← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12011

دراسات في علوم القرآن - فهد الرومي

فهد الرومي

Полный текст (719 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

شروط المفسر ... أولًا: سلامة العقيدة: فإن من انحرفت عقيدته يعتقد رأيا ثم يحمل ألفاظ القرآن عليه وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين١، فإذا فسر القرآن أوَّل الآيات التي تخالف مذهبه الباطل، وحرفها حتى توافق مذهبه، ومثل هذا لا يطلب الحق فكيف يُطلب منه! ومن هؤلاء فرق الخوارج والروافض والمعتزلة وغلاة الصوفية وغيرهم. ثانيًا: التجرد عن الهوى: فإن الهوى يحمل صاحبه على نصرة مذهبه ولو كان باطلا، ويصرفه عن غيره ولو كان حقا. ثالثًا: أن يكون المفسر عالما بأصول التفسير: وذلك أن أصول التفسير بمثابة المفتاح لعلم التفسير، فلا بد للمفسر أن يكون عالما بالقراءات والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ونحوها. رابعًا: أن يكون عالما بالحديث رواية ودراية: إذ إن أحاديث الرسول ﷺ هي المبينة للقرآن، بل قد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن"٢. وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "السنة تفسر القرآن وتبينه"٣.

стр. 247

خامسًا: أن يكون عالمًا بأصول الدين: وهو "علم التوحيد" حتى لا يقع في آيات الأسماء والصفات في التشبيه أو التمثيل أو التعطيل. سادسًا: أن يكون عالمًا بأصول الفقه: إذ به يعرف كيف تستنبط الأحكام من الآيات، ويستدل عليها، ويعرف الإجمال والتبيين، والعموم والخصوص، والمطلق المقيد، ودلالة النص وإشارته ودلالة الأمر والنهي.. وغير ذلك١. سابعًا: أن يكون عالمًا باللغة وعلومها: كالنحو والصرف والاشتقاق، والبلاغة بأقسامها الثلاثة "المعاني والبيان والبديع". ذلكم أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، وهذه العلوم مما يتوصل بها إلى معرفة المعنى وخواص التركيب ووجوه الإعجاز فيه. وهذه الشروط -كما ترى- عزيزة المنال ولهذا تحرج كثير من السلف من القول في القرآن بغير علم لتمكن الإيمان من قلوبهم واستحضارهم الخوف من الله تعالى، وإذا رأيت من يجترئ على القول في القرآن بغير علم فاعلم أنه من نقص إيمانه، والله المستعان.

стр. 248

آداب المفسر مدخل ... آداب المفسر: وكما أن للمفسر شروطا فإن له آدابا ينبغي عليه الالتزام بها وهي كثيرة منها:

стр. 249

١- الإخلاص: بأن يريد بعمله وجه الله، وأن يطلب رضاه، ولا يبتغي بذلك جاها ولا منصبا، فإن ابتغى غير ذلك ضل وأضل.

стр. 250

٢- العمل: فإنه إذا دعا إلى خير فعليه أن يكون أول المؤدين له حتى يلقى القبول من الناس، وإذا نهى عن أمر وجب أن يكون تاركا له نابذا إياه، فإن الناس إذا رأوه يأمر ولا يفعل وينهى ولا يمتثل نفروا عنه وعن أقواله وإن كانت حقا.

стр. 251

٣- حسن الخلق: في قوله وفي فعله وفي سمته، فإن هذا مما يجذب النفوس إليه, وإذا انجذبت إليه أقبل عليه السمع والبصر. فعليه أن يلتزم حسن الخلق في قوله وعباراته فيلزم الكلمة الطيبة ويحذر الكلمات النابية التي ينفر منها السامع ويفزع. وأن يتحرى الصدق في سائر أقواله حتى يطمئن الناس إليها فإنهم إذا جربوا عليه كذبا اضطرب عندهم سائر كلامه. وعليه أن يلتزم حسن الخلق في فعله فيتواضع لمن هم دونه مقامًا ولا يتعالى فلا تطاله أيديهم فلا يستفيدون من علمه، وأن تكون نفسه عزيزة فيترفع عن سفاسف الأمور والتذلل لأصحاب المال أو الجاه فإن العامة إذا رأوا تهافته على ذلك سقط من أعينهم. وعليه أن يجهر بالحق ولا يكتمه فأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، والساكت عن الحق شيطان أخرس. ومن حسن الخلق أن يقدم من هو أولى منه وأن يوقرهم حضورا كانوا أو غائبين فلا يغمط أقوالهم حقها بل يظهرها ويعترف بفضلها ومزيتها، ولا يقدم قوله عليها، لا ينكر سبقهم له إلى رأي رآه، أو قول يقول به. وعليه أن يلتزم حسن الخلق في سمته بأن يلبس لباس العلماء ويتزيا بزيهم، ويلتزم الوقار في جلوسه ووقوفه ومشيته دون تكلف، ولا يحضر مجالس لهوهم، وأن يتأنى في حديثه حتى يفهم الناس عنه قوله فلا يضطرهم إلى كثرة الاستفسار والجرأة على قطع حديثه. والله المستعان.

стр. 252

الوحي: حاجة البشر إليه: خلق الله الإنسان في أحسن تقويم وركبه أحسن تركيب وجعله من: ١- جسد. ٢- روح. قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ١. وحين نتأمل في غذاء كل من هذين العنصرين "الروح والجسد" نجد أن الجسد خلق من تراب وأن غذاءه من التراب "نبات أو حيوان يتغذى بالنبات". وأنه إذا مات يتحلل ويعود إلى التراب! ولذلك يتمنى الكافر يوم القيامة لو أنه بقي على أصله الترابي الأول فيقول: ﴿لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ ٢. أما الروح فمن الله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ ٣. وإن كانت النسبة إضافة تشريف فلا بد أن يكون غذاؤها من الله وليس من التراب ولا من خلق من التراب، فإن التزمت بالغذاء الرباني

стр. 253

صعدت بعد الموت إلى عليين وفتحت لها أبواب السماء: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ ١، وإن حادث وأبت إلا الغداء الترابي أغلقت في وجهها أبواب السماء قال تعالى: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ٢، قال كعب: "أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة تحت جند إبليس"٣. وغذاء الجسد فيه النافع والضار فإذا غذى الإنسان جسده بالغذاء الجيد صح وقوي بناؤه وظل حيا طريا متماسكًا، وإذا غذاه بالغذاء الرديء أو أهمل غذاءه ضعف وانحرف مزاجه، وساءت صحته، وخارت قواه، وهزل وذبل. وكذا غذاء الروح فيه النافع والضار أيضًا فإذا غذي الإنسان روحه بالغذاء السليم سمت وارتفعت وصحت وسلمت من الأمراض. وغذاؤها صحة الاعتقاد، وسلامتها باتصالها بالله تعالى، قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ٤. وإذا أهمل الإنسان غذاء روحه أو غذاها بالغذاء البشري بأن جعل صلتها بالمبادئ الوضعية والمعتقدات الزائفة أو انقادت لمذلات الجسد الترابي فتغذت بغذائه واستغنت به عن غذائها الرباني ضعفت وخارت وتاهت وانحرف مزاجها ولم يقر لها قرارًا وضاقت عليها الأرض على سعتها.

стр. 254

قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ١، ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ٢. وقد تطلب الخروج من هذا الجسد الذي ضاقت به وضاق بها فتؤدي بصاحبها إلى الانتحار ... إذن فإن على الإنسان أن يحرص على اختيار غذاء الروح كما يحرص على اختيار غذاء الجسد، وأن يسأل أطباء الأرواح عن غذائها النافع كما يحرص على سؤال أطباء الأبدان عن غذاء الجسد الفاني وعليه أن يعرض روحه على أهل الذكر كما يعرض جسده على أهل الطب وأن يعالج روحه كما يعالج بدنه، وأن يتفقدها كما يتفقد بدنه، وأن يحاسبها دوريًّا كما يجري الفحوص الدورية لجسده. وإذا كان غذاء هذه الأجساد الترابية السفلية الفانية من أصلها الترابي يستمد، فإن غذاء هذه الأرواح السامية الباقية من الله العلي الباقي الدائم يستمد٣. وقد هيأ الله –عز شأنه- الطعام المناسب لكل من هذين العنصرين فجعل غذاء هذا الجسد من التراب الذي خلق منه يحرث الأرض ويزرعها فينبت الطعام أو يحفرها الماء أو يجده أقرب من ذلك فوقها. وهذه الروح من الله فجعل غذاءها من عنده ينزل به الروح الأمين على الرسل فتنشره بين الناس وتدعوا إليه فمن اهتدى فقد اهتدي لنفسه ومن ضل فعليها. فإذا كان الله سبحانه يهيئ الطعام لهذه الأجساد فلا عجب أن يهيئ الطعام لهذه الأرواح ومن الجهل كل الجهل والضلال كل الضلال الاعتقاد

стр. 255

أن الإنسان بعقله أصبح يعرف الحق من الباطل فليس هو بحاجة إلى من يخبره بذلك، لا يصح هذا لأن الروح لا تزال بحاجة إلى غذائها العلوي ما بقيت في الجسد كما أن الجسد لا يزال بحاجة إلى غذائه السلفي ما بقيت فيه روح. وإن من رحمة الله تعالى بعباده أن أنزل جبريل ﵇ بغذاء الأرواح إلى الأنبياء ﵈ كما خلق لهذه الأجساد غذاءها، ولا ينكر هذه الحاجة إلا مكابر معاند أو جاهل أحمق. فالوحي من الله رحمة بعباده لتتغذى به الأرواح، وخلق الطعام رحمة من الله بعباده لتتغذى به الأجساد، وببقاء العنصرين يبقى الإنسان وبفقد أحدهما يهلك. والقرآن وحي: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ١، وسنة الرسول ﷺ وحي: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢.

стр. 256

تعريف الوحي: الوحي لغة: أصل الوحي في اللغة إعلام في خفاء١، وقال الحرَّالي: هو إلقاء المعنى في النفس في خفاء١ قال الأزهري: وكذلك الإشارة والإيماء يسمى وحيًا والكتابة تسمى وحيًا١ وقال الراغب الأصفهاني: أصل الوحي الإشارة السريعة ولتضمن السرعة قيل: أمر وحي، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب وبإشارة ببعض الجوارح، وبالكتابة٢ وقال الزبيدي: أوحى إليه: كلمه

стр. 257

بكلام يخفيه١ وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: الوحي الإعلام السريع الخفي إما في اليقظة وإما في المنام٢. وبهذا يظهر أن الوحي في الأصل: الخفاء والسرعة، وعلى هذا فالوحي في اللغة: الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره٣. وطرقه كما أشار إليها الراغب الأصفهاني آنفًا: ١- الكلام على سبيل الرمز والتعريض. ٢- الصوت المجرد عن التركيب. ٣- الإشارة ببعض الجوارح. ٤- الكتابة. أنواعه بالمعنى اللغوي: للوحي أنواع بالمعنى اللغوي وأنواع بالمعنى الشرعي وقد يشتركان في بعضها من حيث الكيفية لكنهما يختلفان من حيث الاعتبار، فالوحي بالمعنى الشرعي خاص بالأنبياء ﵈. وأنواعه بالمعنى اللغوي٤: ١- إلهام الخواطر أو الإلهام الفطري للإنسان وهو ما يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة الطاهر الروح كالوحي إلى أم موسى، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ... ﴾ ٥ الآية.

стр. 258

ومنه الوحي إلى الحواريين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ ١. ٢- الإلهام الغريزي للحيوان، كالوحي إلى النحل، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ ٢. ٣- الأمر الكوني للجمادات، قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا، وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ ٤. ٤- ما يلقيه الله إلى ملائكته من أمر ليفعلوه، قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٥ وقال سبحانه: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ٦ فالإيحاء الأول من جبريل ﵇ إلى محمد ﷺ والثاني من الله إلى جبريل ﵇. والمعنى: فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى الله إليه٧. ٥- الإشارة السريعة بجارحة من الجوارح كإيحاء زكريا ﵇ إلى قومه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ٨. ٦- وسوسة الشيطان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ ٩ وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ ١٠.

стр. 259

الوحي شرعا مدخل ... الوحي شرعًا: اختلف العلماء في تعريف الوحي فمنهم من يعرفه بمعنى "الموحى" فيقول هو: كلام الله تعالى المنزل على أحد أنبيائه وقيل: هو ما أنزل الله على أنبيائه وعرفهم به من أنباء الغيب والشرائع١. ومنهم من يعرفه بمعنى "الإيحاء" فيقول هو إعلام الله لأحد أنبيائه بحكم شرعي أو نحوه. وقولنا: "إعلام" يشمل أنواع الوحي بمعناه الشرعي كما سيأتي بيانها. وقولنا: "الله" قصر للوحي الشرعي بأنه من الله لا من غيره سبحانه. وقولنا: "لأحد أنبيائه" قصر للوحي بالمعنى الشرعي على الوحي للأنبياء. وقولنا: "بحكم شرعي" بيان للموحى به. وقولنا: "أو نحوه" يراد به القصص والأخبار ونحوها الواردة في القرآن أو السنة مما لم يرد فيها حكم شرعي فهي من الوحي أيضًا. وظاهر أن الوحي بالمعنى الشرعي لا يخرج عن حد المعنى اللغوي والفرق بينهما هو الفرق بين العام والخاص. فالوحي بالمعنى اللغوي عام يشمل كل "إعلام في خفاء" والوحي بالمعنى الشرعي خاص لا يتناول إلا ما كان من الله تعالى لنبي من الأنبياء، فالوحي بالمعنى الشرعي أخص من المعنى اللغوي لخصوص مصدره ومورده فقد خص المصدر بأنه من الله وخص المورد بالأنبياء٢، ٣.

стр. 260

أنواع الوحي بالمعنى الشرعي: ١- ما يكون منامًا. وهو أول مراتب الوحي كما جاء في حديث عائشة ﵂: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة -وعند مسلم الصادقة- في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح الحديث"١. وليست الرؤيا خاصة بالفترة الأولى من الوحي بل وقعت بعد ذلك كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ ٢ الآية. ووقع الوحي بالمنام لإبراهيم ﵇ كما جاء في القرآن عنه قوله: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣. ومبادرة إبراهيم ﵇ للامتثال وقول إسماعيل ﵇: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ وقول الله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ دليل قاطع على أن رؤيا الأنبياء ﵈ وحي وأمر من الله سبحانه لهم ﵈. وفي ابتداء النبي ﷺ من الوحي بالرؤيا الصالحة في المنام تهيئة

стр. 261

واستعداد لتلقي الوحي في اليقظة، ويدل على هذا حديث علقمة بن قيس صاحب عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعد في اليقظة"١. ولم ينزل من القرآن شيء عن طريق الوحي بالمنام، وقد ظن بعضهم أن سورة الكوثر نزلت في المنام مستدلا بحديث أنس بن مالك ﵁: "بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله قال: "أنزلت عليّ آنفا سورة" فقرأ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ... الحديث"٢. والصحيح أن هذه الإغفاءة ليست إغفاءة نوم؛ فقد حكى السيوطي عن الرافعي قوله: "وقد يحمل ذلك على الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي ويقال لها برحاء الوحي أ. هـ. قلت -يعني السيوطي: الذي قاله الرافعي في غاية الاتجاه وهو الذي كنت أميل إليه قبل الوقوف عليه٣. ونقل القسطلاني عن أمالي الرافعي قوله: "الأشبه أن القرآن نزل كله يقظة"٤. وبهذا يظهر أنه لم ينزل قرآن على الرسول ﷺ في المنام، والله أعلم. ٢- ما كان مكالمة بين العبد وربه: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ الآية٥. ومن هذا النوع تكليم الله لموسى ﵇: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٦.

стр. 262

وقوله سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ١ ومنه تكليم الله لنبينا محمد ﷺ في المعراج حيث قال: "فأوحى الله إلي ففرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة" ٢. ٣- ما يكون إلهامًا يقذفه الله في قلب نبيه على وجه من العلم الضروري لا يستطيع له دفعًا ولا يجد فيه شكا، ومنه حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن روح القدس نفث في روعي ٣ أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، ألا فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب" ٤. ٤- ما يكون بواسطة أمين الوحي جبريل ﵇ وهذا النوع أشهر الأنواع وأكثرها، وهو المصطلح عليه بـ "الوحي الجلي" ووحي القرآن كله من هذا القبيل ولم ينزل شيء من القرآن على الرسول ﷺ بغير هذا النوع كالإلهام أو المنام أو التكليم بلا واسطة يدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٥ وقوله سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ٦.

стр. 263

والوحي بجميع أنواعه بالمعنى الشرعي يصحبه علم يقيني ضروري من النبي بأن ما ألقي إليه حق من عند الله ليس من خطرات النفس ولا وسوسة الشياطين، وهذا العلم اليقيني لا يحتاج إلى مقدمات وإنما هو من قبيل إدراك الأمور الوجدانية كالجوع والعطش١. وقد ذُكرت هذه الأقسام الأربعة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٢ وقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى في تفسيرها: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ يوحي إليه في المنام أو بالإلهام: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يُسمعه كلامه ولا يراه كما كلم موسى ﵇: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ إما جبريل أو غيره من الملائكة٣.

стр. 264

كيفية وحي الله إلى الملائكة ﵈: ورد ذكر إيحاء الله إلى الملائكة في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١ وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ٢ وغير ذلك. وقد ورد وصف وحي الله إلى الملائكة في السُّنة النبوية في أحاديث كثيرة منها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فـ ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ للذي قال: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ " ... الحديث٣.

стр. 265

وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، فإذا تكلم أخذت السموات منه رجفة -أو قال رعدة- شديدة خوفًا من الله ، فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله " ١. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا قال: فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل فإذا أتاهم جبريل فزع عن قلوبهم، فيقولون يا جبريل: ماذا قال ربك؟ قال: يقول الحق، قال: فينادون: الحق الحق" ٢. وعلى هذا فإن القرآن الكريم كلام الله أسمعه جبريل وبلغه جبريل ﵇ كما سمعه إلى الرسول ﷺ وليس لجبريل ولا للرسول إلا البلاغ، كما دلت على ذلك النصوص القرآنية مثل قوله تعالى مخاطبًا نبيه ﵊: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ ٣.

стр. 266

وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ ١ وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٢ وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ٣ وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٤ فالوحي من حيث التبليغ قسمان: ١- قسم يبلغه جبريل كما سمعه بحروفه وحركاته من غير زيادة ولا نقصان وبلغه الرسول ﵊ كذلك، وهذا ما أجمع عليه العلماء. ٢- وقسم بلغه جبريل ﵇ أو الرسول ﷺ أو هما معًا بالمعنى، على خلاف بين العلماء.

стр. 267

كيفية وحي الله إلى الرسل ﵈ ... كيفية وحي الله -سبحانه- إلى الرسل ﵈: وحي الله سبحانه إلى رسله ﵈ إما أن يكون بواسطة أو بدونها وما يكون بدون واسطة فهو ثلاثة أنواع: ١- ما يكون منامًا. ٢- ما يكون كلامًا. ٣- ما يكون إلهامًا. وسبق بيان هذه الأنواع. وما يكون بواسطة هو النوع الرابع وهو ما يكون بواسطة جبريل ﵇، ويسمى الوحي الجلي.

стр. 268

كيفية وحي الملك إلى الرسول مدخل ... كيفية وحي الملك إلى الرسول: وهذا الوحي يقوم على اتصال بين جبريل ﵇ وهو "مَلَك" وبين الرسول ﷺ وهو "بشر"، وحين يكون حديث بين اثنين عربي وعجمي -مثلًا- فإن التفاهم بينهما يحتاج إلى أن يتعلم أحدهما لغة الآخر، والوحي اتصال بين "ملك" و"بشر"، فالأمر يحتاج إلى غلبة البشرية على الملك فيفهم البشر كلامه، أو غلبة الروحانية على البشر فيسهل على الملك تبليغه. وقد أشار إلى هذا المعنى ابن حجر -رحمه الله تعالى- حيث قال: "إن العادة جرت بالمناسبة بين القائل والسامع، وهي هنا إما باتصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية وهو النوع الأول، وإما باتصاف القائل بوصف السامع وهو البشرية وهو النوع الثاني"١. وقال الزركشي في البرهان والسيوطي في الإتقان: "وفي التنزيل طريقان: أحدهما: أن النبي ﷺ انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكية وأخذه من جبريل، والثاني: أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذه الرسول منه والأول أصعب الحالين"٢. ووصف ابن خلدون الحالة الأولى بأنها انسلاخ من البشرية الجسمانية واتصال بالملكية الروحانية، والحالة الأخرى عكسها لأنها انتقال الملك من الروحانية المحضة إلى البشرية الجسمانية٣. وبهذا يتبين أن وحي الملك جبريل ﵇ إلى الرسول ﷺ يكون بإحدى حالتين:

стр. 269

الحالة الأولى مدخل ... الحالة الأولى: أن يأتيه مثل صلصلة الجرس، والصلصلة في الأصل: صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أطلق على كل صوت له طنين١. ومن صفات هذه الحالة: ١- أنها الأشد على الرسول ﷺ كما وصفها ﵊. ٢- أنها شديدة على الرسول ﷺ فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سألت النبي ﷺ هل تحس بالوحي؟ فقال: "أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تفيض" ٢ وفي مجمع الزوائد: "إلا ظننت أن نفسي تقبض" ٣. ٣- أنه ﷺ يعرق عرقًا شديدًا في هذه الحالة من الوحي كما قالت عائشة ﵂: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا"٤ وقال زيد بن ثابت ﵁: "كنت أكتب الوحي لرسول ﷺ وكان إذا نزل عليه أخذته بُرَحَاءٌ٥ شديدة، وعرق عرقًا شديدًا مثل الجمان٦ ثم سري عنه"٧.

стр. 270

٤- أن جسمه يثقل ثقلًا شديدًا كما روى البيهقي في الدلائل في وصفه للوحي "إن كان ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على ناقته فتضرب على جرانها من ثقل ما يوحى إلى رسول الله ﷺ وإن كان جبينه ليطف بالعرق في اليوم الشاتي إذ أوحى الله إليه"١. وعن عائشة ﵂ قالت: "إن كان ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته فتضرب بجرانها"٢ أي تمد عنقها من التعب. وكان الوحي ينزل على رسول الله ﷺ وهو متكئ على رجل زيد بن ثابت ﵁ قال زيد: "حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل القرآن، حتى أقول لا أمشي على رجلي أبدًا"٣. ٥- أن الرسول في هذه الحالة من الوحي يغط غطيط النائم ويغيب غيبة كأنها غشية أو إغماء وليست كذلك، وقد روى البخاري أن صفوان بن يعلى ﵁ قد جاء إلى الرسول ﷺ وهو يوحى إليه "وعلى رسول الله ﷺ ثوب قد أظل به فأدخل رأسه فإذا رسول الله محمر الوجه وهو يغط"٤ الحديث. وأخرج ابن سعد عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يغط في رأسه ويتربد وجهه" أي يتغير لونه٥. ٦- أن للوحي صوتًا يسمعه الرسول ﷺ مثل الصلصلة ويسمعه الصحابة ﵃ مثل دوي النحل٦ وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: كان إذا نزل على رسول الله ﷺ يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل"٧.

стр. 271

الحكمة من صوت الصلصلة: قال ابن حجر -رحمه الله تعالى: "والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحي فلا يبقى فيه مكان لغيره"١.

стр. 272

فائدتها: قال القسطلاني: "وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى ورفع الدرجات"١. "قلت": ولعل هذه الشدة لأن الأجسام أوعية للأرواح ولكل جسم روح تناسب كثافته وحجمه، فإذا غلبت الروحانية على الجسم فإن الجسم ينوء بها فيعاني شدة ويعرق نتيجة الجهد، ويثقل لأن أجسام البشر خلقت لأرواح البشر فإذا سمت الروح وعلت فإن هذا الجسد لا يكاد يحتملها، والله أعلم.

стр. 273

الحالة الثانية: أن يأتي جبريل ﵇ إلى الرسول ﷺ في صورة رجل، كدحية الكلبي أو أعرابي مثلا فيكلمه كما يكلمه البشر. وقد ورد ذكر هاتين الحالتين في الحديث الذي روته عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ : كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم

стр. 274

عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول". قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد وإن جبينه ليتفصد عرقًا١.

стр. 275

إمكانية وقوع الوحي: من المعلوم أن العالم ينقسم إلى قسمين: ١- عالم الغيب "أو ما وراء المادة". ٢- عالم الشهادة: وقد ضاقت عقول فئة من الناس فلم تؤمن إلا بعالم الشهادة وأنكرت عالم الغيب، وهذا بلا شك قصور في الإدراك وفي وسائله. ولو تأمل هؤلاء لأدركوا أن فيما أنكروا ما لا يخفى على ذي لب، وأن في عالم الغيب ما هو أقوى ثبوتًا من بعض ما في عالم الشهادة. أرأيتم ذلك العقل الذي يؤمنون به هل يستطيعون إثبات وجوده بوسائل الإدراك عندهم، وهل يجرؤ أحدهم على إنكار وجوده. وتلكم الروح التي تسري في أجسادهم هل يدعي أحدهم إنكارها ولو مجرد دعوى. هل يجرؤ أحدهم على التسوية بين الجسد الميت والجسد الذي تدب فيه الروح، وهل يستطيع بوسائل إدراكه إثبات وجودها. ألا فليراجع أولئك وسائل الإدراك عندهم وليعلموا قصورها وليبحثوا عن الخلل فيها. وليعلموا -أيضًا- أن هناك عالمًا آخر أوسع من العالم الذي يعيشون فيه. هو عالم الغيب. وللمتأمل في عالم الشهادة علامات بارزة وأدلة ثابتة لذوي الألباب تدل دلالة قاطعة على عالم الغيب.

стр. 276

والوحي من عالم الغيب الذي يجب الإيمان به، ومن صفات المؤمنين أنهم يؤمنون بالغيب، ولمن طلب الأدلة العلمية -للطمأنينة القلبية- على إمكانية وقوع الوحي نذكر منها: ١- الحالة الإنسانية نفسها: فالإنسان نفسه أول ما يولد لا يملك من أمر نفسه شيئًا، فلا يملك التحكم في تحريك يده، ولا رأسه، ولا رجله، ولا تحريك بصره يمنة أو يسرة، حتى برازه يخرج بغير إرادته، فلا حول له ولا قدرة ولا سلطان إلا القدرة على تحريك شفتيه للرضاعة!! لأن هناك من كفاه الحاجة إلى كل حركة وهي أمه التي تقوم بكل حاجته، إلا تلك الحركة فلا يمكن أن تقوم بها ولا يمكن أن يستغنى عنها، فمن الذي ألهمه هذه الحركة، ومن الذي علمه!! لا ريب أن قيوم السموات والأرض هو الذي ألهمه وعلمه، فلا عجب إذًا أن يلهم بعض البشر ما تقوم به حياة البشر عامة وصلاح أمرهم. ٢- أن بعض الحشرات كالنحل والنمل وغيرهما تأتي بعجائب الأنظمة ودقائق الأمور مما يطول شرحه وبسطه ويدرك المتأمل أنه من المستحيل أن يكون ذلك صادرًا عن تفكير لها أو منبثق عن غريزتها المجردة، بل يوقن أنها لم تصدر في ذلك إلا عن إلهام رباني ووحي إلهي. فإذا اقتضت رحمة الله الإلهام إلى تلك الحيوانات والحشرات بما تقوم به حياتها هل يستبعد أحد أن يلهم الله أحدًا من البشر ما تقوم به حياتهم وسعادتهم وهم أعز وأكرم. ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ١. ٣- وفي المخترعات الحديثة والمكتشفات العلمية ما يقرب إلى الأذهان إمكانية الاتصال؛ فإذا كان الهاتف مثلًا يمكن للإنسان بواسطته أن يخاطب من في أقصى الأرض، وأن يسمع حديثه لا يخفى عليه منه شيء ولا يسمع الحاضرون إلا دويَّا كدوي النحل!! فضلًا عن الإذاعة التي تنقل

стр. 277

الأصوات إلى ما هو أعم وأوسع، والتلفاز الذي ينقل الصوت والصورة، إذا كان هذا بعض شأن البشر وقدرتهم التي أعطاهم الله، فهل يجرؤ أحد على إنكار إمكانية اتصال الله بأحد أنبيائه وإسماعه كلامه بواسطة أو بغير واسطة، لا ينكر هذا إلا مكابر معاند.

стр. 278

أدلة وقوع الوحي: وإذا ثبتت إمكانية وقوع الوحي، فإن الأدلة على وقوعه وتحققه كثيرة: ١- فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢. وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ ٣. وقال : ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ٤. وغير ذلك من الآيات. ٢- ومن السنة: حديث عائشة ﵂ "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة -وفي رواية- الصادقة في المنام ... الحديث٥. وحديث عائشة ﵂ -أيضًا- أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ : كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس" ... الحديث٦. وغير ذلك من الأحاديث.

стр. 279

٣- والدليل العقلي: أن النبوة والرسالة ثابتة بأدلة كثيرة وبراهين عديدة، وثبوت ذلك يقتضي ثبوت الصدق والعصمة للنبي، وقد أخبر الصادق المعصوم بأنه يوحى إليه فيلزم من ذلك ثبوت وقوع الوحي، فكل ما أخبر به الصادق المعصوم فهو حق وثابت، فلا يبقى بعد ذلك شبهة ولا نحوها في إمكانية وقوع الوحي وتكرر وقوعه، والله أعلم.

стр. 280

نزول القرآن الكريم مدخل ... نزول القرآن الكريم: في القرآن الكريم آيات ورد فيها النص على نزول القرآن الكريم: ١- فمنها ما يدل على نزول القرآن الكريم جملة واحدة: أ- ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ١. ب- ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٢. ج- ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ ٣. ٢- ومنها ما يدل على نزوله مفرَّقًا: أ- ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٤. ب- ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ ٥.

стр. 281

أقوال العلماء في نزول القرآن الكريم مدخل ... أقوال العلماء في نزول القرآن الكريم: ولتنوع دلالة هذه الآيات فإن للعلماء في نزول القرآن الكريم أقوالًا:

стр. 282

القول الأول: أن للقرآن الكريم نزولين: الأول جملة والثاني منجمًا: النزول الأول: من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا. وعلى هذا النزول تحمل الآيات التي تدل على نزوله جملة واحدة وهي: ١- ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ١.

стр. 283

٢- ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ١. ٣- ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ٢. والنزول الثاني: نزوله بعد ذلك منجمًا على الرسول ﷺ . وعلى هذا تحمل الآيات التي تدل على نزوله منجمًا وهي: ١- ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٣. ٢- ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ ٤. واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١- أن عطية بن الأسود سأل ابن عباس ﵄ فقال: "إنه قد وقع في قلبي الشك في قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ٥ وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٦ وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ٧ وقد أنزل في شوال وذي القعدة وذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول، فقال ابن عباس ﵄: إنه أنزل في رمضان وفي ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلًا في الشهور والأيام"٨. ٢- ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: فُصِلَ القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل ﵇ ينزله على النبي ﷺ ويرتله ترتيلًا"٩.

стр. 284

٣- وما رواه عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: "أنزل الله القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، فكان الله إذا أراد أن يوحى منه شيئًا أوحاه، أو أن يحدث منه في الأرض شيئًا أحدثه"١. ٤- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٢ قال: "أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسول الله ﷺ بعضه في إثر بعض ... "٣. ٥- وعن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: "أنزل القرآن جملة واحد إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة وقرأ: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ٤ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٥"٦. ٦- وعن ابن عباس ﵄ قال: "أنزل القرآن ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا جملة ثم أنزل نجومًا"٧. فهذه الأحاديث كلها موقوفة على ابن عباس وأغلب أسانيدها صحيحة.

стр. 285

القول الثاني: وقال به الشعبي١ ومحمد بن إسحاق٢ وهو أن للقرآن الكريم نزولًا واحدًا بدأ في ليلة القدر وهي ليلة مباركة في شهر رمضان وعلى هذا تدل الآيات الثلاث: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ٣ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ٤ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٥ ثم نزل بعد ذلك منجمًا في أوقات مختلفة فليس للقرآن إلا نزول واحد منجم على الرسول ﷺ .
следующие страницы →