بالمجتمعات الأخرى في حالة الحرب والسلم وما يتعلق بذلك من تشريع الجهاد وتنظيمه، والغنائم وأحكامها والمعاهدات وغيرها.
٢- ومما شرعه القرآن لبناء المجتمع السمع والطاعة لولي الأمر:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١ وعندما يتدبر المسلم هذه الآية ويكرر تلاوتها سيجد الإلحاح والحث على الطاعة لما في العصيان والتمرد من أثر سيئ ليس على الفرد بل على بناء المجتمع كله.
٣- تحريم الخروج على جماعة المسلمين:
وكما حرم الخروج على ولي الأمر ما لم نر كفرًا بَوَاحًا حرم الخروج على جماعة المسلمين: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ... ﴾ الآية٢.
وقال سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣ وقال سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ... ﴾ الآية٥.
стр. 457
وبهذا كله يتم بناء المجتمع وترابطه، واتحاده وقوته ويصبح للمسلمين قوة ولهم شأن عظيم.
بهذا المنهج التشريعي الحكيم جاء القرآن الكريم فدرسه العلماء وتدبروه، وتفكروا فيه وخرجوا بنتيجة واحدة هي أن في تشريعه إعجازًا لا يمكن للبشر أن يخترعوه.
ويمكن أن نختم الحديث عن الإعجاز التشريعي بذكر أهم مزاياه فمنها١:
١- أن التشريع مظهر لهداية القرآن:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ٢.
٢- أنه خير تشريع وأصدق حديث وأعدل حكم:
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ ٣.
٣- الشمول:
فهو في أحكامه شامل لجميع جوانب الحياة العقيدية والتعبدية، والاقتصادية والسياسية، والاجتماعية وغير ذلك.
٤- وجوب العمل به:
قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٥.
стр. 458
٥- تحريم أخذ بعضه وترك بعضه:
كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ١ وقال سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ ٢.
٦- اليسر:
قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣ وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٤ وقال سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٥.
٧- وجوب الإيمان بكمال التشريع وإحكامه:
لأنه من الله وهو أحكم الحاكمين: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمُ اللَّهُ﴾ ٦ والله أعلم.
стр. 459
القراءات والقراء:
القراءات لغة:
القراءات جمع قراءة، والقراءة مصدر سماعي لقرأ، تقول: قرأ يقرأ قراءة، وقرآنا، وقرءًا، والقرء في اللغة الجمع والضم، تقول قرأت الماء في الحوض: إذا جمعته، وسميت القراءة قراءة لأن القارئ يجمع الحرف مع الحرف فتكون الكلمة، والكلمة مع الكلمة فتكون جملة والجملة مع الجملة. فهو يقرأ يعني يجمع ذلك كله.
стр. 460
القراءات اصطلاحًا:
يخلط كثير من الباحثين بين تعريف القراءات وتعريف علم القراءات، والفرق بين القراءات وعلم القراءات كالفرق بين القرآن الكريم وعلوم القرآن الكريم.
فالقراءة: هي مذهب من مذاهب النطق بالقرآن الكريم؛ يذهب إليه إمام من الأئمة مذهبًا يخالف غيره مع اتفاق الروايات والطرق عنه، سواء أكانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيئاتها١.
ومذهب النطق بالكلمة القرآنية له مسميات هي:
قراءة، رواية، طريق، وجه.
فالقراءة: ما نسب إلى أحد أئمة القراءات إذا اتفقت الروايات والطرق عنه.
والرواية: ما نسب إلى الأخذ عن هذا الإمام ولو بواسطة.
والطريق: ما نسب إلى الآخذ عن الراوي ولو نزل.
والوجه: ما نسب إلى تخير القارئ من قراءة يثبت عليها وتؤخذ عنه٢.
قال السيوطي: "الخلاف إن كان لأحد الأئمة السبعة أو العشرة أو نحوهم واتفقت عليه الروايات والطرق عنه، فهو قراءة، وإن كان للراوي عنه، فرواية، أو لمن بعده فنازلًا فطريق، أو لأعلى هذه الصفة مما هو راجع إلى تخير القارئ فيه، فوجه"٣.
стр. 461
تعريف علم القراءات:
وأما علم القراءات:
فهو: علم يعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية، وطريق أدائها اتفاقًا أو اختلافًا مع عزو كل وجه لناقله١، أو "علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوًّا لناقله"٢.
موضوعه:
كلمات القرآن الكريم من حيث أحوال النطق بها، وكيفية أدائها.
استمداده:
النقول الصحيحة والمتواترة عن علماء القراءات إلى رسول الله ﷺ .
حكمه:
فرض كفاية تعلمًا وتعليمًا.
ثمرته وفائدته:
العصمة من الخطأ في النطق بالكلمات القرآنية، وصيانتها عن التحريف والتغيير، والعلم بما يقرأ به كل إمام من الأئمة القراء، والتمييز بين ما يقرأ به، وما لا يقرأ به.
مكانته:
علم القراءات من أجل العلوم قدرًا، وأعلاها منزلة، لاتصاله بأشرف الكتب السماوية وأفضلها على الإطلاق، وهو القرآن الكريم٣، وشرف
стр. 462
العلم من شرف المعلوم.
قال القسطلاني: فإن القرآن ينبوع العلوم ومنشؤها، ومعدن المعارف ومبدؤها، ومبنى قواعد الشرع وأساسه، وأصل كل علم ورأسه، والاستشراف على معانيه لا يتحقق إلا بفهم وصفه ومبانيه، ولا يطمع في حقائقها التي لا منتهى لغرائبها ودقائقها إلا بعد العلم بوجوه قراءته، واختلاف رواياته، ومن ثم صار علم القراءات من أجل العلوم النافعات١.
نشأة علم القراءات:
ليس هناك تاريخ مقطوع به عند العلماء لنزول القراءات، فمن المعلوم أن القرآن الكريم نزل أول ما نزل في غار حراء قبل الهجرة بنحو ثلاث عشرة سنة، أما القراءات نفسها فاختلف العلماء في بدايتها على قولين٢:
الأول:
أنها نزلت في مكة المكرمة.
لأن الآيات منه ما هو مكي ومنها ما هو مدني، وفي المكي ما في المدني من تعدد القراءات. ولا دليل على نزول القراءات المكية في المدينة وانفرادها بالنزول؛ فتبقى على الأصل.
ويدل على ذلك حديث اختلاف عمر مع هشام بن حكيم. ﵄. لأنهما اختلفا في قراءة سورة الفرقان، وهي مكية، فدل على أن نزول القراءات كان في مكة أيضًا.
الثاني:
أنها نزلت في المدينة النبوية.
لأن القراءات نزلت للتيسير على الأمة؛ بسبب اختلاف اللهجات، ولم تكن الحاجة إليها قائمة إلا بعد الهجرة؛ لدخول القبائل المجاورة والبعيدة في الإسلام، وغموض بعض الألفاظ التي بغير لهجتهم.
ولأن اختلاف الصحابة ﵃ في القراءات كان في المدينة ولم يثبت شيء من ذلك في مكة.
стр. 463
وهناك من جمع بين القولين؛ بأن بداية نزول القراءات كان بمكة مع بداية نزول القرآن، لكن الحاجة لم تدع إلى استخدامها، لوحدة اللغة في مكة وما جاورها "لسان قريش"، واختلاف اللهجات إنما حدث بعد الهجرة في المدينة حين دخلت في الإسلام قبائل متعددة بلهجات مختلفة.
وسواء كان نزول القراءات بمكة أو بالمدينة، إلا أنها مرت بمراحل حتى وصلت إلينا نستطيع أن نرسمها كما يلي:
стр. 464
المراحل التي مر بها علم القراءات:
المرحلة الأولى:
تلقى الرسول ﷺ القراءات كما يتلقى سائر القرآن عن طريق جبريل ﵇ وأمره الله تعالى أن يقرأ على الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ١ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ ٢.
فبلغه الرسول ﷺ حق التبليغ، وكان يقرؤهم القرآن خمس آيات بالغداة وخمس آيات بالعشى، وربما أقرأ صحابيًّا بحرف وأقرأ آخر بحرف آخر، وكان كل صحابي يقرأ بما سمعه من الرسول ﷺ .
وأمر الرسول ﷺ أن يقرئ بعضهم بعضًا، فكان إذا أسلم رجل دفعه إلى أحد الصحابة ليعلمه القرآن، وكان يرسل بعض أصحابه إلى القبائل لتعليمهم القرآن، وإذا هاجر رجل إلى المدينة دفعه الرسول ﷺ إلى من يحفظه القرآن؛ وبهذا تكونت جماعة من الصحابة عرفت بالقراء، وحفظ القرآن عدد كبير من الصحابة.
стр. 465
المرحلة الثانية:
بعد وفاته ﵊ ارتدت كثير من قبائل العرب، فجهز الخليفة أبو بكر ﵁ الجيوش لقتال المرتدين، وقتل في هذه الحروب عدد كبير من القراء؛ خشي الصحابة أن يذهب شيء من القرآن بذهاب حفظته، فجمعوه في مصحف واحد بجميع قراءاته.
стр. 466
المرحلة الثالثة:
بعد القضاء على المرتدين وانتهاء حروب الردة، اتجهت جيوش المسلمين لنشر الإسلام، فدخل في الإسلام أمم مختلفة، وانتشر الصحابة ﵃ في البلدان المفتوحة يعلمون أهلها القرآن، وكان كل صحابي يعلم القرآن حسبما تلقاه عن الرسول ﷺ ومن ثم اختلف النقل في التابعين وتلاميذهم وكثرت القراءات وتنوعت وتلقاها عدد كبير من التابعين.
стр. 467
المرحلة الرابعة:
أن جماعة من التابعين وتابعي التابعين كرسوا حياتهم، وقصروا جهودهم على قراءة القرآن وإقرائه، وتعليمه وتلقينه، وعُنوا العناية كلها بضبط ألفاظه، وتجويد كلماته، وتحرير قراءاته، وتحقيق رواياته، وكان ذلك شغلهم الشاغل وغرضهم الهادف حتى صاروا أئمة يقتدى بهم، ويرحل إليهم، ويؤخذ عنهم، وأجمع المسلمون على تلقي قراءاتهم بالقبول، ولم يختلف عليهم اثنان، ولتصديهم للقراءة وجمعهم لها نسبت إليهم١.
قال القسطلاني: "ثم لما كثر الاختلاف فيما يحتمله الرسم، وقرأ أهل البدع والأهواء بما لا يحل لأحد تلاوته، وفاقًا لبدعتهم، كمن قال من المعتزلة: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: الآية ١٦٤] بنصب الهاء، ومن الرافضة ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾ [الكهف: الآية ٥١] بفتح اللام، يعنون أبا بكر وعمر، رأى المسلمون أن يجمعوا على قراءات أئمة ثقات تجردوا للاعتناء بشأن القرآن العظيم، فاختاروا من كل مصر وجه إليه مصحف أئمة مشهورين بالثقة، والأمانة في النقل، وحسن الدراية، وكمال العلم، أفنوا عمرهم في القراءة والإقراء، واشتهر أمرهم وأجمع أهل مصرهم على عدالتهم فيما نقلوا، والثقة فيما قرءوا ولم تخرج قراءتهم عن خط مصحفهم"٢.
стр. 468
قال ابن الجزري: "ونعتقد أن معنى إضافة كل حرف من حروف الاختلاف إلى من أضيف إليه من الصحابة وغيرهم، إنما هو من حيث إنه كان أضبط له، وأكثر قراءة وإقراءً به، وملازمة له، وميلًا إليه، لا غير ذلك. وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتها المراد بها: أن ذلك القارئ، وذلك الإمام اختار القراءة لذلك الوجه من اللغة، حسب ما قرأ به فآثره على غيره، وداوم عليه، ولزمه، حتى اشتهر وعرف به، وقصد فيه، وأخذ عنه؛ فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة: إضافة اختيار، ودوام ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد"١.
وكثر عدد القراء في الأمصار واشتهر في كل مصر عدد منهم:
ففي مكة:
مجاهد بن جبر، طاوس بن كيسان، عطاء بن أبي رباح، عكرمة مولى ابن عباس ﵄ ابن أبي مليكة وغيرهم.
وفي المدينة:
سعيد بن المسيب: عروة بن الزبير، عمر بن عبد العزيز، ابن شهاب الزهري، زيد بن أسلم، سليمان وعطاء ابنا يسار، وسالم بن عبد الله بن عمر وغيرهم.
وفي الكوفة:
علقمة بن قيس، مسروق بن الأجدع، أبو عبد الرحمن السلمي، والنخعي، والشعبي، وعمرو بن شرحبيل، والأسود بن يزيد، وسعيد بن جبير، وغيرهم.
وفي البصرة:
الحسن البصري: ومحمد بن سيرين، وقتادة بن دعامة السدوسي، ونصر
стр. 469
ابن عاصم، ويحيى بن يعمر، وأبو العالية الرياحي، وجابر بن زيد، وأبو رجاء العطاردي وغيرهم.
وفي الشام:
المغيرة بن أبي شهاب المخزومي صاحب عثمان، وخليفة بن سعد صاحب أبي الدرداء، ويحيى بن الحارث الذماري، وعطية بن قيس الكلابي وغيرهم.
وغير ذلك كثير من القراء، حتى أصبحت القراءات وجمعها والعناية بها علمًا مستقلًّا كعلوم الشريعة الأخرى.
تسبيع السبعة:
وكما رأيت فإن القراء بلغوا المئات بل الآلاف من القراء الحفاظ المتقنين، وقد تصدى عدد من العلماء للكتابة والتأليف عن القراء، فألف أبو عبيدة "ت٢٢٤هـ" كتابًا جمع فيه قراءات خمسة وعشرين قارئًا. وألف أحمد بن جبير الأنطاكي "ت٢٥٨هـ" كتابًا جمع فيه قراءات خمسة من القراء، وألف أبو بكر الداجاني "ت٣٢٤هـ" كتابه الثمانية، وألف ابن جرير الطبري "ت٣٢٤هـ" كتابه "القراءات" وذكر فيه أكثر من عشرين قارئًا، وألف غيرهم كثير، إلا أن هذه المؤلفات لم تنتشر أو تشتهر.
فلما ألف أحمد بن مجاهد "ت٣٢٤هـ" كتابه "السبعة" واقتصر فيه على جمع المتواتر من قراءات سبعة من القراء، وكان هو نفسه حجة في القراءات وإمامًا ثقة ثبتًا، اشتهر كتابه وحظي بالقبول، وتداوله العلماء، واشتهر هؤلاء السبعة حتى توهم بعض الناس أن القراء سبعة، وأن القراءات سبع، وزاد التوهم فاعتقد آخرون أن القراءات السبع هي الأحرف السبعة!!
وأخذ بعض العلماء على ابن مجاهد اختياره للسبعة؛ لما في ذلك من الإيهام، فقال أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي: "لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر؛ "أي حديث الأحرف السبعة" وليته إذا
стр. 470
اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة"١.
وقال القراء في الشافي "التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين، فانتشر وأوهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك، وذلك لم يقل به أحد"٢.
وقد علل مكي بن أبي طالب "ت٤٣٧هـ" سر اختيارهم سبعة فقال: ليكونوا على وفق مصاحف الأمصار السبعة، وتيمنًا بأحرف القرآن السبعة، ثم قال: على أنه لو جعل عددهم أكثر أو أقل لم يمنع ذلك؛ إذ عدد القراء أكثر من أن يحصى٣.
وقد دافع كثير من العلماء عن ابن مجاهد -رحمه الله تعالى- في ذلك بأنه لم يقتصر على هؤلاء السبعة إلا بعد اجتهاد طويل ومراجعة متأنية في الأسانيد الطوال، وكان موفقًا في اختياره الذي حظي بموافقة جمهور العلماء والقراء وتأييدهم؛ حيث إن كثرة الروايات في القراءات أدت إلى ضرب من الإضراب عند طائفة من القراء غير المتقنين، فقد حاول بعضهم أن يختار من القراءات لنفسه خاصة فينفرد بها، فقطع ابن مجاهد عليهم الطريق، ودرأ عن القراءات كيدهم، وعن القراء اضطرابهم، ومما يدل على نزاهته ﵀ وحسن قصده أنه لم يسع إلى أن يختار لنفسه قراءة تحمل عنه، وحين سئل عن ذلك أجاب: "نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى علينا أئمتنا أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا"٤.
وقد أطلت الحديث عن هذه المرحلة لأهميتها، وكثرة المؤلفات والقراء، واتساع علم القراءات فيها.
стр. 471
المرحلة الخامسة - مرحلة التدوين في القراءات:
اختلف العلماء في أول من ألف في علم القراءات، وذهب الكثيرون إلى أن أول من ألف في علم القراءات هو أبو عبيد القاسم بن سلام "ت٢٢٤هـ"، وقال ابن الجزري: إنه الإمام أبو حاتم السجستاني "ت٢٥٥هـ" وقيل: يحيى بن يعمر "ت٩٠هـ".
ثم ازدادت المؤلفات في القرن الثالث، وبلغت ذروتها في القرنين الرابع والخامس، ثم فتر التأليف بعد ذلك حتى القرن التاسع حيث قل التصنيف وصارت جهود العلماء تكاد أن تنحصر على شرح منظومة الشاطبي "ت٥٩٠هـ".
стр. 472
ومن أهم المؤلفات في القراءات قديمًا وحديثًا:
وهي كثيرة جدًّا لا يمكن استيفاؤها ولا يسعنا إلا ذكر النزر اليسير منها:
١- السبعة: لأبي بكر أحمد بن محمد بن مجاهد "ت٣٢٤هـ"، وقد طبع بتحقيق د. شوقي ضيف.
٢- التذكرة في القراءات الثمان: لابن غلبون "ت٣٩٩هـ"، طبع بتحقيق أيمن سويد في مجلدين.
٣- المبسوط في القراءات العشر: لأبي بكر بن مهران "ت٣٨١هـ" طبع في مجلد واحد بتحقيق سبيع حمزة حاكمي.
٤- الكشف عن وجوه القراءات السبع لأبي محمد مكي بن أبي طالب "ت٤٣٧هـ".
٥- التيسير في القراءات السبع: لأبي عمرو الداني "ت٤٤٤هـ" طبع في مجلد واحد.
٦- الإقناع في القراءات السبع: لأبي جعفر ابن الباذش "ت٥٤٠هـ"، طبع بتحقيق د. عبد المجيد قطامش في مجلدين.
٧- حرز الأماني ووجه التهاني المعروفة بـ"الشاطبية"، وهي منظومة للإمام القاسم الشاطبي "ت٥٩٠هـ" نظم فيها كتاب التيسير للداني، وشرحها عدد
стр. 473
من العلماء وطبعت كثيرًا.
٨- الوافي في شرح الشاطبية في القراءات السبع: عبد الفتاح القاضي "ت١٤٠٣هـ".
٩- معرفة القراء الكبار: لأبي عبد الله الذهبي "ت٧٤٨هـ"، طبع في مجلدين بتحقيق محمد سيد جاد الحق.
١٠- غاية النهاية في طبقات القراء: لابن الجزري "ت٨٣٣هـ"، طبع في مجلدين، واعتنى به المستشرق ج. برجستراسر.
стр. 474
شروط القراءة الصحيحة
مدخل
...
شروط القراءة الصحيحة:
وضع علماء القراءات شروطًا أو ضوابط للقراءة الصحيحة، جمعها ابن الجزري وحررها، وفصل القول فيها حتى صارت تنسب إليه واقترنت باسمه. قال في الطيبة:
فكل ما وافق وجه نحو ... وكان للرسم احتمالًا يحوي
وصح إسنادًا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل ركن أثبت ... شذوذه لو أنه في السبعة١
وفصل القول في ذلك في كتابه "النشر في القراءات العشر"٢ فقال: "كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم؛ هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الإمام
стр. 475
أبو عمرو الداني، ونص عليه مكي بن أبي طالب، وأبو العباس والمهدوي، وأبو شامة.. وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه".
وبهذا يظهر أن ضوابط أو شروط القراءة الصحيحة ثلاثة هي:
стр. 476
موافقة اللغة العربي ولو بوجه من الوجوه
...
الأول: موافقة اللغة العربية ولو بوجه من الوجوه.
فلا بد أن توافق القراءة اللغة العربية، ولا يلزم أن توافق الأفشى في اللغة؛ بل يكفي أن توافق أي وجه من أوجه اللغة، قال ابن الجزري: "وقولنا في الضابط "ولو بوجه" نريد وجهًا من وجوه النحو؛ سواء كان أفصح أم فصيحًا مجمعًا عليه أم مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر مثله، إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح؛ إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية، فكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو، أو كثير منهم، ولم يعتبر إنكارهم، بل أجمع الأئمة المقتدى بهم من السلف على قبولها كإسكان "بَارِئْكُمْ"١، و"يَأْمُرْكُمْ"٢، ونحوه.. وضم، "الْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا"٣، ونصب "كُنْ فَيَكُونَ"٤، وخفض "وَالأَرْحَامِ"٥،.. ووصل "وَإِنَّ الْيَاسَ"٦، وألف ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ ٧.. وغير ذلك. قال أبو عمرو الداني في كتابه جامع البيان. "وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على لأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل والرواية، وإذا ثبت عنهم لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها"٨.
стр. 477
الثاني: موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا .
وذلك أن الصحابة ﵃ عندما كتبوا القرآن في عهد عثمان ﵁ تعمدوا كتابته بطريقة تشتمل على جميع القراءات الثابتة عن الرسول ﷺ إما صراحة أو احتمالًا، وأي قراءة لا توافق رسم المصحف فإن ذلك يعني أن الصحابة لا يعرفونها وإلا لكانوا قد كتبوها، والقراءة التي لا يعرفها الصحابة ليست بقراءة صحيحة، فمن ذا الذي يدعي معرفة قراءة لا يعرفها الصحابة ﵃!! ِ
قال ابن الجزري: "ونعني بقولنا بـ"موافقة أحد المصاحف" ما كان ثابتًا في بعضها دون بعض، كقراءة ابن عامر "قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا" في البقرة١ بدون واو، "وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ"٢ بزيادة الباء في الاسمين ونحو ذلك، فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي، وكقراءة ابن كثير "جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ"٣ في الموضع الأخير من سورة براءة بزيادة "من"، فإن ذلك ثابت في المصحف المكي..
وقولنا بعد ذلك: "ولو احتمالًا" نعني به ما يوافق الرسم ولو تقديرًا؛ إذ موافقة الرسم قد تكون تحقيقًا وهو الموافقة الصريحة، وقد تكون تقديرًا وهو الموافقة احتمالًا، فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعًا؛ نحو "السموات والصلحات، واليل، والصلوة، والزكوة، والربوا".. وقد توافق بعض القراءات الرسم تحقيقًا ويوافقه بعضها تقديرًا نحو "مَلِكِ يَومِ الدّيِنِ" فإنه كتب بغير ألف في جميع المصاحف. فقراءة الحذف تحتمله تحقيقًا وقراءة الألف محتملة تقديرًا.
стр. 478
الثالث: صحة الإسناد
قال ابن الجوزي "نعني به أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله كذا حتى تنتهي، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له
стр. 479
غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ بها بعضهم.
وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن، ولم يكتف فيه بصحة السند، وهذا مما لا يخفى ما فيه، فإن التواتر إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترًا عن النبي ﷺ وجب قبوله وقطع بكونه قرآنًا سواء وافق الرسم أم خالفه، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم١.
стр. 480
أنواع القراءات
مدخل
...
أنواع القراءات:
اشتهر لدى المتأخرين خاصة علماء أصول الفقه تقسيم القراءات إلى نوعين: متواتر وشاذ أو آحاد١، وقسمها البلقيني إلى ثلاثة أقسام: متواتر وشاذ وآحاد٢، وقد حرر السيوطي من كلام متقن لابن الجزري أن القراءات أنواع هي٣:
стр. 481
الأول: المتواترة:
وهو ما رواه جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهى السند ومثاله: ما اتفقت الطرق في نقله عن السبعة وهذا هو الغالب في القراءات وكقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَومِ الدّيِنِ﴾ ١ وهي قراءة متواترة قرأ بها عاصم والكسائي ويعقوب وخلف وقرأ الباقون بحذف الألف "مَلِكَ يَوْمِ الدِّينِ"٢.
стр. 482
الثاني: المشهور .
وهو ما صح سنده ولم يبلغ درجة التواتر ووافق الرسم والعربية، واشتهر عند القراء فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ.
ومثاله ما اختلفت الطرق في نقله عن السبعة، فرواه بعض الرواة عنهم دون بعض.
وأمثلة ذلك كثيرة في فرش الحروف من كتب القراءات كالمتواتر، ومثالها: قراءة أبي جعفر: "مَا أَشْهَدْناهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا"١ بفتح التاء في "وما كنت" وقرأها الباقون "وما كنتُ"، وبلفظ الجمع في "ما أشهدناهم" وقرأها الباقون بالإفراد "ما أشهدتهم".
стр. 483
الثالث: الآحاد
وهو ما صح سنده، وخالف الرسم أو العربية، أو لم يشتهر الاشتهار المذكور، وهذا النوع لا يقرأ به، ولا يجب اعتقاده.
وعقد الترمذي في جامعه١ والحاكم في مستدركه٢ لذلك بابًا أخرجا فيه شيئًا كثيرًا صحيح الإسناد.
ومن ذلك ما أخرجه الحاكم في مستدركه من طريق عاصم الجحدري عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قرأ "متكئين على رفائف خضر وعباقري حسان"٣.
وكقراءة ابن عباس ﵄: "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا" بزيادة صالحة، وأمامهم بدل وراءهم٤.
стр. 484
وقراءة ابن مسعود ﵁: "فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَامٍ مُتَتَابِعَاتٍ"١.
واختلف في حكم القراءة بها في الصلاة والجمهور على منع ذلك، وأجاز بعض العلماء ذلك فيما لا يجب من القراءة.
أما الاحتجاج بها في الأحكام الشرعية فحكمها حكم أحاديث الآحاد يحتج بها ونفاه الشافعي وأثبته أبو حنيفة واحتج به وبنى عليه وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين بقراءة ابن مسعود وهي آحاد: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"٢.
стр. 485
الرابع الشاذ:
وهو: ما لم يصح سنده ونقل ابن الجوزي عن مكي بن أبي طالب في تعريف الشاذ أنه: ما نقله غير ثقة، أو نقله ثقة، ولا وجه في العربية، والمؤلفات في القراءات الشاذة كثيرة، ومن أمثلة ما نقله غير ثقة. كما قال ابن الجزري. كثير مما في كتب الشواذ مما غالب إسناده ضعيف، كقراءة ابن السميفع وأبي السمال وغيرهما في ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ ننحيك بالحاء المهملة، "وتكون لمن خَلَفَك آية"١ بفتح سكون اللام.. وكالقراءة المنسوبة إلى أبي حنيفة ﵀ "إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ"٢ برفع الهاء ونصب الهمزة.. وقد راج ذلك على أكثر المفسرين ونسبها إليه وتكلف توجيهها، وإن أبا حنيفة لبريء منها.
ومثال ما نقله ثقة، ولا وجه له في العربية، ولا يصدر مثل هذا إلا على وجه السهو والغلط وعدم الضبط، ويعرفه الأئمة المحققون والحفاظ الضابطون وهو قليل جدًّا، بل لا يكاد يوجد، وقد جعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع "معائش"٣ بالهمز وما رواه يحيى عن ابن عامر من فتح ياء "أدريَ أقريب"٤ مع إثبات الهمزة٥.
стр. 486
الخامس: الموضوع
وهي التي لا أصل لها، أي ما روي بلا إسناد، وذلك أن القراءات توقيفية، قال ابن الجزري: "وبقي قسم مردود أيضًا، وهو ما وافق العربية والرسم ولم ينقل البتة، فهذا رده أحق، ومنعه أشد، ومرتكبه مرتكب لعظيم من الكبائر"١ ومثاله قراءة "مَلَكَ يوم الدين" بصيغة الماضي٢.
стр. 487
السادس: المدرج .
وهذا النوع مما أضافه السيوطي إلى أنواع القراءات، ويريد بها "ما زيد في القراءات على وجه التفسير"١ كقراءة سعد بن أبي وقاص ﵁: "وله أخ أو أخت من أم" أخرجها سعيد بن منصور٢، وقراءة ابن عباس ﵄: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج" أخرجها البخاري٣ وقراءة ابن الزبير "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم" قال عمرو: فما أدري أكانت قراءته أم فسَّر؟ أخرجه سعيد بن منصور٤.
стр. 488
وأخرجه الأنباري وجزم بأنه تفسير فقال:
"وهذه الزيادة تفسير من ابن الزبير وكلام من كلامه غلط فيه بعض الناقلين فألحقه بألفاظ القرآن"١:
ثم نقل السيوطي عن ابن الجزري قوله: "وربما كانوا يدخلون التفسير في القراءات إيضاحًا وبيانًا لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي ﷺ قرآنًا فهم آمنون من الالتباس، وربما كان بعضهم يكتبه معه، وأما من يقول: إن بعض الصحابة كان يجيز القراءة بالمعنى فقد كذب"٢.
стр. 489
حكم هذه القراءات:
وقد لخص الأستاذ عبد الفتاح القاضي حكم هذه القراءات فأجاد حيث قال:
"والحاصل أن القراءة إن خالفت العربية أو الرسم فهي مردودة إجماعًا، ولو كانت منقولة عن ثقة مع أن ذلك بعيد، بل لا يكاد يوجد".
وإن وافقت العربية والرسم ونقلت بطريق التواتر فهي مقبولة، إجماعًا.
وإن وافقت العربية والرسم ونقلت عن الثقات بطريق الآحاد فقد اختلف فيها، فذهب الجمهور إلى ردها وعدم جواز القراءة بها في الصلاة وغيرها. سواء اشتهرت واستفاضت أم لا.
وذهب مكي بن أبي طالب وابن الجزري إلى قبولها وصحة القراءة بها، بشرط اشتهارها واستفاضتها، أمّا إذا لم تبلغ حد الاشتهار والاستفاضة فالظاهر المنع من القراءة بها إجماعًا.
ومن هنا يعلم أن الشاذ عند الجمهور ما لم يثبت بطريق التواتر، وعند مكي ومن وافقه ما خالف الرسم أو العربية ولو كان منقولًا عن الثقات، أو ما وافق الرسم والعربية ونقله غير ثقة، أو نقله ثقة ولكن لم يتلق بالقبول،
стр. 490
ولم يبلغ درجة الاستفاضة والشهرة.
إلى أن قال: وإذ قد علمت أن القراءة الشاذة لا تجوز القراءة بها مطلقًا فاعلم أنه يجوز تعلمها وتعليمها، وتدوينها في الكتب، وبيان وجهها من حيث اللغة والإعراب والمعنى واستنباط الأحكام الشرعية منها على القول بصحة الاحتجاج بها، والاستدلال بها على وجه من وجوه اللغة العربية، وفتاوى العلماء قديمًا وحديثًا مطبقة على ذلك والله تعالى أعلم١.
"قلت" وبقي النوعان الخامس والسادس وهما الموضوع والمدرج، ولا يخفى تحريم القراءة الموضوعة أو العمل بها، أما المدرجة فهي تفسير وليست بقرآن، فلا تقرأ وإنما تستنبط بها الأحكام على أنها قول صحابي وليست بقرآن.
стр. 491
القراء: التعريف:
القراء جمع قارئ وهو على ثلاث مراتب:
المبتدئ: وهو من شرع في الإفراد إلى أن يفرد ثلاثًا من القراءات.
المتوسط: إلى أربع أو خمس.
المنتهي: وهو من عرف من القراءات أكثرها وأشهرها١.
أما المقرئ فهو: العالم بالقراءات، رواها مشافهة، فلو حفظ الشاطبية مثلًا فليس له أن يقرأ بما فيها، إن لم يشافه من شوفه به مسلسلًا؛ لأن في القراءات شيئًا لا يحكم إلا بالسماع والمشافهة٢.
стр. 492
تاريخ القراء:
يرجع عهد القراء الذين أقاموا الناس على طرائقهم في التلاوة إلى عهد الصحابة١ ﵃ فقد اشتهر بالإقراء عدد كبير منهم تلقوه مشافهة من الرسول ﷺ وتلقاه عنهم عدد كبير من التابعين بالمشافهة أيضًا.
وذكر الذهبي -رحمه الله تعالى- أن المشتهرين بإقراء القرآن من الصحابة سبعة هم:
١- عثمان بن عفان ﵁.
٢- علي بن أبي طالب ﵁.
٣- أبي بن كعب ﵁.
٤- عبد الله بن مسعود ﵁.
٥- زيد بن ثابت ﵁.
٦- أبو موسى الأشعري ﵁.
٧- أبو الدرداء عويمر بن زيد ﵁.
ثم قال رحمه الله تعالى: "فهؤلاء الذين بلغنا أنهم حفظوا القرآن في حياة النبي ﷺ وأخذ عنهم عرضًا، وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة. وقد جمع القرآن غيرهم من الصحابة؛ كمعاذ بن جبل، وأبي زيد، وسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر، وعتبة بن عامر، ولكن لم يتصل بنا قراءتهم، فلهذا اقتصرت على هؤلاء السبعة ﵃"٢.
وأخذ عن هؤلاء الصحابة خلق كثير من التابعين في كل بلد من بلدان المسلمين كما ذكرنا فيما مضى.
واشتهر سبعة من القراء هم الذين ترجم لهم ابن مجاهد في كتابه السبعة، وألحق بهم ثلاثة من القراءة وسموا جميعًا بالعشرة، وزاد بعضهم أربعة آخرين حتى صاروا أربعة عشر.
стр. 493
أما السبعة فهم:
١- ابن عامر "أبو عمران عبد الله بن عامر اليحصبي"٨- ١١٨هـ" تابعي جليل أخذ القرآن عن المغيرة بن أبي شهاب عن عثمان ﵁ وقيل: إنه قرأ على عثمان نفسه، وهو إمام أهل الشام وقاضيهم، وهو قاضي دمشق في خلافة الوليد بن عبد الملك وراوياه هشام وابن ذكوان "بواسطة".
٢- ابن كثير "عبد الله بن كثير الداري "٤٥-١٢٠هـ" إمام القراء بمكة، قرأ على عبد الله بن السائب وقرأ عبد الله على أبي بن كعب وعمر بن الخطاب ﵄ وراوياه البزي وقنبل "بواسطة".
٣- عاصم بن أبي النجود "أبو بكر" "٠٠-١٢٧هـ" انتهت إليه رئاسة الإقراء في الكوفة قرأ على زر بن حبيش على عبد الله بن مسعود، وقرأ على أبي عبد الرحمن السلمي الذي قرأ على علي بن أبي طالب ﵁ وراوياه شعبة وحفص "بلا واسطة".
٤- أبو عمرو بن العلاء "زبان بن العلاء البصري" "٦٨-١٥٤هـ" ليس في السبعة أكثر شيوخًا منه، قرأ على الحسن البصري، وأبي العالية وسعيد بن جبير وعاصم بن أبي النجود وابن كثير المكي، وعكرمة مولى ابن عباس، وابن محيص، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر وقرأ أبو العالية على عمر بن الخطاب وأبي بن كعب ﵄ وراوياه الدوري والسوسي "بواسطة".
٥- نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني "أبو رويم" "٧٠-١٦٩هـ" إمام دار الهجرة، وكان إمام المسجد النبوي. أخذ القراءة عن جماعة من التابعين كأبي جعفر وعبد الرحمن الأعرج، وبلغ شيوخه السبعين وهم أخذوا عن ابن عباس وأبي بن كعب وأبي هريرة ﵃. وراوياه قالون وورش "بلا واسطة".
٦- حمزة بن حبيب الزيات الكوفي "٨٠-١٥٨هـ" قرأ علي الأعمش على يحيى بن وثاب على زر بن حبيش على عثمان وعلي وابن مسعود ﵃ وراوياه خلف وخلاد "بواسطة".
стр. 494
٧- الكسائي "علي بن حمزة النحوي الكوفي" "١١٩-١٨٩هـ" كان من أعلم الناس بالنحو، أخذ القراءة عن حمزة الزيات وابن أبي ليلى وعيسى الهمداني، وقرأ عيسى على عاصم وراوياه أبو الحارث والدوري "بلا واسطة".
وأما الثلاثة تكملة العشرة فهم:
١- أبو جعفر "يزيد بن القعقاع" " -١٣٠هـ" إمام أهل المدينة أخذ عن ابن عباس وأبي هريرة ﵃ عن أبي بن كعب، وراوياه ابن وردان وابن جماز.
٢- أبو محمد "يعقوب بن إسحاق "١١٧-٢١٥هـ" إمام أهل البصرة وراوياه رويس وروح.
٣- خلف بن هشام "١٥٠-٢٢٩هـ" وقراءته في اختياره لم تخرج عن قراءة الكوفيين وراوياه إسحاق وإدريس.
وأما الأربعة تكملة الأربعة عشر فهم:
١- ابن محيضن المكي" -١٢٣هـ".
٢- اليزيذي "أبو محمد يحيى بن المبارك اليزيدي البصري"١٢٨-٢٠٢هـ".
٣- الحسن البصري "٢١-١١٠هـ".
٤- الأعمش أبو محمد سليمان بن مهران الكوفي "٦٠-١٤٨هـ".
стр. 495
حكم هذه القراءات:
للعلماء في هذه القراءات أقوال:
الأول: أن قراءات السبعة متواترة، والقراءات الثلاث المتممة للعشر آحاد ومثلها ما يكون من قراءات الصحابة، وما بقي فهو شاذ.
الثاني: أن العشر متواترة وغيرها شاذ.
الثالث: أن المعتمد في ذلك هو الضوابط؛ سواء كانت القراءة من السبع أو العشر أو الأربع عشرة، ويريدون بالضابط توفر أركان القراءة الصحيحة التي سبق ذكرها، قالوا: "فإذا اجتمعت هذه الثلاثة في قراءة وجب قبولها،