← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12011

دراسات في علوم القرآن - فهد الرومي

فهد الرومي

Полный текст (719 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

"إن علمتم فيهم خيرا". ٤- الغاية: والمراد بها: نهاية الشيء المقتضية لثبوت الحكم قبلها، وانتفائه بعدها ولها لفظان: "حتى" و"إلى". ومثال الأول: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ١. ومثال الثاني: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ٢. ٥- بدل البعض من الكل: وذلك كقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ ٣ فقوله: "عموا وصموا" يفيد العموم وخصص ببدل البعض "كثير منهم". وكقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٤ فلفظ "الناس" يفيد العموم وخص بالبدل "من استطاع إليه سبيلا" بدل بعض من كل، هذه أنواع المخصص المتصل.

стр. 632

القسم الثاني: القسم المنفصل . وهو أن يكون المخصص في موضع آخر غير متصل باللفظ العام اتصالًا لفظيًّا. وهو أنوع منها: ١- التخصيص بآية: فقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ١ عام يشمل كل

стр. 633

مطلقة، إلا أنه خص الحوامل في قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ١ كما خص الآيسات من الحيض: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ ٢ وخص غير المدخول بها قال تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ ٤ يشمل كل مشركة كتابية كانت أو غير كتابية، وجاء التخصيص في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ٥ فخص الكتابية من المشركات بجواز الزواج منها. ٢- التخصيص بالسنة قولًا كان أو فعلًا: فقوله تعالى بعد أن عدد المحرمات من النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٦. مخصوص بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" ٧ حيث خص أربع نساء وهن عمة الزوجة وخالتها، وابنة أخيها، وابنة أختها. وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٨ عام يدل على أن جميع الأولاد يرثون من آبائهم، لكنه مخصوص بقول

стр. 634

الرسول ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" ١ وبقوله ﷺ : "لا يرث القاتل شيئًا" ٢، وبما رواه أبو بكر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورث، ما تركناه صدقة" ٣ فخرج أولاد الأنبياء فإنهم لا يرثون. وقوله تعالى في المطلقة البائن: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ٤ وهذا عام في العقد والوطء، وخصه قول الرسول ﷺ لامرأة رفاعة: "لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" ٥. وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٦ عام يشمل المحصن وغير المحصن وتواتر عنه ﷺ أنه رجم المحصن، وهو فعل. ٣- التخصيص بالإجماع: ومذهب جمهور العلماء أن الإجماع من مخصصات العموم المنفصلة، وهناك ما يرى أن المخصص هو دليل الإجماع وليس الإجماع نفسه، ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٧ وهو عام يشمل الحر والعبد، والذكر والأنثى، وأجمعوا على أنه لا جمعة على عبد ولا امرأة٨. وكقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٩

стр. 635

فهو عام يشمل كل الأولاد الأحرار والأرقاء، وخص الرقيق بالإجماع، لأن الرق مانع من الإرث. ٤- التخصيص بالقياس: وذلك في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ١ فهو عام يشمل كل زان؛ حرًّا أو عبدًا، وكل زانية حرة أو أمة، لكن الأمة خصصت بآية أخرى هي قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ٢ ولم يرد في العبد نص، فقاسه العلماء على الأمة بجامع الرق في كل، فيكون حكمه نصف ما على الأحرار من الرجال. وهناك أيضًا أنواع من المخصصات المنفصلة؛ كالتخصيص بالعقل، وبالحسن، وبالعادة، وقرائن الأحوال، وبالمفهوم، وقول الصحابي، وبالسياق، وبقضايا الأعيان٣.

стр. 636

حكم تخصيص السنة بالقرآن: إذا كان القرآن الكريم يخصص بالسنة، فهل تخصص السنة بالقرآن؟ الجواب: اختلف العلماء في ذلك وجمهور أهل العلم على جوازه٤، وعد السيوطي أمثلة ذلك من العزيز يعني القليل أو النادر، ثم ذكر أمثلة ذلك١: كقول الرسول ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا

стр. 637

الله" ١ فإنه مخصوص بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ ٢. ونهي الرسول ﷺ عن الصلاة في الأوقات المكروهة عام يشمل النوافل وقضاء الفرائض وهو مخصوص بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ٣ والمحافظة على الصلوات تقتضي قضاء الفوائت في كل وقت حتى أوقات النهي. وقول الرسول ﷺ : "ما أبين من حي فهو ميت" ٤ عام في تحريم كل ما يقطع من البهيمة وهي حية وخصصه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ ٥. وقوله ﵊: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي" ٦ عام يشمل الأغنياء والأقوياء، وهو مخصوص بقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ ٧؛ حيث يحل لهم الأخذ من الزكاة حتى ولو كانوا أغنياء وأقوياء. وقوله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" ٨ عام مخصوص بقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ ٩.

стр. 638

عموم الخطاب وخصوصه الخطاب الخاص بالرسول ﷺ ... عموم الخطاب وخصوصه: وتحته مسائل: الأولى: الخطاب الخاص بالرسول ﷺ هل يشمل الأمة أم لا؟ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ٢ وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ ٣. الجواب: للعلماء في ذلك قولان: الأول: أنه يشمل الأمة، لأن أمر القدوة أمر لأتباعه معه عرفًا٤ إلا ما دل الدليل على أنه من خواصه؛ كقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٥ فلو كان الخطاب الخاص بالرسول ﷺ لا يشمل الأمة لما احتاج إلى التخصيص بقوله "خالصة لك". الثاني: قول الأصوليين: أنه لا يشمل الأمة، وذلك لخصوص اللفظ، وإن شملهم فبدليل آخر، لا بمجرد النص المذكور٦.

стр. 639

الخطاب العام بلفظ يا أيها الناس هل يشمل الرسول ﷺ ... المسألة الثانية: الخطاب العام بلفظ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ويَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هل يشمل الرسول ﷺ أم لا؟ الجواب: للعلماء في ذلك أقوال: الأول: أنه يشمل الرسول ﷺ لعموم الصيغة، وعليه الأكثرون، واختاره

стр. 640

الغزالي والآمدي وابن الحاجب، والرازي، وابن قدامة، وأبو يعلى وأبو الخطاب الحنبلي. الثاني: أنه لا يشمله؛ لما له من الخصائص دون الأمة، وهو قول الشيرازي. الثالث: فيه تفصيل: إن كان الخطاب موجهًا لأمته، مثل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية فلا يدخل. قال بعضهم: بلا خلاف١، وإن كان الخطاب بلفظ يشمل الرسول ﷺ نحو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ فإنه يشمله. الرابع: إن سبق الخطاب بلفظ "قل" لم يشمله؛ كقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٢ وإلا شمله وهو قول الصيرفي والحليمي.

стр. 641

الخطاب العام يا أيها الناس هل يشمل الكفار ... المسألة الثالثة: الخطاب العام بلفظ " يَا أَيُّهَا النَّاسُ" هل يشمل الكفار أم لا؟ وذلك نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ١ وللعلماء في ذلك قولان: الأول: أنه يشملهم لعموم الصيغة وهم من الناس. وهو قول الجمهور٢. الثاني: أنه لا يشملهم لعدم تكليفهم بالفروع.

стр. 642

الخطاب العام بلفظ يا أيها الذين آمنوا هل يشمل الكفار ... المسألة الرابعة: الخطاب العام بلفظ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، مثل ﴿يَا أيُّهَا

стр. 643

الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١ وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ٢ هل يشمل الكافر أم لا؟ الجواب: للعلماء في ذلك قولان: الأول: أنه لا يشمل الكفار؛ لأنهم غير مخاطبين بالفروع. الثاني: أنه يشملهم لعموم التكليف بهذه الأمور واختصاص المؤمنين بالخطاب للتشريف. وقد ثبت تحريم الربا في حق أهل الذمة. قال الزركشي: وفيه نظر، والخلاف يرجع إلى أن الكفار هل هم مخاطبون بالفروع أم لا؟

стр. 644

وهل يشمل العبد أم لا ... المسألة الخامسة: وهل يشمل الخطاب السابق العبد أم لا؟ وفيه أيضا قولان: الأول: أنه لا يشمله لصرف منافعه إلى سيده. الثاني: أنه يشمله لعموم اللفظ، وهو الصحيح، وخروجه في بعض الأحكام إنما هو بأدلة أخرى.

стр. 645

صيغة الجمع المذكر هل تشمل النساء ... المسألة السادسة: صيغة الجمع المذكر التي تفيد العموم هل تشمل النساء أم لا؟ الجواب: في ذلك تفصيل: ١- إن كان الجمع يتناول الذكور والإناث لغة ووصفًا مثل "الناس" فهذا يشمل الإناث بالاتفاق. ٢- إن كان الجمع بلفظ لا يتبين فيه التذكير والتأنيث؛ مثل أدوات الشرط؛ كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ٣ فإنه يشمل النساء

стр. 646

باتفاق. ٣- إذا كان الجمع خاصًّا بالذكور مثل لفظ "الرجال"، فلا يشمل النساء باتفاق. ٤- إذا كان الجمع خاصًّا بالإناث مثل "النساء" و "بنات" فلا يشمل الرجال باتفاق. ٥- إذا كان الجمع بلفظ ظهرت فيه علامة التذكير مثل "المؤمنون" "الصابرون" "المسلمون" أو ضمير الجمع المذكر مثل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ١ ففيه خلاف: فقيل: يشمل النساء، وهو مذهب أكثر الحنفية والحنابلة وبعض المالكية والشافعية، واستدلوا بأنه متى اجتمع المذكر والمؤنث غلب التذكير، ولذلك لو قال لمن بحضرته من الرجال والنساء: قوموا واقعدوا تناول جميعهم، ولو قال: قوموا وقمن واقعدوا واقعدن لعد تطويلًا ولَكْنَةً. وبينه قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ ٢، وكان ذلك خطابًا لآدم وحواء وإبليس، فلو كانت النساء لا يدخلن لقيل لآدم وإبليس: اهبطا، ولحواء: اهبطي، وأكثر خطاب الله تعالى في القرآن بلفظ التذكير، مثل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٣ و ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ٤ وغير ذلك، والنساء يدخلن في جملته بالإجماع٥. وقيل: لا يشمل النساء، وهو مذهب أكثر الشافعية وأكثر الفقهاء والمتكلمين، واستدلوا بأنه ذكر المسلمات بلفظ متميز، فما يذكر بلفظ

стр. 647

المسلمين لا يدخلن فيه إلا بدليل. العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:

стр. 648

أحوال الألفاظ مع أسباب النزول من حيث العموم والخصوص عموم اللفظ والسبب ... للألفاظ مع أسباب النزول أحوال هي ١: أولًا: عموم اللفظ والسبب وذلك كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ٢ الآية، فلفظها عام لكل النساء، وسبب نزولها أيضًا عام؛ فقد روى أنس بن مالك ﵁ قال: "إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ : "جامعوهن في البيت واصنعوا كل شيء إلا النكاح" ٣ وهذا عموم في اللفظ وعموم في السبب.

стр. 649

ثانيًا: خصوص اللفظ والسبب وذلك؛ كقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ١ فإنها نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ و "أل" في "الأتقى" للعهد وتفيد الخصوص، وليست "أل" الاستغراق التي تفيد العموم؛ لأن "أل" تفيد العموم إذا كانت موصولة، أو معرفة في جمع على الراجح. وهي هنا ليست موصولة؛ لأنها لا توصل بأفعل التفضيل، والأتقى ليس جمعًا بل مفرد، والعهد موجود، فدل ذلك على أنها للعهد، وليست للاستغراق. ولذلك قال

стр. 650

الواحدي: الأتقى: أبو بكر الصديق في قول جميع المفسرين، عن عروة: أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة كلهم يعذب في الله، بل، وعامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها، وزنيرة، وأم عيسى، وأمة بني المؤمل، وفيه نزلت ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ إلى آخر السورة١ وهذا خصوص في اللفظ وخصوص في السبب.

стр. 651

ثالثًا: عموم اللفظ وخصوص السبب: واختلف العلماء في هذه الصورة، هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب: ١ ذهب الجمهور إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي -صلى عليه وسلم- فأخبره، فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ٢ فقال الرجل: يا رسول الله: ألي هذا؟ قال: "لجميع أمتي كلهم" ٣. قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: "فهذا الذي أصاب القبلة من المرأة نزلت في خصوصه آية عامة اللفظ، فقال للنبي ﷺ : ألي هذه؟ ومعنى ذلك: هل النص خاص بي لأني سبب وروده؟ أو هو على عموم لفظه؟ وقول النبي ﷺ له: لجميع أمتي. معناه أن العبرة بعموم لفظ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ لا بخصوص السبب، والعلم عند الله تعالى"٤ ولو كان المراد تخصيصه بالحكم، لكان النص: إن حسناتك تذهب سيئاتك، فدل عمومها

стр. 652

على عموم حكمها وعدم اعتبار سببها. واعتمد هذه القاعدة أكثر علماء الأمة من مفسرين وغيرهم، والمحققون من أهل الأصول، بل حكى الزركشي الإجماع١ على ذلك وطبقها السلف في تفسيرهم٢. ففي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٣ قال ابن عباس ﵄: يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم٤. وروى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن معقل بن مقرن قال: جلست إلى كعب بن عجرة فسألته عن الفدية فقال: نزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامة٥. وأخرج الطبري عن محمد بن كعب القرظي قوله: "إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد"٦. وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل، فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك، وقد علم أن شيئًا منها لم يقتصر على سببه٧. ٢- وذهب جماعة إلى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ: وأن اللفظ دليل على صورة السبب الخاص، ولا بد من دليل كالقياس

стр. 653

لدخول غير صورة السبب في الحكم. "قلت" ولعل خلافهم لفظي فهم يعممون الحكم على غير من نزلت فيه بالقياس فيصبح الحكم عامًّا، فالقول الأول أخذ العموم من اللفظ والقول الثاني أخذه بالقياس١.

стр. 654

الاحتجاج بالعام بعد تخصيصه: والمراد به: الاحتجاج بالعام المخصوص فيما عدا المخصوص ولا يخلو من حالتين: ١- أن يكون المخصص مبهمًا: كأن يقول: اقتلوا المشركين إلا بعضهم. فهذا لا يحتج به لأمرين: أ- لأنه ما من فرد إلا ويجوز أن يكون هي المستثنى. ب- إخراج المجهول من المعلوم يصيره مجهولًا. وحكى الإجماع على عدم الاحتجاج به جماعة منهم القاضي أبو بكر، وابن السمعاني والأصفهاني. ونقل الزركشي مخالفة ابن برهان لذلك وقوله بالإضراب عن المخصص والعمل بالعام في جميع أفراده لأنه الأصل. ٢- أن يكون المخصص مبينًا: ولنضرب للتوضيح مثالا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ١ فلفظ المطلقات هنا عام يشمل ستًّا: المدخول بها، وغير المدخول بها، والحامل، وغير الحامل، والتي تحيض، والآيسة من المحيض، وجاء تخصيص ثلاث منهن: الحامل في قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ

стр. 655

حَمْلَهُنَّ﴾ ١ والآيسة في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ ٢ وغير المدخول بها في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ ٣ فبقي من الست ثلاث: المدخول بها، وغير الحامل، والتي تحيض، فهل يبقى قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ حجة في بيان عدتهن بعد أن خصص منه بعضهن أم لا؟ الجواب: أن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال هي: الأول: أنه حجة فيما بقي. وهو قول الجمهور من الفقهاء والأصوليين وقال الشوكاني: وهو الحق الذي لا شك فيه، ولا شبهة"٤. واستدلوا بأدلة منها: ١- إجماع الصحابة ﵃ ومن بعدهم على الاحتجاج بالعمومات وأكثرها قد خصص ومن ذلك: احتجاج فاطمة ﵂ بعموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ٥ على طلب حقها من ميراث أبيها ﷺ ولم ينكر عليها أبو بكر ولا غيره من الصحابة احتجاجها بالآية مع أنها مخصصة بالكافر، والقاتل، والعبد، وإنما بين لها أبو بكر ﵁ ما سمعه من الرسول ﷺ أنه قال: "لا نورث، ما تركناه صدقة" ٦.

стр. 656

٢- أن العام قبل التخصيص حجة في كل أفراده إجماعًا وإخراج بعضها بمخصص لا يقتضي إلغاء دلالة اللفظ على ما بقي، والأصل ما كان قبل التخصيص على ما كان عليه إلا أن يوجد له معارض، ولا معارض فوجب ثبوت الحكم وبقاؤه. ٣- أنه ما من عام إلا وقد خص إلا النادر ولو قلنا: إنه غير حجة فيما بقي للزم إبطال كل عموم، وغالب أحكام الشريعة إنما يثبت بالعموم إذ يتعذر النص على كل فرد من أفراده بالحكم بل يستحيل ولا تدركه مدارك البشر وقواهم. الثاني: أنه ليس بحجة فيما بقي. وذهب إليه عيسى بن أبان وأبو ثور الشافعي. واستدلوا بأن العام قد وضع حقيقة لجميع أفراده، فإذا أخرج بعضها فإن إطلاق العام على ما بقي وهو بعض أفراده يكون مجازًا فلم يبق للفهم إلا القرينة، ولا قرينة فيصير مجملًا ولا يحمل على شيء منها، فلا يصلح للاحتجاج. الثالث: أنه إن خص بمتصل كالشرط والصفة فهو حجة فيما بقي، وإن خص بمنفصل فليس بحجة بل يصير مجملًا وهو قول الكرخي، والبلخي والباقلاني١.

стр. 657

المطلق والمقيد مدخل ... المطلق والمقيد: جاءت بعض الأحكام الشرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية مطلقة غير مقيدة بشرط أو وصف أو غير ذلك. وجاء بعضها مقيدًا بوصف أو شرط أو غيرهما. والأصل في المطلق أن يبقى على إطلاقه، إلا إذا صح الدليل على تقييده؛ لأن الإطلاق لحكمة كما أن التقييد لحكمة، وفي كل منها رعاية لمصلحة العباد في الدنيا والآخرة. والدليل على تقييد المطلق أحيانًا يكون بالنص، وهذا ظاهر لا خلاف فيه، وأحيانًا لا يصرح بالقيد، وإنما تدل عليه الأحوال والقرائن من نصوص أخرى جاءت مقيدة، ومن العلماء من يحمل المطلق منها على المقيد ومنهم من لا يحمله، وعلى هذا قول الشافعي رحمه الله تعالى: "اللفظ بيّن في مقصوده ويحتمل في غير مقصوده"١ وهو ما يدرسه العلماء في باب المطلق والمقيد في كتب الأصول وعلوم القرآن والحديث.

стр. 658

تعريف المطلق: المطلق في اللغة هو المنفك من كل قيد حسيًّا كان أو معنويًّا، تقول: أطلقت الدابة إذا فككت قيدها وسرحتها، وهذا إطلاق حسي، ويقال: طلق الرجل زوجته إذا فك قيدها من الارتباط به وهذا إطلاق معنوي.

стр. 659

المطلق في الاصطلاح: ذكر العلماء تعريفات كثيرة منها: المطلق: هو ما دل على الماهية بلا قيد من حيث هي هي١.

стр. 660

وقال ابن قدامة هو: المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه١. وقال ابن فارس: أما الإطلاق: فأن يذكر الشيء باسمه لا يقرن به صفة، ولا شرط، ولا شيء يشبه ذلك"٢. وعند الآمدي: المطلق هو "النكرة في سياق الإثبات"٣ قال القرافي: "كل شيء يقول الأصوليون: إنه مطلق، يقول النحاة: إنه نكرة. وكل شيء يقول النحاة: إنه نكرة، يقول الأصوليون: إنه مطلق.. فكل نكرة في سياق الإثبات مطلق عند الأصوليون، فما أعلم موضعًا ولا لفظًا من ألفاظ النكرات يختلف فيها النحاة والأصوليون، بل أسماء الأجناس كلها في سياق الثبوت هي نكرات عند النحاة، ومطلقات عند الأصوليين"٤. ومن المعلوم أن النكرة عند النحاة هي: كل اسم شائع في جنسه، لا يختص به واحد دون آخر، مثل رجل، كتاب، فرس٥. ولهذا قال الآمدي بعد ذلك: وإن شئت قلت: هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه٦ وعرف ابن الحاجب وغيره من الأصوليين المطلق بأنه: "ما دل على شائع في جنسه"٧. وبهذا يتبين أنه لا فرق بين المطلق والنكرة غير المستغرقة في سياق الإثبات بل هما بمعنى واحد في عرف النحاة والأصوليين٨.

стр. 661

ومثال المطلق الرقبة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ١.

стр. 662

المقيد لغة: هو ما بقابل المطلق في اللغة فالقيد هو الربط حسيًّا كان أو معنويًّا تقول قيدت الدابة إذا ربطتها بحبل ونحوه، وهذا قيد حسي، وفي الحديث: "الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن" ١ قال ابن منظور: "معناه أن الإيمان يمنع عن الفتك بالمؤمن"٢ ومنه قول عمر بن الخطاب ﵁: "قيدوا العلم بالكتاب"٣ "قلت" وهذا وذاك قيد معنوي.

стр. 663

والمقيد اصطلاحًا: ذكر العلماء له تعريفات كثيرة وهو ما يقابل المطلق على اختلاف التعريفات: فقيل: هو ما دل على الماهية بقيد١. وقيل: هو المتناول لمعين، أو لغير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه٢. ومثال المقيد الرقبة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا

стр. 664

خَطأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ١ فاشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة وهذا قيد لها، ولو لم يشترط لكانت الرقبة مطلقة.

стр. 665

الفرق بين العام والخاص والمطلق والمقيد: يبحث الأصوليون المطلق والمقيد في كتاب العام والخاص. قال القرافي: "وإنما وضع الأصوليون حمل المطلق على المقيد في كتاب الخصوص والعموم بسبب أن المطلق هو "قسيم" العام والتقييد "قسيم" الخاص. وهذه الأقسام تلتبس جدًّا على كثير من الفضلاء وربما اعتقدوا المطلق عامًّا.. والتبس التقييد بالتخصيص.."١ وقال في موضع آخر: إن "مدلول المطلق فائت ومتعذر ولم أر أحدًا تعرض لذلك بل يسوون في الأصول والفروع بين هذه المثل ويجعلون البحث واحدًا، وليس كذلك"٢ وقال عن العموم: "اعلم أن مسمى العموم في غاية الغموض والخفاء، ولقد طالبت بتحقيقه جماعة من الفضلاء فعجزوا عن ذلك"٣. ومع هذا فقد عقد في كتابه: "العقد المنظوم في الخصوص والعموم" بابًا خاصًّا في الفرق بين العام والمطلق٤ إضافة إلى ذكره الفروق بينهما في تعريفه للعام، ومن أظهر الفروق: أن المطلق يقتصر بحكمه على فرد من أفراده دون الجميع كإعتاق الرقبة فإنه إذا أعتق رقبة لا يلزمه إعتاق الباقي، أما العموم فإن حكمه يعم جميع أفراده بالتساوي، فإذا قتلنا مشركًا ثم وجدنا آخر وجب قتله أيضًا٥.

стр. 666

بمعنى أن الحكم في العام يثبت لكل أفراده، أما المطلق فيثبت لأحد أفراده بلا تخصيص، فإذا قام في أحدها انقطع عن الباقي. "فإن قلت" هذا هو التخصيص. "قلت": لا، فإن التخصيص قبله عموم، ثم خرج بعض أفراده، وأما المطلق فالمراد به بعض أفراد العام من أول الأمر. فإذا قال رجل: كل زوجة لي فهي طالق فهذا اللفظ عام يوجب طلاق زوجاته جميعًا. وإذا قال: كل زوجة لي فهي طالق إلا فلانة فهذا تخصيص يوجب استثناءها من الطلاق بعد أن كان الحكم يشملها. وإذا قال: إحدى زوجاتي طالق فهذا لفظ مطلق يوجب طلاق إحدى زوجاته دون البقية فإذا طلقت واحدة سلمت الأخريات. وإذا قال: زوجتي الوسطى أو الكبيرة أو الصغيرة طالق فهذا تقييد يوجب طلاقها بعينها من أول الأمر ومن غير أن يشمل غيرها. والله أعلم.

стр. 667

حمل المطلق على المقيد مدخل ... حمل المطلق على المقيد: إذا ورد الخطاب مطلقًا لا مقيد له، وجب حمله على إطلاقه. وإذا ورد الخطاب مقيدًا لا مطلق له وجب حمله على تقييده١. وإذا ورد الخطاب مطلقًا في موضع ومقيدًا في آخر فله أربع صور:

стр. 668

الصورة الأولى: أن يتحد السبب والحكم: فقد ورد تحريم "الدم" مطلقًا في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ١ وورد تحريمه مقيدًا بكونه مسفوحًا في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ

стр. 669

مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ ١. والحكم في الآيتين واحد وهو "التحريم"، والسبب واحد، فاتحد الحكم والسبب، فيحتمل المطلق على المقيد باتفاق لأن العمل بالمقيد عمل بالآيتين والعمل بالمطلق عمل بإحدى الآيتين دون الأخرى، والعمل بهما أولى من العمل بإحداهما، وبالعمل بالآيتين يخرج بالمكلف من العهدة بيقين٢. وكقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٣ فإنه مطلق وورد القيد في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ٤ فنصيبه هنا مقيد بأن يكون بعد الوصية والدين فيحمل المطلق على المقيد في جميع المواريث فلا يوزع شيء من التركة على الورثة إلا بعد الوصية والدين.

стр. 670

الصورة الثانية: أن يختلف السبب والحكم فإذا اختلف السبب والحكم فلا يحمل المطلق على المقيد باتفاق فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١ مطلق في الأيدي من غير تقييد لأي اليدين أو إلى أي حد يكون القطع، أما غسل الأيدي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ٢ فمقيد إلى المرافق ولا يصح هنا حمل المطلق على المقيد لاختلاف السبب "سرقة في المطلق" و "وضوء في المقيد" ولاختلاف الحكم "قطع في المطلق" و "غسل في المقيد" فلا يحمل المطلق على المقيد باتفاق كما قال الشوكاني وحكاه الباقلاني والجويني وإلكيا الهراس وابن برهان والآمدي وغيرهم٣.
следующие страницы →