١٣- المجادلة. ١٤- الحشر. ١٥- الممتحنة. ١٦- الجمعة.
١٧- المنافقون. ١٨- الطلاق. ١٩- التحريم. ٢٠- النصر.
واختلفوا في اثنتي عشرة سورة هي:
١- الفاتحة. ٢- الرعد. ٣- الرحمن. ٤- الصف.
٥- التغابن. ٦- المطففين. ٧- القدر. ٨- البينة.
٩- الزلزلة. ١٠- الإخلاص. ١١- الفلق. ١٢- الناس.
السور المكية:
ما عدا السور المذكورة فهو مكي وعددها اثنتان وثمانون سورة.
стр. 177
طريق معرفة المكي والمدني
مدخل
...
طريق معرفة المكي والمدني:
يعرف المكي والمدني بأحد طريقين:
стр. 178
الطريق الأول:
النقلي السماعي:
وهي الآيات والسور التي عرفنا أنها مكية أو مدنية بطريق الرواية عن أحد الصحابة الذين عاشوا فترة الوحي وشاهدوا التنزيل، أو عن أحد التابعين الذين سمعوا ذلك من الصحابة.
أما النبي ﷺ فلم يرد عنه بيان للسور المكية والسور المدنية لأن هذا مما يشاهده ويحضره الصحابة ﵃ فكيف يخبرهم عن شيء يعلمونه! فالمكي والمدني يعرف بغير نص من الرسول ﷺ .
قال الباقلاني: "إنما يرجع في معرفة المكي والمدني لحفظ الصحابة والتابعين، ولم يرد عن النبي ﷺ في ذلك قول؛ لأنه لم يؤمر به ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، فقد يعرف ذلك بغير نص من الرسول"١.
стр. 179
ومن أمثلة ما عرف أنه مكي أو مدني عن طريق الصحابة ﵁ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
فقد أخرج البزار عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت لما أسلم عمر بن الخطاب ﵁, ومن المعلوم أن عمر قد أسلم في مكة فالآية إذًا مكية، وسورة الحج روى مجاهد عن ابن عباس ﵄ أنها مكية٢.
ومنها ما رواه مسلم عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: أَلِمَن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ قال: لا. قال: فتلوت عليه هذه الآية التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ٣ إلى آخر الآية. قال: هذه آية مكية نسختها آية مدنية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ٤، ٥.
ومنها حديث عائشة ﵂ وفيه: "لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: ﴿بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ ٦ وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده"٧.
стр. 180
الطريق الثاني: القياسي الاجتهادي:
نظر العلماء رحمهم الله تعالى في الآيات والسور التي عرفوا أنها مكية أو مدنية بالطريق الأول "السماعي النقلي" واستنبطوا خصائص وضوابط للسور المكية وخصائص وضوابط للسور المدنية، ثم نظروا في السور التي لم يرد نصوص في بيان مكان نزولها، فإن وجدوا فيها خصائص السور المكية قالوا إنها مكية، وإن وجدوا فيها خصائص السورة المدنية قالوا: إنها مدنية، وهذا يكون بالاجتهاد والقياس فسمي هذا الطريق بالقياسي الاجتهادي.
نقل الزركشي عن الجعبري قوله: "لمعرفة المكي والمدني طريقان:
стр. 181
سماعي، وقياسي، فالسماعي ما وصل إلينا نزوله بأحدهما، والقياسي كل سورة فيها: "يا أيها الناس" فقط، أو كلا، أو أولها حرف تهجٍّ سوى الزهراوين، والرعد، أو فيها قصة آدم وإبليس سوى الطولى فهي مكية، وكل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية مكية، وكل سورة فيها فريضة أوحد فهي مدنية"١.
стр. 182
تعريف المكي والمدني
مدخل
...
تعريف المكي والمدني:
اختلف العلماء في المراد بالمكي والمدني ومتى تسمى السورة أو الآية مكية أو مدنية إلى ثلاثة أقوال:
ويرجع اختلافهم إلى المعتبر في النزول، فمنهم من اعتبر مكان النزول، ومنهم من اعتبر زمن النزول، ومنهم من اعتبر المخاطبين بالآيات أو السورة، وعلى هذا:
стр. 183
القول الأول:
لطائفة اعتبرت مكان النزول فقالت: ما نزل في مكة وما حولها ولو بعد الهجرة، فهو مكي، وما نزل في المدنية وما حولها، فهو مدني.
وهذا القول غير ضابط ولا حاصر؛ إذ إنه لا يشمل ما نزل من الآيات في غير مكة والمدينة وما حولهما، فقد نزلت آيات قرآنية في تبوك وفي بيت المقدس وفي الطائف، فالتعريف غير ضابط.
стр. 184
و القول الثاني:
لطائفة اعتبرت المخاطب بالآية أو السورة وهذه الطائفة نظرت إلى أهل مكة وقت التنزيل، فوجدت أن الغالب على أهلها الكفر والمناسب لمخاطبتهم النداء بـ "يأيها الناس" أو "يا بني آدم" وبما أن الغالب على أهل المدينة هو الإيمان، فإن المناسب نداؤهم بيأيها الذين آمنوا، وعلى هذا فالمكي عندهم ما كان فيه "يا أيها الناس" أو "يا بني آدم" والمدني ما كان فيه "يأيها الذين آمنوا" نقل السيوطي عن أبي عبيد في الفضائل عن ميمون بن مهران قال: ما كان في القرآن "يا أيها الناس" أو "يا بني آدم" فإنه مكي وما كان "يأيها الذين آمنوا" فإنه مدني.
стр. 185
وهذا القول أيضًا غير ضابط ولا حاصر من وجهين:
الأول: ضعف هذا القول ابن الحصار فقال: اتفق الناس على أن "النساء" مدنية وأولها "يأيها الناس" وعلى أن "الحج" مكية وفيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ ١ وقال غيره هذا القول إن أخذ على إطلاقه فيه نظر. فإن سورة البقرة مدنية وفيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ ٢. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ﴾ ٣ وسورة النساء مدنية وأولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ٤. وبهذا يكون هذا القول غير ضابط وغير مطرد.
الثاني: أن هناك آيات كثيرة وسور عديدة ليس فيها نداء بيأيها الناس ولا يأيها الذين آمنوا، وهذا القول لا يشملها فلا يكون ضابطًا ولا حاصرًا.
стр. 186
القول الثالث:
لطائفة اعتبرت الزمان ورأت أن الهجرة هي الحد الفاصل بين المكي والمدني، فما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني وإن نزل في مكة قالوا: "وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي ﷺ المدينة فهو من المكي"١.
وهذا التعريف ضابط وحاصر لا تخرج عنه آية من آيات القرآن الكريم وعليه فإن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ٢. مدنية مع أنها نزلت في عرفات بمكة، بل إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ٣. مدنية مع أنها نزلت في جوف الكعبة لأن هاتين الآيتين نزلتا بعد الهجرة عام الفتح.
ونعني بالضوابط خصائص الألفاظ، ونعني بالمميزات خصائص الأسلوب والمعاني والأغرض للسور المكية أو المدنية.
стр. 187
فمن ضوابط السور المكية:
١- كل سورة فيها "كلا" فهي مكية.
وردت في القرآن ثلاثًا وثلاثين مرة في خمس عشرة سورة كلها في النصف الأخير من القرآن قال الشيخ الدريني١ رحمه الله تعالى:
وما نزلت كلا بيثرب فاعلمن ... ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى
وحكمة ذلك أن كلا للردع والزجر, وهذا إنما يكون للمعاند المستكبر فهو مناسب لمخاطبة المشركين في مكة.
٢- كل سورة فيها سجدة تلاوة فهي مكية٢. وهي أربع عشرة سجدة هي الأعراف والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، وفي الحج سجدتان، والفرقان، والنمل، والسجدة، وفصلت، والنجم، والانشقاق، واقرأ باسم ربك، وأما سورة "ص" فيستحب السجود، وليست من عزائم السجود وزاد بعضهم آخر الحجر٣ وفي الرعد خلاف.
٣- كل سورة مبدوءه بقسم وهي خمس عشرة سورة هي الصافات، الذاريات، الطور، النجم، المرسلات، النازعات، البروج، الطارق، الفجر، الشمس، الليل، الضحى، التين، العاديات، العصر.
٤- كل سورة مفتتحة بأحرف التهجي مثل "الم" "حم" وغيرها سوى البقرة وآل عمران، فإنها مدنيتان بالإجماع وفي الرعد خلاف.
стр. 188
٥- كل سورة فيها يأيها الناس وليست فيها يأيها الذين آمنوا فهي مكية إلا سورة الحج فإنها مكية مع أن في آخرها يأيها الذين آمنوا.
٦- كل سورة مفتتحة بـ "الحمد" فهي مكية وهي خمس سور.
٧- كل سورة فيها قصص الأنبياء ما عدا البقرة.
стр. 189
مميزات السور المكية:
من المعلوم أن ما نزل من القرآن في مكة كان يخاطب مجتمعا وثنيا فشا فيه الشرك، وانتشرت فيه الأصنام، ولم يتلق الدعوة الإسلامية بالقبول والتسليم، بل أخذ يناوؤها العداء، ويضطهد أتباعها، ويحارب رسولها.
وفي المدينة كان القرآن الكريم غالبا يخاطب أتباعه المؤمنين يأمرهم فينقادون إليه، وينهاهم فينتهون عما نهى عنه.
وإذا كان الأمر كذلك فلا شك أن البلاغة تقتضي الاختلاف في الأسلوب والاختلاف في المعاني والموضوعات بين ما نزل في مكة، وما نزل في المدنية، فمن مميزات السور المكية.
١- تأسيس العقيدة الإسلامية في النفوس بالدعوة إلى عبادة الله وحده والإيمان برسالة محمد ﷺ وباليوم الآخر، وإبطال المعتقدات الوثنية الجاهلية وعبادة غير الله وإيراد الحجج والبراهين على ذلك.
٢- تشريع أصول العبادات والمعاملات والآداب والفضائل العامة ففي مكة فرضت الصلوات الخمس مثلا وحرم أكل مال اليتيم ظلمًا، كما حرم الكبر والخيلاء ونحوها.
٣- الاهتمام بتفصيل قصص الأنبياء والأمم السابقة، وبيان ما دعا إليه الأنبياء السابقون من عقائد، ومواقف أممهم منهم وما نزل بالمكذبين من عذاب دنيوي جزاء تكذيبهم وإيراد الحوار بين الأنبياء وخصومهم وإبطال حججهم بما يوحي إلى أهل مكة بوجوب أخذ العبرة من هؤلاء وفي هذا بسط أيضا للعقيدة الإسلامية الصحيحة.
стр. 190
٤- قصر السور الآيات مع قوة جرس الألفاظ ووقعها. وإيجاز العبارة مع بلاغة المعنى ووفائه، وذلك أن القوم في مكة كانوا معاندين مستكبرين لا يريدون سماع القرآن، بل كانوا إذا شرع الرسول ﷺ في القراءة يتنادون: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ ١.
ولا يناسب هذا المقام طول الآيات والمقاطع، بل يناسبه إيجازها وقوة معانيها.
стр. 191
ضوابط السور المدنية:
١- كل سورة فيها يأيها الذين آمنوا وليس فيها يأيها الناس فهي مدنية، قال السيوطي عن علقمة عن عبد الله "يعني ابن مسعود ﵁" قال: ما كان يأيها الذين آمنوا أنزل بالمدينة، وما كان يأيها الناس فبمكة.. ثم قال: قال ابن عطية وابن الفرس وغيرهما: هو في يأيها الذين آمنوا صحيح، وأما يأيها الناس فقد يأتي في المدني"١.
٢- كل سورة فيها ذكر للمنافقين قال مكي بن أبي طالب القيسي: "كل سورة فيها ذكر المنافقين فمدنية وزاد غيره سوى العنكبوت"٢.
والصحيح أن أول العنكبوت الذي ورد فيه ذكر المنافقين مدني لما أخرجه ابن جرير في سبب نزولها٣.
٣- كل سورة ورد فيها حد أو بيان فريضة، قال عروة بن الزبير: "ما كان من حد أو فريضة فإنه أنزل بالمدينة"٤. وقال محمد بن السائب الكلبي: "كل سورة ذكرت فيها الحدود والفرائض فهي مدنية"٥.
стр. 192
مميزات السور المدنية:
١- يخاطب القرآن في المدينة -غالبا- مجتمعا إسلاميا فكان الغالب تقرير الأحكام التشريعية للعبادات والمعاملات والحدود والفرائض، وأحكام الجهاد وغيرها.
٢- نشأ في المجتمع المدني طائفة من المنافقين فتحدث القرآن الكريم عن طبائعهم وهتك أستارهم، وبين خطرهم على الإسلام والمسلمين وكشف عن وسائلهم ومكائدهم وخباياهم ومخططاتهم للكيد للمسلمين، ولم يكن في مكة نفاق لأن المسلمين كانوا قلة مستضعفين فكان الكفار يحاربونهم جهارا.
٣- عاش بين المسلمين في المدينة طائفة من أهل الكتاب وهم اليهود، وكانوا يمكرون مكرًا سيئًا، ويكيدون للإسلام وأهله فكشف القرآن في المدينة سرائرهم وأبطل عقائدهم، وكشف تحريفهم لديانتهم، وبين بطلان عقائدهم، ودعاهم إلى الإسلام بالحجة والدليل والبرهان.
٤- الغالب على الآيات والسور المدنية طول المقاطع والسور لبسط العقائد الإسلامية والأحكام التشريعية، فقد كان أهل المدينة مسلمين يقبلون على سماع القرآن، وينصتون حتى كأن على رءوسهم الطير، فالمقام ليس مقارعة ولجاجا يناسبه الإيجاز بل المقام مقام إقبال وإنصات وإذعان يناسبه الاسترسال والإطناب.
стр. 193
فوائد معرفة المكي والمدني:
١- تمييز الناسخ من المنسوخ فإن المتأخر ناسخ للمتقدم.
٢- الاستعانة به في تفسير القرآن الكريم، فإن معرفة مكان النزول يعين على فهم المراد بالآية، ومعرفة مدلولاتها وما يرد فيها من إشارات أحيانا.
٣- معرفة تاريخ التشريع وتدرجه في التكليف ويترتب على هذا
стр. 194
الإيمان بأن هذا التدرج لا يكون إلا من عليم خبير، عزيز حكيم، رحمن رحيم.
٤- الاستفادة من أسلوب القرآن في الدعوة إلى الله تعالى فهو أسلوب يشتد ويلين ويفصل ويجمل، ويعد ويتوعد، ويرغب ويرهب، ويوجز ويطنب حسب أحوال المخاطبين، وهذا من أسرار الإعجاز في القرآن الكريم١.
٥- استخراج سيرة الرسول ﷺ وذلك بمتابعة أحواله في مكة ومواقفه في الدعوة، ثم أحواله في المدينة وسيرته في الدعوة إلى الله فيها واقتداء الدعاة بهذا المنهج النبوي الحكيم في الدعوة.
وقد عني بعض المؤرخين بهذا الجانب فوضعوا المؤلفات في سيرة النبي ﷺ على ضوء القرآن الكريم٢.
٦- بيان عناية المسلمين بالقرآن الكريم واهتمامهم به حتى إنهم لم يكتفوا بحفظ النص القرآني بل تتبعوا مكان نزوله ومعرفة ما نزل قبل الهجرة وما نزل بعدها وما نزل بالليل وما نزل بالنهار وما نزل في الصيف وما نزل في الشتاء ويتبع هذا الاقتداء بهم في دراسة القرآن وعلومه.
стр. 195
أسباب النزول
مدخل
...
أسباب النزول:
من المعلوم أن سبب نزول آيات القرآن الكريم كلها هو هداية الناس إلى الحق والصراط المستقيم، لكن هناك آيات تزيد على هذا السبب العام بسبب خاص مرتبط بها وحدها دون غيرها وهذا السبب الخاص هو الذي يبحثه العلماء تحت هذا الموضوع. وعلى هذا فإن آيات القرآن الكريم تنقسم من حيث سبب النزول وعدمه إلى قسمين:
- الأول: قسم نزل من الله ابتداء غير مرتبط بسبب من الأسباب الخاصة وإنما هو مرتبط بالسبب العام وهو هداية الناس، وهذا القسم هو أكثر آيات القرآن الكريم.
- الثاني: قسم نزل مرتبطا بسبب من الأسباب الخاصة يسميه العلماء "سبب نزول الآية" وآيات هذا القسم هي الأقل ولأهميتها أفردها العلماء بالدراسة والبيان.
стр. 196
عناية العلماء بأسباب النزول:
اعتنى العلماء -رحمهم الله تعالى- عناية فائقة بدراسة أسباب النزول وتظهر عنايتهم في ثلاث صور:
الأولى: أنهم أفردوا أسباب النزول بباب مستقل من أبواب علوم القرآن الكريم في مؤلفاتهم.
الثانية: أن المفسرين يوردون أول ما يوردون في تفسير الآية سبب نزولها -إن كان لها سبب نزول- ويعتنون بذلك ويستندون إليه في تفسير الآية.
стр. 197
الثالثة: أن العلماء أفردوا أسباب النزول بمؤلفات مستقلة وهي مؤلفات كثيرة، وأول من أفرده، بالتأليف علي بن المديني "ت٢٣٤هـ" وممن ألف فيه عبد الرحمن بن محمد المعروف بمطرف الأندلسي "ت٤٠٢هـ" فقد ألف كتابه "القصص والأسباب التي نزل من أجلها القرآن". ومنهم أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي "ت٤٦٨هـ" واسم كتابه "أسباب النزول"، وطبع مرارًا١ وقد اختصر الجعبري هذا الكتاب بحذف أسانيده٢ ومنهم ابن الجوزي "ت٥٩٧هـ" واسم كتابه "أسباب نزول القرآن" ومنهم ابن حجر العسقلاني "ت٨٥٢هـ" واسم كتابه "العجاب في بيان الأسباب" وقد ذكر السيوطي أنه اطلع على مسودة هذا الكتاب وأن ابن حجر مات قبل أن يبيضه٣.
ومنهم السيوطي "ت٩١١هـ" الذي ألف كتابا سماه "لباب النقول في أسباب النزول" وطبع في مجلد واحد، ولا أعرف أحدًا اعتنى بتحقيقه.
ومن المؤلفات الحديثة كتاب "جامع النقول في أسباب النزول" وشرح آياتها للأستاذ ابن خليفة عليوي وهو في جزأين.
ومنها كتاب "الصحيح المسند من أسباب النزول" للشيخ مقبل بن هادي الوادعي.
ومنها كتاب "نهاية السول فيما استدرك على الواحدي والسيوطي من أسباب النزول" تأليف د. أبو عمر نادي بن محمد الأزهري.
стр. 198
تعريف سبب النزول:
هو "ما نزل قرآن بشأنه وقت وقوعه" كحادثة تقع حين نزول القرآن الكريم فتنزل آية أو آيات من القرآن تبين الحكم فيها أو كسؤال يوجه إلى
стр. 199
الرسول ﷺ فتنزل آية أو آيات من القرآن الكريم وفيها الإجابة عليه.
ويفيد قولنا "وقت وقوعه" أنه لا بد أن يكون نزول الآيات وقت وقوع الحادثة أو توجيه السؤال فإن كانت الحادثة قبل نزول الآيات بزمن طويل خرج ذلك عن هذا الباب وصار من باب الإخبار عن الوقائع الماضية والأمم السابقة كالآيات التي تتحدث عن خلق آدم ﵇، وقصته مع إبليس، وقصة إبني آدم، وقصص الأنبياء السابقين كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم ﵈، فإن الحديث عن ذلك ليس من هذا الباب.
ولا يلزم أن يكون نزول الآيات بعد الحادثة أو السؤال مباشرة، بل يصح أن يتأخر زمنا يسيرا فإن قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ ١. قد نزل بعد خمس عشرة ليلة من الحادثة وكذا الآيات المتعلقة بحادثة الإفك إنما نزلت بعد نحو شهر منها.
والحادثة:
التي ينزل القرآن لأجلها قد تكون من الرسول ﷺ كما حدث في سبب نزول سورة عبس حين جاء ابن أم مكتوم إلى الرسول ﷺ وهو يناجي بعض زعماء قريش ويدعوهم إلى الإسلام، فجاءه ابن أم مكتوم وقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله وجعل يناديه ويكرر النداء والرسول ﷺ مشغول عنه ومقبل على هؤلاء النفر فنزلت سورة عبس. فكان الرسول ﷺ إذا رأى ابن أم مكتوم بعد ذلك يقول: "مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي" ٢.
وقد تكون الحادثة من جماعة من الصحابة ﵃ كأولئك الصحابة الذين كانوا يصافون المنافقين ويواصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحِلف والجوار والرضاع فأنزل الله تعالى:
стр. 200
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١، ٢.
وقد تكون الحادثة من المشركين أو من اليهود أو من المنافقين والأمثلة على ذلك كثيرة.
كما أن السؤال قد يكون عن ماض كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ ٣، أو عن حاضر كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ ٤. وقوله سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ﴾ ٥ أو عن مستقبل كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ ٦، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ ٧.
стр. 201
طريق معرفة سبب النزول:
سبب النزول حادثة من أحداث التاريخ الواقعة في عهد الرسول ﷺ ولهذا فلا طريق لمعرفته إلا طريق الرواية الصحيحة عمن شاهده وحضره ولا يمكن الاجتهاد في معرفة ذلك، بل لا يجوز لأنه من القول في القرآن بغير علم قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١.
وقال ﷺ : "من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" رواه الترمذي. وقال هذا حديث حسن٢.
стр. 202
وروى الواحدي عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة عن آية من القرآن فقال: اتق الله، وقل سدادًا، ذهب الذين يعلمون فيما أنزل القرآن١. وقال الواحدي: "ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب"٢.
وإذا ورد سبب النزول عن صحابي فلا تخلو عبارته أن تكون جازمة وصريحة في السببية فلها حكم الحديث المرفوع. وإما أن تكون العبارة غير صريحة كأن يقول: "نزلت هذه الآية في كذا" فإنها تحتمل أن المراد بها سبب النزول وتحتمل أن هذا داخل في الآية وإن لم يكن السبب، بل يراد بيان حكم من الأحكام الواردة في الآية.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقد تنازع العلماء في قول الصاحب: "نزلت هذا الآية في كذا" هل يجري مجرى المسند، كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند؟ فالبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله في المسند، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره وبخلاف ما إذا ذكر سببا نزلت عقبه، فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند"٣.
وإذا ورد سبب النزول عن تابعي فيشترط لقبوله أربعة شروط:
١- أن تكون عبارته صريحة في السببية: بأن يقول: "سبب نزول هذه الآية كذا" أو أن يأتي بفاء تعقيبية داخلة على مادة النزول بعد ذكر حادثة أو سؤال، كأن يقول حدث كذا وكذا أو سئل رسول الله ﷺ عن كذا فأنزل الله تعالى هذه الآية أو فنزلت هذه الآية.
стр. 203
٢- أن يكون الإسناد صحيحًا.
٣- أن يكون التابعي من أئمة التفسير الذين أخذوه عن الصحابة.
٤- أن يعتضد برواية تابعي آخر تتوافر فيه نفس الشروط وإذا اكتملت هذه الشروط في رواية تابعي قبلت وصار لها حكم الحديث المرسل.
قال السيوطي -رحمه الله تعالى- عن سبب النزول إذا ورد عن تابعي أنه "قد يقبل إذا صح المسند إليه، وكان من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير أو اعتضد بمرسل آخر ونحو ذلك"١.
وبهذا ندرك الحيطة الشديدة التي اتخذها العلماء -رحمهم الله تعالى- لصيانة تفسير القرآن من الدخيل والتحريف والتبديل.
стр. 204
فوائد معرفة سبب النزول:
لمعرفة سبب النزول فوائد كثيرة من أهمها:
١- معرفة حكمة التشريع. وأنه قام على رعاية مصلحة الأمة ودفع الضرر عنها وجلب الخير لها والرحمة بها وذلك كحادثة خولة بنت ثعلبة ﵂ حين جاءت إلى الرسول ﷺ تشتكي زوجها وهي تقول: يا رسول الله أبلى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك. فنزل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ ١ وهو أوس بن الصامت٢. فشرع الله تعالى الكفارة رحمة بها وبأمثالها وصيانة للأسرة في المجتمع الإسلامي من التفكك وحماية للأبناء من التشرد.
٢- معرفة سبب النزول يعين على فهم المراد بالآية وتفسيرها التفسير الصحيح ودفع اللبس والإشكال عن معناها قال الواحدي عن أسباب النزول
стр. 205
"هي أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تصرف العناية إليها لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها، دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها"١. وقال أبو الفتح القشيري: "بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز"٢. وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب ولهذا كان أصح قولي الفقهاء، أنه إذا لم يعرف ما نواه الحالف رجع إلى سبب يمينه وما هيجها وأثارها"٣.
ومن الأمثلة على ذلك:
١- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ٤.
فظاهر هذه الآية يدل على أن للإنسان أن يصلي إلى أية جهة شاء ولا يجب عليه استقبال القبلة لا في سفر ولا في حضر ولا في فرض ولا في نافلة وهذا مخالف لما هو معلوم من الأدلة الأخرى في الكتاب والسنة بوجوب التوجه إلى شطر المسجد الحرام. ويزول الإشكال إذا عرف سبب نزول هذه الآية كما رواه جابر بن عبد الله ﵁ قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية كنت فيها فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة فقالت طائفة منا قد عرفنا؛ القبلة هي ههنا قِبل الشمال، فصلوا وخطوا خطوطا، وقال بعضنا: القبلة ههنا قِبل الجنوب فصلوا وخطوا خطوطا، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة, فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي ﷺ عن ذلك، فسكت فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ٥.
стр. 206
وروى مسلم في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١.
وبهذا ندرك أن هذه الآية خاصة بمن صلى وهو لا يعرف القبلة ثم يتبين له خطؤه فإنه لا يعيد الصلاة، وكذا في صلاة النافلة على الراحلة في السفر لا يلزم التوجه إلى القبلة. وبمعرفة سبب النزول زال الإشكال.
٢- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ٢.
فظاهر هذه الآية نفي الجناح عمن طاف بالصفا والمروة مع أن الطواف بهما فرض، والتعبير بنفي الإثم لا يدل على الفرضية، وإذا عرف سبب النزول زال الإشكال:
فقد كان للمشركين أصنام على الصفا والمروة وكانوا يطوفون بهما فلما جاء الإسلام تحرج هؤلاء عن الطواف بهما فنزلت هذه الآية, وقد روى البخاري عن أنس ﵁ أنه سئل: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم، لأنها كانت من شعار الجاهلية حتى أنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ٣.
فدل سبب النزول على أن المراد بالآية نفي ما وقر في أذهان بعض الصحابة من التحرج من السعي بين الصفا والمروة والاعتقاد بتحريم ذلك؛ لأنه من عمل الجاهلية فنزلت الآية لهذا الإثم ورافعة للتحرج.
٣- ومن فوائد معرفة سبب النزول تيسير الحفظ وتسهيل الفهم
стр. 207
وتثبيت الوحي في ذهن كل من يسمع الآية، إذا عرف سبب نزولها لأن ربط الأسباب بالمسببات والأحكام بالحوادث، والحوادث بالأشخاص والأزمنة والأمكنة كل ذلك من دواعي ثبوت المعلومات في الذهن وسهولة استذكارها عند تذكر بعضها, وذلك ما يعرف في علم النفس بقانون "تداعي المعاني"١.
٤- معرفة من نزلت فيه الآية بعينه حتى لا يبرَّأ المتهم أو يتهم البريء وحتى لا يزعم أحد أن المراد بالذم في تلك الآية فلان من الصحابة وهو بريء، أو ينسب إلى آخر صفات مدح في آية، والمراد بها غيره، وفي تفاسير الشيعة كثير من هذا النوع، فلا تكاد تجد آية فيها مدح وثناء على أحد أيا كان إلا وألصقوها بأحد أئمتهم، ولا يدعون آية فيها ذم إلا وألصقوها بمخالفيهم أو بأحذ صحابة رسول ﷺ كأبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم٢.
стр. 208
وقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- أن مروان بن الحكم كان على الحجاز استعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ ١. فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري٢.
٥- ومن فوائد معرفة أسباب النزول:
معرفة أن سبب النزول غير خارج عن حكم الآية إذا ورد مخصص لها.
وبيان ذلك أن اللفظ قد يكون عامًّا ويقوم دليل على تخصيصه فلا يجوز إخراج السبب من حكم الآية بالاجتهاد والإجماع لأن دخول السبب قطعي. وإخراجه بدليل التخصيص اجتهادي، والاجتهاد ظني، ولا يجوز إخراج القطعي بالظني.
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ
стр. 209
لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
وسبب نزول هذه الآية حادثة الإفك المشهورة ولفظ الآية عام بالوعيد يشمل التائب وغير التائب. لكن الآية الأخرى استثنت من تاب فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
فلفظ الآية هنا عام ثم خصص بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ .
وبهذا التخصيص نخصص عموم الآية الأولى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ﴾ الآية، لكن التخصيص للآية الأولى لا يشمل سبب نزولها وهو قذف عائشة ﵂ فيبقى على عمومه بعدم قبول توبة من قذفها لأن دخوله في لفظ الآية الأولى العام قطعي وإخراجه بما ورد في الآية الثانية اجتهادي ظني والقطعي لا يخرج بالظني.
وبهذا يبقى حكم عدم قبول توبة القاذف خاصًّا بقذف عائشة وأمهات المؤمنين، ويكون قبول التوبة في قذف غيرهن، ولذا قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ﴾ نزلت في عائشة خاصة٣.
وفي حديث آخر عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية: "هذه في عائشة وأزواج النبي ﷺ ولم يجعل الله لمن فعل ذلك توبة وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي ﷺ التوبة، ثم قرأ:
стр. 210
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ .
فجعل لمن قذف امرأة من المؤمنين التوبة ولم يجعل لمن قذف امرأة من أزواج النبي ﷺ توبة١.
والخلاصة أن الثانية خصصت عموم الآية الأولى إلا سبب النزول فلا تخصصه لأن دخوله قطعي وتخصيصها ظني.
٦- تخصيص الحكم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.
ومثال قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢.
فقد أشكل عموم هذه الآية على مروان بن الحكم فقال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقال: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا، لنعذبن أجمعين فقال ابن عباس: وما لكم ولهذا إنما دعا النبي ﷺ يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه ما أخبروه عنه فيما سألهم وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ثم قرأ ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ٣. كذلك حتى قوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ ٤، ٥.
٧- ومن فوائد معرفة سبب النزول كشف وجه من وجوه بلاغة القرآن الكريم حيث مراعاة الكلام لمقتضى الحال وذلك بالمطابقة والمقارنة بين الحادثة والنص القرآني الذي نزل فيها.
стр. 211
الاستفادة من معرفة سبب النزول في مجال التربية والتعليم:
نقل المعلومات من ذهن إلى ذهن يحتاج إلى أمرين مهمين:
- أولهما: القدرة من المدرس.
- ثانيهما: الاستعداد من الطالب.
ولا نجاح للعملية التعليمية ما لم يكن عند مدرس المادة قدرة على التعبير الصحيح عما يريد إيصاله إلى أذهان الطلاب.
ولا نجاح للعملية ما لم يكن ذهن الطالب مهيئًا ومشرعا أبوابه لدخول المادة العلمية. وفتح ذهن الطالب عملية مشتركة بين الطالب والمدرس.
فالمدرس الناجح هو الذي يستطيع أن يثير مشاعر الطلاب ويجذب انتباههم، ويهيئ نفوسهم لتقبل المادة العلمية، وليست هذه المهمة بالمهمة السهلة، بل تحتاج إلى جهد كبير، وفطنة لماحة.
والتمهيد للدرس من أهم مراحله، وهي مرحلة تحتاج إلى خبرة ودراية:
١- للربط بين المعلومات.
٢- لتأسيس قاعدة يقف عليها ذهن الطالب للإنطلاق من معلومة إلى معلومة أو من الكل إلى الجزء، إلى أن يدرك عناصر الدرس ويستوعبها.
٣- لإثارة انتباه الطلاب وجذب مشاعرهم.
وعرض سبب النزول سبيل ناجح لتحقيق هذه الأمور في تدريس تلاوة القرآن الكريم، وتدريس تفسير القرآن الكريم، إذ إن سبب النزول -كما أشرنا في التعريف- لا يخلو من أن يكون حادثة أو سؤالا، ومثل هذا كاف لجذب انتباه الطلاب وربطهم بالمادة العلمية، وتزويدهم بمعلومة عامة ينطلقون منها إلى التفصيل ومعرفة ما يتعلق بالآية من تفسير لمفرداتها. وبيان لأحكامها وإدراك لأسرار التشريع فيها، وتوثيق صلتهم بالآية.
стр. 212
وإذا كان عرض سبب النزول طريقة ناجحة للتمهيد لدرس التلاوة ودرس التفسير مثلا, فإنه يمكن الاستفادة من هذا الأسلوب في سائر المواد بأن يبدأ المدرس بعرض قصة مناسبة تلائم المادة العلمية التي يريد عرضها، أو يوجه سؤالا يجذب به انتباه الطلاب، ثم ينطلق إلى درسه بعد أن يطمئن إلى إقبال الطلاب عليه وتوجه أذهانهم إليه؛ فيسهل حينئذ تلقيهم للدرس، واستيعابهم له.
стр. 213
التفسير بالمأثور وأهم المؤلفات فيه
تعريف التفسير
...
التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي:
تعريف التفسير:
اختلف علماء اللغة في لفظ التفسير:
١- فقيل: هو تفعيل من "الفَسْر" بمعنى الإبانة وكشف المراد عن اللفظ المشكل١. قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ٢. أي تفصيلا٣.
٢- وقيل: هو مقلوب من "سَفَر" ومعناه أيضا الكشف يقال: سفرت المرأة سفورا إذا ألقت خمارها عن وجهها وهي سافرة وأسفر الصبح: أضاء وإنما بنوا "فسر" على التفعيل فقالوا: "تفسير" للتكثير٤.
وقال الراغب الأصفهاني: "الفسر" و"السفر" يتقارب معناهما كتقارب لفظيهما، لكن جعل الفسر لإظهار المعنى المعقول ... وجعل السفر لإبراز الأعيان الأبصار فقيل: سفرت المرأة عن وجهها، وأسفر الصبح٥.
стр. 214
وفي الاصطلاح:
التفسير علم يفهم به كتاب الله تعالى المنزل على نبيه محمد ﷺ وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه١.
стр. 215
مناهج التفسير:
لم يكن الصحابة ﵃ ولا الناس من بعدهم أيضًا على درجة واحدة في فهم القرآن الكريم، بل كانوا يتفاوتون في ذلك، فقد كان يشكل على بعضهم ما لا يشكل على بعضهم الآخر.
ويرجع ذلك إلى تفاوتهم في معرفة اللغة ومعرفة ما يحيط بنزول الآية من أحداث وملابسات كأسباب النزول، زد على ذلك تفاوتهم في القدرة العقلية شأن البشر كلهم.
ولو تساوت الأذهان في إدراك معاني القرآن لبطل التنافس وخمدت الهمم لزوال ما يحملهما على القدح وإعمال الذهن والتفكير والتدبر، لكن الله جلت حكمته جعل ألفاظ القرآن تحتمل أحيانًا معاني كثيرة وأمر الناس بالتدبر والتفكر فيها وحث على ذلك فتنافس الصحابة وسائر المسلمين من بعدهم في تفسيرها لينالوا الأجر العظيم والثواب الجزيل.
وسلك العلماء منهجين أساسيين لتحصيل معاني القرآن هما:
١- التفسير بالمأثور.
٢- التفسير بالرأي.