← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12011

دراسات في علوم القرآن - فهد الرومي

فهد الرومي

Полный текст (719 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الآية قال ابن جريج: يقولون: إن النبي ﷺ مكث تسع ليال وبدئ يوم السبت ومات يوم الاثنين١. ٤- ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: آخر ما أنزل من القرآن كله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. وعاش النبي -صلى عليه وسلم- بعد نزول الآية تسع ليال ثم مات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول٢. ٥- ما أخرجه الطبري عن عطية العوفي قال: آخر آية نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية٣. ٦- ما أخرجه ابن جرير الطبري عن السدي الكبير قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ٤.

стр. 352

القول الثالث: إن آخر ما نزل من القرآن آية الدين وهي أطول آية في القرآن الكريم وأولها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ ... ﴾ الآية١ واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١- ما أخرجه أبو عبيدة في الفضائل عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الربا وآية الدين٢. ٢- ما أخرجه ابن جرير الطبري عن ابن شهاب قال: حدثني سعيد بن المسيب: أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدًا بالعرش آية الدين٣.

стр. 353

الجمع بين هذه الأقوال الثلاثة: ومن ينظر إلى هذه الأقوال الثلاثة ويتدبرها يجد أنها بمثابة قول واحد؛ ذلك: ١- أن هذه الآيات آيات متتابعة في سورة البقرة من الآية ٢٧٨ إلى الآية ٢٨٢ فالقول فيها بمثابة قول واحد فكل راو يذكر بعض آخر ما نزل. ٢- أن ابن عباس ﵄ روى عنه القول بأن آخر ما نزل آية ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ وروي عنه القول بأن آخر ما نزل آية الربا. والجمع بين القولين أولى من إبطال أحدهما. ٣- أن البخاري -رحمه الله تعالى- أورد بدقته وثاقب نظره قول ابن عباس آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا "في باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فجعل بهذه الإشارة الموضوع واحدا والروايتين متحدتين غير متعارضتين رحمه الله١. ولهذا قال ابن حجر: "وطريق الجمع بين هذين القولين أن هذه الآية يعني: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ هي ختام الآيات المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن"٢. وقد جمع بينهما السيوطي فقال: "قلت: ولا منافاة عندي بين هذه الروايات في آية الربا -واتقوا يومًا- وآية الدين - لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف، ولأنها في قصة واحدة، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر وذلك صحيح"٣. وبهذا يظهر أن هذه الأقوال الثلاثة قول واحد وهو القول الصحيح.

стр. 354

القول الرابع: أن آخر ما نزل قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ الآية١. واستدل أصحاب هذا القول بما رواه البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت يستفتونك٢. ولمسلم عن البراء "آخر آية أنزلت آية الكلالة وآخر سورة أنزلت براءة" وفي لفظ آخر سورة أنزلت كاملة٣. ويجاب عن هذا بحمل المراد على أنه آخر ما نزل في المواريث وليس آخر ما نزل من القرآن على الإطلاق فهي آخرية مقيدة لا مطلقة. وجمع ابن حجر -رحمه الله تعالى- بين هذا القول والقول بأن آخر ما نزل آية الربا وآية ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ .. الآية بأن الآيتين نزلتا جميعًا فيصدق أن كلا منهما آخر بالنسبة لما عداها ويحتمل أن تكون الآخرية في آية النساء مقيدة بما يتعلق بالمواريث مثلا بخلاف آية البقرة، ويحتمل عكسه والأول أرجح لما في آية البقرة من الإشارة إلى معنى الوفاة المستلزمة لخاتمة النزول٤.

стр. 355

القول الخامس: إن آخر ما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ١. واستدلوا بما رواه البخاري ومسلم -رحمهما الله تعالى- عن

стр. 356

سعيد بن جبير قال: آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخر ما نزل وما نسخها شيء١. "قلت": ويحمل قول ابن عباس ﵄ على أنه أراد بالآخرية آخر ما نزل في قتل النفس، ويشهد لهذا المعنى قوله في الحديث "وما نسخها شيء"، كما يشهد له الحديث الذي رواه مسلم عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ألمن قتل مؤمنًا متعمدًا من توبة؟ قال: لا. قال: فتلوت عليه هذه الآية التي في الفرقان ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى آخر الآية٢. قال: هذه آية مكية نسختها آية مدنية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ٣. "قلت": فقوله عنها: إنها آخر ما نزل، يعني في هذا المعنى والله أعلم، وقد أشكل هذا القول على السيوطي رحمه الله تعالى فعد هذا القول من غريب ما ورد٤.

стр. 357

القول السادس: إن آخر ما نزل الآيتان الأخيرتان من سورة التوبة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَحِيمٌ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ١ ويشهد لهذا القول: ١- ما رواه الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب ﵁ قال:

стр. 358

آخر ما نزل من القرآن: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١. ٢- ما أخرجه ابن مردويه عن أبي أيضًا قال: آخر القرآن عهدًا بالله هاتان الآيتان: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٢. ٣- ما أخرجه أبو الشيخ٣ في تفسيره من طريق علي بن زيد عن يوسف المكي عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٤. "قلت": ويجاب عن هذا القول بأن يحمل المراد بالآخرية على آخر ما نزل من سورة التوبة لا آخر ما نزل من القرآن على الإطلاق، ويشهد لهذا ما روي أن أبي بن كعب ﵁ قال للذين يجمعون القرآن في عهد أبي بكر لما بلغوا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ٥: إن رسول الله ﷺ أقرأني بعدها آيتين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ وقال: هذا آخر ما نزل من القرآن، قال: فختم بما فتح به بالله الذي لا إله إلا هو"٦.

стр. 359

القول السابع: إن آخر ما نزل من القرآن كله قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ١.

стр. 360

واستدلوا بما أخرجه ابن مردويه عن أم سلمة ﵂ قالت: آخر آية نزلت هذه الآية: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ إلى آخرها١. ويجاب عن هذا بأن المراد آخر ثلاث آيات ذكرت النساء، فقد روي عنها ﵂ أنها قالت: يا رسول الله أرى الله يذكر الرجال ولا يذكر النساء، فنزلت ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٢ ونزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٣ ونزلت هذه الآية٤ فلعلها أرادت: إن هذه الآية آخر هذه الآيات نزولًا، ولهذا قال السيوطي: "فهي آخر الثلاثة نزولًا أو آخر ما نزل بعد ما كان ينزل في الرجال خاصة".

стр. 361

القول الثامن: أن آخر ما نزل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية١. ودليل ذلك ما أخرجه الطبري -رحمه الله تعالى- عن عمرو بن قيس الكندي أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وقال: إنها آخر آية أنزلت من القرآن"٢. وقد رد ابن كثير -رحمه الله تعالى- هذا القول بقوله: "وهذا أثر مشكل، فإن هذه الآية آخر سورة الكهف، والكهف كلها مكية، ولعل معاوية أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها ولا تغير حكمها، بل هي مثبتة محكمة، فاشتبه ذلك على بعض الرواة فروى بالمعنى على ما فهمه، والله

стр. 362

أعلم"١ وقد عد السيوطي -رحمه الله تعالى- هذا القول من غريب ما ورد في ذلك٢. "قلت": ولعل ابن كثير -رحمه الله تعالى- سها عن أن هذه الآية مما لا يدخله النسخ؛ لأنها أمرٌ بالعمل الصالح ونهي عن الشرك، ومثل هذا لا يمكن أن يدخله نسخ، فلا يصح أن يحمل قصد معاوية ﵁ على أنها لم تنسخ بل يحمل على أنه أراد أنها آخر آية في سورة الكهف كما مر بنا في آخر سورة التوبة، والله أعلم. هذه هي أهم الأقوال الواردة في آخر ما نزل من القرآن، وهناك أقوال أخرى يوردها كثير من المهتمين في هذا المبحث مع أنها لا تدخل هنا وإنما في مبحث أوائل وأواخر مخصوصة.

стр. 363

إشكال ودفعه: قد يشكل فهم قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ ١. فإن لم تكن هذه الآية هي آخر ما نزل بل نزل بعدها آيات، فكيف يقول اليوم أكملت لكم دينكم؟ والجواب: أن هذه الآية نزلت على الرسول ﷺ وهو يخطب في يوم عرفة في حجة الوداع في السنة العاشرة وبالتحديد ظهر يوم الجمعة ٩/ ١٢/ ١٠هـ وإذا كان الرسول ﵊ توفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة ١١هـ فتكون هذه الآية قد نزلت قبل وفاته ﷺ بنحو واحد وثمانين يومًا وقد مر بنا أن قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى

стр. 364

اللَّهِ﴾ ١ قد نزلت قبل وفاته ﵊ بتسع ليال، وبهذا يظهر أن المراد بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية٢، ليس إكمال نزول القرآن أو أن هذه الآية هي آخر ما نزل منه، وقد بين العلماء المراد بإكمال الدين فمن ذلك: ١- ما رواه ابن جرير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وهو الإسلام قال: أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا وقد أتمه الله عز ذكره، فلا ينقصه أبدا، وقد رضيه فلا يسخطه أبدا٣ وفسر قوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ بقوله: كان المشركون والمسلمون يحجون جميعًا فلما نزلت "براءة" فنفي المشركين عن البيت، وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين فكان ذلك من تمام النعمة: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ ٤. ٢- أن المراد بإكمال الدين إكمال الحج، والمعنى اليوم أكملت لكم حجكم فأفردتم بالبلد الحرام تحجونه أنتم أيها المؤمنون دون المشركين لا يخالطكم في حجكم مشرك٥. ٣- أن المراد بإكمال الدين إعلاء كلمته وظهوره على الدين كله وفي حجة الوداع ظهرت شوكة هذا الدين وعلت كلمته، فقد كان المشركون يحجون مع المسلمين ويزاحمونهم في المشاعر فأمر الرسول ﷺ أن لا يحج مشرك فامتثل المشركون أمره وأعلى الله كلمته ولم يجرؤ أحد منهم على مخالفته.

стр. 365

قال ابن جرير رحمه الله تعالى: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر نبيه ﷺ والمؤمنين به، وأنه أكمل لهم -يوم أنزل هذه الآية على نبيه- دينهم بإفرادهم البلد الحرام وإجلائه عنه المشركين حتى حجه المسلمون دونهم لا يخالطونهم المشركون١.

стр. 366

أوائل وأواخر مخصوصة مدخل ... أوائل وأواخر مخصوصة: وكما بحث العلماء أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن على الإطلاق، فقد أولوا عنايتهم واهتمامهم في معرفة أوائل ما نزل وأواخر ما نزل في موضوعات خاصة كالقتال، والربا، والخمر، والأطعمة، والأشربة، وغير ذلك. ونظرًا لما في معرفة ذلك من أثر كبير في معرفة الحكم الشرعي، والذي وقع بجهله عدد من العلماء فضلًا عن من دونهم في أخطاء عظيمة فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا، وأصبح كلامهم حجة عند آخرين، فإني سأبين هنا بشيء من التفصيل بعض هذه الأوائل والأواخر المخصوصة وهي: ١- أول وآخر ما نزل في الخمر. ٢- أول وآخر ما نزل في الربا. ٣- أول وآخر ما نزل في الجهاد.

стр. 367

أولًا: أول ما نزل وآخر ما نزل في الخمر: وإنما قدمته ليكون لوضوحه وظهوره ميزانًا نعرف به مقدار الخطأ الذي وقع من بعض العلماء والمفتين في البحثين الآخرين الربا والجهاد. وتظهر في التدرج في تحريم الخمر والمراحل التي مر بها حكم الله

стр. 368

سبحانه وتعالى، فقد كان الخمر ميسرًا في الجاهلية لمبتغيه فالتمر والعنب أصناف لا يخلو منها بيت في أرض الحجاز، فالنخيل من زراعة المدينة وما حولها ولا يزال، والعنب في الطائف ولا يزال، واعتصارهما خمرًا أمر معروف لا يكاد ينكره أحد، وشربه شأن مألوف لا يكاد ينكره أحد. وليس من السهل الامتثال للإقلاع عنه لأول الأمر ما لم يكن وراء ذلك عقيدة راسخة واقتناع تام. فجاء القرآن الكريم بترسيخ العقيدة وتثبيت أركانها حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام شرع في الحلال والحرام ومنه حكم الخمر، مراعيًا أحوالهم فيها واعتيادهم عليها، متخذا من رسوخ العقيدة والتدرج في التحريم وسيلة حكيمة لعلاج هذا الداء وانتزاعه من جسد هذه الأمة فجاء تحريمه بالتدريج، وقد وصفت عائشة ﵂ هذا التدريج فقالت: "إنما نزل أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا. لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ "١. وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده"٢. وجاء التدرج في تحريم الخمر على النحو التالي: المرحلة الأولى: أو ما نزل في الخمر قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ ٣. وقد ذكر ابن العربي أقوال العلماء في معنى "سكرا" ثم قال: أما هذه الأقاويل فأسدها قول ابن عباس: "أن السكر الخمر"٤ وهل نزلت هذه

стр. 369

الآية قبل تحريم الخمر أو بعده قال ابن العربي: والصحيح أن ذلك كان قبل تحريم الخمر، فإن هذه الآية مكية باتفاق من العلماء، وتحريم الخمر مدني١. فتقسيم هذه الآية ما يتخذون من الخمر إلى قسمين هما: ١- سكرًا. ٢- رزقًا حسنًا. فيه إشارة إلى أن السكر ليس من الرزق الحسن وإذا لم يكن كذلك فهو من الرزق الخبيث، وقد ورد وصف الرسول ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ٢ وإذا كان السكر من الخبائث والرسول ﷺ يحرم الخبائث فالخمر حرام. لكن هذا ليس نصًّا يوجب الامتناع والكف لكنه إشارة فهمها من فهمها توطئة لدرجة أعلى في التحريم وهي المرحلة الثانية. المرحلة الثانية: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ٣. كأن السؤال في هذه الآية نتيجة عدم التصريح بالحكم في الآية الأولى، ولهذا روي عن عمر ﵁ أنه قال لما نزل تحريم الخمر٤: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزلت هذه الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ ... ﴾ الآية٥.

стр. 370

وتعتبر هذه المرحلة أعلى من المرتبة التي قبلها في التحريم حيث صرحت بالإثم، وصرحت بأن الإثم أكبر من النفع، وفي ذلك إشارة إلى أن العاقل لا يقدم على فعل شيء ضرره أكبر من نفعه وأن عليه أن يفكر في ذلك، ولهذا جاءت الفاصلة في الآية: ﴿لَعَلَّكُم تَتَفَكَّرُونَ﴾ فكان النص على الإثم توطئة للنص على التحريم ولو في أوقات مخصوصة في المرحلة الثالثة. المرحلة الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ١ وهي أول نص في التحريم، وحتى التحريم كان على مرحلتين تلك المرحلة هي المرحلة الأولى منه تحريم في أوقات معينة وهناك أوقات يظل الخمر فيها مباحًا لكن هذه الأوقات تضيق حتى لا يكاد مبتغيها يجدها؛ فإن شرب بعد الظهر فلن يدري ما يقول قبل العصر وإن شرب بعد العصر فلن يدري قبل المغرب وإن شرب بعد المغرب فلن يدري قبل العشاء، ويقل الشرب بعد العشاء لمزاحمته وقت النوم وهم ليسوا أهل سمر وسهر، فمن يسهر سينام في النهار وكيف يكتسب معاشه، وإن نام بعد العشاء وشرب بعد الفجر فكيف سيعمل ويكتسب وهو في هذه الحالة!! ولهذا قال ابن كثير: "وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل والنهار فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائما والله أعلم"٢، كل هذا كان إرهاصا وتوطئة لتحريم الخمر تحريمًا قاطعًا صارمًا عامًّا شاملًا في المرحلة الرابعة وهي: المرحلة الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣.

стр. 371

وللمتدبر أن يطيل النظر فيما تحويه هذه الآية وما بعدها من تهيئة للتحريم، ومراعاة لواقع القوم وتمكن الخمر منهم فمزج النص القاطع في تحريمها ببيان آثارها وعواقب شربها الخطيرة وآثار طاعة الله وعواقب معصيته. ثم وصف الخمر بأوصاف تكفي لتحريمها بأنها رجس وبأنها من عمل الشيطان، وكفى بهذين الأمرين إشارة للتحريم، ومع هذا فقد صرح بالحكم "فاجتنبوه" وتلكم -والله- أبلغ كلمة، نعم إنها أبلغ من "حرام" أو "فاتركوها" أو "لا تشربوها" لأن من لم يشرب الخمر ولكنها وجدت في بيته أو في غرفته لم يخالف النصوص الأخيرة "حرام، فاتركوه، لا تشربوه" لأنه لم يرتكب شيئًا منها لكنه خالف "فاجتنبوه" إذ الاجتناب يقتضي أن تكون في جانب والخمر في جانب آخر غير جانبك، فإن كانت في غرفتك أو في دارك فأنت لم تجتنبها والخطاب ليس بالإفراد بل بالجمع للمسلمين عامة، فإذا وجد في بيت جارك وجب على المسلمين إتلافه فإن لم يفعلوا فإنهم لم يجتنبوه لأنه بينهم بل إن وجد في بلد آخر من بلاد الإسلام ولهم قدرة على إزالته ولم يفعلوا فهم لم يجتنبوه، إن الأمر بالاجتناب يقتضي أن يكون في جانب وبلاد المسلمين في جانب آخر أرأيتم إلى أي مدى وصل التحريم بهذه الكلمة. تلكم المراحل التي مر بها تحريم الخمر، ولو قال قائل: إن الخمر فيها إثم وفيها منافع قلنا: تلكم مرحلة في التحريم، وإن قال: إن الخمر محرمة قرب الصلاة جائزة في غير أوقات الصلاة قلنا: تلك مرحلة تجاوزها التشريع إلى مرحلة الحسم في التحريم، فإن الحكم الشرعي إذا مر بمراحل فالحكم للمرحلة الأخيرة فيه. أقول هذا توطئة للمرحلتين التاليتين اللتين يقع في خطأ فيهما بعض المفتين وهما مراحل تحريم الربا ومراحل تشريع الجهاد.

стр. 372

ثانيًا: أول ما نزل وآخر ما نزل في تحريم الربا: وذلك أن تحريم الربا أيضًا مر بمراحل أربع كالمراحل التي مر بها تحريم الخمر وهي: المرحلة الأولى: أول ما نزل في الربا قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ١. وليس في هذه الآية نص على تحريم الربا وإنما إشارة إلى أن الله يمحق الربا فلا ينمو ولا يبارك الله فيه بخلاف الزكاة التي يراد بها وجه الله فإنه سبحانه يضاعف الثواب لصاحبه. وهي مرحلة شبيهة تمامًا بالمرحلة الأولى في تحريم الخمر حيث بين هناك أن السكر ليس بالرزق الحسن. المرحلة الثانية: قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٢. وكما بين في المرحلة الثانية من تحريم الخمر أن فيه إثمًا وفيه منافع وأن الإثم أكبر من النفع فإنه هنا في المرحلة الثانية من تحريم الربا أشار إلى أن من معاصي اليهود أكلهم الربا وقد نهوا عنه، وفي ذلك إشارة إلى أنه إذا كان أكل الربا والتعامل به محرمًا على اليهود فأولى أن يكون كذلك بين المسلمين وهم خير أمة أخرجت للناس وهو تحريم بالتلويح والتعريض لا بالنص الصريح٣ وفي هذا توطئة للنص على التحريم في المرحلة التالية. المرحلة الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا

стр. 373

أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١. فحرم الربا على مرحلتين كما حرم الخمر على مرحلتين، وإذا كان تحريم الخمر بدأ بتحريمه في أوقات معينة فإن تحريم الربا بدأ بتحريم نسبة منه معينة وهي ما كانت أضعافًا مضاعفة تمهيدًا لتحريمه كله في المرحلة الأخيرة. المرحلة الرابعة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ ٢ وكما أنه -سبحانه- غلظ في تحريم الخمر في المرحلة الأخيرة بالأمر باجتنابه ووصفه بأنه رجس وأنه من عمل الشيطان فإنه هنا في تحريم الربا غلظ في تحريمه بالتهديد والوعيد لأصحابه ووصفهم بأنهم محاربون لله ورسوله وهل بعد هذا أغلظ في التحريم وأبشع في الوصف. ولعدم إدراك بعض الناس لهذه المراحل التي مر بها تحريم الربا وقعوا في الخطأ في الفتيا فأباح بعضهم الربا اليسير وهو الذي لا يصل إلى الأضعاف المتضاعفة جهلًا منه بأن هذا كان في مرحلة من مراحل تحريم الربا وأنه بهذا كمن يبيح الخمر في غير أوقات الصلاة مستدلًّا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ٣ ولعله يظهر بهذا أهمية معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل، والله المستعان.

стр. 374

ثالثًا: أول ما نزل وآخر ما نزل في تشريع الجهاد: وقد مر تشريع الجهاد بمراحل هي: المرحلة الأولى: وهي المرحلة المكية، حيث لم يشرع الجهاد وإنما

стр. 375

أمروا بالعفو والصفح فمن الآيات المكية: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ١ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٢ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٣ ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ ٤ ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ ٥ ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ ٦ ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٧ والآيات المكية في هذا المعنى كثيرة فلم يؤمروا بالقتال بل بالكف عنه وقد صرح بهذا الحكم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ٨. المرحلة الثانية: بعد نيف وسبعين آية مكية في النهي عن القتال٩ أذن بالقتال بمعنى إباحته لا وجوبه للمهاجرين منهم خاصة الذين أخرجوا من ديارهم، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ ١٠. قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى: ولأن الله لما بعث نبيه وأمره بدعوة الخلق إلى دينه لم يأذن له في قتل أحد على ذلك ولا قتاله حتى

стр. 376

هاجر إلى المدينة فأذن له وللمسلمين بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ ١. ورجح ابن العربي أن أول آية نزلت آية الحج: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ ثم نزل: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ ٢ فكان القتال إذنًا ثم أصبح بعد ذلك فرضًا، ثم أمر بقتال الكل فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية٣. وذلك أن قريشًا حتى بعد أن هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة لم تألو جهدا للإيقاع بالمسلمين فأذن الله سبحانه لنبيه ﵊ وللمهاجرين معه بالقتال فكان رسول الله ﷺ يبعث السرايا وكل أفرادها من المهاجرين وليس فيهم من الأنصار أحد٤. وحتى هذا الإذن كان لقتال المشركين وحدهم دون غيرهم فاليهود في المدينة لم يؤمر بقتالهم مع أذاهم بل أمر بالعفو والصفح حتى يأتي الله بأمره، قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ ٥ وفترة هذه المرحلة من الهجرة إلى غزوة بدر. المرحلة الثالثة: الأمر بالجهاد للدفاع. وذلك أن قريشًا تضررت من السرايا التي يبعثها الرسول ﷺ للهجوم على قوافل قريش فجمعت جمعها واتجهت إلى المدينة لحماية إحدى

стр. 377

قوافلها وإرهاب المسلمين فانتدب الرسول ﷺ أصحابه للدفاع، والتقى الجيشان في بدر وفرض قتال الذين يقاتلون المسلمين: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ١. فأصبح القتال مفروضًا على المسلمين كافة المهاجرين والأنصار للدفاع عن أنفسهم لا للابتداء، قال الطبري رحمه الله تعالى عن هذه الآية: "هذه الآية هي أول آية نزلت في أمر المسلمين بقتال أهل الشرك وقالوا: أمر فيها المسلمون بقتال من قاتلهم من المشركين والكف عمن كف عنهم"٢. وفي هذه المرحلة ظل القتال قاصرًا على مشركي قريش وبعض اليهود وحدثت فيها عدة غزوات وسرايا منها غزوة السويق، وأحد، وحمراء الأسد، وإجلاء بني قينقاع وبني النضير واستمرت حتى غزوة الخندق٣ ومن آيات هذه الفترة٤: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٥ و ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٦. المرحلة الرابعة: فرض الجهاد في سبيل الله: وفي هذه المرحلة فرض الجهاد ابتداء من غير أن يبدأ الكفار بالقتال، قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ٧ وقال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٨.

стр. 378

وتبدأ هذه المرحلة في السنة الخامسة للهجرة حيث زحفت جيوش الأحزاب إلى المدينة حين ألَّبَتْ قريش قبائل الجزيرة العربية ضد المسلمين بمساعدة بعض زعماء اليهود١ ففرض جهاد الكفار كافة: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ٢ وهي آخر مراحل تشريع الجهاد. قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- ملخصًا مراحل تشريع الجهاد: "وكان محرمًا ثم مأذونًا به، ثم مأمورًا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورًا به لجميع المشركين"٣. وبمعرفة هذه المراحل يظهر خطأ بعض المتصدين للدفاع عن عقيدة الجهاد فيخطئون تحت وطأة الهزيمة الداخلية فيزعمون أن الجهاد للدفاع لا للطلب فيقفون به عند حد المرحلة الثالثة تمامًا كأولئك الذين يزعمون أن الربا الحرام هو ما كان أضعافًا مضاعفة، وهؤلاء وأولئك كمن يعتقد إباحة الخمر وأن تحريمها قرب وقت الصلاة، وبمعرفة ذلك كله يظهر الحق والصواب والله المستعان.

стр. 379

فوائد معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل: وتشترك معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل مع معرفة المكي والمدني في فوائد كثيرة منها: أولًا: تمييز الناسخ من المنسوخ: وذلك حين ورود آيتين بحكمين مختلفين فإن معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل تعين على معرفة الناسخ من المنسوخ، ومثال ذلك قوله تعالى في عدة المرأة المتوفى عنها زوجها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ ١ فقد بينت هذه الآية أن العدة عام

стр. 380

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ١ جعل العدة أربعة أشهر وعشرًا، وإذا عرفنا أن هذه الآية هي آخر ما نزل عرفنا أنها هي الناسخة. ثانيًا: معرفة تاريخ التشريع الإسلامي وتدرجه الحكيم في التشريع، وقد مر بنا استعراض المراحل التي مر بها تحريم الخمر وكيف تمت مراعاة أحوالهم حيث اعتادوا شرب الخمر، لا يكاد يخلو منها بيت وكيف تدرج في علاج هذه المشكلة حتى خرجوا إلى بر الأمان والسلامة والإسلام بحكمة بالغة. ثالثًا: الاستعانة بمعرفة أول ما نزل وآخر ما نزل في تفسير القرآن التفسير السليم واستنباط الحكم الصحيح، وقد عرفنا ذلك في معرفة أول وآخر ما نزل في الربا والجهاد والخطأ الذي وقع فيه بعضهم بسبب جهل معرفة أول وآخر ما نزل. رابعًا: تذوق أساليب القرآن الكريم والاستفادة من ذلك في أسلوب الدعوة إلى الله تعالى حيث يكون بأسلوب لتقرير حكم ثم يختلف الأسلوب لتقرير حكم آخر بالوعد مرة والوعيد أخرى وبالترغيب أو الترهيب أو بالتخيير أو الإلزام حسب ما يناسب الحال. خامسًا: معرفة السيرة النبوية وترتيب أحداثها حسب حديث القرآن عنها ومتابعة أحوال الرسول ﷺ ومواقفه في الدعوة في مكة وسيرته في الدعوة إلى الله بعد الهجرة؛ مما يوقف الدعاة خاصة والمسلمين عامة على أصدق حديث عن أفضل سيرة لأحسن قدوة ﵊. سادسًا: إظهار عناية الصحابة والعلماء من بعدهم بالقرآن الكريم حتى عرفوا أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن كله وفي كل حكم من أحكامه الذي لا يمكن الوصول إليه وإدراكه إلا بالجهد الكبير والاهتمام العظيم مما يوجب على من بعدهم الاقتداء بهم والسير على نهجهم.

стр. 381

إعجاز القرآن الكريم مدخل ... إعجاز القرآن الكريم: جرت سنة الله تعالى أن يظهر على يد كل نبي من أنبيائه معجزة يظهر بها على قومه وتكون دليلًا على صدقه في أنه مرسل من الله تعالى. وقد كانت معجزة كل نبي من جنس ما برع فيه قومه حتى يكون تحديه لهم فيما يعرفون وفيما يتقنون ليكون التحدي أعظم وأشد. فجاءت معجزة عيسى ﵇ إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله تعالى وهي من جنس ما برع فيه قومه وهو الطب وإن لم تكن طبًّا. وجاءت معجزة موسى ﵇ العصا واليد وغيرهما وهي من جنس ما برع فيه قوم فرعون وهو السحر وإن لم تكن سحرًا. وجاءت معجزة محمد ﷺ وقد تفوق قومه في البيان والفصاحة والبلاغة فجاءت معجزته ﵇ من جنس ما برع فيه قومه فأنزل الله القرآن وأعجزهم ولم يستطيعوا الإتيان بمثله أو بعضه. وقد بين العلماء هذا العجز عن الإنسان بمثل هذا القرآن بدراسة نصوص التحدي وإثبات العجز وما يتعلق بذلك كله في هذا المبحث "إعجاز القرآن" بل تجاوز ذلك إلى أن أصبح هذا الإعجاز علمًا مستقلًا.

стр. 382

تعريف المعجزة تعريف المعجزة لغة ... تعريف المعجزة، لغة: أصلها مأخوذ من "عجز" قال ابن فارس: العين والجيم والزاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على الضعف، والآخر على مؤخر الشيء١. وخلاصة كلام أهل اللغة٢ في ذلك أن كلمة عجز تطلق على: ١- العجز بمعنى: الضعف تقول "عجزت عن كذا، أعجز أي ضعفت عنه، والعجوز سميت لعجزها في كثير من الأمور قال تعالى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ ٣. ٢- العجز بمعنى: مؤخر الشيء والجمع أعجاز، وأعجاز الأمور: أواخرها، وعَجْزُ الشيء وعِجْزُه، وعُجْزُه وعَجُزُه وعَجِزُه: آخره، وعجز بيت الشعر: آخره وعجزه المرأة وعجيزتها مؤخرتها، والعِجْزَة آخر ولد الرجل، وأعجاز النخل، وأعجاز الإبل، وأعجاز الليل: أواخرها، والألف تسميه العرب العجوز لأنه آخر الأرقام عندها وما بعدها يكرر فيقال عشرة آلاف، مائة ألف، ألف ألف. وصار العجز في التعارف: اسم للقصور عن فعل الشيء وهو ضد القدرة قال تعالى: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ ٤.

стр. 383

تعريف المعجزة في الاصطلاح ... أما المعجزة في الاصطلاح فهي: أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم من المعارضة، يجريه الله تعالى على يد نبيه، شاهدًا على صدقه.

стр. 384

شرح التعريف: ونريد بقولنا: "خارق للعادة" أنها مخالفة لأحكام العادة المألوفة كحرارة النار، وبرودة الثلج، وحدود القدرة البشرية المعتادة، فالمعجزة لا تخضع لهذه الأحكام، ونؤكد أنها مخالفة لأحكام العادة وليست مخالفة لأحكام العقل. ونريد بقولنا "مقرون بالتحدي" أن يكون مقصودًا بها تحدي القوم وإثارتهم للإتيان بمثلها حتى تقوم عليهم الحجة عند عجزهم، والتحدي يكون إما بلسان المقال أو بلسان الحال من غير نطق به أو تصريح بالتحدي. وقد أخطأ بعض الباحثين فأسقط هذا الشرط١ معتقدًا أن بعض المعجزات غير مقرون بالتحدي لاعتقاده أن التحدي لا بد أن يكون بلسان المقال. ونريد بقولنا "سالم من المعارضة" أنه لا يمكن لأحد أن يأتي بمثلها، ولهذا فإن معجزات الأنبياء لا تتكرر فلكل نبي معجزاته الخاصة به لا يأتي أحد بمثلها حتى من إخوانه الأنبياء، وإلا لاشترك الأنبياء كلهم في نوع واحد من الخوارق لا يأتي به أحد غيرهم يدل على نبوتهم، ولهذا الاختلاف حكم عديدة، وهي صفة يغفل عنها كثير من الباحثين فيقصرون عدم المعارضة على عامة الناس. ونريد بقولنا: "يجريه الله على يد نبيه" أن المعجزة وإن جاء بها النبي فليست من عنده وليست في قدرته ولكنها من الله. ونريد بقولنا "شاهدًا على صدقه" أن الإتيان بالمعجزة إنما هو لإقامة الدليل على أنه مرسل من ربه وإقامة الحجة على قومه.

стр. 385

المعجزة في القرآن الكريم: ورد في القرآن الكريم استعمال مشتقات كلمة "عجز" نحو ست وعشرين مرة لكنه لم يرد استعمال مصطلح "معجزة" ولا "إعجاز" في القرآن ولا في السنة. ولم يعرف إطلاق مصطلح "معجزة" على الأمور الخارقة التي تظهر على أيدي الأنبياء ﵈ إلا في أواخر القرن الثاني تقريبًا١. وأطلق القرآن على المعجزة عدة مسميات منها: ١- الآية: في قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٢ وقال تعالى على لسان صالح ﵇: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ ٣ وفرعون يقول لموسى ﵇: ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٤. ٢- البينة: قال موسى ﵇ لفرعون: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٥ وقال صالح ﵇ لقومه: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ ٦. ٣- البرهان: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ ٧ وقال مخاطبًا نبيه موسى ﵇ بعدما أمره أن يلقي عصاه فإذا هي حية وأن يخرج يده فإذا هي بيضاء من غير سوء: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ﴾ ٨.

стр. 386

٤- السلطان: كما قال الكفار لأنبيائهم: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ وأجاب الرسل ﵈: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ﴾ ٢.

стр. 387

شروط المعجزة: وللمعجزة شروط منها١: ١- أن تكون من الأمور الخارقة للعادة: سواء كانت كلامًا كالقرآن الكريم، وتسبيح الحصى بين يدي الرسول ﷺ وحنين الجذع وكلام الهدهد ونحو ذلك. أو كانت فعلًا كانشقاق القمر، وانفجاز الماء من بين أصابعه ﷺ ، وتكثير الطعام القليل ونحو ذلك. أو كانت ترك فعل كعدم إحراق النار لإبراهيم ﵇ وعدم إغراق البحر لموسى ﵇ وقومه وعدم تأثير السم في جسده ﷺ . والمعجز هو الأمر الخارق للعادة ولو فعل النبي أمرًا غير خارق للعادة ولم يستطع الآخرون فعله فإن الإعجاز ليس في فعله وإنما في منعهم وحبسهم عن الإتيان بمثل فعله، كما لو رفع الرسول يده أو مد رجله أو تكلم بالكلام المعتاد ثم تحدى قومه بالإتيان بمثل فعله أو قوله فلم يستطيعوا ذلك فإن الإعجاز ليس في فعله هذا أو قوله؛ لأنه ليس خارقًا للعادة وإنما الإعجاز في هذه الحالة في منعهم وحبسهم عن ذلك لكونه هو الأمر غير المعتاد والخارق للعادة.

стр. 388

٢- أن يكون الأمر الخارق للعادة من الله: كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١ وقال الأنبياء ﵈: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٢ وحين قال الكفار للرسول ﷺ : ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ أمره الله أن يقول: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٣. ٣- سلامتها من المعارضة بالإتيان بمثلها: إذ لو استطاع البشر الإتيان بمثلها لما صلحت علامة على أن صاحبها مرسل من ربه، فلا بد لكونها علامة على صدق صاحبها في أنه مرسل من ربه أن لا يقدر البشر كلهم بل والجن معهم على الإتيان بمثلها، لأنها من قدرة الله وحده. كما قال تعالى عن القرآن ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٤. ٤- أن تقع وفق مقتضى قول صاحبها: فلا تقع على خلاف قوله. فإذا جاءت على خلاف قوله لم تصلح دليلًا على دعواه، ولا دليل على صدقه لمخالفتها لمقتضى كلامه كما حدث لأدعياء النبوة. ٥- أن تقترن بالتحدي عند وقوعها: وذلك لأمرين: أولهما: إثبات عجز المخاطبين عن الإتيان بمثلها وعدم إدعائهم أو من بعدهم عدم وجود الداعي للإتيان بمثلها، وثانيهما: إقامة الحجة عليهم عند عجزهم.

стр. 389

ولا يلزم أن يكون التحدي بلسان المقال كما فهمه بعض المعاصرين، وإنما يكون بلسان المقال وبلسان الحال؛ إذ المقام مقام صراع، وعناد، واحتجاج يغني فيه الحال عن المقال في بعض المقام. ٦- أن يستدل بها النبي على صدقه في رسالته: إذ الغرض من إظهارها إثبات أمرين: أولهما أنه صادق في دعوى الرسالة. ثانيهما: أنه مرسل من الله لا من غيره، فينبغي أن يكون إظهارها لإثبات ذلك لا لغيره دونهما. ٧- أن يكون ظهور المعجزة أو المعجزات بعد دعوى الرسالة: حتى يصح الاستشهاد بها، أما إذا تقدم وقوع الأمر الخارق على دعوى الرسالة فإنه لا يسمى معجزة وإنما يسمى "إرهاص" كتظليل السحابة للرسول ﷺ وهو في سفره إلى الشام قبل البعثة.

стр. 390

جواز وقوع المعجزة: لا يشك مؤمن بأن الله هو خالق هذا الكون كله صغيره وكبيره ومدبر شئونه، وموجد نظامه، والذي يوجد الشيء من العدم أقدر على تغيير سنة من سننه أو نظام من أنظمته بل أقدر على إعادة خلقه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ١. فالذي جعل النار حارة في قدرته أن يجعلها باردة، والذي خلق القمر قادر على أن يقسمه إلى نصفين، والذي خلق في السم خاصية قادر على سلبها منه، والذي خلق الثعبان من العدم قادر على خلقه من العصا، وهكذا في بقية المعجزات. ومن ينكر هذا فقد أساء الظن بربه وقدرته واعتقد ربوبية إله عاجز عياذًا بالله تعالى.
следующие страницы →