← Тараджим

Тараджим · id 12012

دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية

عبد السلام بن محسن آل عيسى

Полный текст (1 168 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

بيت المال، فقال: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم (١). المسألة الثانية: دعوة أهل الذمة للإسلام. كان عمر ﵁ يدعو أهل الذمة للإسلام، ويحرص على هدايتهم وإنقاذهم من النار رحمة بهم وشفقة عليهم، ومن الآثار في ذلك: أن أسلم مولى عمر التمس وضوءاً لعمر ﵁، فلم يجده إلا عند نصرانية فاستوهبها، وجاء به إلى عمر ﵁، فأعجبه حسنه، فقال: من أين هذا؟ فقال له: من عند هذه النصرانية، فتوضأ عمر ﵁، ثم دخل عليها، فقال: أسلمي فكشفت عن رأسها كأنه ثغامة (٢) بيضاء، فقالت: أبعد هذه السن (٣)؟!

стр. 1017

ومما روي في شفقة عمر ﵁ على أهل الكتاب لكونهم ممن يعبد الله على ضلالة، وحزنه على مشقتهم في عبادتهم مع أن مصيرهم إلى النار. روي أنه ﵁ مر بدير راهب، فناداه: يا راهب، فأشرف عليه، فجعل عمر ﵁ ينظر إليه ويبكي، فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك، من هذا؟ قال: ذكرت قول الله : ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ﴾ (١)، فذلك الذي أبكاني (٢). المسألة الثالثة: الشروط التي صالح عليها عمر ﵁ أهل الذمة. إن من أهم النصوص، وأشملها لبنود الصلح التي عقدها عمر ﵁ مع أهل الذمة، ذلك النص الذي نقل إلينا صلح عمر ﵁ مع نصارى الشام، وفيه: أن أهل الشام كتبوا لعمر ﵁: إنكم لما قدمتم علينا، سألناكم الأمان لأنفسنا، وذرارينا، وموالينا، وأهل ملتنا، وشرطنا على

стр. 1018

أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا، ولا فيما حولها ديراً، ولا كنيسة، ولا قلاية (١)، ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها، ولا نجيء ما كان من خطط المسلمين، ولا نمنع كنائسنا من أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل أو نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة، وابن السبيل، وأن ننزل من مر بنا ثلاثة أيام من المسلمين نطعمهم، وأن نرشدهم، ولا نؤوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوساً، ولا نعلم أولادنا القرآن، وأن لا نظهر شركاً، ولا ندعو إليه أحداً، وأن لا نمنع أحداً من ذوي قراباتنا الدخول في الإسلام، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئاً من السلاح، ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زيّنا حيث ما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، وأن لا نظهر صلبنا وكتبنا في شيءٍ من طرق المسلمين ولا أسواقهم، وأن لا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضرباً خفياً، وأن لا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة

стр. 1019

المسلمين، وأن لا نخرج شعانين (١)، ولا باعوثاً (٢)، وأن لا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين وأسواقهم، ولا نجاورهم بموتنا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، ولا نطلع عليهم في منازلهم. قال عبد الرحمن بن غنم الأشعري (٣): فلما أتيت عمر بن الخطاب بهذا الكتاب زاد فيه: ولا نضرب أحداً من المسلمين. شرطنا ذلك لكم على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا الأمان، فإن نحن خالفنا عن شيء مما شرطنا لكم، وضمنا على أنفسنا، فلا ذمة لنا، وقد حل لكم ما حل لأهل المعاندة والشقاق (٤).

стр. 1020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1021

وروي أن عمر ﵁ اشترط على أهل الذمة إصلاح القناطير (١)، وإن قتل رجل من المسلمين فعليهم ديته، وضيافة المسلمين يوماً وليلة (٢).

стр. 1022

ومما لا شك فيه أن هذه الشروط التي شرطها عمر ﵁ على أهل الذمة كانت مع أدائهم الجزية عن يد وهم صاغرون. قال أسلم مولى عمر ﵁: ضرب عمر ﵁ الجزية، وكتب بذلك إلى أمراء الأجناد أن لا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي، ولا يضربوها على صبي، ولا على امرأة (١)، وكان عمر ﵁ يختم أهل الجزية في أعناقهم (٢). وممن عاملهم عمر ﵁ معاملة الذميين، المجوس، فقد

стр. 1023

أخذ عمر ﵁ منهم الجزية بعد أن شهد عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذها منهم، وأمر عمر ﵁ بالتفريق بين محارم المجوس (١). ونهى عمر ﵁ المجوس عن الزمزمة (٢). ويظهر من شروط الصلح التي صالح عليها عمر ﵁ أهل الذمة أنها نصت على إذلال الكفار، وإظهار عزة المسلمين، والعمل على توقيرهم وخدمتهم، والنصح لهم، وعدم غشهم، وخيانتهم وموالاة أعدائهم. ونصت على التمييز بين المسلمين وأهل الذمة في الهيئة واللباس، ولم تغفل الشروط حق أهل الذمة في العيش بكل حرية في ظل الدولة الإسلامية، وأدائهم لعباداتهم في معابدهم، وممارستهم لحياتهم الاعتيادية

стр. 1024

في مآكلهم ومشاربهم، ومصالحهم الشخصية، بشرط عدم إظهار وإعلان الكفر والفسق. ومن أهم ما كفلته هذه الشروط لأهل الذمة عيشهم تحت حماية الدولة الإسلامية، وأمنهم على أنفسهم وأعراضهم، وأموالهم لا يتميز المسلمون عليهم بشيء في ذلك، ما داموا أوفياء بعهدهم وذمتهم التي صالحوا عليها المسلمين. وكان عمر ﵁ صارماً شديد الحزم مع من نكث عهده، وخان ذمته من أهل الذمة، وذلك لما يترتب على هذه الخيانة من مفاسد دينية ودنيوية، ولأن ذلك دليل على خبث نية هذا الخائن، وفساد طويته. ولقد كان من أسباب إجلاء عمر ﵁ لليهود من خيبر اعتداؤهم على عبد الله بن عمر ﵄، قال عمر ﵁: إن رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: نقركم ما أقركم الله وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففدعت (١) يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا

стр. 1025

وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم (١). وروي أن رجلاً من أهل الذمة نخس بامرأة من المسلمين، ونزع خمارها وجابذها، فحال بينه وبينها عوف بن مالك (٢)، وضرب الذمي، ثم أتى عمر ﵁، فذكر له، فدعا عمر ﵁ المرأة، فسألها فصدقت عوفاً، فأمر عمر ﵁ بالذمي فصلب، ثم قال: أيها الناس، اتقوا الله في ذمة محمد ﷺ ، فلا تظلموهم، فمن فعل منهم مثل هذا، فلا ذمة له (٣).

стр. 1026

المبحث السادس: الاهتمام بالنواحي الجهادية والقتالية وفيه مطلبان المطلب الأول: التعبئة القتالية والإعداد العسكري. المطلب الثاني: أصول القتال وآدابه

стр. 1027

المطلب الأول: التعبئة القتالية والإعداد العسكري. إن قيام عمر ﵁ بالتعبئة القتالية، وتهيئة الجيوش للغزو والجهاد أمر لا يحتاج إلى دليل يثبته، وقرينه تؤيده، فلولا فضل الله ثم قيامه ﵁ بذلك على أكمل وجه، لما كانت تلك الفتوحات العظيمة، التي أزالت دولة الفرس، وضمت أجزاء كبيرة وهامة من دولة الروم، كبلاد الشام، ومصر إلى حظيرة الدولة الإسلامية. ولكن المراد بالحديث عن ذلك بيان الكيفية التي أعد بها عمر ﵁ جنده، وجعل منهم جنداً أوفياء، وقادة أكفاء للقيام بتلك الفتوحات الجليلة، ولبيان سياسته ﵁ في إعداد القوات، وشحن الثغور، ويمكن الحديث عن ذلك في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: الاهتمام بالقدرة القتالية، واللياقة البدنية للجند. فقد عمل عمر ﵁ على تهيئة جنده عسكرياً، وتدريبهم على حمل السلاح واستخدامه بمهارة عالية. كتب عمر ﵁: أن علموا غلمانكم العوم، ومقاتلتكم الرمي (١).

стр. 1028

وكتب ﵁: وارموا الأغراض (١). فحث عمر ﵁ على تعلم الرمي وإتقانه، لما له من أهمية بالغة في الحروب، فهو سلاح فعال في حسم المعارك، وقتل أعداد كبيرة من العدو بأقل عدد من الخسائر في الأرواح والمعدات، فربما قتل فرد واحد ماهر في استخدام هذا السلاح أعداداً من العدو، بخلاف السلاح المستخدم عند التحام الصفوف كالسيوف والخناجر وغيرها فإنه

стр. 1029

تكثر باستخدامها الخسائر بين الجانبين، والرمي قديماً بالسهام والحراب، والمنجنيقات يعادل في الأهمية استخدام الرشاشات والمدرعات والراجمات في وقتنا الحاضر. كما حرص عمر ﵁ على رفع اللياقة البدنية لجنده، وذلك بحثهم على ممارسة الألعاب الرياضية، ومنها الفروسية وركوب الخيل حيث أن الخيل كانت هي المستخدمة في القتال، والكر والفر، وأمرهم بالنزو عليها والقفز على ظهرها، وهذا لا يتأتى إلا مع رشاقة الجسم وقوته، ولياقته البدنية. وحث عمر ﵁ جنده على عدم التنعم في اللباس، ومشابهة العجم لأنه يورث الليونة والنعومة في الأجسام، فيجعلها غير قادرة على مواجهة ظروف القتال والجهاد، والتي تستلزم قدراً كبيراً من الخشونة والغلظة والبأس للجندي المقاتل. قال عمر ﵁: اتزروا وارتدوا، وانتعلوا، والقوا الخفاف، والسراويلات، وألقوا الركب (١)، وانزوا على الخيل نزواً، وعليكم بالمعدية (٢)، وراموا الأغراض، وذروا التنعم وزي العجم، وإياكم والحرير (٣).

стр. 1030

وحث ﵁ على تعلم السباحة والعوم، وهي رياضة هامة للجندي تزيد من رفع قوته وقدرته الجسمية. قال ﵁: علموا غلمانكم العوم (١). المسألة الثانية: المحافظة على الجند والعناية بهم، وحمايتهم من المهالك. وكان عمر ﵁ شديد العناية بجنده، وكان قريباً منهم، متواضعاً لهم رحيماً بهم، يعرف لهم فضلهم، ومكانتهم. قال الحارث بن لقيط النخعي (٢) ﵀: لما وجهنا عمر إلى الكوفة مشى معنا ساعة، فودعنا، ودعا لنا، ثم قعد ينفض رجليه من الغبار (٣).

стр. 1031

وقال قرظة بن كعب (١) ﵁: شيعنا عمر إلى صرار (٢). ومن عناية عمر ﵁ بجنده وقواته ورحمته بهم، إعطاؤهم حقوقهم، وواجباتهم، وعدم حرمانهم من أهلهم وقراباتهم، فكان ﵁ يعقب بين الجيوش، فيأمر الجيش الذي كان مرابطاً بالقدوم، ويبعث مكانه غيره، وذلك في كل عام (٣). وكان عمر ﵁ يأمر قادة جيوش المسلمين بعدم تجمير (٤) الجيوش.

стр. 1032

قال ﵁: ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الغياض (١) فتضيعوهم (٢). ومن عناية عمر ﵁ بجنده تجنيبهم المهالك والمخاطر. عن فضيل بن زيد الرقاشي (٣) قال: سرت سرية على عهد عمر ﵁ على أرجلهم، فأعيا رجل منهم، فأرادوا أن يقيموا عليه، فرفض أمير السرية، فنادى يا عمراه، فمضوا وتركوه، فبلغ ذلك عمر ﵁، فكتب إلى أبي موسى ﵁، أن ابعث إلي بالرجل، فبعث به إليه، فأخذ قناة فجعل يضربه بها، ويقول: يقول لك

стр. 1033

الرجل انتظرني، فتذهب وتتركه، فينادي: يا عمراه؟ فجعل يعتذر إليه، فقال عمر: والله لصلاح رجل من المسلمين أحب إلي من هلاك كذا وكذا من أهل الشرك (١). وروي عن عمر ﵁ ما يدل بمجموعه على أنه كان يكره ركوب الجيش البحر خوفاً من هلاكهم. روي أنه ﵁ قال: عجبت لراكب البحر (٢). وروي أنه قال ﵁: لا يسألني عن ركوب المسلمين البحر أبداً (٣).

стр. 1034

وروي أنه ﵁ عرض عليه أن يحمل جيشاً في السفن في البحر، فقال: أحمل أمة محمد ﷺ على لوح، فأغرقهم، لا والله لا أفعل (١). وروي أن عمر ﵁ كتب إلى عمرو بن العاص يسأله عن ركوب البحر، فقال عمرو في جوابه لعمر: دود على عود، فإن انكسر العود، هلك الدود، فكره عمر أن يحملهم في البحر، وأمسك عن ذلك (٢). وروي أن عثمان بن أبي العاص (٣) أخرج جيشاً في البحر، فبلغ عمر فقال: حمل ناساً ليس بينهم وبين الماء إلا الألواح، والذي نفسي بيده لئن هلكوا لآخذن عدتهم من ثقيف (٤).

стр. 1035

ومن عناية عمر ﵁ بالجند والاهتمام بهم تكريمهم والإشادة بأهل البلاء والفضل منهم. قال أسلم مولى عمر ﵀: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة، فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي، وترك صبية صغاراً، والله ما ينضجون كراعاً (١)، ولا لهم زرع، ولا ضرع (٢)، وخشيت أن تأكلهم الضبع (٣)، وأنا بنت خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النبي ﷺ ، فوقف معها عمر ولم يمض ثم قال: مرحباً بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير (٤) كان مربوطاً في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعاماً، وحمل بينهما نفقة وثياباً، ثم ناولها بخطامه، ثم قال: اقتاديه، فلن يغني حتى يأتيكم الله بخير، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أكثرت لها، فقال عمر: ثكلتك أمك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها حاصرا حصناً زماناً، فافتتحاه، ثم أصبحنا نستفيء سهامنا منه (٥).

стр. 1036

وقسم عمر ﵁ مروطاً (١) بين نساء من نساء المدينة، فبقي مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين، أعط هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت علي ﵁، فقال عمر ﵁: أم سليط أحق. وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله ﷺ . قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد، قال أبو عبد الله: تزفر: تخيط (٢). وروي أن عمر ﵁ كان بين يديه مال يقسمه، فرأى رجلاً في وجهه ضربة، فقال: ما هذه الضربة؟ قال: ضربتها في غزاة كذا وكذا، فقال عمر: عدوا له ألفاً، ثم حرك المال، ثم قال: عدوا له ألفاً، حتى عدوا أربعة آلاف، فاستحيا الرجل مما يعطيه، فذهب فحرك المال، فقال: أين الرجل؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، استحيى مما تعطيه، فذهب، فقال: لو مكث لأعطيته ما بقي بين يدي درهم، رجل ضرب في سبيل الله ضربة خفرت وجهه (٣).

стр. 1037

وروي أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر ﵁ في ثمانية عشر بختياً (١) أصابها، فكتب إليه عمر: أن ضعها في أشجع حي من العرب، فوضعها في بني رباح حي من بني تميم (٢). ومن ذلك ما روي في تكريم عمر ﵁ لعبد الله بن حذافة (٣) ﵁ حين أسره الروم، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: هذا من أصحاب محمد ﷺ فقال له الطاغية: هل لك أن تتنصر وأشركك في ملكي وسلطاني؟ فقال عبد الله: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما ملكت العرب على أن أرجع عن دين محمد ﷺ طرفة عين ما فعلت. قال: إذاً أقتلك، فأمر به، فصلب، وقال للرماة: ارموه قريباً من يديه، قريباً من رجليه، وهو يعرض عليه، وهو يأبى، ثم أمر به، فأنزل، ثم دعا بقدر،

стр. 1038

وصب فيها ماء حتى احترقت، ثم دعا بأسيرين من المسلمين، فأمر أحدهما فألقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية، وهو يأبى، ثم أمر به أن يلقى فيها، فلما ذهب به بكى، فقيل له: إنه بكى، فظن أنه رجع، فقال: ردوه، فعرض عليه النصرانية، فأبى، قال: فما أبكاك؟ قال: أبكاني أني قلت هي نفسي نفس واحدة تلقى هذه الساعة في هذا القدر، فتذهب، فكنت أشتهي أن يكون بعدد كل شعرة في جسدي نفس تلقى هذا في الله . قال الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟ قال عبد الله: وعن جميع أساري المسلمين. قال: وعن جميع أسارى المسلمين. قال عبد الله: فقلت في نفسي عدو من أعداء الله أقبل رأسه، ويخلي عني وعن أسارى المسلمين، لا أبالي فدنا منه، وقبل رأسه، فدفع إليه الأسارى، فقدم بهم على عمر ﵁، فأخبر عمر بخبره، فقال: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ، فقام فقبل رأسه (١).

стр. 1039

المسألة الثالثة: تجهيز الجيوش وشحن الثغور، وإعداد العدة. وعمل عمر ﵁ على إعداد الجيوش وتجهيزها، وشحن الثغور بها، وكان ذلك شغله الشاغل، وهمه الدائم حيث كانت الجيوش الإسلامية تقاتل عدواً شرساً يفوقها في العتاد والعدة في بلاد الفرس والروم.

стр. 1040

قال عمر ﵁: إني لأجهز الجيوش وأنا في الصلاة (١). وكتب أبو عبيدة ﵁ لعمر ﵁ يعلمه بكثرة جمع الروم، فهمه ذلك الأمر حتى كان لا يستطيع النوم من الليل (٢). وكان ﵁ يحث الناس على الخروج للقتال والجهاد في سبيل الله، ويمد بهم جنود المسلمين الملتحمة مع العدو. قال الحارث بن لقيط النخعي (٣) رحمه الله تعالى: قدمنا من اليمن، ونزلنا المدينة، فخرج علينا عمر، فطاف في النخع (٤)، ونظر إليهم، فقال:

стр. 1041

يا معشر النخع إني أرى الشرف فيكم متربعاً، فعليكم بالعراق وجموع فارس، فقلنا: يا أمير المؤمنين، لا بل الشام نريد الهجرة إليها، قال: لا بل العراق، فإني قد رضيتها لكم، قال: حتى قال بعضنا: يا أمير المؤمنين، لا إكراه في الدين. قال: فلا إكراه في الدين عليكم بالعراق فيها جموع العجم. قال لقيط: ونحن ألفان وخمسمائة، فأتينا القادسية … الأثر (١). وقال عمر ﵁ لسعد بن عبيد القاري (٢)، وكان لقي عدواً، فانهزم منهم: هل لك في الشام لعل الله يمن عليك، قال: لا إلا الذين فررت منهم، فشهد القادسية، وخطبهم، فقال: إنا لاقوا العدو إن شاء الله غداً، وإنا مستشهدون فلا تغسلوا عنا دماً، ولا نكفن إلا في ثوب كان علينا (٣).

стр. 1042

لقتال الفرس بالقادسية، لا تدعوا في ربيعة (١) أحداً، ولا مضر (٢)، ولا حلفائهم أحداً من أهل النجدات، ولا فارساً إلا جلبتموه، فإن جاء طائعاً، وإلا حشرتموه، احملوا العرب على الجد إذا جد العجم، فلتقوا جدهم بجدكم (٣). وروي أنه ﵁ قال: لأضربن ملوك العجم بملوك العرب، فلم يدع رئيساً، ولا ذا رأي، ولا ذا شرف، ولا ذا سطة، ولا خطيباً، ولا شاعراً إلا رماهم به، فرماهم بوجوه الناس (٤). وروي أنه ندب الناس إلى العراق، فجعلوا يتحامونه، ويتثاقلون عنه حتى هم أن يغزو بنفسه (٥).

стр. 1043

وعمل عمر ﵁ على شحن الثغور بالقوات لمواجهة أي خطر يهدد الدولة الإسلامية، ووضع الحاميات بها، فكانت كل حامية ترابط مدة من الزمان ثم تعود، وتعقبها أخرى كما تقدم ذكر ذلك (١). ومما روي عن عمر ﵁ في وضع الحاميات على الثغور أن عمر ﵁ كتب إلى أبي عبيدة أن رتب بأنطاكية (٢) جماعة من المسلمين أهل نيات وحسبة، واجعلهم بها مرابطة، ولا تحبس عنهم العطاء وذلك بعد أن فتحها المسلمون (٣). وروي أنه ﵁ كان يبعث في كل سنة غازية من أهل

стр. 1044

المدينة ترابط بالإسكندرية (١). واهتم عمر ﵁ بالخيل والإبل وإعدادها للمقاتلة، وإمدادهم بها، وربما وهبها لهم تكريماً لهم وتشجيعاً على الجهاد في سبيل الله. قال ربيعة بن عبد الله بن الهدير ﵀ (٢): كان عمر ﵁ إذا حمل على فرس أو بعير في سبيل الله قال: إذا جاوزت وادي القرى (٣) أو مثلها من طريق مصر، فاصنع بها ما بدا لك (٤). ومما روي عن عمر ﵁ في اتخاذ الخيل للمجاهدين في سبيل الله أن عمر ﵁ كان له أربعة آلاف فرس على أري (٥)

стр. 1045

بالكوفة موسومة على أفخاذها في سبيل الله، فإن كان في عطاء الرجل حقه، أو كان محتاجاً أعطاه الفرس، ثم قال: إن أجريته فأعييته أو ضيعته، فأنت ضامن، وإن قاتلت عليه، فأصيب أو أصبت، فليس عليك شيء (١).

стр. 1046

المطلب الثاني: أصول القتال وآدابه: لقد جاءت عن عمر ﵁ عدة نصوص تبين الأصول والآداب التي ينبغي للمجاهد والمقاتل أن يسير عليها، وأن يتحلى بها قائداً كان أو جندياً، حتى يكون مجاهداً مثالياً في دينه، وخلقه، بارعاً في قتاله، ومنازلته العدو، كما أراده الله ورسوله ﷺ . فمن المبادئ الهامة في القتال والتي عمل بها عمر ﵁ مبدأ الشورى، وهو مبدأ حض عليه القرآن الكريم، والسنة، وذلك لما للشورى من أهمية بالغة في استجلاء الحقيقة، ومعرفة الصواب والحق، والبعد عن التعجل والتهور، واتخاذ القرارات الفردية العشوائية. فقد شاور عمر ﵁ الهرمزان (١) في قتال الفرس، لعلمه ببلاد فارس، ومدنها وطبيعتها الجغرافية، ومراكز القوة والضعف فيها، ولأن الهرمزان كان قائداً عسكرياً ذا خبرة قتالية وعسكرية لا يستهان بها، فاستشاره عمر ﵁ أيبدأ بقتال فارس أم أصبهان (٢) أم أذربيجان (٣)، فقال الهرمزان: أصبهان الرأس وفارس وأذربيجان الجناحان،

стр. 1047

فإن قطعت أحد الجناحين، مال الرأس بالجناح الآخر، وإن قطعت الرأس وقع الجناحان، فابدأ بالرأس، فأخذ عمر ﵁ بقوله، فأمر النعمان بن مقرن المزني (١) ﵁ بالتوجه لقتال الفرس بنهاوند (٢)، ومعه الزبير بن العوام، وعمرو بن معدي كرب (٣)، وحذيفة بن اليمان، وابن عمر والأشعث بن قيس (٤). ومن المبادئ الأساسية التي حض عليها عمر ﵁ المجاهدين إخلاص النية لله ، وأن يبتغوا بجهادهم وجه الله، وإعلاء دينه، قال ﵁، وهو يبين أن من لم يخلص نيته لله في جهاده، وكان غرضه دنيوياً، فإنه لن ينال ما أعده الله للمجاهدين: وأخرى تقولونها لمن قتل في مغازيكم أو مات فلان شهيداً،

стр. 1048

ولعله أن يكون قد أوقر عجز دابته، أو دف (١) راحلته ذهباً أو ورقاً يطلب التجارة، فلا تقولوا ذاكم، ولكن قولوا كما قال النبي ﷺ : من قتل في سبيل الله أو مات فهو في الجنة (٢). وبين عمر ﵁ أنه ينبغي للمجاهد أن تكون نيته من جهاده هو إعلاء كلمة الله ، ونصرة دينه وإذلال الكفر وأهله، وليس مجرد أن يقتل في سبيل الله، قال ﵁: لأن أموت على فراشي صابراً محتسباً أحب إلي من أن أقدم على القوم، ولا أريد إلا أن يقتلوني، أوليس الله يأتي بالشهادة؟! (٣).

стр. 1049

ومن المبادئ الهامة التي حرص عمر ﵁ على ترسيخها في نفوس المجاهدين، أن يكون تعلقهم بالله ، واعتمادهم عليه، وأن لا يغتروا بقوتهم أو حنكة وخبرة قادتهم. فقد كان من أسباب عزل عمر ﵁ خالد بن الوليد، اغترار الناس به حتى خشي عمر ﵁ أن يعتقد الناس أن النصر مقترن به، وبقيادته فتتعلق قلوبهم به دون الله . قال ﵁ بعد أن عزل خالد بن الوليد ﵁ عن قيادة جيوش المسلمين بالشام، وولى أبا عبيدة ﵁، وجاءته البشارة بنصر المسلمين، وهزيمة الروم، قال: الله أكبر رب قائل لو كان خالد بن الوليد (١). وقال ﵁: لأنزعن خالد بن الوليد والمثنى مثنى بني شيبان حتى يعلما أن الله كان ينصر عباده، وليس إياهما كان ينصر (٢). وقد نبه عمر ﵁ جنده، وقواته إلى أمور وأصول هامة،

стр. 1050

لا غنى للمقاتل عن معرفتها، والعمل بها في ساحة القتال لأنها من أسباب النصر، وقهر العدو، وهي: ١ - الصبر والاعتماد على الله ، وعدم اليأس من رحمة الله وقرب فرجه ونصره. كتب عمر ﵁ إلى أبي عبيدة ﵁ لما حصر وجنده بالشام، وأصابهم جهد شديد: سلام عليكم، أما بعد، فإنه لم تكن شدة إلا جعل الله بعدها فرجاً، ولن يغلب عسر يسرين، وكتب إليه: ﴿يأ يُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١).

стр. 1051

٢ - الاستبسال في الجهاد، فقد أثنى عمر ﵁ على من تحلى بذلك. قدم الرسول إلى عمر ﵁، بنعي النعمان بن مقرن المزني ﵁، فسأله عمر ﵁ عن الناس. فقال: أصيب فلان وفلان آخرون لا أعرفهم. فقال عمر: لكن الله يعرفهم، فقال: يا أمير المؤمنين، ورجل شرى نفسه، فقال مدرك بن عوف (١): ذلك والله خالي يا أمير المؤمنين، زعم الناس أنه ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه ممن شرى الآخرة بالدنيا (٢). ٣ - التقوي على مجاهدة العدو. فقد حث ﵁ جنده على تقوية أبدانهم في أرض القتال

стр. 1052

حتى يتمكنوا من مقاومة العدو، ومن ذلك أمره ﵁ لجنده بالإفطار في رمضان، وكانوا يحاصرون حصناً للعدو (١). ومن التوجيهات الهامة التي وجه إليها عمر ﵁ قادة جيشه، عدم المغامرة وتعريض قوات المسلمين للمخاطر والمهالك، والعمل على الإقلال من الخسائر البشرية بقدر المستطاع. ومن ذلك إعلامه ﵁ بجنده وقادتهم أن تراجعهم عن مواجهة العدو في أرض المعركة وانسحابهم إلى ديار المسلمين عند إحساسهم بعدم تكافء كفة القتال، وشعورهم بالخطر المحقق، أن ذلك

стр. 1053

لا يعد فراراً من الزحف، وإنما هو من الرجوع إلى فئة، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١). فلما بلغ عمر ﵁ مقتل أبي عبيد الثقفي (٢) ﵁ قائد موقعة الجسر (٣)، وهزيمة جيشه، قال: إن كنت له فئة لو انحاز إلي (٤). ولما رجع بعض جيشه إلى المدينة قال لهم عمر ﵁: أنا فئتكم (٥).

стр. 1054

وأمر عمر ﵁ قادة جيشه بعدم المغامرة بأنفسهم، وحذرهم من نزول الأماكن التي يمكن أن يكمن لهم فيها عدوهم، ويفرق جمعهم، وذلك كالغابات الكثيفة الشجر، والمستنقعات المائية، ونحوها، قال ﵁ وهو يوصي قادة جيشه بجند المسلمين: ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم (١). ومما روي عن عمر ﵁ في عدم الإقدام على المهالك، أنه قال: لا تستعملوا البراء بن مالك (٢) على جيش من جيوش المسلمين، فإنه مهلكة من الهَلك يقدم بهم (٣). ومن المبادئ التي روي عن ﵁ توجيه قادته للتحلي بها هو التريث والتعقل والتؤدة في إدارة العمليات العسكرية، ولا شك أن هذا المبدأ مبدأ في غاية الأهمية، وما ثبت عن عمر ﵁ من أخذه

стр. 1055

بمبدأ الشورى (١) في القتال يدل عليه. فالقائد الذي يشاور أصحابه، وأهل الرأي منهم، يبعد عنه التعجل والتهور، واتخاذ القرارات الفردية، ويكون أقرب إلى الصواب والحق. روي عنه ﵁ أنه لما بعث أبا عبيد إلى العراق، بعث معه سليط بن عمرو الأنصاري (٢) ﵁، وقال له: لولا عجلة فيك لوليتك، ولكن الحرب زبون (٣) لا يصلح لها إلا الرجل المكيث (٤). وقد أمر عمر ﵁ قادته وجنده وأوصاهم ببعض الآداب التي ينبغي أن يتحلوا بها في تعاملهم مع عدوهم في أرض المعركة. وهي آداب أمر بها الله في كتابه العزيز، وعمل بها رسوله ﷺ .
следующие страницы →