← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12011

دراسات في علوم القرآن - فهد الرومي

فهد الرومي

Полный текст (719 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

٣- إقناع العقل وإمتاع العاطفة: وفي كل إنسان قوتان: أ- قوة تفكير. ب- قوة عاطفة ووجدان. والقوة الأولى تغوص باحثة عن الحقائق المستترة والمعاني الباطنة، وأما الثانية فتطفو تبحث عن الجمال الظاهر في القشرة البادية. والنفس الإنسانية إما أن تغوص مع تلك أو تطفو مع هذه، ولا تستطيع أن تغوص وتطفو في آن واحد أو لحظة واحدة. وحين تظهر "قوة الوجدان" تضعف "قوة التفكير" فلا يتقن عقله فكرًا فإن وفى المتكلم بحق العقل بخس حق العاطفة وإن وفى بحق العاطفة بخس حق العقل، فإما أن يأتي بكلام علمي مجرد يرضي به عقله أو بكلام أدبي منمق يرضي به عاطفته، حتى بات الناس يقسمون الأساليب إلى نوعين لا ثالث لهما: أ- أسلوب علمي. ب- أسلوب أدبي. وقسمت الدراسة في عصورنا هذه إلى علمية أو أدبية؛ فلا تطمع من إنسان في أن يهب لك هاتين الطلبتين على سواء وهو لم يجمعهما في نفسه على سواء وما كلام المتكلم إلا نتاج قوته إما قوة التفكير وإما قوة الوجدان وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. حاشا القرآن الكريم الذي جمع "قوة الحقيقة البرهانية" "وقوة المتعة الوجدانية" تدبروا في آيات القرآن الكريم فسترون أنها في معمعة البراهين والأحكام لا تنسى نصيب القلب والوجدان؛ ذلك أنها كلام الله رب العالمين الذي لا يشغله شأن عن شأن.

стр. 422

٤- البيان والإجمال: وهما أيضًا أمران متقابلان لا يكادان يجتمعان في كلام إن وجد الأول اضمحل الثاني، وإن وجد الثاني تلاشي الأول. فكلام البشر إما أن يكون مجملًا وإما أن يكون مبينًا وأنى له أن يكون مجملًا مبينًا في آن واحد. أما القرآن الكريم كلام الله فالأمر غير ذلك تقرأ الآية القرآنية فتجد فيها من الوضوح والظهور ما يبوئها الدرجة العليا في البيان بأسلوب محكم خال من كل غريب عن الغرض، يسبق معناها إلى نفسك دون كد ذهن ولا إعادة تلاوة فإن أعدت النظر مرة أخرى لاح لك منها معانٍ جديدة، فإن زدت التدبر زاد العطاء وانكشف لك ما يجعلك توقن أن في الآية "إجمالًا" لمعان عديدة مع بيان ووضوح. ثانيًا: بيان القرآن في سورة سورة منه: وهي أيضًا مرتبة من مراتب البيان في القرآن لها صفات وخصائص أهمها: الكثرة والواحدة: فالكلام هو مرآة المعنى فإن ساء نظمه تبددت معانيه كما تتبدد الصورة الواحدة على المرآة المهشمة أو غير المستوية السطح. ولا بد لإبراز المعنى ووضوحه من إحكام ألفاظه وإتقان بيانه وذلك بتمام التقارب بين كلماته والترابط بين جمله حتى تتماسك وتتعانق أشد ما يكون التماسك وأقوى ما يكون العناق. وليس ذلك بالأمر الهين بل هو مطلب شاق يحتاج إلى مهارة وحذق، ولطف وحس في اختيار أحسن المواقع لتلك الأجزاء، أيها أحق أن يجعل أصلًا أو تتمة، وأيها أحق أن يبدأ به أو يختم، ثم اختيار أحسن الطرق للمزج بينها بالإسناد أو التعليق أو بالعطف، وغير ذلك من أسباب الترابط،

стр. 423

ذلك حال المعنى الواحد الذي تتصل أجزاؤه فيما بينها، فما ظنك بالمعاني المختلفة في جوهرها، كم تحتاج من المهارة والحذق؟ ولهذه المشقة نرى كثيرًا من البلغاء حين ينتقل من معنى إلى معنى لا يستغنى عن استعمال بعض الأدوات لسد الثغرة التي يحدثها الانفصال بين المعاني من نحو قولهم: "وبعد" أو "ونعود" أو "ننتقل إلى الحديث عن" أو "وسنتحدث" أو "بقي علينا" ونحو ذلك ... وهذا شأن البلغاء في الحديث الواحد في المجلس الواحد فكيف لو جاء حديثه في أماكن مختلفة وأزمان متباعدة ألا تكون سمات الانفصال وظواهر الانقطاع أقوى وأشد. حاشا القرآن فقد اشتملت السورة منه على وصف، وقصص، وتشريع، وجدل، وعقائد، وأمر، ونهي، ونزلت السورة في أوقات مختلفة وأزمان متباعدة، ورتبت آياتها بطريقة عجيبة يرسم مكان الآية ويحدد قبل أن تنزل الآية التي قبلها أو التي بعدها ثم لا يحدث أن تنقل من موضعها إلى آخر، فإذا نزل ما حولها من الآيات رأيت الترابط والتلازم كأنهن قطعة واحدة بل رأيتهن مع بقية آيات السورة كأنهن سبيكة واحدة فلا تجد فرقًا ولا يستبين لك أمر في معرفة ما نزل من السورة منجمًا وما نزل منهن مفرقًا فجاءت الكثرة الكاثرة من المعاني في السورة كأنهن معنى واحدًا أو آية واحدة محكمة السبك متقنة السرد١، ٢.

стр. 424

الإعجاز العلمي مدخل ... الإعجاز العلمي: القرآن الكريم كلام الله، والكون كله من خلق الله، ولا يشك مؤمن في التطابق التام بين كلام الله تعالى وبين حقائق هذا الكون ونظامه. ولا ريب أن المؤمن حين يقرأ اكتشافًا علميًّا جديدًا أثبته العلماء بالبرهان القاطع ثم يجد ذلك مذكورًا في القرآن أو ما يوافقه فإنه يشعر بزيادة الطمأنينة القلبية كالتي طلبها إبراهيم ﵇ وبفرح وسرور كفرح الرسول ﷺ بحديث الجساسة١. لكن هذه المقارنة أو التوفيق بين النص القرآني الكريم والاكتشاف العلمي الجديد ينبغي أن تكون له ضوابطه وأن تكون له موازينه. ولهذا وقع الاختلاف بين العلماء في التفسير العلمي للقرآن الكريم بين مؤيد ومعارض.

стр. 425

المراد به: يراد بالتفسير العلمي: "اجتهاد المفسر في كشف الصلة بين آيات القرآن الكريم ومكتشفات العلم التجريبي والربط بينهما بوجه من الوجوه" وهذا تعريفه بما هو عليه، أما تعريفه بما ينبغي أن يكون عليه فهو: "كشف الصلة بين النصوص القرآنية وحقائق العلم التجريبي". والفرق بينهما أن في الأول خلطًا بين النظريات والحقائق بحيث نجد كثيرًا من المفسرين يفسرون القرآن بهما من غير تحقيق، وما ينبغي أن يكون هو التمييز بين النظريات والحقائق والاقتصار على الثانية دون الأولى في تفسير القرآن الكريم.

стр. 426

أقوال العلماء في الإعجاز العلمي ١: مما لا شك فيه أن مثل هذا اللون من التفسير في جدته وتجدده

стр. 427

سيكون له خصوم، وسيكون له أنصار، يلتمس كل منهم دليلًا، ينصر به رأيه، ويؤيده به، ثم يكر على دليل الخصم فيبطله. وقد كان هذا الأمر في التفسير العلمي للقرآن الكريم منذ لحظات بزوغه، ونحن وإن كنا لا نعرف هذا الحدث باليوم أو بالسنة إلا أن العلماء اتفقوا على أن الإمام الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥هـ من أوائل المتكلمين في هذا النوع من التفسير وعلى هذا فيكون ظهوره على وجه التقريب في أواخر القرن الخامس الهجري، واتفقوا أيضًا على أن الغزالي نفسه أكثر من استوفى بيان هذا القول إلى عهده١. ومما لا شك فيه أن الغزالي لم يكن وحيدًا في الميدان يجول ويصول فقد نزل معه أنصار ونازله خصوم وما زالت المعركة قائمة لم يهدأ لها بال ولم تقعد لها قائمة وانقسموا إلى فريقين أو ثلاثة: ١- المؤيدون للتفسير العلمي. ٢- المعارضون. ٣- المعتدلون.

стр. 428

المؤيدون للتفسير العلمي مدخل ... المؤيدون للتفسير العلمي: ومن المؤيدون للتفسير العلمي الإمام الغزالي، الفخر الرازي، الزركشي، السيوطي، البيضاوي، نظام الدين النيسابوري، ومن المعاصرين الألوسي، وطنطاوي الجوهري، والإسكندراني، والكواكبي، ومحمد فريد وجدي، والرافعي، والقاسمي وغيرهم.

стр. 429

من أدلة المؤيدون للتفسير العلمي ... من أدلة المؤيدين للتفسير العلمي: استدل المؤيدون للتفسير العلمي بأدلة كثيرة منها١: ١- الاستدلال بظاهر عموم بعض الآيات: كقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢ وقوله سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ ٤ وقوله سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ٥ وغير ذلك من الآيات الداعية إلى التفكر والتدبر في خلق الله عز شأنه. ٢- الاستدلال بظاهر عموم بعض الأحاديث والآثار: كحديث: أن رسول الله ﷺ قال: "ستكون فتن " قيل: وما المخرج منها؟ قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم.. " الحديث٦. وما أخرجه سعيد بن منصور عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "من أراد العلم فعليه بالقرآن فإن فيه خبر الأولين والآخرين"٧. ٣- وقالوا: إن الله ملأ كتابه من الاستدلال على العلم

стр. 430

والقدرة والحكمة بأحوال السموات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، وكيفية أحوال الضياء والظلام، وأحوال الشمس والقمر والنجوم، وذكر هذه الأمور في أكثر السور وكررها وأعادها مرة بعد أخرى، فلو لم يكن البحث عنها والتأمل في أحوالهم جائزًا لما ملأ الله كتابه منها١. ٤- أن العلم الحديث قد يكون ضروريًّا لفهم بعض المعاني القرآنية، وليس هناك ما يمنع من أن يكون فهم بعض الآيات فهمًا دقيقًا متوقفًا على تقدم بعض العلوم، فتكون الحقيقة العلمية من قواعد الترجيح في التفسير إذا كان للآية أكثر من معنى فيتعين أن يؤخذ بالمعنى الذي تؤيده الحقائق العلمية. ٥- تحقق فوائد كثيرة ومنافع كبيرة من التفسير العلمي، منها٢: أ- إدراك وجوه جديدة للإعجاز في القرآن الكريم بإثبات التوافق بين حقائق القرآن الكريم وحقائق العلم. ب- استمالة غير المسلمين إلى الإسلام وإقناعهم به ببيان إعجاز القرآن العلمي، وإقامة الحجة عليهم بذلك. ج- امتلاء النفوس إيمانًا بعظمة الله ﷻ وعظيم سلطانه وقدرته بعد الوقوف على أسرار الكون التي كشفها القرآن.

стр. 431

المعارضون للتفسير العلمي مدخل ... المعارضون للتفسير العلمي: ومن المعارضون للتفسير العلمي أبو حيان الأندلسي، والشاطبي، ومحمود شلتوت، وأمين الخولي، وسيد قطب وغيرهم.

стр. 432

من أدلة المعارضين ١: واستدل المعارضون للتفسير العلمي بأدلة منها: ١- أن للتفسير شروطًا وقيودًا قررها العلماء ينبغي الالتزام بها فلا يكون تفسير القرآن مباحًا لكل من حصل علمًا من العلوم وغابت عنه علوم أخرى لا بد منها للمفسر. ومن ذلك عدم تحميل ألفاظ القرآن معاني وإطلاقات لم توضع لها ولم تستعمل فيها. ٢- أن القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد وليس بكتاب تفصيل لمسائل العلوم ونظرياته ودقائق الاكتشافات والمعارف، ومن طلب ذلك من القرآن فقد أساء فهم طبيعة هذا القرآن ووظيفته. ٣- أن التفسير العلمي مدعاة إلى الزلل لدى أكثر الذين خاضوا فيه من المعاصرين؛ لأن عملية التوفيق تفترض غالبًا محاولة للجمع بين موقفين يتوهم أنهما متعاديان ولا عداء، أو يظن أنهما متلاقيان ولا لقاء٢. ٤- أن تناول القرآن بهذا المنهج يضطر المفسر إلى مجاوزة الحدود التي تحتملها ألفاظ النص القرآني لأنه يحس بالضرورة متابعة العلم في مجالاته المختلفة فيتعجل تلمس المطابقة بين القرآن والعلم تعجلًا غير مشروع. ٥- أن ما يكشف من العلوم إنما هو نظريات وفروض قابلة دائمًا للتغيير والتبديل، والتعديل، والنقض، والإضافة بل قابلة لأن تنقلب رأسًا على عقب، ومن ثم فلا يصح أن نعلق الحقائق القرآنية النهائية بمثل تلك النظريات حتى لا نقف محرجين عند ثبوت بطلان تلك النظرية.

стр. 433

الرأي المختار ١: قبل أن نذكر ما نراه صوابًا يجب أن نذكر حقيقة ينبغي إدراكها وهي التفريق بين التفسير العلمي، والإعجاز العلمي. فالأول هو مثار البحث والمناقشة وأما الثاني فقضية مسلمة لا نزاع فيها. ذلكم أن المؤيدين للتفسير العلمي والمعارضين له أيضًا كلهم بلا استثناء يقرون ويعترفون أن القرآن الكريم لم ولن يصادم حقيقة علمية. لم يقولوا هذا عن عاطفة مجردة، ولم يقله أتباع القرآن فحسب، وإنما قاله أولئك، وقاله خصومه أيضًا، بعد أن تناولوا آيات عديدة منه، وقلبوها دراسة وتأملًا، وتدبرًا، ونظروا فيما بين أيديهم من النظريات والحقائق العلمية حتى انتهوا إلى ما انتهوا إليه. وقد يحسب أحد أن السلامة من مصادمة الحقائق العلمية أمر هين فما على المتكلم إلا أن يتجنب الخوض في مجالاتها، ويحذر من الوقوع في مبهمات العلوم، وغوامض المعارف، وأسرار الكون وخفايا العلم وبذا يظفر بهذه السمة. والأمر حق لو كان القرآن سلك هذا المسلك لكنه وقد أنزل قبل أربعة عشر قرنًا من الزمن عرض لكثير من مظاهر هذا الكون كخلق السموات والأرض وخلق الإنسان، وسوق السحب وتراكمه، ونزول المطر، وجريان الشمس، وتحدث عن القمر والنجوم والشهب وأطوار الجنين. وعن النبات والبحار وغير ذلك كثير ومع ذلك كله لم يسقط العلم كلمة من كلماته، ولم يصادم جزئية من جزئياته٢، فإذا كان الأمر كذلك فإن هذا بحد ذاته يعتبر إعجازًا علميًّا للقرآن حتى ولو لم يتم الربط بين الآية والاكتشاف العلمي الحديث.

стр. 434

وهذا أمر يدركه ويقره كل العلماء لا ينكره أحد، فالإعجاز العلمي في القرآن متحقق مدرك ثابت، لا خلاف فيه. ثم انقسم العلماء بعد ذلك إلى قسمين فمنهم من قال: ما دام الإعجاز العلمي متحققًا في القرآن وثابتًا فما علينا أن نطبقه بين آياته واحدة واحدة وبين الحقائق العلمية واحدة واحدة وامتنعت طائفة أخرى عن تطبيقه لا خوفًا عليه من النقض وليس لخشية على حقائقه، ولكن لعدم الثقة في مداركنا نحن البشر، فقد نحسب نظرية علمية حقيقة علمية فما تلبث إلا قليلًا حتى تتقوض بعد رسوخ، وتتزعزع بعد ثبوت، ولات حين مناص نقع في الحرج الشديد فيكذب القرآن وهو الصادق فتكون البلية، فالعيب والنقص في مداركنا وليس في حقائق القرآن. وبهذا تدرك أن الجميع يقول بالإعجاز العلمي في القرآن لكن منهم من قال بجواز التفسير العلمي ومنهم من منعه، والذي نراه صوابًا هو الوسط بين الفريقين. فلا رفض ولا إنكار للتفسير العلمي يمنع من إدراك وجوه الإعجاز الجديدة، ويدفع مزاعم القائلين بالعداوة بين الدين والعلم، ويمنع من استمالة غير المسلمين أو يحث على الانتفاع بقوى الكون. ولا تسليم مطلق للتفسير العلمي لأن إعجاز القرآن ثابت وغني عن أن يسلك في بيانه هذا المسلك، كما أن الدعوة إلى النظر في الكون دعوة لمواضع العبرة والعظة وليس بالضرورة إلى بيان دقائقها وكشف علومها ولأن التفسير العلمي مدعاة إلى الزلل لدى أكثر الذين خاضوا فيه، وأن تناول القرآِن بهذا المنهج يضطر المفسر إلى مجاوزة الحدود التي تحتملها ألفاظ القرآن ويحملها ما لا تحتمل فضلًا عن أن ما يكشف من العلوم إنما هو فروض ونظريات قابلة دائمًا للتغيير والتعديل والنقص والإضافة. إذًا فلا رفض مطلق ولا قبول مطلق بل وسط بين طرفين وجمع بين حقيقتين حقيقة قرآنية ثابتة بالنص الذي لا يقبل الشك، وحقيقة علمية ثابتة بالتجربة والمشاهدة القطعيين.

стр. 435

لهذا فلا بأس -فيما أرى- من إيراد الحقائق العلمية الثابتة في تفسير القرآن بشرط: ١- ألا تطغى تلك المباحث على المقصود الأول من القرآن وهو الهداية. ٢- أن تذكر تلك العلوم لأجل تعميق الشعور الديني لدى المسلم والدفاع عن العقيدة ضد أعدائها. ٣- أن تذكر تلك الأبحاث على وجه يدفع المسلمين إلى النهضة العلمية. ٤- أن لا تذكر هذه الأبحاث على أنها هي التفسير الذي لا يدل النص القرآني على سواه، بل تذكر لتوسيع المدلول، وللاستشهاد بها على وجه لا يؤثر بطلانها فيما بعد على قداسة النص القرآني؛ ذلك أن تفسير النص القرآني بنظرية قابلة للتغيير والإبطال يثير الشكوك حول الحقائق القرآنية في أذهان الناس كلما تعرضت نظرية للرد أو البطلان١. فإذا تحققت هذه الشروط فلا مانع من إيراد الحقائق العلمية في كتب التفسير والله أعلم.

стр. 436

من المؤلفات في الإعجاز العلمي: هناك مؤلفات كثيرة في الإعجاز العلمي للقرآن الكريم أذكر منها: ١- الجواهر في تفسير القرآن الكريم: طنطاوي جوهري. ٢- كشف الأسرار النورانية القرآنية: محمد بن أحمد الإسكندراني. ٣- القرآن ينبوع العلوم والعرفان: علي فكري.

стр. 437

٤- ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان: محمود شكري الألوسي. ٥- التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن: حنفي أحمد. والمؤلفات في ذلك كثيرة جدًّا، وهناك محاضرات وأفلام على هذا النحو، كما أنشأت في المملكة العربية السعودية هيئة للإعجاز العلمي في القرآن والسنة تابعة للمجلس الأعلى للمساجد تعقد الندوات والمحاضرات وتطبع الكتب المتعلقة بذلك.

стр. 438

أمثلة للتفسير العلمي: والأمثلة على الحقائق العلمية والآيات القرآنية التي توافقها ولا تخالفها كثيرة ليس بوسعنا أن نوردها بالتفصيل بل نذكر الآية وما تشير إليه بإيجاز شديد ومن أراد التوسع فدونه كتب الإعجاز العلمي: ١- في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ ١ تفريق بين الشمس والقمر ثم أدركه العلماء بعد ذلك. ٢- في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا، وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ ٢ إشارة إلى شكل الجبل الظاهر والباطن، وأدركه العلماء بعد ذلك. ٣- في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٣ إشارة إلى مراحل خلق الإنسان في الرحم ولم يدركها العلماء إلا في العصور الحديثة. ٤- في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ

стр. 439

يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ١ إشارة إلى موضع تكون النطفة وهو أمر لم يدركه العلماء إلا حديثًا. ٥- في قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ٢ في تخصيص البنان بالذكر صفة تميزه عن غيره من أعضاء الجسم لم يكتشفها العلم إلا حديثًا وهو علم البصمات. ٦- في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ ٣ إشارة إلى مركز الحس بالألم في الإنسان وهو الجلد. ٧- في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ٤ إشارة إلى ضيق صدر من يصعد إلى السماء وهو أمر لم يكتشفه العلم إلا حديثًا حيث يقل الأوكسجين وينخفض الضغط. ٨- وفي قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ٥ إشارة إلى ما اكتشف العلم الحديث بعضه من عظمة هذا الكون واتساعه الذي يقصر عن إدراكه إنسان. ٩- وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ ٦ إشارة إلى ما كان مجهولًا من تحديد مصدر اللبن في الأنعام. ١٠- وفي قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً

стр. 440

مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ ١ إشارة إلى أن الإنسان يخلق من جزء ضئيل جدًّا "نطفة" من المني وهذا ما كشفه العلم الحديث. وسبحان الذي أحاط بكل شيء علمًا ...

стр. 441

الإعجاز التشريعي مدخل ... الإعجاز التشريعي: والمراد بهذا الوجه ذلكم "التشريع" الذي جاء به القرآن الكريم الشامل الكامل المحكم المتقن. "شامل" لكافة أوجه التشريع سواء ما يتعلق منها بالفرد أو في المجتمع، وسواء أكان في العقيدة أو العبادة أو المبادئ والأخلاق، أو الاجتماع، أو الاقتصاد أو السياسة في السلم أو الحرب، في السفر أو الحضر، في الليل أو النهار. "كامل" لاستيفائه لدقيق المسائل وجليلها، وصغيرها وكبيرها. "محكم متقن" لا نقص فيه ولا عيب، ولا قصور ولا خلل. أحكم تشريع، وأكمل نظام، عجز البشر ولا زالوا عاجزين عن الإتيان بمثل تشريعه، أو الإتيان بمثل سياسته أو نظامه فحين ننظر في التشريعات البشرية والقوانين الوضعية نرى البون الشاسع بين هذا وذاك مما يكشف لنا وجه الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم. فهذا التشريع بشموله وكماله وإحكامه أكبر من أن تحيط به العقول البشرية في جيل واحد أو في مجموعة من الأجيال فضلًا عن أن يحيط به عقل بشري واحد في جيل واحد. وليس من السهل أن نرسم في أسطر معالم هذا التشريع المعجز ولكنها إشارة مجرد إشارة بأصبع صغير إلى شيء عظيم. فنشير إلى أن

стр. 442

القرآن نزل في مجتمع جاهلي سادت فيه الجاهلية العقيدية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وليس من السهل في مثل هذا المجتمع نقد أمر من أمورها فضلًا عن تغييره أو قلب الأمور كلها، فسلك القرآن مسلكًا عجيبًا.

стр. 443

منهج القرآن في التشريع مدخل ... منهج القرآن في التشريع: يقوم منهج القرآن في التشريع على أسس منها:

стр. 444

أولًا- تربية الفرد: ومن شأن كل بناء أن يبدأ بالقطع الصغيرة يصفها بعضها إلى بعض حتى يصبح بناء عظيمًا، والأفراد هم لبنات المجتمعات وتهذيب الأفراد وتربيتهم تأسيس لبناء محكم متقن، ومن أسس هذه التربية: ١- تطهير قلبه من أدران الشرك: ببيان أن هذه الأصنام والأوثان لا تضر ولا تنفع فلا تستحق العبادة، ووبخهم وشنع عليهم: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٢ وقال سبحانه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ، وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ

стр. 445

بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ ١ وقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٢ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ٣ وهكذا في آيات كثيرة كشف أحوال هذه الأصنام والأوثان التي يدعونها من دون الله وبسط الأدلة على عدم استحقاقها للعبادة، فطهر قلوبهم من أدران الشرك. ٢- غرس عقيدة التوحيد: وبعد أن نزع منهم عقيدة الشرك غرس في الأرض الطيبة عقيدة طيبة، وبعد أن نزع من قلوبهم عبادة الأصنام دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، مثبتًا استحقاقه سبحانه للعبادة وحده دون سواه: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ، وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٤ وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ ٥ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ ٦ وقال سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ ٧.

стр. 446

ثم بين الوحدانية: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ١ ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٢ ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ ٣. وحذر من أن يشرك به: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ ٤ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ٥ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٦ ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ ٧ ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ٨. وإذا كان سبحانه إلهًا واحدًا لا شريك له فالعبادة حق له سبحانه وحده ويجب الإذعان والإسلام له: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ ٩ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١٠ ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ١١ ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ١٢ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ ١٣.

стр. 447

٣- التربية بالعبادة: وانتقل القرآن بالفرد من صحة العقيدة إلى صحة العبادة فشرع العبادات التي تهذب سلوك الفرد، وتربطه بربه في كل شأن من شئونه ومنها: أ- الصلاة: وهي صلة بين العبد وربه، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي لقاء يومي بين المسلم وإخوانه خمس مرات في اليوم، ولقاء أسبوعي مع آخرين منهم في يوم الجمعة ولقاء سنوي كالعيدين وهي مدعاة للترابط والشعور بالمسئولية المشتركة في بعضها كصلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء. وهي علاج لما نلاحظه في عصرنا هذا من تفكك اجتماعي بين الجيران حيث لا يكاد الجار يعرف جاره حتى اسمه. أرأيتم لو كان هؤلاء الجيران يلتزمون بهذه الشعيرة بأدائها في مسجد واحد خمس مرات في اليوم هل سينكر بعضهم بعضًا، أو يقع بينهم هذا التقاطع. ب- الزكاة: وهي تطهير للنفس من الشح والبخل أولًا، وكبح للنفس في لهائها خلف المادة: وتعليم وأي تعليم أن المال وسيلة وليس بغاية، وتربية للمسلم على الإحساس بمعاناة إخوانه المسلمين، وإعانتهم على قضاء حوائجهم. ج- والصيام: كبح لجماح النفس عن شهواتها، وتقوية للتحكم في رغباتها، وترويض لها على الصبر على الطاعات، والاعتدال في الملذات، حتى يسهل انقيادها لصاحبها، فلا تجمع به إن رام خيرًا، أو تشرد به إلى الآفات والشرور.

стр. 448

وهو أيضًا تذكير للمسلم بحالة إخوانه الفقراء المحتاجين فإن كان المانع له عن الأكل والشرب في هذا الشهر هو التعبد فهناك من يمنعهم طول العام مانع آخر هو الفقر. د- الحج: وهو عبادة مالية، بدنية، وفي الأولى بذل للمال لركوبه، وزاده، وسكنه، وهديه، وغير ذلك. وفي هذا مثل ما في الزكاة، وفي الثانية تربية للنفس على تحمل المشاق وترك ما اعتادت في إقامتها من دعة أو سكون وتعويد لها على الصبر على حرارة الصيف أو برد الشتاء، وعلى الحلول والارتحال، وتغيير المبيت وكثرة التنقل أشبه ما يكون في جيش المجاهدين في سبيل الله، ولا تخفى آثار ذلك وفوائده. وهو فوق هذا لقاء سنوي بين جمع المسلمين من شتى أقطار الأرض يتفقد فيه بعضهم أحوال بعض ويعرف بعضهم بعضًا فيشعر بالأخوة الإسلامية بأبعادها ويعاني بعض معاناتهم. ٤- التربية بتهذيب السلوك: وبعد تنقية القلب من أدران الشرك وغرس العقيدة الصحيحة وتوثيق الصلة بين العبد وربه رسم بحكمة العلاقة بين العباد وجعلها تقوم على المحبة والمودة ونهى عن كل ما يؤدي إلى ضعفها أو وهنها، ونرى معالم هذه التربية في صور منها: أ- تزكية النفس: وذلك يكون بإلزامها بالآداب الحميدة والأخلاق الفاضلة فأمر بالصبر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ... ﴾ الآية١

стр. 449

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ... ﴾ الآية١ ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ٢. وأمر بالصدق: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ ... ﴾ الآية٣ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ٤ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ٥. وأمر بالعدل والإحسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ٦ ونهى عن الأخلاق السيئة كالتبختر ورفع الصوت: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ ٧. وأمر بغض البصر وحفظ الفرج: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ ٨. ب- توثيق أواصر الصلة بين العباد: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ ٩ وأمر بالتآخي: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ١٠ وبالتعاون: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ١١ وأمر بأداء الأمانة والعدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ١٢.

стр. 450

ج- نهى عن كل ما يؤدي إلى الفرقة والاختلاف: فنهى عن السخرية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ... ﴾ الآية١ ونهى عن سوء الظن والغيبة والتجسس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ ٢ ونهى عن شهادة الزور وقول الزور: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ ٣. وبهذا يكتمل بناء الفرد ويصبح لبنة صالحة لبناء أسرة صالحة، قائمة على أسس ثابتة، وقواعد راسخة.

стр. 451

ثانيًا: بناء الأسرة: ومن بناء الفرد وتهذيبه، وإصلاحه وتقويمه إلى بناء الأسرة الواحدة المترابطة المتماسكة وشرع لها نظامها وأسسها فمن ذلك: أ- الزواج: وهو الطريق الصحيح إلى بناء الأسرة، والأرض الصلبة التي يقوم عليها البناء، ولأهمية هذا الأمر وضرورته وحتى يجد الناس كلهم الدافع القوي لذلك جعل غريزة الجنس من أقوى الدوافع لسلوكه فهذبها بالزواج وحفظها بالآداب. وبين ما للزوج على زوجته من حقوق وما للزوجة على زوجها من حقوق: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ ١.

стр. 452

وجعل القوامة للرجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ١ والقوامة هنا لا تعني التسلط ولو أدركت النساء في عصرنا هذا معنى القوامة لطالبن الرجال بالقوامة عليهن وأدائها، وأصررن على قيام الرجل بها، وحق لهن ذلك. ب- تربية الأولاد: ومن أسس بناء الأسرة حسن تربية الأولاد فهم أمانة في أعناق الآباء، لهم حقوقهم في حسن التربية والرعاية والنفقة، حتى وهو في بطن أمه المطلقة. ج- بر الوالدين: وكما أمر الآباء بأداء حق الأولاد أمر الأبناء أيضًا ببر الوالدين وأوصى بذلك: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ ٢ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ٣. فإذا أدى الزوج حق زوجته وأدت الزوجة حق زوجها وأدى الابن حقوق والديه وأدى الآباء حقوق الأبناء أصبحت الأسرة متماسكة مترابطة تصلح وأي صلاح لبناء مجتمع قوي.

стр. 453

ثالثًا: بناء المجتمع: وإذا كان بناء الأسر يقوم على بناء الأفراد وهم لبناته فإن بناء المجتمعات يقوم على هذه الأسر، وقد رسم القرآن نظام هذا المجتمع ووضع له أسسه ونظامه فشرع لذلك:

стр. 454

١- الحكومة الإسلامية: إذ لا يستقيم لمجتمع أن يظل على ترابطه ما لم يكن له حكومة تسوسه وترعاه، وتتفقده وتحميه وتنظم شئونه، وترتب أموره، وجعل لهذه الحكومة نظامها وقواعدها فمن ذلك: أ- الشورى: وقد أمر الله بذلك نبيه ومن باب أولي ولاة الأمر من بعده: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ١، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ٢ ولأهمية الشورى سميت سورة كاملة باسمها. ب- الحكم بما أنزل الله: ويجب على هذه الحكومة أن تحكم بما أنزل الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٤ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٥. ج- العدل: الذي لا يفرق بين حاكم ومحكوم، وكبير وصغير، وغني وفقير، وعربي وعجمي، وأسود وأبيض، إلا بالتقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ

стр. 455

كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ١ وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٣ وهو عدل لا يتأثر بغضب أو كره أو حقد: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٤. د- المحافظة على الكليات الخمس: وعلى الحكومة الإسلامية المحافظة على الكليات الخمس وهي "النفس، الدين، العرض، المال، العقل" ففي النفس القصاص: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ٥ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٦. وفي العرض: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٧ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ٨. وفي المال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٩. وحرم ما يزيل العقل ولو إلى حين كشرب الخمر، وفي الدين حرم الردة عن دين الله والعياذ بالله وأوجب الله في هذا وذاك العقوبات الصارمة. هـ- تنظيم العلاقات الدولية: وعلى الحكومة الإسلامية أن تنظم علاقات هذا المجتمع الإسلامي

стр. 456

بالمجتمعات الأخرى في حالة الحرب والسلم وما يتعلق بذلك من تشريع الجهاد وتنظيمه، والغنائم وأحكامها والمعاهدات وغيرها. ٢- ومما شرعه القرآن لبناء المجتمع السمع والطاعة لولي الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١ وعندما يتدبر المسلم هذه الآية ويكرر تلاوتها سيجد الإلحاح والحث على الطاعة لما في العصيان والتمرد من أثر سيئ ليس على الفرد بل على بناء المجتمع كله. ٣- تحريم الخروج على جماعة المسلمين: وكما حرم الخروج على ولي الأمر ما لم نر كفرًا بَوَاحًا حرم الخروج على جماعة المسلمين: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ... ﴾ الآية٢. وقال سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣ وقال سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ... ﴾ الآية٥.

стр. 457

وبهذا كله يتم بناء المجتمع وترابطه، واتحاده وقوته ويصبح للمسلمين قوة ولهم شأن عظيم. بهذا المنهج التشريعي الحكيم جاء القرآن الكريم فدرسه العلماء وتدبروه، وتفكروا فيه وخرجوا بنتيجة واحدة هي أن في تشريعه إعجازًا لا يمكن للبشر أن يخترعوه. ويمكن أن نختم الحديث عن الإعجاز التشريعي بذكر أهم مزاياه فمنها١: ١- أن التشريع مظهر لهداية القرآن: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ٢. ٢- أنه خير تشريع وأصدق حديث وأعدل حكم: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ ٣. ٣- الشمول: فهو في أحكامه شامل لجميع جوانب الحياة العقيدية والتعبدية، والاقتصادية والسياسية، والاجتماعية وغير ذلك. ٤- وجوب العمل به: قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٥.

стр. 458

٥- تحريم أخذ بعضه وترك بعضه: كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ١ وقال سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ ٢. ٦- اليسر: قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣ وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٤ وقال سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٥. ٧- وجوب الإيمان بكمال التشريع وإحكامه: لأنه من الله وهو أحكم الحاكمين: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمُ اللَّهُ﴾ ٦ والله أعلم.

стр. 459

القراءات والقراء: القراءات لغة: القراءات جمع قراءة، والقراءة مصدر سماعي لقرأ، تقول: قرأ يقرأ قراءة، وقرآنا، وقرءًا، والقرء في اللغة الجمع والضم، تقول قرأت الماء في الحوض: إذا جمعته، وسميت القراءة قراءة لأن القارئ يجمع الحرف مع الحرف فتكون الكلمة، والكلمة مع الكلمة فتكون جملة والجملة مع الجملة. فهو يقرأ يعني يجمع ذلك كله.

стр. 460

القراءات اصطلاحًا: يخلط كثير من الباحثين بين تعريف القراءات وتعريف علم القراءات، والفرق بين القراءات وعلم القراءات كالفرق بين القرآن الكريم وعلوم القرآن الكريم. فالقراءة: هي مذهب من مذاهب النطق بالقرآن الكريم؛ يذهب إليه إمام من الأئمة مذهبًا يخالف غيره مع اتفاق الروايات والطرق عنه، سواء أكانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيئاتها١. ومذهب النطق بالكلمة القرآنية له مسميات هي: قراءة، رواية، طريق، وجه. فالقراءة: ما نسب إلى أحد أئمة القراءات إذا اتفقت الروايات والطرق عنه. والرواية: ما نسب إلى الأخذ عن هذا الإمام ولو بواسطة. والطريق: ما نسب إلى الآخذ عن الراوي ولو نزل. والوجه: ما نسب إلى تخير القارئ من قراءة يثبت عليها وتؤخذ عنه٢. قال السيوطي: "الخلاف إن كان لأحد الأئمة السبعة أو العشرة أو نحوهم واتفقت عليه الروايات والطرق عنه، فهو قراءة، وإن كان للراوي عنه، فرواية، أو لمن بعده فنازلًا فطريق، أو لأعلى هذه الصفة مما هو راجع إلى تخير القارئ فيه، فوجه"٣.
следующие страницы →