شروط المعجزة:
وللمعجزة شروط منها١:
١- أن تكون من الأمور الخارقة للعادة:
سواء كانت كلامًا كالقرآن الكريم، وتسبيح الحصى بين يدي الرسول ﷺ وحنين الجذع وكلام الهدهد ونحو ذلك. أو كانت فعلًا كانشقاق القمر، وانفجاز الماء من بين أصابعه ﷺ ، وتكثير الطعام القليل ونحو ذلك. أو كانت ترك فعل كعدم إحراق النار لإبراهيم ﵇ وعدم إغراق البحر لموسى ﵇ وقومه وعدم تأثير السم في جسده ﷺ .
والمعجز هو الأمر الخارق للعادة ولو فعل النبي أمرًا غير خارق للعادة ولم يستطع الآخرون فعله فإن الإعجاز ليس في فعله وإنما في منعهم وحبسهم عن الإتيان بمثل فعله، كما لو رفع الرسول يده أو مد رجله أو تكلم بالكلام المعتاد ثم تحدى قومه بالإتيان بمثل فعله أو قوله فلم يستطيعوا ذلك فإن الإعجاز ليس في فعله هذا أو قوله؛ لأنه ليس خارقًا للعادة وإنما الإعجاز في هذه الحالة في منعهم وحبسهم عن ذلك لكونه هو الأمر غير المعتاد والخارق للعادة.
стр. 388
٢- أن يكون الأمر الخارق للعادة من الله:
كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١ وقال الأنبياء ﵈: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٢ وحين قال الكفار للرسول ﷺ : ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ أمره الله أن يقول: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٣.
٣- سلامتها من المعارضة بالإتيان بمثلها:
إذ لو استطاع البشر الإتيان بمثلها لما صلحت علامة على أن صاحبها مرسل من ربه، فلا بد لكونها علامة على صدق صاحبها في أنه مرسل من ربه أن لا يقدر البشر كلهم بل والجن معهم على الإتيان بمثلها، لأنها من قدرة الله وحده. كما قال تعالى عن القرآن ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٤.
٤- أن تقع وفق مقتضى قول صاحبها:
فلا تقع على خلاف قوله. فإذا جاءت على خلاف قوله لم تصلح دليلًا على دعواه، ولا دليل على صدقه لمخالفتها لمقتضى كلامه كما حدث لأدعياء النبوة.
٥- أن تقترن بالتحدي عند وقوعها:
وذلك لأمرين: أولهما: إثبات عجز المخاطبين عن الإتيان بمثلها وعدم إدعائهم أو من بعدهم عدم وجود الداعي للإتيان بمثلها، وثانيهما: إقامة الحجة عليهم عند عجزهم.
стр. 389
ولا يلزم أن يكون التحدي بلسان المقال كما فهمه بعض المعاصرين، وإنما يكون بلسان المقال وبلسان الحال؛ إذ المقام مقام صراع، وعناد، واحتجاج يغني فيه الحال عن المقال في بعض المقام.
٦- أن يستدل بها النبي على صدقه في رسالته:
إذ الغرض من إظهارها إثبات أمرين: أولهما أنه صادق في دعوى الرسالة. ثانيهما: أنه مرسل من الله لا من غيره، فينبغي أن يكون إظهارها لإثبات ذلك لا لغيره دونهما.
٧- أن يكون ظهور المعجزة أو المعجزات بعد دعوى الرسالة:
حتى يصح الاستشهاد بها، أما إذا تقدم وقوع الأمر الخارق على دعوى الرسالة فإنه لا يسمى معجزة وإنما يسمى "إرهاص" كتظليل السحابة للرسول ﷺ وهو في سفره إلى الشام قبل البعثة.
стр. 390
جواز وقوع المعجزة:
لا يشك مؤمن بأن الله هو خالق هذا الكون كله صغيره وكبيره ومدبر شئونه، وموجد نظامه، والذي يوجد الشيء من العدم أقدر على تغيير سنة من سننه أو نظام من أنظمته بل أقدر على إعادة خلقه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ١.
فالذي جعل النار حارة في قدرته أن يجعلها باردة، والذي خلق القمر قادر على أن يقسمه إلى نصفين، والذي خلق في السم خاصية قادر على سلبها منه، والذي خلق الثعبان من العدم قادر على خلقه من العصا، وهكذا في بقية المعجزات. ومن ينكر هذا فقد أساء الظن بربه وقدرته واعتقد ربوبية إله عاجز عياذًا بالله تعالى.
стр. 391
ومما يحز في النفس ظهور بعض من ينكر الخوارق أو بعضها، ويئولها بتكلف شديد حتى لا تكون من الأمور الخارقة، فيزعم مثلًا أن المرء إذا اعتقد اعتقادًا جازمًا في أمر من الأمور، وتيقنه يقينًا قاطعًا أنه يقع وفق اعتقاده، فإذا اعتقدت امرأة بكر لم تتزوج ولم يجامعها أحد أنها حامل وتيقنت ذلك فإن الحمل يقع!! ١ ويريدون بذلك تعليل حمل مريم بعيسى ﵇ فتكلفوا ما هو أغرب من المعجزة، وفروا من خارق إلى أخرق.
وفسروا فلق البحر لموسى ﵇ بالمد والجزر، والطير الأبابيل٢ بالجراثيم والميكروبات.
ونسي أولئك أن الذي يقدر على جعل الماء سائلًا قادر على أن يجعله متجمدًا أو صلبًا، وما المانع أو المستغرب أن يجعل نوعًا من أنواع الطيور قادرًا على حمل حجارة ورميها على أعداء الله ونحو ذلك.
стр. 392
المراد بإعجاز القرآن الكريم:
للعلماء في تعريف الإعجاز أقوال تختلف ألفاظها وتتحد معانيها منها تعريف الهمداني أن معناه: "أنه يتعذر على المتقدمين في الفصاحة، فعل مثله، في القدر الذي اختص به"١.
ويمكن تعريفه بقولنا هو: عجز المخاطبين بالقرآن وقت نزوله ومن بعدهم إلى يوم القيامة عن الإتيان بمثل هذا القرآن مع تمكنهم من البيان وتملكهم لأسباب الفصاحة والبلاغة وتوفر الدواعي واستمرار البواعث.
стр. 393
إثبات إعجاز القرآن الكريم:
حين نزل القرآن الكريم لم ينزل بما يوافق معتقدات الجاهلية أو يداريها بل نزل هادمًا لها، مبطلًا لأصولها، منكرًا لمبادئها، ساخرًا من معتقداتها وأهلها أهل جاهلية، أهل عناد واستكبار، أهل طغيان وجبروت، أهل أنفة وعزة، لو كان عندهم أدنى قدرة على معارضة القرآن أو الإتيان بمثله وقد تحداهم واستثارهم لذلك ما ترددوا وما تلكئوا ولكنهم يعلمون من فورهم أن بينهم وبين ذلك بُعد ما بين المشرقين أو قل بعد ما بين السموات والأرضين.
نعم عجزوا وهم أهل اللغة وأهل البيان "أجل، لقد سجل التاريخ هذا العجز على أهل اللغة أنفسهم في عصر نزول القرآن. وما أدراك ما عصر نزول القرآن؟ هو أزهى عصور البيان العربي، وأرقى أدوار التهذيب اللغوي"١ جمعوا الحشود في الصحراء، ورفعوا المنابر في الأسواق وعرضوا فيها أنفس بضائعهم، وأجود صناعاتهم وما البضاعة إلا بضاعة الكلام وما الصناعة إلا صناعة الشعر والخطابة، يتبارون في عرضها، ويتنافسون في نقدها، "فما هو إلا أن جاء القرآن.. وإذا الأسواق قد انفضت إلا منه، وإذا الأندية قد صفرت إلا عنه، فما قدر أحد منهم أن يباريه أو يجاريه"٢ كرروا النظر ورجعوا البصر علهم يجدون فيه فجوة ينفذون منها فعاد إليهم البصر خاسئًا وهو حسير.
"ولم يسد القرآن عليهم باب المعارضة بل فتحه على مصراعيه فدعاهم إليه أفرادًا أو جماعات. بل تحداهم وكرر عليهم ذلك التحدي في صور شتى، متهكمًا بهم، متنزلًا معهم إلى الأخف فالأخف ... ، وأباح
стр. 394
لهم في كل مرة أن يستعينوا بمن شاءوا ومن استطاعوا، ثم رماهم والعالم كله بالعجز في غير مواربة فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ١ وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ٢ فانظر أي إلهاب!! وأي استفزاز! لقد أجهز عليهم بالحكم البات المؤبد في قوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ثم هددهم بالنار، ثم سواهم بالأحجار، فوالله لو كان فيهم لسان يتحرك، لما صمتوا عن منافسته وهم الأعداء الألداء وأباة الضيم الأعزاء، وقد أصاب منهم موضع عزتهم وفخارهم، ولكنهم لم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى معارضته ولا سلمًا يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طود شامخ، فما اسطاعوا أن يظهروه، وما استطاعوا له نقبًا ... حتى إذا استيأسوا من قدرتهم واستيقنوا السيوف بدل الحروف، وتلك هي الحيلة التي يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعًا عن نفسه بالقلم واللسان"٣.
سلكوا مع الرسول ﷺ كل سبيل للتوقف عن دعوته، ساموه بالمال، وعرضوا عليه الملك، وقاطعوه ومن معه حتى يموتوا جوعًا، وتآمروا على قتله، وأخرجوه من بلده وسلكوا أصعب الطرق وأعرضوا كل الإعراض عن الطريق الوحيد الذي عرضه عليهم الرسول ﷺ لإبطال دعوته وهو أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فوجدوا أن كل سبيل أهون من هذا السبيل، وكل مشقة دون هذا المطلب، فأي شيء يكون العجز إن لم يكن هذا هو العجز كل العجز٤.
стр. 395
ولو أثر عنهم معارضة للقرآن الكريم، أو محاولة جادة لتطاير خبرها في الأجيال ولتداولتها الألسن وسطرتها الأقلام ولكن ذلك لم ولن يكون ما دام هناك مِسكة من عقل، أو ذرة من كرامة.
стр. 396
عناية العلماء به وأهم المؤلفات فيه:
كان للعلماء -رحمهم الله تعالى- عناية كبيرة واهتمام عظيم بإعجاز القرآن الكريم. وسبق أن ذكرنا أن مصطلح "المعجزة" أو "إعجاز القرآن" لم يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في أقوال الصحابة ﵃ وإنما ورد التعبير عن هذا المعنى بالآية والبرهان والسلطان.. وغير ذلك.
وهي العبارات التي كان يتداولها العلماء في القرنين الأول والثاني الهجريين عند حديثهم عن إعجاز القرآن، وليس هناك تحديد دقيق لتأريخ ظهور مصطلح إعجاز القرآن.
وقد استعمل هذا المصطلح في نهاية القرن الثاني وأوائل القرن الثالث ويؤيد هذا أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى "ت٢٤١هـ" استعمل كلمة "معجزة" للأمر الخارق المؤيد للأنبياء ولما استعمل له من بعده مصطلح "الكرامة"١.
كما ظهر استعمال هذا المصطلح عند النظام "ت٢٣١هـ" أحد أئمة المعتزلة حين زعم أن إعجاز القرآن كان بالصرفة -كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى- فتصدى له علماء السنة والجماعة وردوا عليه وأبطلوا زعمه فشاع مصطلح المعجزة وقل استعمال مصطلح الآية والبرهان والسلطان وغيرها..
وللمعتزلة عناية خاصة بإعجاز القرآن ولعل عنايتهم تلك نتيجة عدم اعتمادهم في إثبات نبوة محمد ﷺ إلا على معجزة القرآن دون سواها من
стр. 397
المعجزات يقول الهمداني "لم يعتمد شيوخنا في إثبات نبوة محمد ﷺ على المعجزات١.. ويقول عن المعجزات: "فلا يصح أن يستدل بها على صحة النبوة، ولذلك اعتمد شيوخنا في تثبيت نبوة محمد ﷺ على القرآن"٢ ويوضح هذا الأمر فيقول: "إن شيوخنا أثبتوها معجزة ودلالة، لكنهم لم يجوزوا الاعتماد عليها في مكالمة المخالفين"٣ ولهذا كثرت مؤلفات في إعجاز القرآن وبلاغته ومناظراتهم ومجادلاتهم وشطحاتهم.
أما أول كتاب يحمل هذا المصطلح في عنوانه فهو كتاب "إعجاز القرآن" الذي ألفه محمد بن زيد الواسطي المتوفى سنة ٣٠٦هـ٤ وهو كتاب مفقود. إلا أن أقدم كتاب خاص بإعجاز القرآن وصل إلينا هو "النكت في إعجاز القرآن" لأبي الحسن علي بن عيسى الرماني "ت٣٨٤هـ" وهو من أئمة المعتزلة.
ثم تتابعت المؤلفات بعد ذلك وكثرت كثرة لا تكاد تحصى قديمًا وحديثًا وليس من السهل حصرها كلها وسأذكر بعض هذه المؤلفات إجمالًا.
فمن المؤلفات قديمًا:
١- النكت في إعجاز القرآن:
لأبي الحسن علي بن عيسى الرماني "ت٣٨٤هـ"٥ وهي رسالة مختصرة جاءت جوابًا لسؤال عن ذكر النكت في إعجاز القرآن دون التطويل بالحجاج، وتقع في سبع وثلاثين صفحة طبعت ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن.
стр. 398
٢- بيان إعجاز القرآن:
لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي "ت٣٨٦هـ" وهي أيضًا رسالة مختصرة تقع في ٤٧ صفحة وطبعت ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن.
٣- إعجاز القرآن:
لأبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني "ت٤٠٣هـ" طبع بتحقيق عماد الدين أحمد حيدر في مجلد واحد يقع في ٣٢٥ صفحة الطبعة الأولى ١٤٠٦ مكتبة العلوم والحكم في المدينة المنورة.
٤- الرسالة الشافية:
لأبي بكر عبد القاهر الجرجاني "ت٤٧١هـ" وهي رسالة موجزة لكنها شاملة قرر فيها أن الإعجاز ثابت عن طريق عجز العرب عن معارضة القرآن وقرر أن العبرة بعجز العرب المعاصرين لنزوله دون المتأخرين عن زمانه ورد على القول بالصرفة، وتقع هذه الرسالة في حوالي ٤٠ صفحة وطبعت ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن.
٥- دلائل الإعجاز:
وهو أيضًا لعبد القاهر الجرجاني في مجلد طبع أكثر من مرة بتحقيق أحمد مصطفى المراغي، وطبع كذلك بتحقيق محمد عبد المنعم خفاجي.
٦- نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز:
للفخر الرازي "ت٦٠٦هـ" اختصر فيه كتابي "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" لعبد القاهرة الجرجاني وزاد فيه بعض الفوائد وبين يدي طبعة مطبعة الآداب والمؤيد بمصر سنة ١٣١٧هـ.
٧- البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن:
لعبد الواحد الزملكاني "ت٦٥١هـ" طبع بتحقيق د. خديجة الحديثي، ود. أحمد مطلوب في بغداد الطبعة الأولى عام ١٣٩٤هـ وتقع مع الفهارس في ٤٣٢ صفحة. وللزملكاني أيضًا كتاب "التبيان في علم البيان المطلع على إعجاز القرآن" طبع في بغداد أيضًا عام ١٣٨٣هـ.
٨- معترك الأقران في إعجاز القرآن:
لجلال الدين السيوطي "ت ٩١١هـ" طبع في ثلاثة مجلدات الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ.
стр. 399
وأما المؤلفات الحديثة:
فكثيرة جدًّا في مختلف أوجه الإعجاز، أذكر بعض أشهرها:
١- إعجاز القرآن والبلاغة النبوية:
للأستاذ مصطفى الرافعي "ت١٣٥٦هـ" طبع عدة مرات في مصر. وهو بحق من أفضل المؤلفات في موضوعه قديمًا وحديثًا.
٢- النبأ العظيم:
د. محمد عبد الله دراز "ت١٣٧٧هـ" وهو كتاب في الإعجاز اللغوي للقرآن الكريم أحد ثلاثة أنواع من الإعجاز وعد المؤلف بالكتابة عنها فأتم الأول، وتوفي قبل تمام الباقي، وامتاز بأسلوبه الأدبي المتميز، ودقة استنباطه، وسلاسة لفظه، يقع في ٢١٦ صفحة وطبع أكثر من مرة.
٣- مباحث في إعجاز القرآن:
د. مصطفى مسلم وكتبه مؤلفه لطلاب قسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لمادة إعجاز القرآن، وهو كتاب قيم يقع في حوالي ثلاثمائة صفحة.
٤- فكرة إعجاز القرآن:
تأليف نعيم الحمصي وهو في أصله مقالات نشرها في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق ثم جمعها في هذا الكتاب وصدرت طبعته الأولى عام ١٣٧٤هـ والثانية ١٤٠٠هـ ويقع في حوالي خمسمائة صفحة وهو عرض لقضية إعجاز القرآن الكريم منذ البعثة إلى حين تأليفه.
٥- البيان في إعجاز القرآن:
د. صلاح الخالدي وألفه حين درس مادة إعجاز القرآن في كلية المجتمع في الأردن ولم يجد كتابًا يجمع جزئيات وحدات المادة كما يقول فألف هذا١الكتاب، ويقع في حوالي أربع مائة صفحة.
стр. 400
مراحل التحدي بالقرآن:
ورد التحدي بالقرآن الكريم في خمس آيات من خمس سور هي على ترتيب السور١:
١- في سورة البقرة: الآية ٢٣ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ الآية..
٢- في سورة يونس: الآية ٣٨ ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ الآية.
٣- سورة هود: الآية ١٣ ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ .
٤- سورة الإسراء: الآية ٨٨ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .
٥- سورة الطور: الآية ٣٣، ٣٤ ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ .
والتحدي في هذه الآيات كما ترى جاء مرة بالإتيان بمثل القرآن كله، ومرة بعشر سور، ومرة بسورة، ومرة بحديث مثله. فهل جاء التحدي بالقرآن متدرجًا من الأكثر إلى الأقل أم لا؟ للعلماء في مراحل التحديث بالقرآن الكريم أقوال:
القول الأول:
وهو قول جمهور علماء التفسير والبلاغة أن التحدي
стр. 401
كان متدرجًا بالقرآن كله كما في سورة الإسراء والطور ثم تحداهم بعشر سور في سورة هود ثم تحداهم بسورة في سورة يونس ثم بسورة من مثله في سورة البقرة، ولكن هذا القول لا يساعد عليه ترتيب نزول القرآن الكريم.
القول الثاني:
رتب آيات التحدي ترتيب النزول وأنه كان متدرجًا أيضًا، إلا أن التحدي بسورة وقع قبل التحدي بعشر سور، ثم ذهب أصحاب هذا القول يعللون ذلك بتعليلات ليس فيها ما يقنع.
القول الثالث:
وهو ما أرى صوابه أن القولين السابقين قاما على تصور أن الإتيان بمثل القرآن أصعب من الإتيان بمثل عشر سور وأن الإتيان بالعشر أصعب من الإتيان بسورة وهذا غير صحيح. لأن القرآن كله قليله وكثيره على حد سواء في الإعجاز، فليس الإتيان بسورة أسهل من الإتيان بالقرآن كله فالتحدي في القرآن بالكيف لا بالكم وبالنوع لا بالمقدار فلا يهم إذًا أن يكون التحدي بسورة جاء قبل التحدي بعشر سور أو قبل التحدي بالقرآن كله.
واستحالة المجيء بمثل سورة من القرآن كاستحالة المجيء بعشر سور، واستحالة المجيء بمثل القرآن كله على حد سواء فكل ذلك متعذر، ولذا فلا أثر للاختلاف في ترتيب آيات التحدي ما دام لا يترتب عليه أثر في قوة التحدي والعجز كان عن الإتيان بجنس القرآن لا عن مقداره.
стр. 402
مقدار المعجزة من القرآن الكريم
...
مقدار المعجز من القرآن الكريم:
ومما يتصل بالحديث حديث عن القدر المعجز من القرآن الكريم، فقد وقع في هذا القدر خلافًا أيضًا على أقوال هي:
القول الأول:
أن الإعجاز متعلق بجميع القرآن لا ببعضه وهذا القول مردود بالآيات التي تتحدى بعشر سور وبسورة واحدة أو حديث مثله.
стр. 403
القول الثاني:
أن الإعجاز متعلق بسورة تامة طويلة أو قصيرة وهذا رأي الجمهور، وزاد بعضهم أنه يتعلق أيضًا بقدر سورة تامة١ من الكلام بحيث يظهر به تفاضل قوى البلاغة، وأقصر سورة في القرآن هي سورة الكوثر ثلاث آيات فيكون مقدار هذه السورة من الآيات معجز.
القول الثالث:
أن الإعجاز يتعلق بقليل القرآن وكثيره لقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٢ والتحدي بجنس القرآن لا بالمقدار كما مر بنا بيانه، وهذا هو ما نرجحه، والله أعلم.
استمرار التحدي بالقرآن الكريم:
والتحدي في القرآن الكريم ليس خاصًّا بأمة دون أمة أو عصر دون عصر بل هو باق ما بقى القرآن يعلن للناس تحديه فقوله عز شأنه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ..﴾ ٣ الآية. عام يشمل جميع الإنس في جميع العصور.
ولأن القرآن خاتم الكتب والرسول ﷺ خاتم الرسل والإسلام خاتم الأديان، فقد اقتضت الحكمة بقاء المعجزة لتكون شاهدة على كل جيل كما هي شاهدة على الجيل الأول.
ولئن عجز الجيل الأول وهم أهل الفصاحة والبلاغة وأهل البيان والبديع عن الإتيان بمثل هذا القرآن أو بعضها أو مجرد محاولة ذلك لعلمهم سلفًا بعجزهم عن ذلك فإن من بعدهم أعجز وأبعد عن الاستطاعة، فالإعجاز مستمر والتحدي قائم إلى يوم القيامة.
стр. 404
وجوه الإ‘عجاز في القرآن الكريم
مدخل
...
وجوه الإعجاز في القرآن الكريم:
من المسلم به بين المسلمين عامة أن القرآن معجزة لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثله لكنهم اختلفوا في بيان وجه الإعجاز فيه وذكروا أقوالًا كثيرة ومذاهب مختلفة وهم في هذا بين مصيب ومخطئ، ومحسن ومسيء.
تعددت الأقوال في وجه أو أوجه الإعجاز في القرآن الكريم فمنهم من لم يذكر للإعجاز إلا وجهًا واحدًا، ومنهم من ذكر وجهين أو أكثر بل قال السيوطي: "أنهى بعضهم وجوه إعجازه إلى ثمانين"١ ثم قال: "والصواب أنه لا نهاية لوجوه إعجازه"٢ وذكر هو في كتابه "معترك الأقران في إعجاز القرآن" خمسة وثلاثين وجهًا ضمنها المجلد الأول منه. وذكر غيره وجوهًا أخرى غير ما ذكره السيوطي. والحق أن بين بعض هذه الوجوه تداخل، وليس مرادنا هنا حصرها أو ذكرها كلها، فلنذكر بعض هذه الأقوال:
стр. 405
القول الأول: أن الإعجاز كان بالصَّرْفَة:
القول بالصرفة هو الباعث على نشأة البحث في وجوه الإعجاز للقرآن الكريم، فقد كان المسلمون مُسلِّمين بإعجاز القرآن وألفوا في ذلك كتبًا تشير بصورة غير مباشرة إلى إعجاز القرآن من غير أن يخوضوا أو يتعمقوا في بيان وجهه، حتى أظهر النظام "ت٢٣١هـ" مقولته بالصرفة فثار العلماء لإنكار قوله والرد عليه، ومن ثم تحديد الوجه أو أوجه الإعجاز الصحيحة في القرآن الكريم.
وأول من قال إن إعجاز القرآن الكريم كان بالصرفة هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام "ت٢٣١هـ" أحد أئمة المعتزلة، وصار له مذهب خاص ينسب إليه، وقلده آخرون في هذه المقولة وتشعب القول فيها إلى شعبتين:
стр. 406
١- القول الأول:
للنظام وآخرين، أن المراد بالصرفة أن الله صرف العرب عن الاهتمام بمعارضة القرآن الكريم مع قدرتهم عليها ولو توجهوا إليها لقدروا على الإتيان بمثل هذا القرآن.
٢- والقول الثاني:
للمرتضى من الرافضة، ومراده بالصرفة أن الله سلب العرب العلوم التي يحتاجون إليها للإتيان بمثل هذا القرآن ولو توجهوا للإتيان بمثله لما استطاعوا، لسلبهم هذه العلوم.
والفرق بين رأي النظام وأتباعه والمرتضى ومن معه أن النظام يرى أن العرب لو أرادوا الإتيان بمثله لاستطاعوا ولكن همتهم لم تتوجه لذلك، أما المرتضى فيرى أن العرب لا يستطيعون الإتيان بمثله ولو أرادو ذلك؛ لأنهم لا يملكون العلوم التي تمكنهم من ذلك، فالفرق بينهما أن النظام يرى أن العرب يستطيعون لو أرادوا والمرتضى يرى عدم استطاعتهم، وكلا القولين غير صحيح.
ونرد على ذلك بثلاثة ردود، الأول:
رد مشترك على القولين لإبطال القول بالصرفة عامة، والثاني رد على مذهب النظام، والثالث رد على مذهب المرتضى.
أما الرد العام على القول بالصرفة، فإنا نقول:
إنه يلزم من القول بالصرفة أن الإعجاز ليس في القرآن ذاته وإنما في غيره وهو عدم استطاعتهم، فالقرآن بزعمهم ليس معجزًا، إنما الإعجاز في المنع، وهذا باطل، قال أبو بكر الباقلاني: "ومما يبطل القول بالصرفة، أنه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع منها الصرفة لم يكن الكلام معجزًا وإنما يكون المنع معجزًا، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه"١.
ونقول أيضًا:
إن ديوان العرب محفوظ شعره ونثره وليس فيه قبل أن يسلبوا الاهتمام بالإتيان بمثله، أو تسلب منهم العلوم كما يزعم هؤلاء وأولئك ما يماثل القرآن أو يدانيه.
стр. 407
أما الرد على النظام ومن معه فإنا نقول:
كيف يصح القول أن همتهم لم تتجه للإتيان بمثل القرآن وهم الذين لم يتركوا سبيلًا للقضاء على دعوة محمد ﷺ وسلكوا كل طريق شاق، حاربوه، وناوءوه، وقاطعوه، وآذوه مع إبطاله لمعتقداتهم، وإثارته لحفيظتهم، واستفزازه لمشاعرهم، وإلهابه لغيرتهم، وأصاب موضع عزتهم وفخارهم، وقد مكنهم من نفسه لو استطاعوا، فدعاهم وتحداهم أن يأتوا بمثل سورة من القرآن ولو كان فيهم أدنى قدرة، أو عرفوا أحدًا يملكها في أقصى الأرض لبعثوا إليه كما بعثوا لليهود يسألونهم عما يسألون محمدًا ﷺ عنه ليحرجوه، فلا يصح بعد هذا أن يقال إن همتهم لم تتجه للإتيان بمثله.
وأما الرد على المرتضى ومن معه:
ففي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ١.
وفي هذا دليل أن عجزهم كان مع بقاء قدرتهم ولو لم يكن عندهم قدرة لما صح تحديهم؛ إذ لا يصح لأحد أن يتحدى الموتى، إذ ليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره٢ كما لا يصح أن يتحدى المبصر الأعمى وإنما يصح التحدي إذا تحدى من يملك البصر أما إذا سلب البصر لم يصح تحدي مثله، كما أن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ يدل على وجود القدرة لأن المعاونة والمظاهرة إنما تمكن مع القدرة ولا تصح مع العجز والمنع٣.
стр. 408
القول الثاني أن وجه الإعجاز في القرآن الكريم هو الأخبار الغيبية فيه
مدخل
...
القول الثاني: أن وجه الإعجاز في القرآن الكريم هو الأخبار الغيبية فيه:
وذلك أن القرآن الكريم تضمن عددًا من الأخبار الغيبية في الماضي والحاضر والمستقبل؛ وإذا علمنا أن الرسول ﷺ كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، وعلمنا أن أمته أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب وليس عندها علم يذكر في تاريخ الأمم الماضية، ومع هذا كله فقد ورد في القرآن الكريم، الحديث عن الأمم الماضية بما يظهر أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون إلا من عند الله الذي يعلم الغيب في السموات والأرض.
стр. 409
أنواع الأخبار الغيبية الواردة في القرآن
...
والأخبار الغيبية الواردة في القرآن ثلاثة أنواع:
الأول: الأخبار الغيبية الماضية "غيب الماضي":
وهي الأخبار التي تحدثت عن الأمم الماضية والأنبياء السابقين ﵈ وذلك لعدم تلقي الرسول ﷺ لهذه الأخبار عن أحد من البشر ولم يقرأها في كتاب، فلم يبق إلا أن يكون تلقاها عن طريق الوحي، ولهذا كان القرآن كثيرًا ما يشير إلى هذا المعنى كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ١ وكقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ٢ وكقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٣ وقال : ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ، مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ، إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ٤ وقوله ﷻ : ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ ٥ وغير ذلك من الآيات.
стр. 410
الثاني: الأخبار الغيبية عما يقع بغير حضرة الرسول ﷺ "غيب الحاضر":
إذ كثيرًا ما تحدث بعض الأحداث وتقع بعض القضايا ولا يشهدها الرسول ﷺ ولا يحضرها ومع هذا ينزل عليه الوحي والخبر الصادق حتى قبل أن يصل أحد ممن رآها إلى الرسول ﷺ حتى كان الكفار يقول بعضهم لبعض: اخفضوا أصواتكم حتى لا يسمعكم إله محمد ولهذا كان المنافقون يحذرون ذلك، قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ ١.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ ٢ وكقوله تعالى عن المنافقين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٣ وغير ذلك من الآيات.
الثالث: الأخبار الغيبية عن أمور مستقبلة "غيب المستقبل":
وكثيرًا ما أخبر القرآن عن أمور ستحدث في المستقبل ووقعت كما جاءت في القرآن، فمن ذلك قوله تعالى عن ظهور الإسلام وسيادته، وقد كان ذلك فيما بعد: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ٤ وعن القرآن أخبر أنهم لن يأتوا بمثله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا
стр. 411
فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١ وحتى الآن لم يأت أحد بمثله ولن يفعل أحد ذلك. ومنه قوله تعالى عن الكفار: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ٢ وقد نزلت هذه الآية وعائشة ﵂ بمكة جارية تلعب٣ وتحقق ذلك فيما بعد. ومنه قوله تعالى: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ ٤ وكقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ٥.
ومنه قوله تعالى عن أبي لهب: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ وعن امرأته: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ٦ والخبر الغيبي في هذا أنه أخبر أنهما في النار ويقتضي هذا موتهما على الكفر، وقد كان ذلك ومثله عن أبي جهل٧ ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ، ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ٨ فمات على كفره، وكذلك أبي بن خلف قال عنه٩: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ ١٠ فمات على الكفر، والنضر بن الحارث١١: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ١٢.
стр. 412
والوليد بن المغيرة١ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ٢.
ومع قوة هذا الوجه من الإعجاز وتحققه في القرآن الكريم إلا أنه لا يصح الزعم بأنه وجه الإعجاز في القرآن الكريم لخلو كثير من الآيات القرآنية من الأخبار الغيبية مع تحقق الإعجاز فيها.
الثالث: أن وجه الإعجاز في القرآن الكريم هو: نظمه.
ومن أدلة أصحاب هذا القول قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ ٣ فحين زعم الكفار أن أخبار القرآن افتراء وكذب قطع جدلهم بأن طلب منهم على التسليم بأنه مفترى أن يأتوا بعشر سور في نظمه وأسلوبه لا صدق خبره بحسب زعمهم. فالتحدي هنا بالنظم لا بالأخبار فضلًا عن الأدلة الأخرى الكثيرة على إدراك العرب بذوقهم لإعجاز القرآن في نظمه واستيلائه على ألبابهم.
وقال بهذا الإعجاز عدد من أئمة اللغة والبيان كالواسطي والجاحظ الذي ألف كتابًا عن نظم القرآن ومنهم الجرجاني والخطابي وغيرهم.
وقد فسر الخطابي هذا الوجه بقوله: "وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور منها: أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وبألفاظها التي هي ظروف المعاني والحوامل، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فيتوصلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله، وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة.
١- لفظ حامل.
стр. 413
٢- ومعنى به قائم.
٣- ورباط لهما ناظم.
وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئًا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظمًا أحسن تأليفًا وأشد تلاؤمًا وتشاكلًا من نظمه، وأما المعاني فلا خفاء على ذي عقل أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها، والترقي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها.
وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرقة في أنواع الكلام، فأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا".
ثم ذكر بعض ما احتوى عليه القرآن من أحكام التوحيد والعبادة والتحليل والتحريم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأمر بمحاسن الأخلاق والزجر عن مساوئها، ثم قال: "ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قُدَرُهم، فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله"١.
الرابع: أن وجه الإعجاز هو بلاغته:
التي فاقت ما عرفته العرب من صور البلاغة وعجزوا عن الإتيان بمثلها، وقال بهذا القول عدد من أئمة البلاغة والبيان كالعسكري٢ وحازم القرطاجني٣ والسكاكي الذي ذكر أربعة أقوال لوجه الإعجاز في القرآن فردها كلها ثم قال: "فهذه أقوال أربعة يخمسها ما يجده أصحاب الذوق من
стр. 414
أن وجه الإعجاز هو أمر من جنس البلاغة والفصاحة ولا طريق لك إلى هذا الخامس إلا طول خدمة هذين العلمين بعد فضل إلهي"١.
الخامس: أن وجه الإعجاز في القرآن الكريم علومه ومعارفه:
وذهب إلى هذا القول عدد من العلماء قديمًا وحديثًا؛ قال به الغزالي "ت٥٠٥هـ" والفخر الرازي "ت٦٠٦هـ" والزركشي "ت٧٩٤هـ" والسيوطي "ت٩١١هـ" ومن المتأخرين الجوهري والإسكندراني والكواكبي والمراغي ومحمد رشيد رضا ومحمد فريد وجدي والقاسمي ومصطفى الرافعي ومحمود شكري الألوسي وابن باديس والغمراوي وعبد الرزاق نوفل وغيرهم كثير٢ وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان لهذا الوجه.
والأقوال في وجه الإعجاز في القرآن الكريم كثيرة وكثرتها ناشئة من تكرار بعضها؛ إذ إن بعض هذه الأوجه داخل في بعض، قال الألوسي: "قد أطال العلماء الكلام على وجه إعجاز القرآن وأتوا بوجوه شتى، الكثير منها خواصه وفضائله"٣.
والرأي الراجح:
في وجه الإعجاز في القرآن أن لا يقتصر على وجه واحد فإعجازه مركب من وجوه عدة، فهو معجز في نظمه وفي أسلوبه وفي بلاغته وفي أخباره وفي علومه ومعارفه كما قال الزركشي -رحمه الله تعالى- وهو يعدد أوجه الإعجاز: "الثاني عشر: وهو قول أهل التحقيق أن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال، لا بكل واحد على انفراده فإنه جمع كلهن فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع، بل وغير ذلك مما لم يسبق"٤ وقال الألوسي في ترجيحه: "والذي يخطر بقلب هذا
стр. 415
الفقير أن القرآن بجملته وأبعاضه حتى أقصر سورة منه معجزة بالنظر إلى نظمه وبلاغته وإخباره عن الغيب وموافقته لقضية العقل ودقيق المعنى، وقد يظهر كلها في آية، وقد يستتر البعض كالأخبار عن الغيب ولا ضير ولا عيب فيما يبقى كافٍ في العرض وافٍ.
نجوم سماء كلما انقض كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكب١
وسنذكر بعد ذلك بعض أوجه إعجاز القرآن الكريم بشيء من التفصيل المناسب للمقام.
стр. 416
الإعجاز اللغوي:
وهو أبرز وجوه الإعجاز وأظهرها. إذ هو المطابق لأحوال العرب وقت نزول القرآن، فالتحدي يكون بجنس ما برز فيه القوم وتفوقوا، وهم تفوقوا في البيان والبلاغة والفصاحة ولم يتفوقوا في العلوم والمعارف وأخبار الغيب أو التشريع أو نحو ذلك، فكان الإعجاز بالبيان أظهر وجوه التحدي وأبرزها.
والقوم أدركوا أول ما أدركوا إعجازه البياني فملك منهم الألباب واستولى على الأفئدة.
ويطلق على هذا الوجه عدة مصطلحات فيسمى: "الإعجاز اللغوي" و"الإعجاز البياني" و"الإعجاز البلاغي" وتدخل في هذا المعنى أيضًا أقوالهم المختلفة في أن إعجاز القرآن "بلاغته" أو "فصاحته" أو "ما تضمنه من البديع" أو "نظمه" أو "أسلوبه" أو غير ذلك من فروع اللغة العربية.
والناظر في هذا القرآن الكريم لا يخلو من حالتين ١:
الأولى: أن لا يكون ممن أوتوا قوة المعرفة للفصل بين درجات
стр. 417
الكلام والتفريق بين البليغ والأبلغ والفصيح والأفصح.
الثانية: أن يكون قد أوتي حظًّا من التمييز بين الأساليب ومعرفة درجات البلاغة والفصاحة.
فإن كنت من الفئة الأولى فلا سبيل لك لمعرفة إعجاز القرآن وبلاغته بحسك وذوقك، وإنما سبيلك أن تقنع بشهادة أهل الخبرة والمعرفة، وهم هنا أهل الفصاحة والبلاغة، والبيان والبديع وأعلمهم بذلك سليقة، وأجودهم فطرة، وأتقنهم تربية وسماعًا هم من نزل عليهم القرآن، وأولئك قد أقروا بذلك في مشاهد عديدة، وأقوال كثيرة، فهذا الوليد بن المغيرة يقول لمن أنكر عليه سماعه للقرآن وتأثره به: "والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلوا وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ ١ وقد وصف الله تفكيره بقوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٢.
قال الدكتور محمد عبد الله دراز: "فانظر تصوير القرآن للجهد العنيف الذي بذله الرجل في إصدار حكمه الثاني حيث يقول: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَر﴾ ، معنى هذا كله أنه كان يقاوم فطرته ويستكره نفسه على مخالفة وجدانه، وأنه كان في حيرة وضيق ما يقول.. وأخيرًا استطاع أن يقول ما قال نزولًا على إرادة قومه، وانظر الفرق بين
стр. 418
هذا الحكم المصطنع وبين حكم البديهة العربية في قوله أول مرة: إنه يعلو وما يعلى وإنه يحطم ما تحته" هذه شهادة أهل اللغة نفسها وهي شهادة خصم والفضل ما شهدت به الأعداء.
وإذا لم تر الهلال فسلم ... لأناس رأوه بالأبصار
وإن كنت من الفئة الثانية وهم الذين أوتوا حظًّا من تذوق البيان وشيئًا من إدراك الفصاحة والبلاغة، فدونك نصوص البلغاء، وأبيات الشعراء، وكلمات الخطباء اختر منها ما شئت من أرقى عصور البلاغة وأعلى صور البيان ثم انظر في آية من آيات القرآن ستجد البون شاسعًا، والفرق كما بين الثرى والثريا أو السماء والأرض.
فإن قلت: نعم لقد نثرت كنانة الكلام بين يدي وعجمت سهامها، فما وجدت كالقرآن أصلب عودًا، ولقد وردت مناهل القول وتذوقت طعومها فما وجدت كالقرآن أعذب موردًا، وقد آمنت أنه كما وصفتموه غير أن الذي أحس به من ذلك معنى يتجمجم في الصدر لا أحسن تفسيره ولا أملك تعليله، فهل من سبيل إلى عرض شيء من ذلك علينا لتطمئن به قلوبنا ونزداد إيمانًا إلى إيماننا.
قلنا: إن هذا أمر جسيم، ومرام بعيد لا يمكن رسمه في هذه العجالة ولو طالت، ولعلنا نذكر ما يقرب البعيد ويدنيه، ونتحدث عن أمرين:
أولهما: ألفاظه وهي القشرة البادية.
ثانيهما: معانيه وهي اللآلئ الكامنة.
فأول ما يلاقيك من ألفاظه خاصية تأليفه الصوتي في شكله وجوهره.
١- دع القارئ المجود يقرأ القرآن يرتله حق ترتيله نازلًا بنفسه على هوى القرآن لا بنفس تاليه ثم انتبذ منه مكانًا قصيًّا لا تسمع فيه جرس حروفه ولكن تسمع حركاتها وسكناتها، ومداتها وغناتها، ووصلها وسكتها ثم ألق سمعك إلى هذه المجموعة الصوتية وستجد اتساقًا وائتلافًا يسترعي
стр. 419
سمعك لا يعروك منه على كثرة ترداده ملل ولا سأم. هذا الجمال في لغة القرآن لا يخفى على أحد ممن يسمع القرآن حتى الذين لا يعرفون لغة العرب فكيف يخفى على العرب أنفسهم. إنه النظام الصوتي البديع الذي قسمت فيه الحركة والسكون تقسيمًا منوعًا، ووزعت في تضاعيفه حروف المد والغنة توزيعًا بالقسط يساعد على ترجيع الصوت به وتهادي النفس فيه آنًا بعد آن.
٢- وإذا ما قربت أذنك قليلًا قليلًا فطرقت سمعك جواهر حروفه خارجة من مخارجها الصحيحة فاجأتك منه لذة أخرى في نظم تلك الحروف ورصفها وعلاقاتها مع بعضها، فهذا ينقر وهذا يصفر وذاك يهمس وذلك يجهر وآخر ينزلق عليه النفس، وآخر يحتبس عنده النفس وهلم جرًّا، فترى الجمال اللغوي ماثلًا أمامك في مجموعة مختلفة مؤتلفة.
من هاتين الصفتين السابقتين تتألف القشرة السطحية للجمال القرآني، وليس الشأن في هذا الغلاف إلا كشأن الأصداف مما توحيه اللآلئ النفيسة؛ فاقتضت حكمته تعالى أن يصون معاني القرآن الكريم السامية بألفاظ عذبة تغري بطلاوتها، وتكون بمنزلة "الحداء" يستحث النفوس على السير إليها، ويهون عليها عناء السفر في طلبها، لا جرم اصطفى لها من هذا اللسان العربي المبين ذلك القالب العذب الجميل، ومن أجل ذلك سيبقى صوت القرآن أبدًا في أفواه الناس وآذانهم ما دامت فيهم حاسة تذوق وحاسة تسمع وإن لم يكن لأكثرهم قلوب يفقهون بها حقيقة سره، وينفذون بها إلى بعيد غوره.
ثانيًا: المعاني:
فإن لم يلهك جمال القشرة البادية عن سامي المعاني المستترة، فكشفت الصدفة عن درها، ونفذت من هذا النظام اللفظي إلى ذلك النظام المعنوي تجلى لك ما هو أبهى وأبهر، ولقيت ما هو أروع وأبدع، ولا تحسبن ذلك الأمر لا يظهر أمره إلا في مجموع القرآن، بل يظهر ذلك في
стр. 420
القطعة منه، ويظهر في السورة، وسنعرض لك لمحة سريعة عن هاتين المرتبتين:
أولًا: بيان القرآن في قطعة قطعة منه:
فمن صفاته:
١- القصد في اللفظ والوفاء بالمعنى:
وهما طرفان متقابلان الميل لأحدهما ميل عن الآخر فمن أوجز في لفظه لا ينفك من أن يحيف على المعنى قليلًا أو كثيرًا ومن يعتمد إلى الوفاء بالمعنى وإبراز كل دقائقه لا يجد في قليل اللفظ ما يشفي صدره فيسترسل استرسالًا يشعرك بتضاؤل قوة نشاط واضمحلال باعثة إقبالك؛ فإن سرك أن ترى كيف تجتمع هاتان الغايتان على تمامهما بغير فترة ولا انقطاع فانظر حيث شئت من القرآن الكريم تجد وفاء الألفاظ بحق المعاني واحتواء المعاني للألفاظ بحيث لا يستغنى معنى عن لفظة ولا تقصر لفظة عن معنى كما قال ابن عطية:: "لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد"١.
٢- خطاب العامة وخطاب الخاصة:
وهما أيضًا غايتان متباعدتان فما تخاطب به الذكي لا تخاطب به الغبي، وما تخاطب به الطفل لا تخاطب به الكبير، أدرك العرب ذلك وسدوا عجزهم عنه بعبارات مثل "لكل مقام مقال" ونحو ذلك.
وجاء القرآن الكريم وقد ملك الغايتين فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام وأبلغه، ويراه العامة أحسن كلام وأوضحه.
стр. 421
٣- إقناع العقل وإمتاع العاطفة:
وفي كل إنسان قوتان:
أ- قوة تفكير.
ب- قوة عاطفة ووجدان.
والقوة الأولى تغوص باحثة عن الحقائق المستترة والمعاني الباطنة، وأما الثانية فتطفو تبحث عن الجمال الظاهر في القشرة البادية. والنفس الإنسانية إما أن تغوص مع تلك أو تطفو مع هذه، ولا تستطيع أن تغوص وتطفو في آن واحد أو لحظة واحدة.
وحين تظهر "قوة الوجدان" تضعف "قوة التفكير" فلا يتقن عقله فكرًا فإن وفى المتكلم بحق العقل بخس حق العاطفة وإن وفى بحق العاطفة بخس حق العقل، فإما أن يأتي بكلام علمي مجرد يرضي به عقله أو بكلام أدبي منمق يرضي به عاطفته، حتى بات الناس يقسمون الأساليب إلى نوعين لا ثالث لهما:
أ- أسلوب علمي.
ب- أسلوب أدبي.
وقسمت الدراسة في عصورنا هذه إلى علمية أو أدبية؛ فلا تطمع من إنسان في أن يهب لك هاتين الطلبتين على سواء وهو لم يجمعهما في نفسه على سواء وما كلام المتكلم إلا نتاج قوته إما قوة التفكير وإما قوة الوجدان وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
حاشا القرآن الكريم الذي جمع "قوة الحقيقة البرهانية" "وقوة المتعة الوجدانية" تدبروا في آيات القرآن الكريم فسترون أنها في معمعة البراهين والأحكام لا تنسى نصيب القلب والوجدان؛ ذلك أنها كلام الله رب العالمين الذي لا يشغله شأن عن شأن.
стр. 422
٤- البيان والإجمال:
وهما أيضًا أمران متقابلان لا يكادان يجتمعان في كلام إن وجد الأول اضمحل الثاني، وإن وجد الثاني تلاشي الأول. فكلام البشر إما أن يكون مجملًا وإما أن يكون مبينًا وأنى له أن يكون مجملًا مبينًا في آن واحد.
أما القرآن الكريم كلام الله فالأمر غير ذلك تقرأ الآية القرآنية فتجد فيها من الوضوح والظهور ما يبوئها الدرجة العليا في البيان بأسلوب محكم خال من كل غريب عن الغرض، يسبق معناها إلى نفسك دون كد ذهن ولا إعادة تلاوة فإن أعدت النظر مرة أخرى لاح لك منها معانٍ جديدة، فإن زدت التدبر زاد العطاء وانكشف لك ما يجعلك توقن أن في الآية "إجمالًا" لمعان عديدة مع بيان ووضوح.
ثانيًا: بيان القرآن في سورة سورة منه:
وهي أيضًا مرتبة من مراتب البيان في القرآن لها صفات وخصائص أهمها:
الكثرة والواحدة:
فالكلام هو مرآة المعنى فإن ساء نظمه تبددت معانيه كما تتبدد الصورة الواحدة على المرآة المهشمة أو غير المستوية السطح.
ولا بد لإبراز المعنى ووضوحه من إحكام ألفاظه وإتقان بيانه وذلك بتمام التقارب بين كلماته والترابط بين جمله حتى تتماسك وتتعانق أشد ما يكون التماسك وأقوى ما يكون العناق.
وليس ذلك بالأمر الهين بل هو مطلب شاق يحتاج إلى مهارة وحذق، ولطف وحس في اختيار أحسن المواقع لتلك الأجزاء، أيها أحق أن يجعل أصلًا أو تتمة، وأيها أحق أن يبدأ به أو يختم، ثم اختيار أحسن الطرق للمزج بينها بالإسناد أو التعليق أو بالعطف، وغير ذلك من أسباب الترابط،
стр. 423
ذلك حال المعنى الواحد الذي تتصل أجزاؤه فيما بينها، فما ظنك بالمعاني المختلفة في جوهرها، كم تحتاج من المهارة والحذق؟ ولهذه المشقة نرى كثيرًا من البلغاء حين ينتقل من معنى إلى معنى لا يستغنى عن استعمال بعض الأدوات لسد الثغرة التي يحدثها الانفصال بين المعاني من نحو قولهم: "وبعد" أو "ونعود" أو "ننتقل إلى الحديث عن" أو "وسنتحدث" أو "بقي علينا" ونحو ذلك ...
وهذا شأن البلغاء في الحديث الواحد في المجلس الواحد فكيف لو جاء حديثه في أماكن مختلفة وأزمان متباعدة ألا تكون سمات الانفصال وظواهر الانقطاع أقوى وأشد.
حاشا القرآن فقد اشتملت السورة منه على وصف، وقصص، وتشريع، وجدل، وعقائد، وأمر، ونهي، ونزلت السورة في أوقات مختلفة وأزمان متباعدة، ورتبت آياتها بطريقة عجيبة يرسم مكان الآية ويحدد قبل أن تنزل الآية التي قبلها أو التي بعدها ثم لا يحدث أن تنقل من موضعها إلى آخر، فإذا نزل ما حولها من الآيات رأيت الترابط والتلازم كأنهن قطعة واحدة بل رأيتهن مع بقية آيات السورة كأنهن سبيكة واحدة فلا تجد فرقًا ولا يستبين لك أمر في معرفة ما نزل من السورة منجمًا وما نزل منهن مفرقًا فجاءت الكثرة الكاثرة من المعاني في السورة كأنهن معنى واحدًا أو آية واحدة محكمة السبك متقنة السرد١، ٢.
стр. 424
الإعجاز العلمي
مدخل
...
الإعجاز العلمي:
القرآن الكريم كلام الله، والكون كله من خلق الله، ولا يشك مؤمن في التطابق التام بين كلام الله تعالى وبين حقائق هذا الكون ونظامه.
ولا ريب أن المؤمن حين يقرأ اكتشافًا علميًّا جديدًا أثبته العلماء بالبرهان القاطع ثم يجد ذلك مذكورًا في القرآن أو ما يوافقه فإنه يشعر بزيادة الطمأنينة القلبية كالتي طلبها إبراهيم ﵇ وبفرح وسرور كفرح الرسول ﷺ بحديث الجساسة١.
لكن هذه المقارنة أو التوفيق بين النص القرآني الكريم والاكتشاف العلمي الجديد ينبغي أن تكون له ضوابطه وأن تكون له موازينه. ولهذا وقع الاختلاف بين العلماء في التفسير العلمي للقرآن الكريم بين مؤيد ومعارض.
стр. 425
المراد به:
يراد بالتفسير العلمي: "اجتهاد المفسر في كشف الصلة بين آيات القرآن الكريم ومكتشفات العلم التجريبي والربط بينهما بوجه من الوجوه" وهذا تعريفه بما هو عليه، أما تعريفه بما ينبغي أن يكون عليه فهو: "كشف الصلة بين النصوص القرآنية وحقائق العلم التجريبي".
والفرق بينهما أن في الأول خلطًا بين النظريات والحقائق بحيث نجد كثيرًا من المفسرين يفسرون القرآن بهما من غير تحقيق، وما ينبغي أن يكون هو التمييز بين النظريات والحقائق والاقتصار على الثانية دون الأولى في تفسير القرآن الكريم.