عبد العزيز وعروة بن الزبير وأبي عبيد، وابن جرير، وأبو إسحاق، وابن كيسان، والسدي١.
ويدل على ذلك؛ أن الآية دلت على ذم متبعي المتشابه، ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة، وعلى مدح الذين فوضوا العلم إلى الله وسلموا إليه، كما مدح الله المؤمنين بالغيب"٢.
وقال ابن تيمية عن هذا المعنى: إنه هو معنى التأويل في القرآن والمراد به في مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَق﴾ ٣ وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ ٤ وقال يوسف: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ ٥، ٦ وقال عن هذا المعنى: إنه لغة القرآن التي نزل بها.. فتأويل الأحاديث التي هي رؤيا المنام هي نفس مدلولها التي تئول إليه كما قال يوسف: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ ٧.. وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ٨ قالوا: أحسن عاقبة ومصيرًا، فالتأويل هنا تأويل فعلهم، الذي هو الرد إلى الكتاب والسنة، والتأويل في سورة يوسف تأويل أحاديث الرؤيا، والتأويل في الأعراف٩
стр. 597
ويونس١ تأويل القرآن وكذلك في سورة آل عمران.
وقال تعالى في قصة موسى والعالم: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرا﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرا﴾ ٣ فالتأويل هنا تأويل الأفعال التي فعلها العالم من خرق السفينة بغير إذن صاحبها، ومن قتل الغلام، ومن إقامة الجدار، فهو تأويل عمل لا تأويل قول، وإنما كان كذلك؛ لأن التأويل مصدر أوله يؤوله تأويلا.. وقولهم: آل يئول: أي عاد إلى كذا ورجع إليه، ومنه "المآل" وهو ما يئول إليه الشيء ويشاركه في الاشتقاق الأكبر "الموئل" فإنه من وأل، وهذا من أول، والموئل المرجع، قال تعالى: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا﴾ ٤، ٥.
стр. 598
القول الثالث: وهو اصطلاح طوائف من المتأخرين:
قالوا: إن التأويل هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به.
ويريدون بذلك صرف الألفاظ القرآنية عن معانيها الحقيقية إلى معان باطلة ليؤيدوا بها مذاهبهم وآراءهم المنحرفة، فهم اعتقدوا رأيًا ثم حملوا نصوص القرآن عليه لتوافق ما ذهبوا إليه.
وهؤلاء -كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى- صاروا مراتب ما بين قرامطة وباطنية يتأولون الأخبار والأوامر، وما بين صابئة وفلاسفة يتأولون عامة الأخبار عن الله وعن اليوم الآخر، حتى عن أكثر أحوال الأنبياء، وما
стр. 599
بين جهمية ومعتزلة يتأولون بعض ما جاء في اليوم الآخر، وفي آيات القدر، ويتأولون آيات الصفات، وقد وافقهم بعض متأخري الأشعرية على ما جاء في بعض الصفات، وبعضهم في بعض ما جاء في اليوم الآخر، وآخرون من أصناف الأمة وإن كان تغلب عليهم السنة، فقد يتأولون أيضًا مواضع يكون تأويلهم من تحريف الكلم عن مواضعه"١.
وذكر في موضع آخر أمثلة لهذه التأويلات فقال: "كتأويل من تأول استوى بمعنى استولى ونحوه فهذا عند السلف والأئمة باطل لا حقيقة له، بل هو من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته.
فلا يقال في مثل هذا التأويل: "لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم" بل يقال فيه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ٢ كتأويلات الجهمية والقرامطة الباطنية، كتأويل من تأول الصلوات الخمس بمعرفة أسرارهم، والصيام: بكتمان أسرارهم، والحج بزيارة شيوخهم، والإمام المبين بعلي بن أبي طالب، وأئمة الكفر بطلحة والزبير، والشجرة الملعونة في القرآن ببني أمية، واللؤلؤ والمرجان، بالحس والحسين، والتين والزيتون وطور سينين، وهذا البلد الأمين بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والبقرة بعائشة، وفرعون بالقلب، والنجم والقمر والشمس بالنفس والعقل ونحو ذلك.
فهذه التأويلات من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في آيات الله وهي من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه، ومثل هذه لا تجعل حقًّا حتى يقال: إن الله استأثر بعلمها، بل هي باطل، مثل شهادة الزور، وكفر الكفار، يعلم الله أنها باطل، والله يعلم عباده بطلانها بالأسباب التي
стр. 600
بها يعرف عباده، من نصب الأدلة وغيرها"١.
وهذا التأويل هو الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف، فإذا قال أحدهم هذا الحديث، أو هذا النص مؤول، أو هو محمول على كذا، قال الآخر هذا نوع تأويل، والتأويل يحتاج إلى دليل ... وهو أيضًا التأويل الذي يتنازعون فيه في مسائل الصفات إذا صنف بعضهم في إبطال التأويل، أو ذم التأويل أو قال بعضهم: آيات الصفات لا تؤول، وقال الآخر: بل يجب تأويلها، وقال الثالث: بل التأويل جائز.. إلخ"٢.
وبهذا يظهر بطلان القول الثالث وانحرافه وأنه ليس من أقوال السلف.
وأما القولان الأول والثاني:
فإن الأول: هو معنى التأويل عند الصحابة والتابعين.
والثاني: هو معنى التأويل في القرآن نفسه.
فمن قال: إن الراسخين في العلم يعلمون تأويله فقد أخذ بالقول الأول وهو أن معنى التأويل التفسير.
ومن قال: إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله فقد أخذ بالقول الثاني وهو أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام وهذا لا يعلمه إلا الله.
ولا تعارض بين هذين القولين ولا اختلاف فالجميع يسلم بأن الراسخين في العلم يعلمون تأويله بمعنى تفسيره، ومن زعم أنهم لا يعلمون تأويله بمعنى تفسيره نازعه فيه عامة الصحابة والتابعين الذين فسروا القرآن كله وقالوا بأنهم يعلمون معناه٣، والراسخون في العلم لا يعلمون تأويله بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، وبهذا يظهر التوافق والتطابق والتكامل بين القولين.
стр. 601
الحكمة في ذكر المتشابهات في القرآن الكريم
...
الحكمة من ذكر المتشابهات في القرآن الكريم:
ولأن المتشابه منه ما يمكن علمه للراسخين في العلم، ومنه ما لا يمكن علمه ولا يعلمه إلا الله. فإن لذكر كل نوع حكم خاصة أذكر بعضها:
من حكم ذكر المتشابه الذي يمكن علمه:
أولًا: الحث على زيادة التفكر والتدبر في آيات القرآن الكريم، والبحث عن دقائقه ولذا كرر القرآن الأمر بالتدبر كثيرًا ليظهر في الثانية ما خفي في الأولى.
ثانيًا: ظهور التفاضل والتفاوت بين العلماء كل حسب طاقته وقدرته وما بذله من جهد في التفكر والتدبر.
ثالثًا: زيادة الأجر والثواب، لأن الأجر على قدر المشقة، فمعرفة المتشابه أشق وأصعب، وكلما كان الوصول إلى الحق أشق وأصعب كان الأجر أعظم وأكبر، "وزيادة المشقة توجب زيادة الثواب، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِين﴾ ١، ٢.
رابعًا: تحصيل العلوم الكثيرة لأن معرفة المتشابه تحتاج إلى آلات ووسائل ليمكن بها معرفتها كعلم اللغة والنحو، وأصول الفقه٣، وغير ذلك من العلوم والمعارف.
خامسًا: حمل الناس على تلقي العلم جثيًا على الركب من الراسخين في العلم واضطرارهم لذلك فإنهم إذا حضروا مجالسهم حصلوا علومًا أخرى، وآدابًا أكمل، وعرفوا شأن العلماء، وعلو مقامهم، ووالوهم وزادت
стр. 602
محبتهم.
سادسًا: بيان فضل العلماء الراسخين في العلم وعلو مقامهم ومكانتهم واختلاف مراتبهم.
سابعًا: تعظيم شأن القرآن وبيان علو معانيه وسموها، واحتياج الناس لمعرفتها إلى التزود بالعلوم والمعارف حتى يرتقوا إلى مداركها. ويحظوا بمعانيها.
ثامنًا: زيادة التعلق بمعاني القرآن فإن الإنسان إذا حصل الشيء بمشقة كان تمسكه به، ومحافظته عليه، واهتمامه به أكبر.
تاسعًا: بيان رحمة الله وفضله بالأمة إذا لو كان القرآن كله من هذا النوع لكان في تحصيله مشقة عظيمة على الأمة، فاقتضت رحمة الله أن يجعل من القرآن ما هو محكم يدرك الناس معناه وهو أكثر القرآن١ وما يحتاجون إليه في أمور دينهم ضرورة؛ ومنه آخر متشابهات لا يدركها إلا الراسخون في العلم وتذكر الناس بنعمة الآيات المحكمات. وقريب من هذا المعنى حكمة نسخ الحكم وبقاء التلاوة إذ إن فيه تذكير بالنعمة في رفع المشقة.
стр. 603
من حكم ذكر المتشابه الذي لا يمكن علمه:
أولًا: رحمة الله بالإنسان الذي لا يطيق معرفة كل شيء، ولو كشف الله الحجب للبشر لعمت الأضرار، وانتفت المصالح، فلو علم الناس حقيقة جهنم وما فيها من ألوان العذاب ورأوه رأي العين لقضى عليهم الخوف، وانقطعت قواهم عن العمل رهبة، ولو علم الناس بموعد قيام الساعة لقعدوا عن الاستعداد لها، ولو علموا بموعد آجالهم لعم الفساد وانقطع باب العمل الصالح عند كثير من الناس حتى موعد وفاتهم، ولو علموا بما سيرزقون
стр. 604
لاتكلوا وانقطعوا عن العمل.
ثانيًا: إقامة الحجة على عجز الإنسان وجهله، وقصوره قواه ومداركه، فمهما بلغ من العلم والمعرفة، ومهما تقدم في الاكتشافات وجال في الفضاء، وهبط على القمر إلا أنه يبقى حائرًا جاهلًا أمام أشياء قريبة منه كل القرب كالروح مثلًا ما هي، وما وقت خروجها، وغير ذلك كثير وليس له إلا أن يقول ما قالته الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم﴾ ١.
ثالثًا: ابتلاء العباد واختبارهم بالوقوف عندما استأثر الله بعلمه، والإيمان بالغيب: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢.
стр. 605
العام والخاص
مدخل
...
العام والخاص:
نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وفي اللغة العربية صيغ عامة تشمل جماعة المخاطبين، وفيها ألفاظ خاصة، وأحيانًا يكون اللفظ عامًّا ويراد به الخصوص والعكس كذلك. وفي القرآن الكريم ألفاظ تحت هذا النحو، ففيه صيغ تفيد العموم ويراد بها العموم، وألفاظ تفيد الخصوص ويراد بها الخصوص، وألفاظ تفيد العموم إلا أنه يراد بها الخصوص، وألفاظ تفيد الخصوص إلا أنه يراد بها العموم، والقرائن توضح ذلك وتزيل اللبس، ويبقى بعد ذلك ألفاظ هي موضع خلاف بين العلماء تؤثر في استنباط بعض الأحكام.
وهذا يظهر مكانه علم "العام والخاص" وأثره في استنباط الأحكام؛ ولذا نجد بسط مباحثه في كتب أصول الفقه خاصة، ونظرًا لتعلق الاستنباط بآيات القرآن فقد درسه أيضًا أرباب العلوم القرآنية، وأفردوه بمباحث خاصة في بطون مؤلفاتهم، وسأعرض لبعض قضاياه المتعلقة بالقرآن، معرضًا عن المباحث الأصولية الخاصة.
стр. 606
العام:
العام لغة:
العَمَمُ: عظم الخلق في الناس وغيرهم، والعمم: الجسم التام، ... وأمر عممٌ: تام عام.. وعمهم الأمر يعمهم عمومًا: شملهم، يقال: عمهم بالعطية، والعامة: خلاف الخاصة"١.
стр. 607
وفي الاصطلاح:
هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد، من غير
стр. 608
حصر فقولنا: "الرجال" يستغرق جميع ما يصلح له.
ولا يدخل فيه النكرة مثل "رجل"؛ لأنه يصلح لكل واحد من الرجال، لكنه لا يستغرقهم.
ولا التثنية ولا الجمع، لأن لفظ "رجلان" و"رجال" يصلحان لكل اثنين وثلاثة، ولا يفيدان الاستغراق.
وقولنا: بحسب وضع واحد؛ للاحتراز من اللفظ المشترك، أو الذي له حقيقة ومجاز، فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معًا.
فإذا قلت: رأيت كل العيون.
فإن في لفظ العيون اشتراك حيث تشمل:
١- عيون الماء الجارية.
٢- العيون المبصرة.. وغير ذلك.
وأنت لا تريد كل هذه المعاني، وإنما تريد أحدها. فلا يقتضي العموم أن يشمل كل معاني اللفظ؛ بل بحسب وضع أو معنى واحد من معانيه المختلفة. وقولنا: "من غير حصر" يخرج أسماء الأعداد فهي تدل على كثرة معينة محدودة، فإن كانت الكثرة كثرة معينة بحيث لا يتناول ما بعدها. فهو اسم العدد، وإن لم تكن الكثرة كثرة معينة فهو العام.
وقيل في تعريفه أيضًا:
العام هو: اللفظ الدال على شيئين فصاعدًا، من غير حصر.
وقد تعقب القرافي هذا التعريف بأجزائه، وبمجموع حده، ونقصه بأمور منها:
أولًا: جموع التكسير: وهي على قسمين:
١- جموع للقلة: من الثلاثة إلى العشرة وهي ما جاءت على أوزان:
أ- أَفْعُل: أَفْلُس، وأَكْلُب.
стр. 609
ب- أفعال: أحمال.
ج- أفعلة: أقفزة، وأجربة.
د- فعلة: صبية، غلمة.
وهذه ألفاظ تدل على أكثر من شيئين وليست عامة.
٢- جمع الكثرة: وهي موضوعة لما فوق العشرة فيصدق عليها التعريف.
ثانيًا: ومنها ألفاظ نكرات مفردات وضعت لما فوق الاثنين، مع أنها ليست من العموم إجماعًا، مع صدق الحد عليها؛ نحو كثير، وعدد.
ثالثًا: ألفاظ من هذا النمط؛ مثل طائفة، فرقة، رهط، فإنها تتناول الثلاثة فصاعدًا من غير حصر ولا تفيد العموم١.
وهناك تعريفات أخرى كثيرة، وأشمل هذه التعريفات وأصحها هو الأول.
стр. 610
صيغ العموم:
وللعموم صيغ كثيرة تدل عليه، ذكر منها القرافي مائتين وخمسين صيغة١، ومن هذه الصيغ:
١- كل: وهي أقوى صيغ العموم، وتدل عليه؛ سواء كانت للتأسيس، مثل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْت﴾ ٢، ومثل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ٣، أو للتأكيد مثل: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُون﴾ ٤، ومثل: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء﴾ ٥، ومثلها جميع:
стр. 611
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ ١ وديارًا: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارا﴾ ٢.
٢- الأسماء الموصولة: مثل: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ ٣ ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ ٤ و ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَس﴾ ٥ ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاس﴾ ٦ ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ ٧.
٣- أسماء الشرط مثل: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ٨ ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّه﴾ ٩ ﴿أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ١٠.
٤- أسماء الاستفهام: كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَه﴾ ١١ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ ١٢ ومن تفيد العموم إذا كانت شرطية أو استفهامية، أما إذا كانت موصولة مثل ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ ١٣ فإنها قد تكون للعموم وقد تكون للخصوص، والقرائن هي التي تفيد العموم أو الخصوص.
стр. 612
٥- المعرف بأل التي ليست للعهد وإنما للاستغراق؛ سواء كان جمعًا، مثل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء﴾ ١، أو مفردًا مثل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٢، ومثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٣، أو اسم جنس؛ وهو الذي لا واحد له من لفظه مثل الناس، الحيوان، الماء، التراب، فالناس في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ ٤ تفيد العموم، أو مثنى كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْن﴾ ٥؛ أي كل أختين لا يجوز الجمع بينهما. وعلامة "أل" المستغرقة للجنس. أن يصح حلول "كل" محلها، وأن يصح الاستثناء من عمومها.
٦- كل ما أضيف إلى معرفة؛ سواء كان مفردا، أو مثنى، أو جمعا، أو اسم جنس٦ مثل ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه﴾ ٧ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَة﴾ ٨ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِين﴾ ٩ وفي الاستثناء هنا إشارة إلى عموم اللفظ.
٧- النكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط. مثالها في سياق النفي: قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَج﴾ ١٠ ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُون﴾ ١١ ومثالها في النهي: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَات
стр. 613
أَبَداً﴾ ١ فإن "أحد" نكرة بعد نهي فتفيد العموم، ومثل ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ ٢، ومثالها في الشرط: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ ٣.
أما إذا كانت النكرة في سياق الإثبات فلا تفيد العموم، فإذا قلت: ما رأيت رجلًا فهو نفي يفيد العموم، وإذا قلت: رأيت رجلًا فهو إثبات لا يفيد العموم.
стр. 614
أقسام العام
مدخل
...
أقسام العام:
وأقسام العام ثلاثة:
стр. 615
١- العام الذي لا يدخله التخصيص:
وهو العام الذي لا يمكن تخصيصه، وهذا النوع قليل جدًّا؛ إذ الأصل في العموم أن يقبل التخصيص.
ومع أن البلقيني قال عن هذا النوع: "ومثاله عزيز، إذ ما من عام إلا ويتخيل فيه التخصيص"١ إلا أن الزركشي قال:"وهو كثير في القرآن"٢.
وقد جمع السيوطي بينهما بأن مراد البلقيني أنه عزيز في الأحكام الفرعية، ومراد الزركشي أنه كثير في غير الأحكام الفرعية٣.
ومثال هذا النوع قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٤ ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ٥ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ٦ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٧ فالعموم هنا لا يمكن تخصيصه.
стр. 616
٢- العام الذي يدخله التخصيص:
وهو الذي يمكن تخصيصه، ولعل هذا النوع هو أشهر أنواع العموم، والذي ينصرف إليه الذهن عند إطلاق العموم، وهو ميدان الخلاف بين العلماء في تخصيصه أو بقائه على عمومه.
وأمثلته في القرآن كثيرة؛ منها: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ١ فلفظ "الناس" عام خصص بقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ .
ومنها قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ٢ فلفظ "أحدكم" يفيد العموم وخصص بقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ .
ومنها قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٣، فلفظ "المطلقات" عام يشمل الحامل وغير الحامل وخصص بقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٤ وغير ذلك من الأمثلة.
стр. 617
٣- العام المراد به الخصوص:
وهو ما دل لفظه على العموم ودلت القرينة على الخصوص، كقوله تعالى
стр. 618
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ ١ والمراد بالناس عبد الله بن سلام٢ فالآية دعوة لليهود إلى أن يؤمنوا كما آمن عبد الله بن سلام ﵁ وقد كان يهوديًّا، ثم إن الناس لم يؤمنوا كلهم، فدلت القرينة على وجوب حمله على فئة منهم.
ومن أمثلته أيضًا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ ٣ قال الزركشي: "وعمومه يقتضي دخول جميع الناس في اللفظين جميعًا، والمراد بعضهم؛ لأن القائلين غير المقول لهم، والمراد بالأول نعيم بن مسعود٤ والثاني: أبو سفيان وأصحابه". قال الفارسي: ومما يقوي أن المراد بالناس في قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ واحد، قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ ٥ فوقعت الإشارة بقوله: ﴿ذَلِكُمُ﴾ إلى واحد بعينه، ولو كان المعني به جمعًا لكان إنما أولئكم الشياطين٦، فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ"٧، وإنما وصف نعيم بأنه الناس؛ لقيامه مقام كثير في تثبيطه المؤمنين عن ملاقاة أبي سفيان٨.
ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٩ والمراد بالناس هنا رسول الله ﷺ .
ومن أمثلته ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ١٠ والمراد إبراهيم
стр. 619
عليه السلام أو العرب من غير قريش.
ومنها: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ ١ والمراد بالملائكة جبريل ﵇.
ونستطيع بعد هذا أن نذكر تعريفًا آخر لأقسام العام الثلاثة فنقول:
١- عام مقيد بالعموم بحيث لا ينفك عن العموم مثل: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢.
٢- عام مطلق يمكن أن يبقى على عمومه ويمكن تخصيصه مثل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٣ فلم لم يقل: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ لبقي عامًّا فهو قابل للعموم والخصوص.
٣- عام مقيد بالخصوص، لا يمكن أن يراد به العموم، ولا ينفك عن الخصوص مثل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ٤.
стр. 620
الفرق بين العام المراد به الخصوص والعام الذي يدخله التخصيص ١:
وبين العام المراد به الخصوص والعام الذي يمكن أن يدخله التخصيص فروق منها:
١- أن العام المراد به الخصوص لا يراد شموله لجميع الأفراد، ويدرك ذلك من أول وهلة٢، وأما العام الذي يدخله التخصيص. فأريد به العموم
стр. 621
في أول الأمر، وشموله لجميع أفراده، فلفظ "الناس" في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ ١ الآية يدرك السامع لأول وهلة خصوصها، وأنه لا يمكن أن يراد بها العموم لامتناع ذلك، أما لفظة "الناس" في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ يدرك السامع أن المراد بها جميع الناس، ولا يحوله عن هذا العموم إلا قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ .
٢- الأول مجاز قطعًا؛ لنقل اللفظ عن موضعه الأصلي وهو العموم، واستعماله في بعض أفراده، بخلاف الثاني فاستعمل اللفظ بمعناه الحقيقي، وعليه أكثر الشافعية، وكثير من الحنفية، وجميع الحنابلة، ونقله الجويني عن جميع الفقهاء.
٣- أن قرينة الأول عقلية لا تنفك عنه، وقرينة الثاني لفظية وقد تنفك عنه.
٤- أن الأول يصح أن يراد به واحدًا اتفاقًا، مثل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ٢ يعني إبراهيم ﵇، أما الثاني ففي تخصيص عمومه بحيث لا يراد به إلا واحد بعد العموم خلاف٣.
стр. 622
الخاص:
الخاص لغة:
يقال: خصه بالشيء يخصه خصًّا.. أفرده به دون غيره، ويقال: اختص فلان بالأمر وتخصص له إذا انفرد١.
стр. 623
وفي الاصطلاح:
الخاص هو اللفظ الذي لا يستغرق الصالح له من غير حصر.
أما التخصيص فهو: قصر العام على بعض أفراده١.
وقيل: إخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه٢.
والمراد من قولنا: "قصر العام" قصر حكمه، وإن بقي لفظه على عمومه، فيكون العموم باللفظ لا بالحكم، وبذلك يخرج العام الذي يراد به الخصوص، فإن ذلك قصر إرادة لفظ العام لا قصر حكمه٣.
ومثال التخصيص قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٤ فلفظ المطلقات عام يشمل كل مطلقة، لكن حكمه مخصوص بقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٥.
стр. 624
حكم تخصيص العموم:
قال الشوكاني رحمه الله تعالى: اتفق أهل العلم سلفًا وخلفًا على أن التخصيص للعمومات جائز، ولم يخالف في ذلك أحد ممن يعتد به، وهو معلوم من هذه الشريعة المطهرة، لا يخفى على من له أدنى تمسك بها"١.
وهو جائز مطلقًا، سواء كان أمرًا مثل: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ٢، أو نهيًا مثل:
стр. 625
﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ١، أو خبرًا مثل: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ ٢.
стр. 626
الفروق بين التخصيص والنسخ:
بين التخصيص والنسخ فروق منها١:
١- أن التخصيص يدل على أن ما خرج عن العموم لم يكن مرادًا، والنسخ يدل على أن المنسوخ كان مرادًا.
٢- أن النسخ يشترط تراخيه عن المنسوخ، والتخصيص يجوز اقترانه كالتخصيص بالصفة والشرط والاستثناء.
٣- أن النسخ رفع الحكم بعد ثبوته، والتخصيص بيان للمحل الذي لم يثبت الحكم فيه؛ بمعنى أن النسخ يثبت فيه الحكم ثم يرفع، أما التخصيص فإن الحكم في المخصوص لم يثبت فيه أصلًا، فلا يحتاج إلى رفع.
٤- أن التخصيص قد يقع بخبر الواحد وبالقياس، والنسخ لا يقع بهما.
٥- أن التخصيص يكون في الأخبار، والنسخ لا يقع فيها.
٦- أن النسخ لا تبقى معه دلالة اللفظ على ما تحته، والتخصيص لا يمتنع معه ذلك. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: "التخصيص ترك بعض الأعيان والنسخ ترك الأعيان"٢.
٧- أنه لا يجوز تخصيص شريعة بشريعة، أما النسخ فيجوز؛ كما نسخت النصرانية بالإسلام.
стр. 627
٨- أن التخصيص لا يرد إلا على العام، أما النسخ فيرد على العام والخاص.
وبهذا يظهر أن النسخ ليس بتخصيص.
стр. 628
أقسام المخصص
مدخل
...
أقسام المخصص:
والمخصص ينقسم إلى قسمين:
стр. 629
القسم الأول: المخصص المتصل .
وهو خمسة أنوع هي:
١- الاستثناء:
كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ١ وكقوله سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ٢.
٢- الصفة:
والمراد بها الصفة المعنوية على ما حققه علماء البيان، لا مجرد النعت المذكور في علم النحو، قال الجويني: الوصف عند أهل اللغة معناه التخصيص، وقال المازري: ولا خلاف في اتصال التوابع، وهي النعت والتوكيد والعطف والبدل٣.
وعلى هذا فالمراد بالصفة هنا كل ما أشعر بمعنى يتصف به أفراد العام؛ سواء كان الوصف نعتًا، أو عطف بيان، أو حالًا؛ وسواء كان مفردًا، أو جملة، أو شبه جملة٤.
стр. 630
ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ١ فلفظ "فتياتكم" عام يشمل المؤمنات والكافرات، لكنه خصص بوصف "المؤمنات".
ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ٢ فلفظ "نِسَائِكُمُ" يشمل جميع الزوجات المدخول بهن، وغير المدخول بهن ولكن خصص العموم بوصف "اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ".
٣- الشرط:
ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ ٣ فلفظ "أزواجكم" عام يشمل ذات الولد وغيرها، وخصص بالشرط "إن لم يكن لهن ولد" فالزوجة التي يرث الزوج نصف مالها. هي غير ذات الولد.
ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ٤ فقوله "أحدكم" عام يوجب الوصية على من ترك مالا وغيره، وخصص بالشرط "إن ترك خيرًا"، فأصبحت الوصية واجبة على من ترك مالًا دون الآخر.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ٥ فالاسم الموصول "الذين" يفيد العموم وخصص بشرط
стр. 631
"إن علمتم فيهم خيرا".
٤- الغاية:
والمراد بها: نهاية الشيء المقتضية لثبوت الحكم قبلها، وانتفائه بعدها ولها لفظان: "حتى" و"إلى".
ومثال الأول: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ١.
ومثال الثاني: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ٢.
٥- بدل البعض من الكل:
وذلك كقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ ٣ فقوله: "عموا وصموا" يفيد العموم وخصص ببدل البعض "كثير منهم".
وكقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٤ فلفظ "الناس" يفيد العموم وخص بالبدل "من استطاع إليه سبيلا" بدل بعض من كل، هذه أنواع المخصص المتصل.
стр. 632
القسم الثاني: القسم المنفصل .
وهو أن يكون المخصص في موضع آخر غير متصل باللفظ العام اتصالًا لفظيًّا.
وهو أنوع منها:
١- التخصيص بآية:
فقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ١ عام يشمل كل
стр. 633
مطلقة، إلا أنه خص الحوامل في قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ١ كما خص الآيسات من الحيض: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ ٢ وخص غير المدخول بها قال تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ ٤ يشمل كل مشركة كتابية كانت أو غير كتابية، وجاء التخصيص في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ٥ فخص الكتابية من المشركات بجواز الزواج منها.
٢- التخصيص بالسنة قولًا كان أو فعلًا:
فقوله تعالى بعد أن عدد المحرمات من النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٦. مخصوص بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" ٧ حيث خص أربع نساء وهن عمة الزوجة وخالتها، وابنة أخيها، وابنة أختها.
وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٨ عام يدل على أن جميع الأولاد يرثون من آبائهم، لكنه مخصوص بقول
стр. 634
الرسول ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" ١ وبقوله ﷺ : "لا يرث القاتل شيئًا" ٢، وبما رواه أبو بكر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورث، ما تركناه صدقة" ٣ فخرج أولاد الأنبياء فإنهم لا يرثون.
وقوله تعالى في المطلقة البائن: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ٤ وهذا عام في العقد والوطء، وخصه قول الرسول ﷺ لامرأة رفاعة: "لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" ٥.
وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٦ عام يشمل المحصن وغير المحصن وتواتر عنه ﷺ أنه رجم المحصن، وهو فعل.
٣- التخصيص بالإجماع:
ومذهب جمهور العلماء أن الإجماع من مخصصات العموم المنفصلة، وهناك ما يرى أن المخصص هو دليل الإجماع وليس الإجماع نفسه، ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٧ وهو عام يشمل الحر والعبد، والذكر والأنثى، وأجمعوا على أنه لا جمعة على عبد ولا امرأة٨.
وكقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٩
стр. 635
فهو عام يشمل كل الأولاد الأحرار والأرقاء، وخص الرقيق بالإجماع، لأن الرق مانع من الإرث.
٤- التخصيص بالقياس:
وذلك في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ١ فهو عام يشمل كل زان؛ حرًّا أو عبدًا، وكل زانية حرة أو أمة، لكن الأمة خصصت بآية أخرى هي قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ٢ ولم يرد في العبد نص، فقاسه العلماء على الأمة بجامع الرق في كل، فيكون حكمه نصف ما على الأحرار من الرجال.
وهناك أيضًا أنواع من المخصصات المنفصلة؛ كالتخصيص بالعقل، وبالحسن، وبالعادة، وقرائن الأحوال، وبالمفهوم، وقول الصحابي، وبالسياق، وبقضايا الأعيان٣.