← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12011

دراسات في علوم القرآن - فهد الرومي

فهد الرومي

Полный текст (719 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أقوال العلماء في نزول القرآن الكريم مدخل ... أقوال العلماء في نزول القرآن الكريم: ولتنوع دلالة هذه الآيات فإن للعلماء في نزول القرآن الكريم أقوالًا:

стр. 282

القول الأول: أن للقرآن الكريم نزولين: الأول جملة والثاني منجمًا: النزول الأول: من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا. وعلى هذا النزول تحمل الآيات التي تدل على نزوله جملة واحدة وهي: ١- ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ١.

стр. 283

٢- ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ١. ٣- ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ٢. والنزول الثاني: نزوله بعد ذلك منجمًا على الرسول ﷺ . وعلى هذا تحمل الآيات التي تدل على نزوله منجمًا وهي: ١- ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٣. ٢- ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ ٤. واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١- أن عطية بن الأسود سأل ابن عباس ﵄ فقال: "إنه قد وقع في قلبي الشك في قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ٥ وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٦ وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ٧ وقد أنزل في شوال وذي القعدة وذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول، فقال ابن عباس ﵄: إنه أنزل في رمضان وفي ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلًا في الشهور والأيام"٨. ٢- ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: فُصِلَ القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل ﵇ ينزله على النبي ﷺ ويرتله ترتيلًا"٩.

стр. 284

٣- وما رواه عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: "أنزل الله القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، فكان الله إذا أراد أن يوحى منه شيئًا أوحاه، أو أن يحدث منه في الأرض شيئًا أحدثه"١. ٤- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٢ قال: "أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسول الله ﷺ بعضه في إثر بعض ... "٣. ٥- وعن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: "أنزل القرآن جملة واحد إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة وقرأ: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ٤ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٥"٦. ٦- وعن ابن عباس ﵄ قال: "أنزل القرآن ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا جملة ثم أنزل نجومًا"٧. فهذه الأحاديث كلها موقوفة على ابن عباس وأغلب أسانيدها صحيحة.

стр. 285

القول الثاني: وقال به الشعبي١ ومحمد بن إسحاق٢ وهو أن للقرآن الكريم نزولًا واحدًا بدأ في ليلة القدر وهي ليلة مباركة في شهر رمضان وعلى هذا تدل الآيات الثلاث: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ٣ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ٤ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٥ ثم نزل بعد ذلك منجمًا في أوقات مختلفة فليس للقرآن إلا نزول واحد منجم على الرسول ﷺ .

стр. 286

القول الثالث: أن للقرآن الكريم نزولين منجمين. الأول: من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا وذلك في ثلاث وعشرين ليلة قدر ينزل في كل ليلة ما سينزل في عامها. الثاني: نزوله منجمًا على الرسول ﷺ وذلك في ثلاث وعشرين سنة. وقد قلل بعض الباحثين المعاصرين من هذا القول وقلده آخرون وزعم أنه لا دليل عليه، والحق أن هذا القول لعدد من العلماء المعتبرين كالفخر الرازي الذي توقف في الترجيح بينه وبين القول الأول بل أوجب التوقف١ وقال بهذا القول أيضًا مقاتل بن حيان٢ وابن جريج٣.

стр. 287

وقال الحليمي في المنهاج: "أن جبريل كان ينزل منه من اللوح المحفوظ في ليلة القدر إلى السماء الدنيا قدر ما ينزل به على النبي ﷺ في تلك السنة إلى ليلة القدر التي تليها إلى أن أنزله كله في عشرين ليلة من عشرين سنة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا"١.

стр. 288

القول الرابع: ما رواه الماوردي١ وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس -رضي الله عنهما٢- أنه قال: نزل القرآن في رمضان وفي ليلة القدر في ليلة مباركة جملة واحدة من عند الله تعالى في اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا فنجمته السفرة على جبريل في عشرين ليلة، ونجمه جبريل على النبي ﷺ في عشرين سنة، وكان ينزل على مواقع النجوم أرسالًا في الشهور والأيام". وقد استغرب بعض العلماء هذا القول وأنكره، فقال ابن حجر رحمه الله تعالى: "وحكى الماوردي في تفسير ليلة القدر أنه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة، وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة، وأن جبريل نجمه على النبي ﷺ في عشرين سنة، وهذا أيضًا غريب"٣ بل احتد ابن العربي -رحمه الله تعالى- فقال: "ومن جهالة المفسرين أنهم قالوا: إن السفرة ألقته إلى جبريل في عشرين ليلة وألقاه جبريل إلى محمد ﵉ في عشرين سنة. وهذا باطل، ليس بين جبريل وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ومحمد صلى الله عليهما واسطة"٤. وأما أبو شامة المقدسي فقد وصف ما حكاه الماوردي بقوله: "وكأنه قول ثالث غير القولين المقدمين أو أراد الجمع بينهما فإن قوله: نزل جملة

стр. 289

واحدة هو القول الأول، وقوله: فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة. هو القول الثاني. كأنه فسر قول من قال: نزل في عشرين ليلة، بأن المراد بهذا الإنزال تنجيم السفرة ذلك على جبريل" إلى أن قال عن هذا القول: إنه بعيد مع ما قد صح من الآثار عن ابن عباس أنه نزل جملة إلى سماء الدنيا١.

стр. 290

القول الراجح: هو القول الأول أن للقرآن الكريم نزولين الأول من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، جملة في ليلة واحدة هي ليلة القدر وهي ليلة مباركة في شهر رمضان. والنزول الثاني نزوله منجمًا على الرسول ﷺ وذلك في ثلاث وعشرين سنة. قال ابن حجر عن هذا القول: "هو الصحيح المعتمد"١ بل حكى القرطبي الإجماع على أن القرآن أنزل جملة واحدة٢. وقال في موضع آخر: لا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر -على ما بيناه- جملة واحدة فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا ثم كان جبريل ﷺ ينزل به نجمًا نجمًا في الأوامر والنواهي والأسباب، وذلك في عشرين سنة"٣. ووصف السيوطي هذا القول بأنه "الأصح الأشهر"٤. "قلت": وتشهد لصحة هذا القول الأحاديث المروية عن ابن عباس ﵄ وهي كلها صحيحة كما قال السيوطي ولا أثر لكونها موقوفة على ابن عباس؛ لأن قول الصحابي في الأمور الغيبية التي لا مجال للاجتهاد فيها له حكم الرفع.

стр. 291

وإياك أن تفهم أن جبريل ﵇ أخذ القرآن من اللوح المحفوظ ولم يسمعه من الله، فإن هذا القول باطل. قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى: "فمن قال: إنه منزل من بعض المخلوقات كاللوح والهواء فهو مفتر على الله، مكذب لكتاب الله، متبع لغير سبيل المؤمنين، ألا ترى أن الله فرق بين ما نزل منه وما نزل من بعض المخلوقات كالمطر بأن قال: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ ١ فذكر المطر في غير موضع وأخبر أنه نزله من السماء والقرآن أخبر أنه منزل منه"٢ في قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ ٣ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ، ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ٥ وقال ابن تيمية أيضًا: "ثم إن كان جبريل لم يسمعه من الله وإنما وجده مكتوبًا كانت العبارة عبارة جبريل، وكان الكلام كلام جبريل ترجم به عن الله كما يترجم عن الأخرس الذي كتب كلامًا ولم يقدر أن يتكلم به، وهذا خلاف دين المسلمين"٢. وقد رد سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة -رحمه الله تعالى- على قول السيوطي بأن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ فقال: هذه المقالة اغتر بها كثير من الجهلة وراجت عليهم، والسيوطي -رحمه الله تعالى- مع طول باعه وسعة اطلاعه وكثرة مؤلفاته ليس ممن يعتمد عليه في مثل هذه الأصول العظيمة، وهذه المقالة مبنية على أصل فاسد وهو القول بخلق القرآن؛ وهذه مقالة الجهمية والمعتزلة ومن نحا نحوهم، وهذه المقالة

стр. 292

الخاطئة حقيقتها إنكار أن يكون الله متكلمًا حقيقة" إلى أن قال: "والقائلون بخلق القرآن منهم من يقول: خلقه في اللوح المحفوظ وأخذ جبريل ذلك المخلوق من اللوح وجاء به إلى محمد -صلى الله صلى عليه وسلم- ومنهم من يقول: خلقه في جبريل، ومنهم من يقول: خلقه في محمد ﷺ إلى غير ذلك من أقوالهم"١. فهذا ما ينتهي إليه هذا القول ويئول إليه، وإن لم يكن كثير من الناقلين له يقصدونه٢. وإذا كان الرأي الراجح أن للقرآن الكريم نزولين فلنفصل القول في كل نزول على حِدَة.

стр. 293

النزول الأول: نزول القرآن الكريم جملة: كيفيته: من المعلوم أن هذا من الأمور الغيبية التي لا يجوز القول فيها إلا بدليل من الكتاب أو السنة، ولا نعرف نصًّا خاصًّا في كيفية هذا النزول، وإنما وردت النصوص العامة في بيان كيفية وحي الله إلى ملائكته، وقد سبق بيانها في مبحث الوحي. ومع هذا فقد نقل أبو شامة المقدسي عن بعض التفاسير كيفية ذلك فقال: ورأيت في بعض التفاسير. قال: وقال جماعة من العلماء: نزل

стр. 294

القرآن جملة واحدة في ليلة من اللوح المحفوظ إلى بيت يقال له بيت العزة، فحفظه جبريل ﵇ وغشي على أهل السموات من هيبة كلام الله، فمر بهم جبريل وقد أفاقوا فقالوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ ١ يعني القرآن، وهو معنى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ٢ فأتى به جبريل إلى بيت العزة فأملاه جبريل على السفرة الكتبة يعني الملائكة وهو قوله : ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ ٣ ثم قال أبو شامة: "نقلته من كتاب "شفاء القلوب" وهو تفسير علي بن سهل النيسابوري"٤.

стр. 295

دليله: أما الدليل على نزول القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا فمن القرآن: أ- قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ١. ب- قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ٢. ج- قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٣. والمراد بالنزول في هذه الآيات كما مر بنا نزول القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا. ومن السنة: الأحاديث المروية عن ابن عباس ﵄، وقد سبق بيانها.

стр. 296

واسطته: وهذا أيضًا من الأمور الغيبية التي لم أجد نصًّا صحيحًا صريحًا في بيانها، ومن المعلوم أن جبريل ﵇ هو الملك الموكل بالوحي كما قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ ١ وقال : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٢. وقد مر بنا قول ابن العربي "ليس بين جبريل وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ومحمد ﵉ واسطة"٣ والله أعلم.

стр. 297

مدته: أما المدة التي تم فيها النزول الأول نزول القرآن الكريم جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، فهي ليلة واحدة هي ليلة القدر، وهي ليلة مباركة من شهر رمضان، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ١ وقال : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ٢ وقال : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ٣. وليس هناك دليل صحيح على تحديد وقت هذه الليلة غير أنها ليلة القدر في شهر رمضان، من غير تحديد للعام الذي كانت فيه، هل كانت قبل ظهور نبوة محمد ﷺ أم بعدها، ومع هذا فقد قال أبو شامة: "الظاهر أنه قبلها وكلاهما محتمل"٤ وخالفه السيوطي وقال: "الظاهر هو الثاني، وسياق الآثار

стр. 298

السابقة عن ابن عباس صريح فيه"١. "قلت": سياق الآثار المذكورة لا يدل على ذلك ولو من بعيد، فضلًا عن أن تكون صريحة فيه.

стр. 299

حكمته: ولنزول القرآن الكريم جملة واحدة من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا حكم عديدة، منها ما ذكره أبو شامة المقدسي بقوله: "فإن قلت: ما السر في إنزاله جملة إلى السماء الدنيا؟ قلت: فيه تفخيم لأمره وأمر من أنزل عليه، وذلك بإعلام سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزل على خاتم الرسل لأشرف الأمم، قد قربناه إليهم لننزله عليهم، ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهما منجمًا بحسب الوقائع لهبط به١ إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله تعالى باين بينه وبينها فجمع له الأمرين: إنزاله جملة ثم إنزاله مفرقًا، وهذا من جملة ما شرف به نبينا ﷺ "٢. وقال السخاوي: فإن قيل: ما في إنزاله جملة إلى سماء الدنيا؟ قلت: في ذلك تكريم بني آدم وتعظيم شأنهم عند الملائكة، وتعريفهم عناية الله بهم ورحمته لهم. ولهذا المعنى أمر سبعين ألفًا من الملائكة لما أنزل سورة الأنعام أن تزفها٣ وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل ﵇ بإملائه على السفرة الكرام البررة ﵈ وإنساخهم إياه، وتلاوتهم له.

стр. 300

وفيه أيضًا: إعلام عباده من الملائكة وغيرهم أنه علام الغيوب لا يعزب عنه شيء، إذ كان في هذا الكتاب العزيز ذكر الأشياء قبل وقوعها. وفيه أيضًا: التسوية بينه وبين موسى ﵇ في إنزال كتابه جملة، والتفضيل لمحمد ﷺ في إنزاله عليه منجمًا ليحفظه، قال الله : ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ ١ وقال : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ ٢. وفيه أيضًا: "أن جناب العزة عظيم، ففي إنزاله جملة واحدة وإنزال الملائكة له مفرقًا بحسب الوقائع، ما يوقع في النفوس تعظيم شأن الربوبية"٣. "قلت": وبهذا يظهر أن لنزول القرآن الكريم جملة واحدة حكمًا عديدة منها: ١- تعظيم شأن القرآن الكريم وتفخيم أمره. ٢- تعظيم شأن الرسول ﷺ وتشريفه وتفضيله. ٣- تكريم أمة محمد ﷺ وتعريف الملائكة بفضلها ومكانتها. ٤- إعلام أهل السموات أن هذا آخر الكتب المنزل على خاتم الأنبياء. ٥- إعلام الملائكة وغيرهم بأن الله يعلم ما كان وما سيكون وأنه علام الغيوب، ففي القرآن ذكر للأشياء قبل وقوعها وبيان لأحداث قبل حدوثها. ٦- بيان منزلة محمد ﷺ وفضله على سائر الأنبياء ﵈. "فإن قلت" وما أثر بيان عظمة القرآن ومكانة الرسول ﷺ وأمته عند الملائكة وما فائدة ذلك؟

стр. 301

"قلت": إن المسلم ليفرح فرحًا شديدًا بدعوة أخيه المسلم الصالحة وتعظم مكانتها بقدر صلاح الداعي واستقامته، فإذا كانت الدعوة ممن لم يعص الله طرفة عين وهم الملائكة، كانت من أفضل الدعاء وأحراها بالإجابة. والملائكة يصلون على النبي ﷺ ويستغفرون لأمة محمد ﷺ ويدعون لهم، ويحضرون مجالس الذكر ويكثرون في الأزمنة والأماكن الفاضلة، وحضورهم كله خير ودعاؤهم حري بالإجابة، فعلمهم بمنزلة الرسول ﷺ ومكانة أمته وعظمة كتابه من أسباب إكثارهم ومداومتهم على ذلك. واختصاصهم بزيادة الدعاء، والله أعلم.

стр. 302

اختصاص القرآن الكريم بالنزول الأول: وهو النزول من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وذلك أن الكتب السابقة كانت تنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى الأنبياء إلا القرآن الكريم، والله أعلم.

стр. 303

النزول الثاني: نزول القرآن الكريم منجمًا: كيفيته: سبق في مبحث "الوحي" بيان كيفية وحي الملك إلى الأنبياء ﵈ وأنواعه، وأن القرآن كله نزل بالوحي الجلي ولم ينزل منه شيء بالمنام أو الإلهام أو التكليم بلا واسطة.

стр. 304

واسطته: والقرآن كله نزل بواسطة جبريل ﵇، كما قال : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١ وقال : ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ ٢.

стр. 305

دليله: من الأدلة على نزول القرآن الكريم منجمًا: ١- قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ١. ٢- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ ٢. ٣- ما هو معلوم بالضرورة من سيرة الرسول ﷺ من نزول القرآن عليه مفرقًا من بعثته إلى وفاته ﵊.

стр. 306

مقدار ما ينزل في كل مرة: ليس هناك مقدار ثابت لما ينزل من القرآن الكريم في كل مرة، ونفصل الحديث على النحو التالي: ١- الآيات. ٢- قصار السور. ٣- طوال السور. أما بالنسبة للآيات فقد ينزل خمس آيات أو أكثر أو أقل، بل قد ينزل بعض آية كقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ من قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ١، ٢ وكقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ٣ ولعل غالب ما ينزل خمس آيات وعشر آيات لما

стр. 307

رواه أبو نضرة قال: كان أبو سعيد الخدري ﵁ يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة وخمس آيات بالعشي، ويخبر أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس آيات١ وما رواه أبو خلدة عن أبي العالية قال: قال عمر ﵁: تعلموا القرآن خمسًا خمسًا فإن جبريل ﵇ نزل بالقرآن على النبي ﷺ خمسًا خمسًا٢ وقال أبو العالية: تعلموا القرآن خمس آيات؛ فإن النبي ﷺ كان يأخذه من جبريل خمسًا خمسًا٣. أما قصار السور فمنها ما كان ينزل جملة واحدة كالفاتحة والمعوذات، ومنها ما ينزل مفرقًا كسورة العلق والمدثر والضحى. وأما السبع الطول فلم ينزل منها سورة جملة واحدة إلا سورة الأنعام كما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة، ونزل معها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح"٤.

стр. 308

مدته: اختلف في مدة نزول القرآن منجمًا على الرسول ﷺ تبعًا للاختلاف في مدة بعثة الرسول ﷺ وهو في مكة، فقيل: عشرين سنة، وقيل: ثلاث وعشرين سنة، وقيل: خمس وعشرين سنة. فمن المعلوم أن مدة الوحي بالرؤيا الصالحة كانت ستة أشهر ثم فتر

стр. 309

الوحي في سنتين ونصف، قال السهيلي رحمه الله تعالى: "جاء في بعض الروايات المسندة أن مدة الفترة سنتان ونصف، وفي رواية أخرى أن مدة الرؤيا ستة أشهر، فمن قال مكث عشر سنين حذف مدة الرؤيا والفترة ومن قال ثلاث عشرة أضافهما"١. وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: "بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين"٢. وروي عن عائشة وابن عباس ﵄ قالا: لبث النبي ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشرًا"٣ قال ابن حجر رحمه الله تعالى: "وهذا ظاهره أنه ﷺ عاش ستين سنة إذا انضم إلى المشهور أنه بعث على رأس الأربعين، لكن يمكن أن يكون الراوي ألغى الكسر" ثم قال: "ويمكن أن يجمع بينه وبين المشهور بوجه آخر وهو أنه بعث على رأس الأربعين فكانت مدة وحي المنام ستة أشهر إلى أن نزل عليه الملك في شهر رمضان من غير فترة، ثم فتر الوحي، ثم تواتر وتتابع فكانت مدة تواتره وتتابعه بمكة عشر سنين من غير فترة"٤. وعلى هذا يظهر أن القول: إن مدة النزول عشرون عامًا أو ثلاثة وعشرون عامًا، كالقول الواحد، وهو الصواب والله أعلم.

стр. 310

الحكمة في نزول القرآن الكريم منجما مدخل ... الحكمة في نزول القرآن الكريم منجمًا: ولنزول القرآن منجمًا حكم عديدة وفوائد كثيرة:

стр. 311

أولًا: تثبيت قلب الرسول ﷺ ١ قال : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ ٢. حين بعث الله عز شأنه عبده ورسوله محمدًا ﷺ بعثه في أمة صلبة كصلابة أرضها، قاسية كقسوتها، شامخة كشموخ جبالها، بعثه لهذه الأمة ليس لأمر تافه، أو شأن حقير، بل في شأن عظيم وأمر خطير، بعثه ليسفه أحلامها ويحطم أوثانها، ويهدم أصنامها، وهي أعز ما يملكون وأقدس ما يعتقدون. ومن ذا الذي يجرؤ على بعض هذا فضلًا عنه كله وأكثر منه. تصدى محمد بن عبد الله ﷺ لهذه المهمة فكان أصلب منهم وأقوى، وأحكم منهم وأهدى، جمع بين الصلاة والهدى، والقوة والحكمة حتى اشتكوه إلى عمه أبي طالب الذي قال له: يابن أخي إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مسجدهم فانته عن ذلك، قال: فلحظ رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء فقال: "ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك على أن تشعلوا لي منها شعلة -يعني الشمس" ٣. نعم إنها قوة إيمان، وصلابة عقيدة، وهذه القوة وتلك الصلابة بحاجة إلى من يسوسها ويدعمها، ويرعاها ويحفظها، حتى لا تضعف أمام التيارات العاصفة أو تنهار أمام الضربات المتتابعة، فتعهدها الله القوي الحكيم بقوته

стр. 312

وحكمته، وكان في إنزال القرآن منجمًا دعمًا لتلك القوة، وتثبيتًا لتلك الصلابة، وترسيخًا لتلك الحكمة.. ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ ١. والأنبياء ﵈ كلهم بشر ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ٢ يأكلون كما نأكل ويمشون في الأسواق كما يمشي البشر ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ٣ ويتزوجون ويولد لهم ذرية ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ ٤ ويعتريهم ما يعتري البشر، من الخوف، والحزن والهم، والفرح والسرور، والضحك، والبكاء ونحو ذلك، وهم بحاجة إلى من يواسيهم، ويثبتهم. وكان لتثبيت قلب الرسول ﷺ صور متعددة منها: ١- إخباره أن ما جرى له من الأذى والتكذيب قد جرى للأنبياء السابقين من قبله ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ ٥ ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ ٦ ومن طبيعة البشر أن المصيبة تخف إذا كانت عامة وتكون أشد إذا كانت خاصة هذا في الدنيا دون الآخرة، قال : ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ٧. وإعلام الله تعالى لنبيه ﷺ بأن ما جرى له قد جرى للأنبياء السابقين من أسباب تثبيت قلبه وتجدد عزمه. ٢- أمر الله تعالى لنبيه ﷺ بالصبر: فمن المعهود أن الإنسان إذا أصابته مصيبة وكان بجانبه أحد أصحابه

стр. 313

يربت على كتفه ويأمره بالصبر والاحتساب ويواسيه ويسليه، فإن هذا من أقوى الأسباب لسلوانه. فأمر الله لنبيه ﷺ بالصبر من أقوى الأسباب لتثبيت قلبه سيما أن الأمر بالصبر كان مقترنًا أحيانًا بإخباره أن ما جرى له قد جرى للأنبياء السابقين وأنهم صبروا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ ١ ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٢. ٣- نهيه عن الحزن والضيق: وذلك أن حبس النفس بالحزن والتضييق عليها بالهم من أقوى الدواعي لفتورها ويأسها، فنهى الله نبيه عن الحزن والضيق من مكرهم وما يلاقيه من أذاهم ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ ٤ وقال سبحانه: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ٥ وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ ٦. ولا شك أن للحزن تأثيرًا على صاحبه ولو كان صابرًا فيعقوب ﵇ حين فقد ابنه يوسف قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ٧ وحين فقد ابنه الآخر قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٨ إلا أنه حزن وتأسف على يوسف ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ فكان أثر الحزن ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ٩.

стр. 314

وبهذا ندرك الحكمة من نهي الرسول ﷺ عن الحزن والضيق مما يمكرون لما لهذا من أثر في إعاقة مسار الدعوة، ولما في أمره بالصبر ونهيه عن الحزن من شد لأزره وتجديد لعزمه. ٤- إخباره بأن الله يعصمه من الناس: وذلك أنه إذا علم أن ما جرى له قد جرى للأنبياء السابقين من قبله، وأنهم صبروا فوطن نفسه على الصبر واستمر في الدعوة ولم يصبه الهم ولا الحزن، لكنه يخشى أن يقتله قومه قبل أن يتم دعوته وهو الحريص عليهم الرحيم بهم، فأخبره الله بالعصمة من ذلك ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ١ فكانت هذه البشرى من أعظم الدوافع إلى الاستمرار في الدعوة. أرأيتم ذلك الرجل الذي يتردد في فعل أمر ما فيجد من يشجعه ويطمئنه بأنه لن يصيبه أي مكروه ولا ضرر وأنه سيكون معه ويأخذ بيده ويشد أزره ولا يزال به حتى يجد الطمأنينة، فكيف إذا كانت البشرى من الله والعصمة من عنده عز شأنه. ويجد الرسول ﷺ أثر هذه البشرى ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ في كثير من الصور والمشاهد: أ- حين اجتمع صناديد قريش وقبائل العرب عند بابه ليضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فخرج من بين صفوفهم وجعل فوق رءوسهم التراب ولم يره أحد٢ ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ .

стр. 315

ب- ويذهب مع صاحبه إلى الغار ويمر به المشركون يبحثون عنهما حتى قال أبو بكر ﵁: "لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال الرسول ﷺ : "ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما" ١ ومع هذا القرب لم يرهما أحد ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ . ج- ويلحق بهما سراقة بن مالك ممتطيًا جواده ومعه رمحه حتى إذا اقترب منهما ساخت يدا فرسه في الأرض حتى بلغتا الركبتين وعندما أخرجت يديها؛ إذا لأثرهما عثان ساطع في السماع مثل الدخان فأدرك سراقة أنه منع عنهما٢ ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ . د- ويأكل ﷺ من شاة مسمومة أهدتها إليه يهودية فيموت صاحبه وينجو من الموت٣ ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ . هـ- وحاول اليهود قتل النبي ﷺ بإلقاء حجر من جدار كان ﷺ تحته فجاءه الوحي بذلك فقام من مجلسه٤ ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ . والصور كثيرة والمشاهد عديدة لحفظ الله تعالى لنبيه من محاولات الاغتيال٥ ولا شك أن هذه البشرى٦ من الله لنبيه ﷺ ورؤية الرسول ﷺ لفشل هذه المحاولات من أقوى الدوافع للطمأنينة والاستمرار في الدعوة وتجدد العزم

стр. 316

٥- تبشيره بالنصر والتمكين: قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ١ وقال ﷻ : ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢ وقال : ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٣ وقال : ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ ٤ وقال : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٥ ووعده سبحانه بالنصر ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ ٦ ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٧ وقد تحقق نصر الله، فقد نصر عبده وأعز جنده ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ٨ السورة. والوعد بالنصر والتمكين بعد الإخبار بالعصمة من أدعى الدواعي لتثبيت القلب وتجدد العزم. تلكم بعض صور تثبيت قلب الرسول ﷺ وهي الحكمة الأولى من حكم نزول القرآن منجمًا متتبعًا مسار الدعوة وسيرة الرسول ﷺ ينزل عليه بين حين وآخر ما يثبت قلبه ويجدد عزمه. وقد أشار أبو شامة إلى هذه الحكمة من نزول القرآن منجمًا فقال: "إن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه. ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك عليه وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة. ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة نزول جبريل ﵇ عليه فيه"٩.

стр. 317

ثانيًا: تيسير حفظه وفهمه: من المعلوم أن الأمة التي بعث فيها الرسول ﷺ كانت أمية، وكان الرسول ﷺ أميًّا ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ١ وقال عن نبيه ﷺ : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ ٢ وقال ﷻ : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ ٣. وليس من السهل على الأمي وعلى الأميين تلقي كتاب كامل دفعة واحدة بل الحكمة في التدرج في تنزيل القرآن والتدرج في تعليمهم إياه، فكان ينزل كما مر بنا خمس آيات خمس آيات أو سورة سورة. وهذا ما يناسب أحوالهم، ولو نزل عليهم جملة واحدة لشق عليهم حفظه وفهمه فضلًا عن العمل به، قال أبو شامة المقدسي -رحمه الله تعالى- في بيان هذه الحكمة: "وكان النبي ﷺ أميًّا لا يكتب ولا يقرأ ففرق عليه القرآن ليتيسر عليه حفظه، ولو نزل جملة لتعذر عليه حفظه في وقت واحد على ما أجرى الله تعالى به عوائد خلقه، والتوراة نزلت على موسى ﵇ مكتوبة وكان كاتبها قارئًا وكذا كان غيره، والله أعلم". ثم أورد سؤالًا وأجاب عليه فقال: "فإن قلت: كان في القدرة إذ أنزله جملة أن يسهل عليه حفظه دفعة واحدة. قلت: ما كل ممكن في القدرة بلازم وقوعه، فقد كان في قدرته تعالى أن يعلمه الكتابة والقراءة في

стр. 318

لحظة واحدة، وأن يلهمهم الإيمان به، ولكنه لم يفعل، ولا معترض عليه في حكمه ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ١ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٢، ٣.

стр. 319

ثالثًا: مسايرة الحوادث: فمن المعلوم أن عجلة الحياة تدور، والحوادث تتجدد، وتقع الوقائع، والمسلمون في معمعة هذه الأحداث ووسط هذه الوقائع بحاجة إلى من يرشدهم إلى الحق ويدلهم إلى الصواب. فكان في نزول القرآن الكريم منجمًا مسايرة لهذه الحوادث والوقائع وعلاجًا لما يطرأ في حياة المسلمين من قضايا ومشاكل، ولهذه الحوادث والوقائع صور متعددة نذكر منها١: ١- الإجابة على ما يطرأ من أسئلة: وهذه الأسئلة تقع من الكفار والمشركين للتثبت من رسالته وامتحانه أو لتجيزه بزعمهم، وتقع من المسلمين لغرض معرفة الحق والعمل به. وتكون هذه الأسئلة أيضًا عن أمور ماضية وأحداث سابقة أو حاضرة أو مستقبلة. فمن الأسئلة عن أمور ماضية ما روي أن اليهود اجتمعوا فقالوا لقريش حين سألوهم عن شأن محمد وحاله: سلوا محمدًا عن الروح، وعن فتية فقدوا في أول الزمان، وعن رجل بلغ مشرق الأرض ومغربها، فإن أجاب في ذلك كله فليس بنبي، وإن لم يجب في ذلك كله فليس بنبي، وإن أجاب

стр. 320

في بعض ذلك وأمسك عن بعضه فهو نبي، فسألوه عنها، فأنزل الله تعالى في شأن الفتية: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ ١ إلى آخر القصة؛ وأنزل في الرجل الذي بلغ شرق الأرض وغربها: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ ٢ إلى آخر القصة، وأنزل في الروح قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ ٣، ٤. وقد تكون الأسئلة عن أمور حاضرة ومشاهدة كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ ٥ وقوله سبحانه: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ ٦ وقوله سبحانه: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ ٧ وقوله : ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ٨ وقوله : ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ ٩ وقوله ﵎: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ ١٠ وغير ذلك من الأسئلة. وقد تكون الأسئلة عن أمور مستقبلة كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ ١١ وقوله ﷻ : ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ ١٢. وفي نزول القرآن منجمًا تتبع لتلك الأسئلة وما يجد منها والإجابة عنها في حينها.
следующие страницы →