← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12011

دراسات في علوم القرآن - فهد الرومي

فهد الرومي

Полный текст (719 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

٥- تبشيره بالنصر والتمكين: قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ١ وقال ﷻ : ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢ وقال : ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٣ وقال : ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ ٤ وقال : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٥ ووعده سبحانه بالنصر ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ ٦ ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٧ وقد تحقق نصر الله، فقد نصر عبده وأعز جنده ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ٨ السورة. والوعد بالنصر والتمكين بعد الإخبار بالعصمة من أدعى الدواعي لتثبيت القلب وتجدد العزم. تلكم بعض صور تثبيت قلب الرسول ﷺ وهي الحكمة الأولى من حكم نزول القرآن منجمًا متتبعًا مسار الدعوة وسيرة الرسول ﷺ ينزل عليه بين حين وآخر ما يثبت قلبه ويجدد عزمه. وقد أشار أبو شامة إلى هذه الحكمة من نزول القرآن منجمًا فقال: "إن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه. ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك عليه وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة. ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة نزول جبريل ﵇ عليه فيه"٩.

стр. 317

ثانيًا: تيسير حفظه وفهمه: من المعلوم أن الأمة التي بعث فيها الرسول ﷺ كانت أمية، وكان الرسول ﷺ أميًّا ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ١ وقال عن نبيه ﷺ : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ ٢ وقال ﷻ : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ ٣. وليس من السهل على الأمي وعلى الأميين تلقي كتاب كامل دفعة واحدة بل الحكمة في التدرج في تنزيل القرآن والتدرج في تعليمهم إياه، فكان ينزل كما مر بنا خمس آيات خمس آيات أو سورة سورة. وهذا ما يناسب أحوالهم، ولو نزل عليهم جملة واحدة لشق عليهم حفظه وفهمه فضلًا عن العمل به، قال أبو شامة المقدسي -رحمه الله تعالى- في بيان هذه الحكمة: "وكان النبي ﷺ أميًّا لا يكتب ولا يقرأ ففرق عليه القرآن ليتيسر عليه حفظه، ولو نزل جملة لتعذر عليه حفظه في وقت واحد على ما أجرى الله تعالى به عوائد خلقه، والتوراة نزلت على موسى ﵇ مكتوبة وكان كاتبها قارئًا وكذا كان غيره، والله أعلم". ثم أورد سؤالًا وأجاب عليه فقال: "فإن قلت: كان في القدرة إذ أنزله جملة أن يسهل عليه حفظه دفعة واحدة. قلت: ما كل ممكن في القدرة بلازم وقوعه، فقد كان في قدرته تعالى أن يعلمه الكتابة والقراءة في

стр. 318

لحظة واحدة، وأن يلهمهم الإيمان به، ولكنه لم يفعل، ولا معترض عليه في حكمه ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ١ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٢، ٣.

стр. 319

ثالثًا: مسايرة الحوادث: فمن المعلوم أن عجلة الحياة تدور، والحوادث تتجدد، وتقع الوقائع، والمسلمون في معمعة هذه الأحداث ووسط هذه الوقائع بحاجة إلى من يرشدهم إلى الحق ويدلهم إلى الصواب. فكان في نزول القرآن الكريم منجمًا مسايرة لهذه الحوادث والوقائع وعلاجًا لما يطرأ في حياة المسلمين من قضايا ومشاكل، ولهذه الحوادث والوقائع صور متعددة نذكر منها١: ١- الإجابة على ما يطرأ من أسئلة: وهذه الأسئلة تقع من الكفار والمشركين للتثبت من رسالته وامتحانه أو لتجيزه بزعمهم، وتقع من المسلمين لغرض معرفة الحق والعمل به. وتكون هذه الأسئلة أيضًا عن أمور ماضية وأحداث سابقة أو حاضرة أو مستقبلة. فمن الأسئلة عن أمور ماضية ما روي أن اليهود اجتمعوا فقالوا لقريش حين سألوهم عن شأن محمد وحاله: سلوا محمدًا عن الروح، وعن فتية فقدوا في أول الزمان، وعن رجل بلغ مشرق الأرض ومغربها، فإن أجاب في ذلك كله فليس بنبي، وإن لم يجب في ذلك كله فليس بنبي، وإن أجاب

стр. 320

في بعض ذلك وأمسك عن بعضه فهو نبي، فسألوه عنها، فأنزل الله تعالى في شأن الفتية: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ ١ إلى آخر القصة؛ وأنزل في الرجل الذي بلغ شرق الأرض وغربها: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ ٢ إلى آخر القصة، وأنزل في الروح قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ ٣، ٤. وقد تكون الأسئلة عن أمور حاضرة ومشاهدة كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ ٥ وقوله سبحانه: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ ٦ وقوله سبحانه: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ ٧ وقوله : ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ٨ وقوله : ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ ٩ وقوله ﵎: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ ١٠ وغير ذلك من الأسئلة. وقد تكون الأسئلة عن أمور مستقبلة كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ ١١ وقوله ﷻ : ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ ١٢. وفي نزول القرآن منجمًا تتبع لتلك الأسئلة وما يجد منها والإجابة عنها في حينها.

стр. 321

٢- مجازاة الأقضية والوقائع في حينها ببيان حكم الله فيها عند حدوثها: وذلك أن الأقضية والأحداث لم تقع جملة واحدة وإنما حدثت متفرقة في أوقات مختلفة وأماكن متعددة، فالمناسب أن ينزل القرآن كذلك منجمًا مفرقًا في أوقات مختلفة وأماكن متعددة معالجًا لكل قضية في حينها فمن ذلك: أ- حادثة الإفك وهي الحادثة التي رمى فيها نفر من المنافقين -وتبعهم بعض المسلمين- عائشة ﵂ بما برأها الله منه في القصة المشهورة، فأنزل الله قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ١ ... الآيات. ب- وقصة خولة بنت ثعلبة التي ظاهرَ منها زوجها أوس بن الصامت فشكت ذلك إلى النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله، أبلى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي؛ ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبريل ﵇ بهذه الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ ٢، ٣. ٣- تنبيه المسلمين إلى أخطائهم وإرشادهم إلى الصواب والكمال: وقد يقع ذلك من أحد أفراد الصحابة أو جماعة منهم أو من الرسول ﷺ فيرشده ربه إلى الأكمل والأتم لمقامه ﷺ . فهذا ثابت بن قيس ﵁ لما نزل قوله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ٤ قال: أنا الذي كنت أرفع صوتي فوق صوت النبي وأنا من أهل النار، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "هو من أهل الجنة" ٥.

стр. 322

ولما تزوج الرسول ﷺ زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، قال: فأخذ كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام. فلما قام قام من قام من القوم ... فقعد ثلاثة وأن النبي ﷺ جاء ليدخل فإذا القوم جلوس ... ١ فنزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ ٢. وقد يقع من الرسول ﷺ ما يوجهه الله بعده إلى ما فيه الخير والكمال كما وقع من الرسول ﷺ حين جاءه ابن أم مكتوم وهو يخاطب أحد عظماء المشركين، قالت عائشة ﵂ فجعل رسول الله ﷺ يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول: أترى ما أقول بأسًا؟ فيقول: لا. ففي هذا أنزلت عبس وتولى٣. ٤- كشف حال المنافقين وهتك أستارهم حتى يحذرهم المسلمون ويأمنوا مكرهم وشرهم: وذلك أن ركب الدعوة جاد في سيره في مأمن من شر عدوه الظاهر، لكن الخطر يكمن فيمن يندس بين المسلمين يخالطهم ويخالطونه، ويسمع حديثهم، ويعلم أسرارهم، ويكيد لهم وهم يحسبونه منهم، فاقتضت حكمة الله تعالى أن يكون في نزول القرآن منجمًا كشف لهؤلاء المنافقين وهتك لأستارهم وتشنيع عليهم. فإذا نطق أحدهم قولًا مناوئًا للرسول ﷺ نزل فيه القرآن وكشف نفاقه حتى يحذره المسلمون ويرتدع.

стр. 323

والآيات في هذا الموضوع كثيرة، ففي أول سورة البقرة ثلاث عشرة آية متتالية في المنافقين. وسورة التوبة تسمى "الفاضحة" كما روى سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة. قال: التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل: ومنهم ومنهم حتى ظنوا أنها لم تبق أحدًا منهم إلا ذكر فيها١. ويريد ابن عباس ﵄ بقوله: "ومنهم منهم" الآيات الكثيرة في سورة التوبة التي تحدثت عن المنافقين كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ ٢ وقوله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ ٤ وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٥ وغير ذلك.. بل أنزل الله في المنافقين سورة كاملة سماها باسمهم سورة "المنافقون". وفي نزول القرآن منجمًا تتبع لهذه الحالات في المجتمع الإسلامي وتنقية لطريق الدعوة. ٥- رد شبهات أهل الكتاب وإبطال كيدهم للإسلام والمسلمين: فقد كان المسلمون يعيشون في المدينة ويخالطهم اليهود وهم أهل كيد ومكر وخبث وحقد على الإسلام والمسلمين، بذلوا كل ما يستطيعون لبث الفرقة بين المسلمين وبث الشبهات والشكوك في عقائد الإسلام، فكان

стр. 324

في نزول القرآن منجمًا تتبع لخططهم وكشف لمآربهم ومحق لشبهاتهم والآيات في هذا المعنى كثيرة كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ١ وحذر المسلمين منهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ ٢ ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٣ ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ٤ ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٥ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ ٦ ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ﴾ وغير ذلك من الآيات..

стр. 325

رابعًا: التدرج في التشريع وتربية الأمة: لو تدبر الإنسان في نفسه لوجد أنه في كل شأن من شئونه يبدأ من الأدنى إلى الأعلى بالتدرج؛ فحين يولد أول ما يولد لا يستطيع أن يتحكم بحركات يديه ولا رجليه ثم يبدأ التحكم باليدين، وهكذا إلى أن يبدأ بالقدرة على الجلوس ثم القيام ثم السير ثم الجري والقفز، وفي الأكل شرابه أول ما يشرب حليب أمه الخفيف ثم تزداد كثافته ويرتقي بالأكل من السوائل إلى اللحوم وغيرها. وفي نطقه يولد لا يحسن غير البكاء ثم التبسم ثم الصوت

стр. 326

غير المركب وهكذا إلى أن يصبح متكلمًا وهكذا في التعلم وفي كل شأن من شئونه. والمجتمعات في رقيها تشبه إلى حد كبير حالة الأفراد ليس من السهل تحولها من حال إلى حال دون تدرج. وقد اقتضت حكمة الله تعالى مراعاة حال الأمة في قدرتها وطاقتها فجاءت الأحكام والتشريعات متدرجة حسب طاقة الأمة وما تقتضيه الحكمة الإلهية، فجاء نزول القرآن الكريم منجمًا مطابقًا تمام المطابقة لما فيه الحكمة. وأخبرت أم المؤمنين عائشة ﵂ عن هذا حين قالت: "إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا"١. فبدأ أولًا بتنقيتهم من أدران الشرك بنبذ الأوثان والأصنام وبيان أنها لا تضر ولا تنفع، ثم غرس في قلوبهم العقيدة الصحيحة وهي توحيد الله وإفراده بالعبادة. ثم تدرج في فرض العبادات فبدأ بأصلها وعمودها وهي الصلاة التي شرعت في وقت مبكر ثم الزكاة والصيام ثم الحج، ونزل بعد ذلك مزيد تفصيل لهذه العبادات وغيرها من أنواع العبادة. ولم يزل يتدرج بهم في معالي الأمور وسامي الآداب والأخلاق حتى أصبحت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس وحتى أصبح هذا القرن من أصحابه خير القرون.

стр. 327

خامسًا: استمرار التحدي والإعجاز: وتجدد ثبوت الإعجاز عند تجدد عجزهم عن الإتيان بمثل كل آية تنزل على مر الأيام والسنون مدة نزول القرآن.

стр. 328

وذلك أن تكرر نزول القرآن مرات عديدة في أماكن مختلفة وأزمان متغايرة ومتباعدة مدة نزول القرآن وفي كل مرة يتحداهم أن يأتوا بمثله، فهذا دليل على تكرر الإعجاز واستمرار التحدي، ولو نزل القرآن جملة واحدة وتحداهم به عند النزول لكان التحدي وقع مرة واحدة والإعجاز كذلك. فكان في تنجيم نزوله وتكرره استمرار للتحدي وتكرار للإعجاز. ولا شك أن الذي يستطيع تكرار عمل ما يعجز عنه الناس أقوى إعجاز ممن يفعله مرة واحدة لا يعيدها أخرى.

стр. 329

سادسًا: الدلالة على مصدر القرآن، وأنه من الله تعالى وليس في قدرة البشر: وقد أوضح الشيخ الزرقاني -رحمه الله تعالى- هذه الحكمة فقال: وبيان ذلك: أن القرآن تقرؤه من أوله إلى آخره، فإذا هو محكم السرد، دقيق السبك، متين الأسلوب، قوي الاتصال، آخذ بعضه برقاب بعض في سورة وآياته وجمله، يجري دم الإعجاز فيه من ألفه إلى يائه كأنه سبيكة واحدة، ولا يكاد يوجد بين أجزائه تفكك، ولا تخاذل، كأنه حلقة مفرغة، أو كأنه سمط وحيد، وعقد فريد، يأخذ بالإبصار، نظمت حروفه وكلماته، ونسقت جمله وآياته، وجاء آخره مساوقًا لأوله، وبدا أوله مواتيًا لآخره. وهنا نتساءل: كيف اتسق للقرآن هذا التآليف المعجز؟ وكيف استقام له هذا التناسق المدهش؟ على حين أنه لم ينزل جملة واحدة، بل تنزل آحادًا مفرقة، تفرق الوقائع والحوادث في أكثر من عشرين سنة. الجواب: أننا نلمح هنا سرًّا جديدًا من أسرار الإعجاز، ونشهد سمة فذة من سمات الربوبية، ونقرأ دليلًا ساطعًا على مصدر القرآن وأنه كلام الواحد الديان: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ١، ٢.

стр. 330

وبين الأستاذ حيدر قفة هذا الوجه من الإعجاز فقال: "إن القرآن نزل منجمًا مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة تقريبًا، وهذه مدة طويلة يعجز أي أديب أو كاتب أو بليغ أن يحتفظ بأسلوبه وبيانه، وخصائصه البلاغية فلا بد أن نجد في أسلوبه اختلافًا ولو للأحسن والأرقى، مما يظهر الضعف والركاكة والإسفاف في بداية الأمر، والجزالة وحسن السبك في نهايته. فهل وجدوا ذلك في القرآن؟ حاشا لله وصدق الله العظيم: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ١، ٢. ويتحدث الشيخ الزرقاني عن الانفصال الزماني واختلاف أسباب النزول لآيات القرآن اللذين يستلزمان في مجرى العادة التفكك والانحلال، ولا يدعان مجالًا للارتباط والاتصال بين نجوم الكلام أما القرآن الكريم فقد خرق العادة في هذه الناحية أيضًا، فقد نزل منجمًا ولكنه تم مترابطًا محكمًا ثم قال: "أليس ذلك برهانًا ساطعًا على أنه كلام خالق القوى والقدر، ومالك الأسباب والمسببات، ومدبر الخلق والكائنات، وقيوم الأرض والسموات، العليم بما كان وما سيكون، الخبير بالزمان وما يحدث فيه من شئون. ثم قال: "لاحظ فوق ما أسلفنا أن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه آية أو آيات قال: ضعوها في مكان كذا من سورة كذا، وهو بشر لا يدري "طبعًا" ما ستجيء به الأيام، ولا يعلم ما سيكون في مستقبل الزمان ولا يدرك ما سيحدث من الدواعي والأحداث فضلًا عما سينزل من الله فيها، وهكذا يمضي العمر الطويل والرسول على هذا العهد، يأتيه الوحي بالقرآن نجمًا بعد نجم، وإذا القرآن كله بعد هذا العمر الطويل يكمل ويتم، وينتظم ويتآخى، ويأتلف ويلتئم، ولا يؤخذ عليه أدنى تخاذل ولا تفاوت، بل

стр. 331

يعجز الخلق طرًّا بما فيه من انسجام ووحدة وترابط: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ١، ٢.

стр. 332

الاستفادة من نزول القرآن الكريم منجما في مجال التربية والتعليم مدخل ... الاستفادة من نزول القرآن الكريم منجمًا في مجال التربية والتعليم: ينبغي أن يستفاد في العملية التعليمية في منهج القرآن الكريم في تربية هذه الأمة وتهذيب أخلاقها وتصحيح معتقداتها وتحويلها من أمة الجهل والجاهلية إلى أمة الكتاب والقلم. فقد كان الناس في غاية من الجهل والانحطاط في كثير١ من شئون حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية فأنزل الله عليهم القرآن ولم يزل يرتقي بهم في سامي المبادئ وعالي الأخلاق، حتى أصبحوا في أعلى الدرجات بل صاروا خير أمة أخرجت للناس بعدما كانوا ما كانوا. وسلك القرآن الكريم في ذلك منهجًا فريدًا، ومسلكًا حميدًا فبدأ بتصحيح العقيدة وغرس المبادئ الصحيحة، ثم تدرج في أحكام العبادات حتى تمامها وكمالها. وفي التربية والتعليم ينبغي الاستفادة من هذا المنهج الحكيم، فمن المعلوم أن العملية التربوية تقوم على أمرين أساسيين٢:

стр. 333

الأول: معرفة المستوى الذهني للطلاب: فلا بد قبل التعليم من معرفة المستوى الذهني لديهم حيث يكون نقطة الانطلاق بهم، وإعطائهم ما يتناسب مع قدراتهم الذهنية وطاقاتهم الفكرية. فإنهم إن أعطوا أقل من مستواهم الذهني ملوه وهجروه وإن أعطوا ما هو فوق مستوى إدراكهم وفهمهم عجزوا عنه ونفروا منه.

стр. 334

الثاني: تنمية قدراتهم: أ- الذهنية. ب- النفسية. ج- الجسمية. فإذا عرف مستواهم الذهني وما يناسبهم من المادة العلمية بدأ التدرج في تلقينهم وتعليمهم ما يراد تعليمه مراعيًا النواحي الذهنية والجسمية والنفسية. فالمنهج الدراسي الذي يوضع من غير معرفة للمستوى الذهني للطلاب، ثم تنمية مداركهم العامة ببناء الجزئيات على الكليات والتفصيل بعد الإجمال؛ منهج فاشل. والكتاب المدرسي الذي لا يبنى على معرفة دقيقة لمستوى الطلاب الذهني وما سبق لهم من مادة علمية وما يحتاجون إليه بعدها وتتدرج المعلومات فيه من السهل إلى الصعب مع وضوح في الأسلوب، وبساطة في العبارة بعيدة عن التعقيد والغموض في الألفاظ؛ كتاب لا يرجى نفعه. والمدرس وهو العمود الأساس في العملية التعليمية إذا لم يدرك هذين الأمرين الأساسيين في العملية التعليمية إدراكًا تامًّا، فيعرف مستوى طلابه الذهني ويضع ما يمدهم به من معلومات على قواعد وأسس المعلومات السابقة، فإن بناءه سينهار ويسقط. فعلى المعلم أن يدرك تمامًا المستوى الذهني لطلابه ويمدهم بما يلائم قدراتهم الذهنية. ويخطئ من يعتقد أن مهمته التلقين أو حشو أذهانهم بالمادة العلمية فحسب، بل عليه أن يراعي مع الناحية العلمية أيضًا الناحيتين الجسمية والنفسية، فلا يستمر في شرح الدرس مثلا والطلاب في حالة رعب أو فزع لأمر ما، أو حين يرى أحد طلابه في حالة نفسية تستدعي تدخله وعلاجه.

стр. 335

المعلم الناجح يراعي الناحية الجسمية للطلاب فيكتشف حالات من في بصره أو سمعه ضعف، فيلتمس علاجه الطبي والفصلي بتقديمه إلى الصفوف الأولى وزيادة والاهتمام بما يناسب حاله ولا يؤثر على الآخر. المعلم الناجح يوازن بين الترغيب والترهيب فلا يقسو قسوة تنفر منه الطلاب، ولا يضعف حتى يصبح ألعوبة بين طلابه وتسقط هيبته واحترامه. المعلم الناجح هو الذي يعرف كيف يعطي طلابه القدر المناسب من الواجبات المدرسية فلا يثقل كاهلهم بأدائها، ولا يشغل بقية نهارهم وليلهم في الحفظ أو الكتابة فهم بحاجة إلى الراحة. المعلم الناجح هو الذي يستطيع المزج بين نظرة الأب لأبنائه ونظرة المعلم لطلابه فيتفقد شئونهم ويلاطفهم ويعالج مشاكلهم فيشعرهم بعطفه ويظهر لهم محبته ويريهم حرصه على مصلحته. ولنا في منهج القرآن الكريم في تربية الأمة والتدرج بها بلطف، ورحمة، وحكمة، أسوة حسنة.

стр. 336

أول ما نزل وآخر ما نزل مدخل ... أول ما نزل وآخر ما نزل: منذ أن نزل أول شعاع من نور القرآن الكريم والمسلمون يولونه عنايتهم واهتمامهم إلى يومنا هذا، بل إلى يوم الدين، حتى بلغت عنايتهم أن عرفوا ما نزل بمكة وما نزل بالمدينة وما نزل بالطائف وما نزل بالجحفة وما نزل ببيت المقدس وما نزل بالحديبية، وما نزل في الليل وما نزل بالنهار وما نزل في الصيف وما نزل في الشتاء، وما نزل في السفر وما نزل في الحضر، ومن ذلك معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل. ومعرفة ذلك علم توقيفي يعتمد على النقل عن الصحابة أو التابعين ولا مجال للاجتهاد فيه إلا للترجيح بين الأدلة والنقول. ويرجع الاختلاف في معرفة أول ما نزل ومعرفة آخر ما نزل إلى أن صاحب كل قول يخبر عن حد علمه أو عما بلغه من الدليل، أو أنه أراد أولية مخصوصة ففهمت على غير ما أراد ونحو ذلك. وبحث العلماء أول وآخر ما نزل من القرآن على الإطلاق، وأول وآخر ما نزل في معاني خاصة كأول وآخر ما نزل في الأطعمة وأول وآخر ما نزل في الأشربة، وأول وآخر ما نزل في الخمر، وأول وآخر ما نزل في القتال، وأول وآخر ما نزل في الربا، وأول وآخر سورة نزلت كاملة وغير ذلك.

стр. 337

أقوال العلماء في أول ما نزل من القرآن على الإطلاق مدخل ... أقوال العلماء في أول ما نزل من القرآن على الإطلاق: للعلماء في ذلك أقوال كثيرة منها:

стр. 338

القول الأول: إن أول ما نزل من القرآن "صدر سورة اقرأ"، وهو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ١ وهذا القول أصح الأقوال وأرجحها، ومن أدلته: ١- ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال له: اقرأ، قال: "ما أنا بقارئ "، قال: "فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني "، فقال: اقرأ، "قلت: ما أنا بقارئ"، فأخذني فغطي الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني " فقال: اقرأ، " فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ ١، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده ... الحديث٢. ٢- ما رواه الحاكم والبيهقي عن عائشة ﵂ قالت: أول سورة نزلت من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ٣. ٣- ما رواه الحاكم والطبراني عن أبي رجاء العطاردي قال: كان أبو موسى الأشعري يقرئنا فيجلسنا حلقًا وعليه ثوبان أبيضان، فإذا تلا هذه السورة

стр. 339

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ . قال: هذه أول سورة نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم١. ٤- ما رواه أبو عبيد في فضائل القرآن عن مجاهد قال: إن أول ما نزل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ و ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ٢.

стр. 340

القول الثاني: أول ما نزل سورة المدثر: ودليل هذا القول الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل قبل؟ قال: يا أيها المدثر، فقلت: أو اقرأ. قال: جابر أحدثكم ما حدثنا به رسول الله ﷺ قال: "جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري، نزلت فاستبطنت بطن الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر أحدًا ثم نوديت. فنظرت فلم أر أحدًا ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء "يعني: جبريل ﵇ " فأخذتني رجفة شديدة، فأتيت خديجة فقلت: دثروني، فدثروني، فصبوا عليّ الماء، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ١، ٢. وأجيب عن هذا الحديث: ١- أن المراد بالأولية في هذا الحديث محمول على أولية مخصوصة وليست أولية مطلقة٣ فيحتمل: أ- أن المراد أول سورة نزلت بعد فترة الوحي، ويشهد لهذا قول جابر في رواية أخرى "سمعت النبي ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي ... الحديث"٤.

стр. 341

ب- أن أول ما نزل للنبوة سورة اقرأ وللرسالة سورة المدثر. ج- أن المدثر أول سورة كمل نزولها أي أن باقيها نزل قبل نزول بقية سورة اقرأ وغيرها. د- أن سورة المدثر أول سورة تنزل لسبب خاص؛ حيث إن الرسول ﷺ ، قال: "دثروني دثروني " فنزلت، أما سورة اقرأ فلغير سبب خاص بل نزلت ابتداء١. قال ابن حجر: "ولا يخفى بُعْدُ هذا الاحتمال"٢. ٢- أن جابر ﵁ استنبط هذا الرأي باجتهاده وفهمه وليس بنص ما رواه عن الرسول ﷺ فتقدم عليه رواية عائشة ﵂ قال الكرماني: استخرج جابر "أول ما نزل: يأيها المدثر" باجتهاد وليس هو من روايته، والصحيح ما وقع في حديث عائشة٣. ويشهد لهذا أن جابر ﵁ أخبر عما سمع، ولم يسمع كل ما حدث به رسول الله ﷺ قبل فترة الوحي الذي روته عائشة، فاقتصر على ما سمع ظانًّا أنه ليس هناك غيره. ٣- أن في حديث جابر ﵁ ما يدل على أن الرسول ﷺ رأى جبريل قبل ذلك، حيث جاء في حديث جابر ﵁: "فإذا هو على العرش" وإشارته إليه بالضمير تدل على أنه سبق ذكره وفي رواية أصرح "فإذا الملك الذي جاءني بحراء..". ولهذا فإن هذا الدليل غير كاف لإثبات أولية النزول لسورة المدثر، بل وصف النووي رحمه الله تعالى القول بأن أول ما نزل سورة المدثر بأنه "ضعيف بل باطل، والصواب أن أول ما نزل على الإطلاق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كما صرح به في حديث عائشة"٤.

стр. 342

القول الثالث: إن أول ما نزل سورة الفاتحة. واستدل أصحاب هذا القول بـ: ١- ما رواه البيهقي عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد والله خشيت أن يكون هذا أمرًا" فقالت: "معاذ الله ما كان الله ليفعل بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر ... " الحديث، وفيه أن خديجة قالت لأبي بكر: اذهب مع محمد إلى ورقة فانطلقا إليه فقصا عليه، فقال: "إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فأنطلق هاربًا في الأرض"، فقال: لا تفعل، فإذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه: يا محمد، قل بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حتى بلغ ولا الضالين" الحديث١. وقد زعم الزمخشري أن "أكثر المفسرين على أن الفاتحة أول ما نزل ثم سورة القلم"٢ ورد عليه ابن حجر: "والذي ذهب إليه أكثر الأئمة هو الأول، وأما الذي نسبه إلى الأكثر فلم يقل به إلا عدد أقل من القليل بالنسبة إلى من قال بالأول"٣ ويعني بالأول صدر سورة اقرأ. ويرد على أصحاب هذا القول بردود منها: أ- أن هذا الحديث لا يدل على أن الفاتحة كانت أول ما نزل بل فيه دلالة على أن جبريل خاطب الرسول ﷺ غير مرة وليس فيه نفي بنزول شيء من القرآن في بعضها، فلا يصح الاستدلال بهذا على الأولية. ب- أن الحديث مرسل فلا يقوى على مناهضة حديث عائشة المرفوع

стр. 343

وقد عقب البيهقي على هذا الحديث بقوله: "فهذا منقطع، فإن كان محفوظًا فيحتمل أن يكون خبرًا عن نزولها بعد ما نزلت عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ والله أعلم"١. وأورد ابن كثير حديث البيهقي ثم عقب عليه بقوله: "هذا لفظ البيهقي وهو مرسل، وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل"٢. وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "وأما قول من قال من المفسرين أول ما نزل الفاتحة فبطلانه أظهر من أن يذكر والله أعلم"٣.

стр. 344

القول الرابع: إن أول ما نزل "بسم الله الرحمن الرحيم". ولأصحاب هذا القول أدلة منها: ١- حديث أبي ميسرة السابق وقلنا: إنه حديث مرسل لا يقوى على مناهضة المرفوع. ٢- ما أخرجه الواحدي عن عكرمة والحسن قالا: أول ما نزل من القرآن بسم الله الرحمن الرحيم، فهو أول ما نزل من القرآن بمكة وأول سورة اقرأ باسم ربك١ وهو أيضًا حديث مرسل لا يقوى على مناهضة حديث عائشة المرفوع. ٣- ما أخرجه ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى عن الضحاك عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: أول ما نزل جبريل على محمد. قال: "يا محمد استعذ، قل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم" ثم قال: "قل": بسم الله الرحمن الرحيم" ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ " قال

стр. 345

عبد الله: وهي أول سورة أنزلها الله على محمد بلسان جبريل"١ قال ابن كثير: "وهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليعرف، فإن في إسناده ضعفًا وانقطاعًا"٢. "قلت" ومع ضعفه وانقطاعه فهو حجة عليهم لا لهم؛ إذ إن ابن عباس ﵄ صرح فيه بأولية نزول اقرأ ولم يعتد بأولية ذكر البسملة. ثم إن البسملة فاتحة لكل سورة تنزل فلا يعتد بأوليتها أولية مطلقة. وبهذا كله يظهر بطلان هذا القول. وقد جمع القاضي أبو بكر في الانتصار -كما نقله عنه الزركشي- بين هذه الأقوال فقال: وطريق الجمع بين الأقاويل أن أول ما نزل من الآيات ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وأول ما نزل من أوامر التبليغ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وأول ما نزل من السور سورة الفاتحة٣.

стр. 346

أقوال العلماء في آخر ما نزل من القرآن الكريم: اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في آخر ما نزل من القرآن. قال البيهقي رحمه الله تعالى في بيان سبب هذا الاختلاف: "قلت: هذا الاختلاف يرجع -والله أعلم- إلى أن كل واحد منهم أخبر بما عنده من العلم، أو أراد أن ما ذكر من أواخر الآيات التي نزلت، والله أعلم"١. وقال القاضي أبو بكر: "هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ ، وكل قاله بضرب من الاجتهاد، وغلبة الظن، ويحتمل أن كلًّا

стр. 347

منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي ﷺ في اليوم الذي مات فيه، أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك، وإن لم يسمعه هو، ويحتمل أيضًا أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول ﷺ مع آيات نزلت معها فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب"١.

стр. 348

وللعلماء في آخر ما نزل من القرآن الكريم كله أقوال منها: القول الأول: روي عن عمر بن الخطاب ﵁ وابن عباس ﵄ أن آخر ما نزل آية الربا وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١ ومن الأدلة على ذلك: ١- ما رواه البخاري رحمه الله تعالى في باب: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ عن ابن عباس ﵄ قال: "آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا"٢. ٢- ما رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر ﵁: "إن آخر ما نزل من القرآن آية الربا وأن رسول الله ﷺ قبض ولم يفسرها فدعوا الربا والريبة"٣ وفي لفظ آخر "إن من آخر ما أنزل آية الربا.."٤.

стр. 349

٣- ما رواه ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خطبنا عمر فقال: إن من آخر القرآن نزولًا آية الربا"١. ٤- ما أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن عن ابن شهاب الزهري قال: آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الربا وآية الدين"٢.

стр. 350

القول الثاني: إن آخر ما نزل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ الآية١ واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١- ما رواه النسائي٢ والبيهقي٣ من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: آخر شيء نزل من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية ورواه الطبري بلفظ: آخر آية نزلت على النبي ﷺ : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ٤. ٢- ما أخرجه ابن مردويه٥ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: آخر آية نزلت من القرآن على النبي ﷺ : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ . ٣- ما أخرجه ابن جرير الطبري عن الضحاك وعن ابن جريج كلاهما عن ابن عباس ﵄ قال: آخر آية نزلت من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾

стр. 351

الآية قال ابن جريج: يقولون: إن النبي ﷺ مكث تسع ليال وبدئ يوم السبت ومات يوم الاثنين١. ٤- ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: آخر ما أنزل من القرآن كله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. وعاش النبي -صلى عليه وسلم- بعد نزول الآية تسع ليال ثم مات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول٢. ٥- ما أخرجه الطبري عن عطية العوفي قال: آخر آية نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية٣. ٦- ما أخرجه ابن جرير الطبري عن السدي الكبير قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ٤.

стр. 352

القول الثالث: إن آخر ما نزل من القرآن آية الدين وهي أطول آية في القرآن الكريم وأولها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ ... ﴾ الآية١ واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١- ما أخرجه أبو عبيدة في الفضائل عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الربا وآية الدين٢. ٢- ما أخرجه ابن جرير الطبري عن ابن شهاب قال: حدثني سعيد بن المسيب: أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدًا بالعرش آية الدين٣.

стр. 353

الجمع بين هذه الأقوال الثلاثة: ومن ينظر إلى هذه الأقوال الثلاثة ويتدبرها يجد أنها بمثابة قول واحد؛ ذلك: ١- أن هذه الآيات آيات متتابعة في سورة البقرة من الآية ٢٧٨ إلى الآية ٢٨٢ فالقول فيها بمثابة قول واحد فكل راو يذكر بعض آخر ما نزل. ٢- أن ابن عباس ﵄ روى عنه القول بأن آخر ما نزل آية ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ وروي عنه القول بأن آخر ما نزل آية الربا. والجمع بين القولين أولى من إبطال أحدهما. ٣- أن البخاري -رحمه الله تعالى- أورد بدقته وثاقب نظره قول ابن عباس آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا "في باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فجعل بهذه الإشارة الموضوع واحدا والروايتين متحدتين غير متعارضتين رحمه الله١. ولهذا قال ابن حجر: "وطريق الجمع بين هذين القولين أن هذه الآية يعني: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ هي ختام الآيات المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن"٢. وقد جمع بينهما السيوطي فقال: "قلت: ولا منافاة عندي بين هذه الروايات في آية الربا -واتقوا يومًا- وآية الدين - لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف، ولأنها في قصة واحدة، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر وذلك صحيح"٣. وبهذا يظهر أن هذه الأقوال الثلاثة قول واحد وهو القول الصحيح.

стр. 354

القول الرابع: أن آخر ما نزل قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ الآية١. واستدل أصحاب هذا القول بما رواه البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت يستفتونك٢. ولمسلم عن البراء "آخر آية أنزلت آية الكلالة وآخر سورة أنزلت براءة" وفي لفظ آخر سورة أنزلت كاملة٣. ويجاب عن هذا بحمل المراد على أنه آخر ما نزل في المواريث وليس آخر ما نزل من القرآن على الإطلاق فهي آخرية مقيدة لا مطلقة. وجمع ابن حجر -رحمه الله تعالى- بين هذا القول والقول بأن آخر ما نزل آية الربا وآية ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ .. الآية بأن الآيتين نزلتا جميعًا فيصدق أن كلا منهما آخر بالنسبة لما عداها ويحتمل أن تكون الآخرية في آية النساء مقيدة بما يتعلق بالمواريث مثلا بخلاف آية البقرة، ويحتمل عكسه والأول أرجح لما في آية البقرة من الإشارة إلى معنى الوفاة المستلزمة لخاتمة النزول٤.

стр. 355

القول الخامس: إن آخر ما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ١. واستدلوا بما رواه البخاري ومسلم -رحمهما الله تعالى- عن
следующие страницы →