١- المنع:
ويستدلون على ذلك بأدلة منها:
١- قول الرسول ﷺ : "لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن ومن كتب عني شيئًا سوى القرآن فليمحه" ١.
стр. 562
٢- ما روى عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: "جردوا القرآن، ولا تخلطوه بشيء"١ وما روى عن ابن مسعود ﵁: "جردوا القرآن"٢.
٣- ما روى عن الحسن وابن سيرين أنهما كانا يكرهان نقط المصاحف٣.
стр. 563
٢- الجواز:
ويستدلون على ذلك بأدلة منها:
١- ما روى عن أئمة السلف في جوازه، فقد سئل الحسن عن نقط المصاحف فقال: لا بأس به ما لم تبغوا" وقال ثابت بن معبد: العجم نور الكتاب، وقال الحذاء: "كنت أمسك على ابن سيرين في مصحف منقوط" وسئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن شكل القرآن في المصحف فقال: لا بأس به. وقال الليث: لا أرى بأسًا أن ينقط المصحف بالعربية. وقال الإمام مالك: أما هذه المصاحف الصغار فلا أرى بأسًا وأما الأمهات فلا. وقال أبو يوسف: كان ابن أبي ليلى من أنقط الناس لمصحف١ وقال الأوزاعي سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: كان القرآن مجردًا في المصاحف فأول ما أحدثوا فيه النقط على الباء والتاء وقالوا: لا بأس به. هو نور له"٢.
стр. 564
و الراجح:
هو جواز ذلك لأن النقط لا ينافي الأمر بالتجريد، ولأنه -كما قال الحليمي- ليس له صورة فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآنًا، وإنما هي دلالات على هيئة المقروء فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها"١ وقال النووي رحمه الله تعالى: "قال العلماء: ويستحب نقط المصحف وشكله، فإنه صيانة من اللحن فيه والتصحيف" وقال: "وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط فإنما كرهاه في ذلك الزمان خوفًا من التغيير فيه، وقد أمن ذلك اليوم فلا منع، ولا يمتنع من ذلك لكونه محدثًا فإنه من المحدثات الحسنة فلم يمنع منه"٢.
стр. 565
حكم التجزئة وعلامات الوقف
مدخل
...
حكم التجزئة وعلامات الوقف:
والخلاف في حكمها أقوى من الخلاف في النقط.
стр. 566
فقالت طائفة: بالمنع .
والمنع فيه أظهر من المنع في النقط.
فقد روى عن النخعي كراهة النقط والعواشر والفواتح وتصغير المصحف وأن يكتب فيه سورة كذا وكذا١ وروى عنه أنه أتى بمصحف مكتوب فيه سورة كذا وكذا آية فقال: امح هذا فإن ابن مسعود كان يكره هذا٢ وعن ابن سيرين أنه كان يكره أن يكتب في المصاحف هذه العواشر والفواتح٣ وعن أبي العالية أنه كان يكره الجمل في المصحف وفاتحة سورة كذا وخاتفة سورة كذا١ وقال الحليمي: "تكره كتابة الأعشار والأخماس وأسماء السور وعدد الآيات فيه لقوله: "جردوا القرآن"٤.
وقال البيهقي: من آداب القرآن أن يفخم فيكتب مفرَّجًا بأحسن خط فلا يصغر ولا تقرمط حروفه، ولا يخلط به ما ليس منه كعدد الآيات والسجدات والعشرات، والوقوف، واختلاف القراعات، ومعاني الآيات"٤.
стр. 567
وقالت طائفة بالجواز:
معللين ذلك بأمن اللبس، وتحقق الفائدة، وأن الخلط بين النص القرآني وهذه المصطلحات بعيد كل البعد.
стр. 568
و الراجح:
أن الحق وسط بين الإفراد والتفريط، وقد جاء في التقرير العلمي عن مصحف المدينة النبوية أن اللجنة المشكلة لذلك درست المعلومات التي جرت العادة بإضافتها إلى المصحف دراسة دقيقة وافية، نوقشت فيها سائر الآراء والاتجاهات فتوصلت إلى أنها تنقسم إلى قسمين:
قسم: يضاف عادة في أثناء النص القرآني وفي نطاقه وهو: أسماء السور، وعدد آياتها، والمكي والمدني، وما يستثنى من الآيات من ذلك. وبعضهم يزيد وقت نزول السورة، كل ذلك في فواتح السور، ورموز الوقوف وذلك في النص.
وقسم: يضاف في حواشي الصفحات إما في أعلى الصفحة كاسم السورة ورقم الجزء، أو في جانب الصفحة كرموز الأجزاء والأحزاب والأرباع والأعشار والأخماس، ورموز السجدات، والسكتات، وبعضهم يذكر خلاف الفقهاء في بعض السجدات.
أما "القسم الأول": فلم نتردد في حذفه واستبعاده من المصحف ما عدا أسماء السور لأنه يذكر في موضع خطر هو محل تحذير السلف وهو نطاق النص القرآني، ولأن هذه المعلومات محل ذكرها كتب التفسير وعلوم القرآن ... ولا يتحمل هذا النص القطعي المتواتر أن نثبت خلاله ما يحتمل الخطأ والصواب" إلى أن قالوا: "وهذا ينطبق على أسماء السور أيضًا إلا
стр. 569
أننا لم نتجاسر على حذفها لشدة الحاجة إليها، ولأنه لا خلاف فيها، فأبقينا عليها مع أن النفس تميل إلى حذفها جريًا على قاعدة "التجريد".
أما رموز الوقف وهي ألصق بالنص مما سبق فإن الكلام فيها كالكلام في النقط والشكل.
"أما القسم الثاني" وهو المعلومات التي تذكر خارج نطاق النص القرآني في حواشي الصفحات من أعلى أو من جانبها، فإن المحذور فيها أهون، والخوف منها أقل، لبعدها عن مجال النص فأثبتنا أكثرها مع تصرف في الإخراج الطباعي يجعل التمييز بينها وبين النص واضحا -قدر الإمكان- إلا ما يشار إليه عادة من خلاف الفقهاء في بعض السجدات فلم نتردد في حذفه لما فيه من التمادي في إثقال صفحات المصحف بما هو أجنبي عنه، ولما فيه من جرأة على كتاب الله بحشر خلاف البشر في صفحاته وإن كان هذا الخلاف معتبرًا لكن مع ذلك لا ينبغي ذكره في المصحف"١.
стр. 570
مرحلة طباعة المصحف
مدخل
...
مرحلة طباعة المصحف:
ظهرت آلات الطباعة وبدأ استعمالها سنة "٨٣٥هـ - ١٤٣١م" في البلاد الأوروبية ولا شك أن للطباعة أثرها الكبير في انتشار المطبوعات.
وكانت الطباعة في بدايتها تقوم على تنضيد الحروف وليس على تصوير المكتوب، لذا فقد كانت الطباعة في تلك الفترة على الرسم الإملائي لتعذر الالتزام بالرسم العثماني.
وظهرت أول طبعة للقرآن الكريم في البندقية في إيطاليا في حدود سنة "٩٣٧هـ - ١٥٣٠ م" ولكن السلطات الكنسية أصدرت أمرًا بإعدامه حال ظهوره١.
стр. 571
ثم قام هنلكمان Hinkelmann بطبع القرآن في مدينة هامبورج في ألمانيا سنة "١١٠٦هـ-١٦٩٤م"١ ثم تلاه مراكي Marracci بطبعة في مدينة بادو في إيطاليا سنة "١١١٠هـ - ١٦٩٨" وليس لهذه الطبعات الثلاث أثر يذكر في العالم الإسلامي٢. وظهر فيها أخطاء فاحشة٣.
أما في العالم الإسلامي فقد ظهرت أول طبعة إسلامية للقرآن في سانت بطرسبرج في روسيا سنة "١٢٠١هـ - ١٧٨٧م" وهي التي قام بها مولاي عثمان.
ثم ظهرت في إيران طبعتان حجريتان الأولى في طهران سنة "١٢٤٤هـ - ١٨٢٨م" والثانية في تبريز سنة "١٢٤٩هـ - ١٨٣٣م".
وأصدرت المستشرق فلوجل طبعة خاصة سنة "١٢٥٠هـ - ١٨٣٤م" في مدينة ليبزيغ في ألمانيا وتلقاها الأوربيون بحماس منقطع النظير بسبب إملائها الحديث الميسر٢.
وظهرت طبعة جديدة للقرآن في قازان عاصمة التتار سنة "١٢٩٥هـ - ١٨٧٧م" وفي آخرها تصويب للأخطاء المطبعية، ومع طبعها بطريقة صف الحروف إلا أن فيها التزامًا في بعض المواضع لرسم المصحف٤.
وظهرت طبعات للقرآن الكريم في الهند أيضًا، ثم طبع في الآستانة عاصمة الخلافة العثمانية في تركيا سنة "١٢٩٥هـ - ١٨٧٧م" فطبع على أصل مصحف مخطوط بقلم الخطاط التركي المشهور حافظ عثمان٥ "ت ١١١٠هـ" وإذا علمنا أن هذه الطبعة من أفضل الطبعات وأدقها، ومع هذا فلم
стр. 572
تكن ملتزمة للرسم العثماني التزامًا دقيقًا حتى غلا بعض النقاد فقال: "لا يجوز إطلاق كلام الله على مصحف حافظ عثمان وإنما يجوز إطلاق بعض كلام الله"١ وقال أيضًا: "إن مصحف حافظ عثمان مشتمل على نقص وزيادة"٢! وقال في موضع آخر: "فيجب على كل مسلم أن يتخذ لنفسه مصحفًا من المصاحف التي رسمت على رسم مصاحف أهل السنة والجماعة إن كان يحسن القراءة، وإن كان تحت يده مصحف أو مصاحف برسم حافظ عثمان ونحوه بادر إلى حرقه"٣.
إذا كان هذا النقد الحاد وغير المعتدل لما كتبه حافظ عثمان مع اختلافه عن رسم المصحف في بعض المواضع فكيف سيكون الموقف من الطبعات التي كتبت بطريقة صف الحروف وفيها اختلاف كثير.
ولذا فقد كتب الشيخ رضوان بن محمد الشهير بالمخللاتي مصحفًا اعتنى فيه بكتابة الكلمات القرآنية على قواعد الرسم القرآني وأضاف إليها بعض الإفادات المتعلقة بالعد والوقف وتحرير الرسم والضبط وتاريخ كتابة القرآن وغير ذلك وطبع هذا المصحف في المطبعة البهية في القاهرة سنة "١٣٠٨هـ - ١٨٩٠م". قال الشيخ عبد الفتاح القاضي: "وكان هذا المصحف هو المتداول بين أهل العلم والقراء.. المعول عليه عندهم المقدم دون سائر المصاحف لما اشتمل عليه من المزايا السابقة بيد أنه لم يبرز في صورة حسنة تروق الناظر وتنشط القارئ لرداءة ورقه، وسوء طبعه إذ إنه طبع في مطبعة حجرية"٤.
ثم أصدر الملك فؤاد الأول أمره إلى مشيخة الأزهر بتشكيل لجنة من
стр. 573
العلماء للإشراف على طبع مصحف، وقد تم تشكيل لجنة١ قامت بكتابة القرآن كله حسب قواعد الرسم العثماني، وضبطوه الضبط التام على ما ذهب إليه المحققون من العلماء وأضافوا إليه عدد الآي في كل سورة وأنها مكية أو مدنية وأنها نزلت بعد سورة كذا، ورقموا الآيات، وعلامات الوقوف، والأجزاء والأحزاب والأرباع، والسجدات، وقد كتب هذا المصحف بخط أحد أعضاء اللجنة وهو الشيخ محمد بن علي بن خلف الحسيني الحداد "ت ١٣٥٧هـ" شيخ المقارئ المصرية حينئذاك وانتهت اللجنة من أعمالها عام "١٣٣٧هـ" فأمر الملك فؤاد بطبعه فطبع سنة "١٣٤٢هـ - ١٩٢٣م" ويعرف هذا المصحف بـ"المصحف الملكي" ثم أعيد طبعه بعد ذلك عدة مرات وفاقت هذه الطبعة كافة الطبعات في الشهرة والقبول مع أنها لا تخلو من ملحوظات٢.
وفي عام ١٣٦٨هـ صدر مصحف سمي بمصحف مكة المكرمة وكتبه الخطاط المشهور محمد طاهر بن عبد القادر كردي وراجعه عدد من علماء مكة المكرمة حينذاك.
ثم توالت الطبعات التجارية في مختلف بلدان العالم الإسلامي وغير التجارية وأصبح عرضة لإهمال الطابعين وتساهل الناشرين عن العناية بتصحيحه ومراجعته توفيرًا لتكاليف طبعه.
стр. 574
إنشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف:
ولهذا احتاج الأمر أن يهب الغيورون لحماية المصحف والإنفاق على طبعة الطبعات السليمة فتصدت لهذا الأمر حكومة المملكة العربية السعودية
стр. 575
وفقها الله بإنشاء "مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف" بالمدينة النبوية وزود بأحدث وأرقى أنظمة الطباعة وإمكاناتها لإصدار طبعة سليمة ممتازة للمصحف توفر له العناية العلمية اللازمة بتصحيحه ومراجعته، بإشراف عدد من العلماء البارزين المتخصصيين ونشر هذا المصحف على أوسع نطاق، وبهذا يتحقق سد حاجة المسلمين لهذا النوع من الطباعة، والحد من تلاعب ضعاف النفوس من الناشرين والطابعين بكتاب الله.
وفي ٢٠/ ٤/ ١٤٠٤هـ تم تشكيل لجنة لاختيار مصحف تجري طباعته وتكونت اللجنة من خمسة عشر عضوًا وروعي في تشكيلها أن تتضمن علماء مختصين في سائر العلوم المتصلة بالمصحف. وتم اختيار المصحف الذي كتبه الخطاط الدمشقي عثمان طه وذلك لجودة خطه ووضوحه وسلاسته ولقلة الأخطاء فيه وقامت اللجنة بمراجعته وفحصه فحصًا دقيقًا آية آية، وكلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، وحركة حركة مع الفحص الدقيق للاصطلاحات والرموز وتم ختم القرآن في أثناء المراجعة أكثر من مائتي مرة. وقامت اللجنة بإجراء تعديلاتها وتصحيحاتها حتى جاءت طبعتها أفضل طبعة صدرت للمصحف حتى الآن وألزمها لرسم المصحف، وأقلها خطأ بتوفيق الله . واعتمدت لهذا المصحف اسم "مصحف المدينة النبوية".
وقامت حكومة المملكة العربية السعودية بطبع ملايين النسخ١ من هذا المصحف بأحجام مختلفة وتوزيعه في سائر أنحاء العالم الإسلامي هدية منها إلى الشعوب الإسلامية في كل مكان، كما تفضلت بسنة حميدة وهي إهداء نسخة من هذا المصحف لكل حاج في جميع منافذ هذه البلاد، ولسلامة هذه البلاد من أخطاء الطبعات الأخرى منعت الحكومة السعودية
стр. 576
دخول أي طبعة للقرآن الكريم غير طبعة "مصحف المدينة النبوية"١. وفقها الله إلى كل خير.
стр. 577
المحكم والمتشابه
مدخل
...
المحكم والمتشابه:
تختلف قوى البشر ومداركهم العقلية كما تختلف قواهم ومداركهم الجسمية. فهناك من الأعمال ما يستطيع أن يفعله كل البشر، ومنها ما لا يستطيع فعله إلا الأقوياء منهم، ومنهم ما لا يستطيع أحد من البشر فعله. وكذا في المدارك العقلية هناك من المعاني ما يفهمه كل البشر، ومنها ما لا يفهمه إلا العلماء، ومنها ما لا يدرك المراد به أحد من البشر ولا يعلمه إلا الله.
ومن معاني القرآن الكريم ما هو ظاهر الدلالة، واضح المعنى، ومنه ما خفيت دلالته، وغمض معناه. وتدبر العلماء في معاني الآيات القرآنية ودرسوا هذين النوعين في باب المحكم والمتشابه.
وينقسم المحكم والمتشابه إلى قسمين:
الأول: الإحكام والتشابه العام.
الثاني: الإحكام والتشابه الخاص.
стр. 578
الإحكام والتشابه العام
الإحكام العام
مدخل
...
أولا: الإحكام والتشابه العام:
أ- الإحكام العام:
دليله: وردت آيات كثيرة تصف القرآن الكريم كله بأنه محكم منها قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ ٢ ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ ٣ ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ ٤ ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الحكيم﴾ ٥.
﴿الم، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيم﴾ ٦ ﴿يّس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ وغير ذلك.
стр. 579
معناه:
الإحكام بكسر الهمزة له معانٍ متعددة ترجع كلها إلى معنى واحد. هو "المنع" عن الفساد ولا يعتبر المنع عن الإصلاح إحكامًا بل هو خاص بالمنع عن الفساد ومنه:
قولهم: أحكم الأمر؛ أي أتقنه ومنعه من الفساد.
وقولهم: أحكمه عن الأمر؛ أي منعه منه.
وقولهم: حكم نفسه وحكم الناس؛ أي منع نفسه ومنع الناس عما لا ينبغي.
وقولهم: أحكم الفرس أي جعل له "حكمة" وهي ما أحط بالحنط من لجام الفرس "تمنعه" من الاضطراب١.
وقول جرير٢:
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا
ومنه سميت "الحكمة" وهي إصابة الحق لمنعها صاحبها من الوقوع في الباطل، ولذا سمي الحكيم حكيمًا لمعرفته الحكمة.
وعلى هذا فالقرآن الكريم كله محكم؛ أي متقن يمتنع عنه الخلل والنقص في ألفاظه ومعانيه، ولهدايته إلى الحق والطريق المستقيم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيرا﴾ ٣ ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تنزيل من حكيم حميد﴾ ٤.
стр. 580
ب- التشابه العام:
دليله: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِها﴾ ١.
معناه: التشابه في الأصل هو التماثل بين شيئين فأكثر حتى يشق التمييز بينهما، ثم أطلق بعد ذلك على كل ما فيه غموض والتباس في تحديد معناه أو حقيقته.
ومن الأول: قولك فلان يشبه فلانًا؛ أي يماثله ويقاربه، سواء كان في الصفات الحسية كالجسم أو الوجه، أو في الصفات المعنوية كالأخلاق والآداب.
ومن الثاني: قولهم "شبه عليه الأمر" إذا التبس، وقولهم "فلان مشبوه" إذا التبست براءته من الجريمة باقترافه لها.
"وذلك أن التشابه والتماثل قد يكون سببًا للعجز عن التمييز بين الأشياء متشابهًا من باب إطلاق السبب على المسبب"٢.
ومنه في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِها﴾ ٣ أي يشبه بعضه بعضًا، وقوله عن بني إسرائيل: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ ٤ أي اختلط أمره علينا والتبس المقصود منه، وقوله سبحانه: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُم﴾ ٥ أي تماثلت في الغي والجهالة.
стр. 581
ومنه قوله ﵊: "إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه" الحديث١ أي أمور تشتبه على كثير من الناس هل هي من الحلال أم من الحرام٢.
وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِها﴾ ٣ أي يشبه بعضه بعضًا في الفصاحة والإعجاز وعدم تناقضه، وإبداع ألفاظه، واستخراج حكمه"٤ وهذا هو التشابه العام بين آيات القرآن.
стр. 582
ثانيًا: الإحكام والتشابه الخاص:
وإذا كان القرآن الكريم كله محكمًا بمعنى: أنه متقن لا يتطرق إليه الخلل والنقص، وهو كله متشابه بمعنى: أن آياته يشبه بعضها بعضًا في الإعجاز والفصاحة، فإنه قد وردت آية قرآنية تصف القرآن بأن بعضه محكم وبعضه متشابه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَات﴾ ١، فلا بد أن يكون للإحكام والتشابه هنا معنى غير المعنى الأول، وهو خاص ببعض الآيات دون بعض، ولهذا وقع الاختلاف بين العلماء في تعريف المحكم والمتشابه هنا.
стр. 583
أقوال العلماء في المحكم والمتشابه:
للعلماء في تعريف المحكم الخاص والمتشابه الخاص أقوال كثيرة منها:
الأول:
المحكم ما عرف المراد منه، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كقيام
стр. 584
الساعة، وخروج الدجال، والحروف المقطعة في أوائل السور، وينسب هذا القول إلى أهل السنة.
الثاني:
المحكم ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه ما احتمل أكثر من وجه وهو قول الأصوليين، ويروى عن ابن عباس ﵄.
الثالث:
المحكم الذي يعمل به، والمتشابه الذي يؤمن به، ولا يعمل به، وروي هذا القول عن ابن عباس ﵄ وعكرمة وقتادة١.
الرابع:
المحكم هو ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان، والمتشابه ما لا يستقل بنفسه ويحتاج إلى بيان، وهو قول الإمام أحمد.
الخامس:
المحكم ما اتضح دليله، والمتشابه ما يحتاج إلى تدبر، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُون﴾ ٢ فأولها محكم، وآخرها متشابه، وهو قول الأصم٣.
السادس:
المحكم ما تضمن حكمًا، والمتشابه ما تضمن أخبارًا وقصصًا.
السابع:
المحكم هو الناسخ، والتشابه هو المنسوخ، وقيل: المحكم ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، والمتشابه: منسوخه ومقدمه، ومؤخره، وأمثاله، وأقسامه، وهو قول ابن عباس ومجاهد٤ وقتادة.
والثامن:
المحكم ما كانت دلالته راجحة كالنص، والظاهر، والمتشابه ما كانت دلالته غير راجحة؛ أي أن دلالة اللفظ عليه وعلى غيره متساوية كالمجمل والمئول والمشكل٥.
стр. 585
أقسام المتشابه
مدخل
...
أقسام المتشابه:
والتشابه في بعض آيات القرآن الكريم ثلاثة أنواع:
الأول: التشابه من جهة اللفظ.
الثاني: التشابه من جهة المعنى.
الثالث: التشابه من جهة اللفظ والمعنى.
стр. 586
التشابه من جهة اللفظ
مدخل
...
الأول: التشابه من جهة اللفظ:
وهو ما كان خفاء معناه ناشئًا من جهة اللفظ وهو نوعان:
стр. 587
تشابه اللفظ يرجع إلى المفردات
...
أ- تشابه لفظي يرجع إلى المفردات:
إما لغرابتها وقلة استعمالها مثل: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّا﴾ ١ وكقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّون﴾ ٢ ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيم﴾ ٣ ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِين﴾ ٤ كما روي عن ابن عباس ﵄: "لا أدري ما الأواه وما الغسلين"٥.
وإما لجهة الاشتراك اللفظي كالقراء في قوله: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوء﴾ ٦؛ حيث يطلق على الحيض والطهر، ومثل عسعس في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَس﴾ ٧ فإنه يطلق على إقبال الليل وإدباره.
стр. 588
ب- تشابه لفظي يرجع إلى التركيب للألفاظ وهي الجمل:
وهو ثلاثة أقسام: أحدها: لاختصار الكلام كقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ١ والمعنى ألا تقسطوا في اليتامى إذا تزوجتموهن.
ثانيها: بسط الكلام. كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ ٢ ففي ذكر الكاف بسط للكلام، ولو قال ليس شيء لظهر المعنى، فاشتبه المراد بذكرها مع ظهور المعنى بدونها.
ثالثها: نظم الكلام كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا، قَيِّماً﴾ ٣ فجاءت جملة: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ فاصلة بين الصفة والموصوف وأصل الكلام: أنزل على عبد الكتاب قيما، ولم يجعل له عوجا. وكقوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِر ٌ، يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ ٤ ففصل بين المصدر ومعموله وأصل الكلام وإنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر.
стр. 589
الثاني: التشابه من جهة المعنى:
ويتعلق هذا النوع بالغيبيات؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يتصور ما غاب عن حواسه على حقيقته، فالتخيل والتصور عنده لا يبتعد عن المحسوسات، فلا تدرك١ صفات الله تعالى ولا ما في الجنة من النعيم، ولا ما في النار من عذاب إلا على سبيل التقريب.
стр. 590
الثالث: التشابه من جهة اللفظ والمعنى:
وهو خمسة أنواع:
الأول:
من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين﴾ ١.
الثاني:
من جهة الكيفية كالوجوب والندب، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ٢.
الثالث:
من جهة الزمان؛ كالناسخ والمنسوخ؛ نحو قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِه﴾ ٣.
الرابع:
من جهة المكان؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ الآية٤ وكقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْر﴾ ٥ فإن من لا يعرف عادة أهل الجاهلية في ذلك يتعذر عليه تفسير هذه الآية.
الخامس:
من جهة الشروط التي يصح بها الفعل أو يفسد كشروط الصلاة والنكاح٦.
قال الراغب الأصفهاني: بعد ذكره لهذه الأقسام "وهذه الجملة إذا تصورت، علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم"٧.
стр. 591
معرفة المتشابه ١:
اختلف العلماء في المتشابه؛ هل يمكن معرفته أم لا؟ والحقيقة أنه
стр. 592
ينقسم من حيث إمكانية معرفته وعدمها إلى ثلاثة أنواع هي:
الأول: المتشابه الحقيقي:
وهذا النوع لا يعلمه أحد من البشر، ولا سبيل للوقوع عليه؛ كوقت قيام الساعة، وحقيقة الروح وغير ذلك من الغيبيات التي اختص الله بعلمها.
الثاني: المتشابه الإضافي:
وهو ما اشتبه معناه لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر، فإذا تقصى المجتهد أدلة الشريعة وجد فيها ما يبين معناه؛ كالألفاظ الغريبة، والأحكام الغَلِقَة، والتي تحتاج إلى استنباط وتدبر، وبعض مسائل الإعجاز العلمي١.
الثالث: المتشابه الخفي:
وهو ضرب متردد بين الأمرين، يختص بمعرفته بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم، وهو الضرب المشار إليه في دعوة الرسول ﷺ لابن عباس ﵄: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
стр. 593
سبب الاختلاف في معرفة المتشابه
مدخل
...
سبب الاختلاف في معرفة المتشابه:
ويرجع بعض الباحثين السبب في الاختلاف في معرفة المتشابه إلى الاختلاف في الوقف في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ١ وهذا ليس بصحيح؛ إذ إن الوقف أو الوصل مبني على الاختلاف في معنى التأويل. فسبب الاختلاف إذًا في معرفة المتشابه هو الاختلاف في المراد بالتأويل في قوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ ، وفيه ثلاثة أقوال:
стр. 594
القول الأول أن التأويل بمعنى التفسير
...
الأول: أن التأويل بمعنى التفسير:
وعلى هذا فالتأويل يعلمه الراسخون في العلم. ومنه دعوة الرسول ﷺ لابن عباس ﵄: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" ١ وقول ابن عباس ﵄: "أنا ممن يعلم تأويله"٢ وقول مجاهد: "الراسخون في العلم يعلمون تأويله"٣ وقول ابن جرير الطبري: "واختلف أهل التأويل في هذه الآية" وقوله: "القول في تأويل قوله تعالى ... " وهو أيضًا المعنى الذي قصده ابن قتيبة وأمثاله ممن يقول: إن الراسخون في العلم يعلمون التأويل ومرادهم به التفسير٤.
وهو قول متقدمي المفسرين وابن عباس ﵄ ومجاهد، ومحمد بن جعفر بن الزبير، وابن إسحاق، وابن قتيبة، والربيع بن أنس، والضحاك، والنووي، وابن الحاجب٥.
وعليه فإن الوقف يكون على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم﴾ وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد٦.
стр. 595
القول الثاني أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الخطاب
...
القول الثاني: أن التأويل هو الحقيقة التي يئول إليها الخطاب:
وهي نفس الحقائق التي أخبر الله عنها.
فتأويل ما أخبر به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر، وتأويل ما أخبر به عن نفسه هو نفسه المقدسة الموصوفة بصفاته العلية.
وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله، ولهذا كان السلف يقولون: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" فيثبتون العلم بالاستواء، وهو التأويل الذي بمعنى التفسير، وهو معرفة المراد بالكلام حتى يتدبر، ويعقل، ويفقه، ويقولون: الكيف مجهول، وهو التأويل الذي انفرد الله بعلمه، وهو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو"١.
وعليه فإن الوقف يكون على لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِه﴾ ، والواو للاستئناف، والراسخون مبتدأ، ويقولون خبره. وقال بهذا القول نيف وعشرون رجلًا من الصحابة والتابعين والقراء والفقهاء وأهل اللغة، فمن الصحابة: عائشة وابن عباس وابن مسعود، وابن عمر، وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، ﵃ فقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "بلغ رسوخهم في العلم إلى أن قالوا: آمنا به" وفي رواية "ولم يعلموا تأويله" وما أخرجه الشيخان وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: "تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَاب﴾ إلى قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَاب﴾ ، قالت: قال رسول الله ﷺ : "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم". وكان ابن عباس ﵄ يقرأ: "وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به". وهي قراءة على التفسير وقراءة ابن مسعود ﵁ "وإن تأويله إلا عند الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به" أخرجه ابن أبي داود في المصاحف.
وقال به من التابعين ثلاثة: الحسن وابن نهيك والضحاك، وقال به من الفقهاء مالك بن أنس، ومن القراء ثلاثة: نافع ويعقوب والكسائي، ومن النحويين: الأخفش وسعيد، والفراء وسهيل بن محمد، ويروى عن عمر بن
стр. 596
عبد العزيز وعروة بن الزبير وأبي عبيد، وابن جرير، وأبو إسحاق، وابن كيسان، والسدي١.
ويدل على ذلك؛ أن الآية دلت على ذم متبعي المتشابه، ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة، وعلى مدح الذين فوضوا العلم إلى الله وسلموا إليه، كما مدح الله المؤمنين بالغيب"٢.
وقال ابن تيمية عن هذا المعنى: إنه هو معنى التأويل في القرآن والمراد به في مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَق﴾ ٣ وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ ٤ وقال يوسف: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ ٥، ٦ وقال عن هذا المعنى: إنه لغة القرآن التي نزل بها.. فتأويل الأحاديث التي هي رؤيا المنام هي نفس مدلولها التي تئول إليه كما قال يوسف: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ ٧.. وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ٨ قالوا: أحسن عاقبة ومصيرًا، فالتأويل هنا تأويل فعلهم، الذي هو الرد إلى الكتاب والسنة، والتأويل في سورة يوسف تأويل أحاديث الرؤيا، والتأويل في الأعراف٩
стр. 597
ويونس١ تأويل القرآن وكذلك في سورة آل عمران.
وقال تعالى في قصة موسى والعالم: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرا﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرا﴾ ٣ فالتأويل هنا تأويل الأفعال التي فعلها العالم من خرق السفينة بغير إذن صاحبها، ومن قتل الغلام، ومن إقامة الجدار، فهو تأويل عمل لا تأويل قول، وإنما كان كذلك؛ لأن التأويل مصدر أوله يؤوله تأويلا.. وقولهم: آل يئول: أي عاد إلى كذا ورجع إليه، ومنه "المآل" وهو ما يئول إليه الشيء ويشاركه في الاشتقاق الأكبر "الموئل" فإنه من وأل، وهذا من أول، والموئل المرجع، قال تعالى: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا﴾ ٤، ٥.
стр. 598
القول الثالث: وهو اصطلاح طوائف من المتأخرين:
قالوا: إن التأويل هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به.
ويريدون بذلك صرف الألفاظ القرآنية عن معانيها الحقيقية إلى معان باطلة ليؤيدوا بها مذاهبهم وآراءهم المنحرفة، فهم اعتقدوا رأيًا ثم حملوا نصوص القرآن عليه لتوافق ما ذهبوا إليه.
وهؤلاء -كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى- صاروا مراتب ما بين قرامطة وباطنية يتأولون الأخبار والأوامر، وما بين صابئة وفلاسفة يتأولون عامة الأخبار عن الله وعن اليوم الآخر، حتى عن أكثر أحوال الأنبياء، وما
стр. 599
بين جهمية ومعتزلة يتأولون بعض ما جاء في اليوم الآخر، وفي آيات القدر، ويتأولون آيات الصفات، وقد وافقهم بعض متأخري الأشعرية على ما جاء في بعض الصفات، وبعضهم في بعض ما جاء في اليوم الآخر، وآخرون من أصناف الأمة وإن كان تغلب عليهم السنة، فقد يتأولون أيضًا مواضع يكون تأويلهم من تحريف الكلم عن مواضعه"١.
وذكر في موضع آخر أمثلة لهذه التأويلات فقال: "كتأويل من تأول استوى بمعنى استولى ونحوه فهذا عند السلف والأئمة باطل لا حقيقة له، بل هو من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته.
فلا يقال في مثل هذا التأويل: "لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم" بل يقال فيه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ٢ كتأويلات الجهمية والقرامطة الباطنية، كتأويل من تأول الصلوات الخمس بمعرفة أسرارهم، والصيام: بكتمان أسرارهم، والحج بزيارة شيوخهم، والإمام المبين بعلي بن أبي طالب، وأئمة الكفر بطلحة والزبير، والشجرة الملعونة في القرآن ببني أمية، واللؤلؤ والمرجان، بالحس والحسين، والتين والزيتون وطور سينين، وهذا البلد الأمين بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والبقرة بعائشة، وفرعون بالقلب، والنجم والقمر والشمس بالنفس والعقل ونحو ذلك.
فهذه التأويلات من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في آيات الله وهي من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه، ومثل هذه لا تجعل حقًّا حتى يقال: إن الله استأثر بعلمها، بل هي باطل، مثل شهادة الزور، وكفر الكفار، يعلم الله أنها باطل، والله يعلم عباده بطلانها بالأسباب التي
стр. 600
بها يعرف عباده، من نصب الأدلة وغيرها"١.
وهذا التأويل هو الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف، فإذا قال أحدهم هذا الحديث، أو هذا النص مؤول، أو هو محمول على كذا، قال الآخر هذا نوع تأويل، والتأويل يحتاج إلى دليل ... وهو أيضًا التأويل الذي يتنازعون فيه في مسائل الصفات إذا صنف بعضهم في إبطال التأويل، أو ذم التأويل أو قال بعضهم: آيات الصفات لا تؤول، وقال الآخر: بل يجب تأويلها، وقال الثالث: بل التأويل جائز.. إلخ"٢.
وبهذا يظهر بطلان القول الثالث وانحرافه وأنه ليس من أقوال السلف.
وأما القولان الأول والثاني:
فإن الأول: هو معنى التأويل عند الصحابة والتابعين.
والثاني: هو معنى التأويل في القرآن نفسه.
فمن قال: إن الراسخين في العلم يعلمون تأويله فقد أخذ بالقول الأول وهو أن معنى التأويل التفسير.
ومن قال: إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله فقد أخذ بالقول الثاني وهو أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام وهذا لا يعلمه إلا الله.
ولا تعارض بين هذين القولين ولا اختلاف فالجميع يسلم بأن الراسخين في العلم يعلمون تأويله بمعنى تفسيره، ومن زعم أنهم لا يعلمون تأويله بمعنى تفسيره نازعه فيه عامة الصحابة والتابعين الذين فسروا القرآن كله وقالوا بأنهم يعلمون معناه٣، والراسخون في العلم لا يعلمون تأويله بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، وبهذا يظهر التوافق والتطابق والتكامل بين القولين.