فضل استماعه:
وكما ورد الوعد بالثواب على تلاوة القرآن فقد ورد أيضًا الوعد بالثواب لمستمع التلاوة بخشوع وتدبر وإنصات قال الليث بن سعد رحمه الله تعالى يقال: ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١ ولعل من الله واجبه٢.
ومما جاء في السنة في ثواب استماع القرآن الكريم حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: "من استمع إلى آية من كتاب الله تعالى كتب له حسنة مضاعفة ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة" ٣.
стр. 72
فضل الاجتماع لدرسه:
من أجمع الأحاديث التي وردت في بيان ثواب الاجتماع لتلاوة القرآن الكريم وتدارسه حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده" ١ فجمع هذا الحديث أربعة أنواع من ثواب تلاوة القرآن ومدارسته.
١- تنزل عليهم السكينة.
стр. 73
٢- تغشاهم الرحمة.
٣- تحفهم الملائكة.
٤- يذكرهم الله فيمن عنده.
ومن منا لا يحرص على كل واحدة منها فضلًا عنها كلها، كيف وقد اجتمعت كلها في عمل واحد ميسر، وفي هذا ندب لتعلم القرآن الكريم ومعرفة علومه وأحكامه ومعانيه.
стр. 74
آداب التلاوة والاستماع:
لا ريب أن لتلاوة هذا الكتاب آدابا ينبغي العمل بها ففي ذلك أيضا زيادة لثواب التلاوة.
وآداب التلاوة كثيرة لعل أهمها:
١- الطهارة وتشمل طهارة البدن، وطهارة المكان، وطهارة اللباس، وطهارة الفم وفوق هذا كله طهارة القلب ونقاؤه من الشرك والشك والرياء.
أما طهارة البدن فقد اتفق العلماء رحمهم الله تعالى على أن الجنب لا يجوز له مس المصحف أو القراءة للقرآن حتى يغتسل، أما الطهارة من الحدث الأصغر فقد اشترطها بعض العلماء لقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ١.
ولم يشترطها آخرون ومما لا شك فيه أن الأفضل والأولى هو الطهارة من الحدث الأصغر أيضًا.
وأما طهارة المكان فلا يجوز أن يقرأ القرآن في الأماكن النجسة سواء كانت نجاسة حسية كالحمامات ونحوها أو نجاسة معنوية كالملاهي وحانات الخمور والفسق والفجور.
стр. 75
وطهارة اللباس والتطيب عند التلاوة من الآداب المحمودة, وقد كان رسول الله ﷺ إذا قام بالليل يتهجد اغتلف بالغالية١ وهي أخلاط من الطيب كالمسك والعنبر وكان ابن مسعود ﵁ تعجبه الثياب الحسنة النظيفة والريح الطيب إذا قام إلى الصلاة وكان ﵁ إذا قرأ اعتم ولبس ثيابه وارتدى واستقبل القبلة٢.
حتى طهارة الفم حرص الإسلام عليها عند تلاوة القرآن روى علي ﵁ حديثا عن الرسول ﷺ وفيه: "فطهروا أفواهكم للقرآن" ٣، وعنه ﵁ قال: "إن أفواهكم طرق للقرآن فطيبوها بالسواك"٤، وكان رسول الله ﷺ إذا قام في الليل يشوص فاه بالسواك٥.
٢- ومن آداب التلاوة أن يستوي قاعدا في غير صلاة تأدبا مع القرآن.
٣- ومنها أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند ابتداء القرآن لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ٦.
٤- ومنها أن يقرأ البسملة بعد الاستعاذة بأن يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم" وقد أجمع العلماء على مشروعية البسملة عند تلاوة كل سورة من سورة القرآن الكريم سوى براءة.
٥- يستحب إذا تثاءب أن يمسك عن القراءة لأنه مخاطب ربه ومناج له.
стр. 76
٦- وإذا شرع في القراءة فينبغي أن لا يشتغل عنها ولا يقطعها ولا يخللها بكلام الآدميين إلا لضرورة.
٧- أن يقرأ على تؤدة وأن يرتل القرآن ترتيلا ولا يهذه هذًّا.
٨- أن يقف عند آية الوعد فيسأل الله من فضله، وعند آية الوعيد فيستجير بالله من عقابه.
٩- أن يرفع المصحف بيده أو على شيء مرتفع أمامه ولا يضعه على الأرض لما في ذلك من الامتهان.
١٠- أن يقرأ بتدبر وتمعن وفهم لما يتلوه ولا يكون كل همه كم قرأ؟! فقد قال أبو جمرة: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، إني أقرأ القرآن في ثلاث. قال: لأن أقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول١. وقال ابن عباس ﵄ أيضا: لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله٢.
١١- ومن آداب استماع القرآن الإنصات والإصغاء للتلاوة وترك الكلام والضحك.
١٢- ومنها أن لا يعبث ولا يكثر من الحركة لغير حاجة.
١٣- ومنها الخشوع عند سماع القرآن واستحضار القلب والتفكر والتدبر فيما يسمع من الآيات.
стр. 77
خصائص القرآن الكريم
مدخل
...
خصائص القرآن الكريم
أنزل الله تعالى هذا القرآن على الرسول ﷺ ليخرج به هذه الأمة من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام حتى أصبحت خير أمة أخرجت للناس.
وتميزت هذه الأمة بخصائص كثيرة ليست في الأمم كلها واختص أيضا نبيها ﷺ بخصائص كثيرة، وتميز دينها الإسلامي بخصائص عديدة ليست في الأديان الأخرى، وتميز الكتاب الذي أنزل عليها بخصائص دون سائر الكتب المنزلة.
وقد كتب كثير من العلماء في خصائص الإسلام١، وفي خصائص الأمة الإسلامية٢ وفي خصائص الرسول الله صلى الله عليه وسلم٣. فلا عجب أن يهتم العلماء أيضا بخصائص القرآن الكريم٤، وقد أورد العلماء هذه الخصائص في بطون مؤلفاتهم عن علوم القرآن وأفردها بعضهم, وفي هذا الموضوع مجال خصب يمرح فيه بعض المشعوذين والدجالين فيوردون فيه بعض الخرافات والشعوذة. وبالتحقيق والتدقيق يذهب زغل المبطلين.
وسأذكر هنا بعض هذه الخصائص:
стр. 78
خصائص تتعلق ب فضله وشرفه ومكانته
فضله
...
أولًا- خصائص تتعلق بفضله وشرفه ومكانته "وهي خصائص كثيرة منها":
١- فضله:
لا يخفى فضل القرآن عمن لديه أدنى علم شرعي ذلكم أن القرآن الكريم "كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، فلا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه"١.
هو كلام الله العظيم، وصراطه المستقيم، ودستوره القويم، ناط به كل سعادة، هو رسالة الله الخالدة، ومعجزته الدائمة، ورحمته الواسعة وحكمته البالغة، ونعمته السابغة.
هو حجة الرسول ﷺ الدامغة، وآيته الكبرى، شاهدة برسالته، وناطقة بنبوته.
هو كتاب الإسلام في عقائده، وعباداته، وحكمه وأحكامه، وآدابه، وأخلاقه، وقصصه، ومواعظه، وعلومه، وأخباره، وهدايته، ودلالته.
هو أساس رسالة التوحيد، والمصدر القويم للتشريع، ومنهل الحكمة والهداية، والرحمة المسداة للناس، والنور المبين للأمة، والمحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك.
فضله لا يدانيه فضل، ولا تسمو إليه مكانة، وسبق الحديث عن فضله في القرآن، وفضله في السنة، بما يغني عن إعادته.
стр. 79
٢- شفاعته لأهله:
ومن خصائص القرآن الكريم أنه يشفع لأهله يوم القيامة ومن الأدلة
стр. 80
على ذلك حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه" ١.
إنه شفاء:
قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢ وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ ٣، وقال : ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى﴾ ٤.
وتدبر وصف الله للقرآن بأنه شفاء ولم يصفه بأنه دواء؛ لأن الشفاء هو ثمرة الدواء والهدف منه، أما الدواء فقد يفيد وقد يضر فكان وصف القرآن بأنه شفاء تأكيد وأي تأكيد لثمرة التداوي به.
وقد ضرب رسول الله ﷺ المثل بنفسه بالتداوي بالقرآن، فقد روت عائشة ﵂ قالت: "أن النبي ﷺ كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها"٥.
وأقر الصحابة ﵃ على الاستشفاء به، فقد روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ أتوا على حي من أحياء العرب فلم يقروهم فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقال: هل معكم من دواء أو راق فقالوا: إنكم لم تقرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعْلا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بُزاقه ويتفل فبرأ فأتوا بالشاء فقالوا لا نأخذه حتى نسأل النبي ﷺ فسألوه فضحك.
стр. 81
وقال: "وما أدراك أنها رقية، خذوها واضربوا لي بسهم" ١.
والقرآن شفاء للأمراض النفسية وما أحوج مجتمعاتنا المعاصرة إلى التداوي بالقرآن لهذا الداء الوبيل في عالم تتنازعه الأهواء المادية والشهوات الجسدية والملذات الدنيوية، وإنما تحدث الأمراض النفسية حين يعرض الإنسان عن القرآن وعن ذكر الله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ ٢ وقال : ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ٣، أما العلاج والشفاء فهو قرين الذكر: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ٤.
ولكن ينبغي أن نعلم أن الاستشفاء بالقرآن يستدعي كمال اليقين وقوة الاعتقاد وسلامته؛ ولذا قال الزركشي رحمه الله تعالى عن الاستشفاء بالقرآن: "لن ينتفع به إلا من أخلص لله قلبه ونيته، وتدبر الكتاب في عقله وسمعه، وعمر به قلبه، وأعمل به جوارحه، وجعله سميره في ليله ونهاره وتمسك به وتدبره"٥.
ومن خصائصه التي تتعلق بفضله وشرفه ومكانته: التعبد بتلاوته، وتعدد أسمائه وصفاته، والثواب لقارئه ومستمعه، وأن له نزولين، ونزوله منجمًا دون سائر الكتب السابقة وغير ذلك.
стр. 82
ثانيًا: خصائص تتعلق بأسلوبه ولغته:
١- أنه لا يعلو عن أفهام العامة ولا يقصر عن مطالب الخاصة.
وهذان مطلوبان لا يدركهما الفصحاء والبلغاء من الناس، فلجئوا إلى
стр. 83
قاعدة يعتذرون بها فقالوا: "لكل مقام مقال" أما أن يأتي كلام واحد يخاطب به العلماء والعامة، والملوك والسوقة، والأذكياء ومن دونهم، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، ويرى فيه كل منهم مطلبه، ويدرك من معانيه ما يكفيه، فذلك ما لا نجده على أتمه وأكمله إلا في القرآن الكريم وحده.
يقرأ فيه العامي فيشعر بجلاله، ويذوق حلاوته، ولا يلتوي عليه فهمه، فتدركه هيمنته، ويستولي عليه بيانه، وتغشاه هدايته، فيخشع قلبه، وتدمع عيناه، فينقاد له، ويذعن.
ويقرأ فيه العالم فيدرك فصاحته، وتهيمن عليه بلاغته، ويملكه بيانه، وتنجلي له علومه ومعارفه، وتدهشه أخباره وأنباؤه، فيجد فيه زمام فكره، وقيادة عقله، ومنهج علمه، ومحار فكره، ورفعة شأنه١ فيذعن: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ ٢ ثم يرفع يديه: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ٣ فتدركه الخشية٤، ويذعن لربه، ويؤمن بشرعه.
والآيات هي هي هنا وهناك لم تتغير ولم تتبدل.
٢- ومن خصائص الأسلوب القرآني الكريم: تصوير المعاني:
ويراد بها إظهار المعاني بكلمات تكاد أن تجعلها بصورة المحسوس حتى تهم بلمسها بيديك وحتى تلج إلى ذهنك مترابطة متكاملة، لا تكلف ذهنك مشقة تركيبها، ولا تثقله بمهمة تجميعها، فتقسره قسرا على الفهم والإدراك، بل تفجؤه بانطباعها فيه بمجرد توجهه إليها.
стр. 84
وتفسير سيد قطب رحمه الله تعالى له عناية خاصة بهذا المعنى وتميز فيه بين سائر المفسرين.
وتصوير المعاني يكون أحيانًا بطريقة التجسيم أي بجعلها في صورة مجسمة قابلة للوزن والكثافة، فقد وصف الله سبحانه العذاب بأنه غليظ في قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ ١ واليوم بأنه ثقيل: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ ٢ فنقل العذاب من كونه معنى مجردًا إلى شيء ذي غلظ وسمك كما نقل اليوم من زمن لا يمسك إلى شيء ذي كثافة ووزن٣.
وهناك خصائص أخرى كثيرة لأسلوب القرآن منها: نظمه، ووقعه، وجودة السبك، وإحكام السرد، وتعدد الأساليب، واتحاد المعنى، والجمع بين الإجمال والبيان، وإيجاز اللفظ مع وفاء المعنى وغير ذلك.
стр. 85
خصائص عامة
حفظه في الصدور
...
ثالثًا: خصائص عامة وهي كذلك خصائص كثيرة عديدة منها:
١- حفظه في الصدور:
من أشرف خصائص القرآن الكريم أن الله كلف الأمة بحفظه كله بحيث يحفظه عدد كثير يثبت به التواتر؛ وإلا أثمت الأمة كلها، وليس هذا الكتاب غير القرآن، فالتوراة والإنجيل ترك لأهلهما أمر الحفظ فاكتفوا بالقراءة دون الحفظ، إلا قلة لا تكاد تذكر ولم تتوافر الدواعي لحفظهما كما توافرت لحفظ القرآن الكريم فلم يكن لهما ثبوت قطعي كما هو للقرآن فسهل تحريفهما وتبديلهما.
стр. 86
ولم يترك الرسول ﷺ سبيلًا فيه حث على حفظ القرآن إلا وأرشد إليه وحث عليه فحفظه عدد كبير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وما زالت المسيرة مستمرة يحفظ المسلمون القرآن في صدورهم، ونجد إقبالا لا يخطر ببال ولا يحلم بمثله أهل كتاب؛ انظروا -إن شئتم- مدارس تحفيظ القرآن العديدة منذ نزول القرآن إلى عصرنا هذا ثم التفتوا يسره، فكم من مدرسة لتحفيظ الإنجيل أو التوراة فلن تجدوا منها شيئًا بل ستجدون قلة القلة تحفظ هذا أو ذاك مما لا يذكر -أبدًا- في مقابل مدارس تحفيظ القرآن تقول المستشرقة لورا فاغليري: إن "في مصر وحدها عدد من الحفاظ أكثر من عدد القادرين على تلاوة الأناجيل عن ظهر قلب في أوروبا كلها"١ ويقول جيمي متشيز: "لعل القرآن هو أكثر الكتب التي تقرأ في العالم وهو بكل تأكيد أيسرها حفظًا"٢.
стр. 87
٢- اتصال السند:
من المعلوم أن أغلب الذين يتعلمون تلاوة القرآن إنما يتعلمونها عن طريق السماع ولا يكتفون بتعلمه من المصاحف وحدها، ونعلم أن أساتذتهم تلقوه أيضًا بالسماع عن طريق مشايخهم وهكذا لا تنقطع هذه الطريقة إلى أن تصل طبقة التابعين ثم الصحابة ثم الرسول ﷺ .
وبهذا يكون سند القرآن في كل عصر وفي كل حين متصلًا برسول الله ﷺ وليس هذا لكتاب غير القرآن الكريم، فقد شرف الله هذه الأمة باتصال سندها برسولها ﷺ .
قال محمد بن حاتم المظفر: "إن الله تعالى قد أكرم هذه الأمة، وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد موصول، وإنما هو مصحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، وليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل، مما جاءهم به أنبياؤهم، وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات١.
стр. 88
٣- أنه لا يمسه إلا المطهرون:
أنزل الله القرآن بواسطة أفضل الملائكة على أفضل الأنبياء لخير أمة أخرجت للناس، فأخرجهم به من الظلمات إلى النور ومن رجس الجاهلية إلى طهارة الإسلام؛ فحق لهذا الكتاب أن يتهيأ المسلمون لتلاوته وأن يستعدوا لها بالطهارة، ليست الطهارة الصغرى كما يفهمها بعض الناس، ولكنها الطهارة الكبرى بكل معانيها.
طهارة القلب من الكفر والشرك، فلا يمس القرآن كافر ولا يمكن من ذلك، ولا يسافر بالمصحف إلى بلاد الكفر، وطهارة القلب أيضا من الرياء والنفاق, وأن يريد بالتلاوة غير وجه الله كمن يقرأه للرياء والسمعة أو ليقال هو قارئ أو كمن يقرأه للتكسب أو لينال به شيئًا من حطام الدنيا.
وطهارة البدن من الحدثين الأكبر والأصغر فيجب الاغتسال من الجنابة ونحوها بلا خلاف، ويسن الوضوء من الحدث الأصغر بل أوجبه بعض العلماء.
وطهارة اللباس فينبغي أن تكون ثيابه طاهرة نظيفة نقية، وأن يتطيب وأن يلبس من الثياب أحسنها وأن يستعد لها كما يستعد لملاقاة الملوك فإنه مناج ملك الملوك.
وطهارة الفم فينبغي أن ينظف فاه ويستاك ويخلل أسنانه اقتداء بسنة رسول الله ﷺ وسنة أصحابه من بعده.
وهذه الطهارة خاصة بتلاوة القرآن لا يشترك معه فيها كتاب آخر.
стр. 89
٤- أن الله تعهد بحفظه:
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١ وقد مرت بالقرآن أحداث عظيمة وأهوال جسيمة وعوامل خطيرة وتكالب عليه الأعداء وتداعت عليه الأمم ولو مر بعض ذلك على غير القرآن لأصابه ما أصاب الكتب السابقة من التحريف والتغيير والتبديل. أما القرآن فقد مر بهذه الأحوال المتماوجة والدواعي المتكالبة، ولم تنل منه بغيتها بل وصل إلينا كما أنزله الله لم يتبدل ولم يتغير ما طالته الأفواه النافخة، ولا نالته الأصوات اللاغية. ليتم الله نوره ولو كره الكافرون.
وقد كانت هذه الآية بالنسبة للصحابة ﵃ خبرا- ولكنها الآن خبر ومعجزة، معجزة أن مر خمسة عشر قرنًا ولم يقع ما يخالفها، وخبر بأن الحفظ مستمر إلى يوم القيامة.
أما الكتب السابقة فلم يتعهد الله بحفظها بل أوكل أمر حفظها إلى أهلها فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ ٢.
وخصائص القرآن العامة كثيرة ومنها إجمالا: معارفه، إعجازه، أنه لا ينسب إلا إلى الله، والجمع بين البسملة والاستعاذة عند تلاوته، وحرمة تفسيره بمجرد الرأي، وتيسر حفظه وتلاوته، وأن قارئه لا يمله، وتحريم روايته بالمعنى، وأنه يتفلت من حافظه، ورسمه، وهيمنته على الكتب السابقة، والأحرف المقطعة في أوائل السور وغير ذلك٣.
стр. 90
جمع القرآن الكريم
مدخل
...
جمع القرآن الكريم:
المراد بجمع القرآن:
يطلق جمع القرآن الكريم ويراد به أحد ثلاثة أنواع:
- الأول: جمعه بمعنى حفظه في الصدور واستظهاره.
- الثاني: جمعه بمعنى كتابته وتدوينه كله حروفًا وكلمات وآيات وسورا.
- الثالث: جمعه بمعنى تسجيله تسجيلا صوتيا.
ولكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة تاريخ وخصائص ومزايا، ولذا فسنتناول كل نوع على حدة.
стр. 91
أنواعه
النوع الأول: جمعه بمعنى حفظه في الصدور واستظهاره
الدليل
...
النوع الأول: جمعه بمعنى حفظه في الصدور واستظهاره:
١- الدليل:
ويشهد لهذا النوع قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ١.
فالمراد بالجمع هنا الحفظ في الصدور، ويفسره حديث ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، كان
стр. 92
يحرك شفتيه.. فأنزل الله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: جمعه في صدرك ثم نقرأه. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قال فاستمع وأنصت. ثم إن علينا أن نقرأه قال فكان رسول الله ﷺ إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما أقرأه١.
стр. 93
٢- حكمه:
حفظ القرآن كله واجب على الأمة، بحيث يحفظه عدد كثير يثبت به التواتر وإلا أثمت الأمة كلها وليس هذا لكتاب غير القرآن, وأما الأفراد فيجب على كل فرد أن يحفظ من القرآن ما تقوم به صلاته.
стр. 94
٣- فضله:
لم يترك الرسول ﷺ أمرا فيه حث على حفظ القرآن إلا وسلكه وأمر به، فكان يفاضل بين أصحابه بحفظ القرآن، ويعقد الراية لأكثرهم حفظًا للقرآن, وإذا بعث بعثًا جعل إمامهم في صلاتهم أكثرهم قراءة للقرآن ويقدم للحد في القبر أكثرهم أخذا للقرآن، ويزوج الرجل المرأة ويمهرها ما مع الرجل من القرآن، فضلًا عن الأحاديث الكثيرة الداعية لحفظ القرآن وتعلمه وتعليمه.
стр. 95
٤- حفظ الرسول ﷺ القرآن:
إدراكا من الرسول ﷺ للأمانة الكبرى التي كلف بها وهي أن يبلغ الناس القرآن: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ١.
وإدراكًا منه ﵊ أن تبليغ القرآن يجب أن يكون كما سمعه بلا زيادة ولا نقصان ولا استبدال لحرف بحرف أو حركة بحركة، لذا فقد كان ﵊ يشعر بحرج شديد وخوف عظيم أن ينسى
стр. 96
شيئًا من القرآن مما جعله يحرك لسانه بالقرآن لحظة نزول الوحي مع شدة وطأة الوحي وما يعانيه من الجهد والكرب عند نزوله، وما زال ﷺ كذلك حتى نزل عليه قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ ٢. فكان ﷺ بعد هذا إذا أتاه الوحي أطرق فإذا ذهب جبريل وجد الرسول ﷺ القرآن مجموعًا في صدره كما وعده الله.
وقد حفظ الرسول ﷺ القرآن كله وحفظه أصحابه, وكان جبريل يعارضه إياه في كل عام مرة في شهر رمضان, وعارضه إياه في العام الذي توفي فيه مرتين كما في حديث عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي" ٣ وكان ﷺ يقوم بالقرآن ويتلوه آناء الليل وأطراف النهار حتى كادت أن تتشقق قدماه.
стр. 97
حفظ الصحابة ﵃ لللقرآن الكريم
...
٥- حفظ الصحابة ﵃ للقرآن الكريم:
اشتد التنافس بين الصحابة ﵃ في حفظ القرآن الكريم وتلاوته وتدبره, وتسابقوا إلى مدارسته وتفسيره والعمل به، وكانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، وكانوا يهجرون لذيذ المنام ودفء الفراش ويؤثرون قيام الليل والتهجد بالقرآن حتى كان يسمع لبيوتهم دويًّا كدوي النحل لتلاوتهم القرآن.
وكان رسول الله ﷺ يحثهم على ذلك ويحرص على سماع تلاوتهم, فقد قال لأبي موسى الأشعري ﵁: "لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك
стр. 98
البارحة! لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود" ١ واستمع لتلاوة سالم مولى أبي حذيفة ﵄ فقال له: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك" ٢ وقال لابن مسعود ﵁: "اقرأ عليَّ القرآن"، فقال ابن مسعود: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري"، فقرأ عليه سورة النساء حتى إذا بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ ٣ قال: "حسبك الآن"، قال ابن مسعود: فالتفتُ فإذا عيناه تذرفان" ٤، وقال ﷺ : "إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار" ٥.
والأخبار كثيرة تشهد على عناية الصحابة ﵃ بالقرآن الكريم وتلاوته، وحفظه وعلى حث الرسول ﵊ لأصحابه على ذلك.
فلا عجب أن يكثر عدد حفاظ القرآن من الصحابة إذ حفظه في حياة الرسول ﷺ الجم الغفير من الصحابة ﵃.
فمن المهاجرين الذين حفظوا القرآن كله أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، وسعد، وابن مسعود، وحذيفة، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله، ومعاوية، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن السائب، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة٦.
стр. 99
ومن الأنصار عبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلد، وأبو الدرداء، وأنس بن مالك، وأبو زيد بن السكن.
"إشكال"
روى البخاري في صحيحه ثلاثة أحاديث:
الأول: عن قتادة قال سألت أنس بن مالك ﵁: من جمع القرآن على عهد النبي ﷺ ؟ قال: أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد١.
الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ قال: "مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأبو زيد قال ونحن ورثناه"٢.
الثالث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب" ٣.
وقد يستدل بهذه الأحاديث على أن الذين يحفظون القرآن هم: عبد الله بن مسعود، وسالم بن معقل مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد بن السكن، وأبو الدرداء.
وهذا يخالف ما هو معلوم أن الذين يحفظون القرآن من الصحابة جم غفير وليس محصورًا بهذا العدد.
والجواب عن هذا الإشكال من وجوه:
الأول: أنه لا يراد بهذه الأحاديث الحصر وإنما يراد به ضرب المثل،
стр. 100
ويشهد لهذا أن أنسًا نفسه ذكر في حديث "أبي بن كعب" وفي حديث آخر "أبا الدرداء" فلو كان المراد الحصر لاتفقت الأسماء في الحديثين.
الثاني: أن المراد بالجمع الكتابة لا الحفظ.
الثالث: أن المراد بالجمع حفظه بوجوه القراءات كلها.
الرابع: أن المراد بالجمع تلقيه كله من فم الرسول ﷺ .
الخامس: أن المراد أنهم هم الذين عرضوه على النبي ﷺ واتصلت بنا أسانيدهم وأما من حفظه ولم يتصل بنا سنده فكثير١.
قال المازري -رحمه الله تعالى- "وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه، فإنا لا نسلم حمله على ظاهره، سلمناه، ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلمناه، لكن لا يلزم من كون كل من الجم الغفير لم يحفظه كله ألا يكون حفظ مجموعه الجم الغفير، وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه. بل إذا حفظ الكلُّ الكلَّ ولو على التوزيع كفى"٢.
وقد توافرت الدواعي لحفظ الصحابة للقرآن الكريم: ومنها:
١- قوة الحافظة عندهم وسيلان الذهن وحدة الخاطر وفي التاريخ شواهد لذلك.
٢- أنهم كانوا أميين لا يعرفون القراءة ولا يحذقون الخط والكتابة وجعلهم هذا لا يعولون إلا على قوة الحافظة.
٣- تمكن الإيمان من قلوبهم ﵃ وحب الله وحب الرسول ﷺ وحب كتابه مما جعلهم يقبلون على حفظ القرآن.
стр. 101
٤- بلاغة القرآن التي ملكت الأفئدة، وقد كانوا يتذوقون الكلام ويحفظون أجوده فلا عجب أن يقبلوا على حفظ القرآن.
٥- النصوص الكثيرة الواردة في الحث على حفظ القرآن والترهيب من نسيانه وهجره.
٦- تشريع قراءة القرآن في الصلاة والقيام به في الليل وهم أهل صلاة وقيام وغير ذلك من العوامل١ التي دفعتهم لحفظ القرآن حتى حفظه عدد كبير كما أشرنا ويكفي أنه قتل في بئر معونة نحو سبعين من حفاظ القرآن وقتل في معركة اليمامة مثلهم؛ مما يدل على كثرة حفاظ القرآن الكريم في عهد الصحابة ﵃ وأرضاهم وعلى تنافسهم في حفظ القرآن وتحفيظه وتعلمه وتعليمه.
стр. 102
٦- حفظ التابعين ومن بعدهم -رحمهم الله تعالى- للقرآن الكريم:
مر بنا أن الصحابة ﵃ انتشروا في الآفاق الإسلامية والبلدان المفتوحة يعلمون الناس أمور دينهم ويعقدون حلق التعليم والتدريس في مساجد تلك البلدان، وأقبل عليهم كثير من الناس يتحلقون حولهم، ويتلقون العلم منهم وصار لبعض هذه المدارس شهرة كبيرة حملت كثيرًا من التابعين على الرحلة إليها وتلقي العلم من أهلها كمدرسة ابن مسعود ﵁ في الكوفة ومدرسة أبي بن كعب ﵁ في المدينة ومدرسة ابن عباس ﵄ في مكة وغيرها من مدارس الصحابة ﵃.
وكان الصحابة يعلمونهم القرآن الكريم ويحفظونهم إياه ويفسرون لهم معانيه ويبينون لهم أحكامه، وقد أقبل التابعون على هذه المدارس فكثر حفاظ القرآن الكريم ولم يقتصروا على تلاوته بل حفظوا أوجه قراءته واشتهر عدد كبير من الحفاظ بالقراءة والرواية.
وتجرد بعض التابعين -رحمهم الله تعالى- للعناية بضبط القراءات وإتقانها ووضع القواعد لها والأصول حتى صاروا أئمة يقتدى بهم.
стр. 103
٧- حفظ القرآن الكريم في العصر الحديث:
أما في العصور الحديثة فما زالت المسيرة -والحمد لله- مستمرة يحفظ المسلمون القرآن في صدورهم مع تكالب الأحوال على المسلمين واضطراب المعيشة ومغريات الحضارة وتوافر الموانع، وانحسار الدوافع، وما زلنا نرى كثرة حفاظ القرآن الكريم ونجد إقبالا لا يخطر ببال ولا يحلم بمثله أهل الكتاب.
فقد انتشرت مدارس تحفيظ القرآن الكريم العديدة وأنشئت معاهد للقراءات وكليات القرآن في العديد من الدول الإسلامية والحمد لله.
стр. 104
٨- خصائص جمع القرآن بمعنى حفظه في الصدور:
ولهذا النوع من الجمع مزايا وخصائص منها:
١- أن جمع القرآن بمعنى حفظه هو أول علم نشأ من علوم القرآن الكريم، وذلك أنه حين نزل الوحي على الرسول ﷺ في غار حراء وجرى ما جرى تلا ﵊ ما نزل عليه من القرآن على خديجة وذلك من حفظه فهو أول علم نشأ من علوم القرآن.
٢- أنه دائم لا ينقطع إن شاء الله تعالى، فقد حفظ الرسول ﷺ القرآن وحفظه أصحابه والتابعون ومن بعدهم وما زال المسلمون يحفظونه إلى أن يأذن الله برفعه بخلاف جمعه بمعنى كتابته فقد مر بثلاث مراحل آخرها في عهد عثمان ﵁.
٣- أن الحفظ في الصدور خاص بالقرآن وليس هناك كتاب يحفظه أهله غير القرآن.
٤- أنه يجب على كل مسلم أن يحفظ من القرآن ما يؤدي به الصلوات بخلاف جمعه بمعنى كتابته وتدوينه فلا يجب على كل مسلم.
٥- الوعيد لمن حفظ شيئًا من القرآن ثم نسيه.
стр. 105
النوع الثاني: جمعه بمعنى كتابته وتدوينه
مدخل
...
النوع الثاني: جمعه بمعنى كتابته وتدوينه:
جمع القرآن الكريم بهذا المعنى ثلاث مرات:
- الجمع الأول: في عهد الرسول ﷺ .
- الجمع الثاني: في عهد أبي بكر الصديق ﵁.
- الجمع الثالث: في عهد عثمان بن عفان ﵁.
المراد بالجموع الثلاثة:
وقد يشكل على الذهن كيف يجمع الشيء الواحد ثلاث مرات فإذا كان جُمِعَ في عهد الرسول ﷺ فكيف يجمع في عهد أبي بكر ﵁ وإذا جمع في عهد أبي بكر ثانية فكيف يجمع ثالثة.
والجواب: أنه لا يراد بالجمع معناه الحقيقي في جميع المراحل. فالمراد بجمع القرآن في عهد الرسول ﷺ "كتابته وتدوينه" والمراد بجمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁ "جمع في مصحف واحد". والمراد بجمع القرآن في عهد عثمان ﵁ "نسخه" في مصاحف متعددة.
ويظهر بهذا أن الجمع بمعناه الحقيقي كان في عهد أبي بكر الصديق ﵁.
وسنتحدث عن كل مرحلة من مراحل هذه الجمع:
стр. 106
أولًا: جمع القرآن بمعنى كتابته وتدوينه في عهد الرسول ﷺ :
كتاب الوحي:
اتخذ الرسول ﷺ عددًا من الصحابة كان إذا نزل عليه شيء من القرآن أمر أحدهم بكتابته وتدوينه ويعرف هؤلاء الصحابة بـ "كتّاب الوحي" ومنهم:
стр. 107
الخلفاء الأربعة، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، ومعاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن أبي سفيان وخالد بن سعيد بن العاصي وحنظلة بن الربيع، والزبير بن العوام وعامر بن فهيرة، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن الأرقم، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد، وثابت بن قيس، وغيرهم١.
صفة هذا الجمع:
وصف هذا الجمع صحابيان جليلان فقال زيد بن ثابت ﵁: "كنا عند رسول الله ﷺ نوَلِّف القرآن من الرِّقاع"٢ أي نجمعه لترتيب آياته من الرقاع، وروى عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ : كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من كان يكتبه فيقول: "ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا". الحديث٣.
أدوات الكتابة:
لم تكن أدوات الكتابة ميسرة للصحابة في ذلك الوقت فكانوا يكتبونه على كل ما تناله أيديهم من العُسُب "وهي جريد النخل".
واللِّخَاف: "وهي الحجارة الرقيقة".
والرقاع: "وهي القطعة من الجلد أو الورق".
الكرانيف: "وهي أطراف العسب العريضة".
والأقتاب: "جمع قتَب وهي الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه".
стр. 108
والأكتاف: "جمع كتف وهي عظم عريض للإبل والغنم".
وكان كتاب الوحي ﵃ يضعون كل ما يكتبون في بيت رسول الله ﷺ وينسخون لأنفسهم منه نسخة.
مميزات جمع القرآن في عهد الرسول ﷺ :
١- ثبت في السنة نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف ومما ورد في ذلك حديث عمر بن الخطاب ﵁ وفيه قال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه" ١ وقد كانت كتابة القرآن في عهد الرسول ﷺ على الأحرف السبعة.
٢- أجمع العلماء على أن جمع القرآن في عهد رسول الله ﷺ كان مرتب الآيات أما ترتيب السور ففيه خلاف.
٣- بعض ما كتب في عهد الرسول ﷺ نسخت تلاوته وظل مكتوبًا حتى توفي رسول الله ﷺ وفي الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: "عشر رضعات معلومات يحرمن" ثم نسخن "بخمس معلومات" فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن٢.
٤- لم يكن القرآن الكريم في عهد الرسول الله ﷺ مجموعًا في مصحف واحد، بل كان مفرقا في الرقاع والأكتاف واللخاف وغيرها؛ ولهذا قال زيد بن ثابت ﵁: "قبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء"٣، وقال أيضًا لما أمر بجمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁: "فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال"٤.
стр. 109
ولعلك تسأل بعد هذا لماذا لم يجمع القرآن في عهد الرسول ﷺ في مصحف واحد؟ وقد أجاب العلماء رحمهم الله تعالى على ذلك، وذكروا أسبابًا منها:
١- أن الله تعالى قد أمن نبيه ﵊ من النسيان بقوله : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى، إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ١، أي ما شاء أن يرفع حكمه بالنسخ فلا خوف إذن أن يذهب شيء من القرآن الكريم، وأما بعد وفاته ﷺ فإن النسيان قد يقع فبادر المسلمون إلى جمعه في مصحف واحد٢.
٢- قال الخطابي: "إنما لم يجمع ﷺ القرآن في المصحف لما يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة٣.
وقال الزركشي: "وإنما ترك جمعه في مصحف واحد؛ لأن النسخ كان يرد على بعض، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعض لأدى إلى الاختلاف واختلاط الدين، فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمان النسخ ثم وَفق لجمعه الخلفاء الراشدين"٤.
٣- أن القرآن الكريم لم ينزل جملة واحدة، بل نزل منجمًا في ثلاث وعشرين سنة.
٤- أن ترتيب آيات القرآن وسوره ليس على حسب ترتيب نزوله،
стр. 110
ولو جمع القرآن في مصحف واحد حينئذاك لكان عرضة للتغيير كلما نزل شيء من القرآن١.
ولم يكن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- إذا اختلفوا في شيء من القرآن يرجعون إلى ما هو مكتوب بل كانوا يرجعون إلى الرسول ﷺ فيعرضون عليه قراءتهم ويسألونه عنها.
وبعد وفاة الرسول ﷺ ومقتل بعض القراء من الصحابة دعت الحاجة إلى جمع القرآن في مصحف واحد، فكان ذلك في عهد أبي بكر الصديق ﵁.