144
طريق معرفة السورة:
معرفة سور القرآن الكريم من حيث بداية كل سورة ونهايتها توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه.
стр. 145
عدد سور القرآن:
قال الزركشي رحمه الله تعالى: "اعلم أن عدد سور القرآن العظيم باتفاق أهل الحل والعقد مائة وأربع عشرة سورة كما هي في المصحف العثماني, أولها الفاتحة وآخرها الناس، وقال مجاهد: وثلاث عشرة بجعل الأنفال والتوبة سورة واحدة لاشتباه الطرفين وعدم البسملة، ويرده تسمية النبي ﷺ كلا منهما"١.