وكتب عامل لعمر ﵁ فقال: إن ناساً قبلنا يدعون السامرة يقرأون التوراة، ويسبتون السبت، لا يؤمنون بالبعث، فما يرى أمير المؤمنين في ذبائحهم؟ فكتب إليه عمر: إنهم طائفة من أهل الكتاب ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب (١).
ومن اهتمام عمر ﵁ بالأطعمة إرشاده لبعض الأطعمة التي فيها المنفعة الكبيرة مع قلة مؤنتها وسهولة حصول الفقير عليها من ذلك قوله ﵁: لا تنخلوا الدقيق فإنه طعام كله (٢).
فبين عمر ﵁ أهمية هذا الطعام، وهو نخالة الدقيق، والتي ربما كان الناس لا يُعيرونها أهمية كبيرة، وقد أثبت الطب الحديث فوائد نخالة الدقيق لصحة الجسم وقوته.
ومن ذلك قول عمر ﵁ في الضب (٣): إن الله ينفع به
стр. 982
غير واحد، فإنما طعام عامة الرعاء منه، ولو كان عندي لطعمته (١).
وروي أن عمر ﵁ رأى رجلاً سميناً في عام سنة، فقال: ما طعامك؟ قال: الضباب، قال عمر: وددت أن لي في كل حجر ضب ضبين (٢).
وروي عن عمر ﵁ التحذير من الإكثار من بعض الأطعمة لما في الإكثار منها من ضرر على الصحة.
فقد روي عن عمر ﵁ التحذير من إكثار أكل اللحم، روي أنه قال لبنيه: لا تديموا أكل اللحم (٣).
وروي أنه قال: إياكم وكثرة اللحم، فإن له ضراوة كضراوة الخمر (٤).
стр. 983
وكان عمر ﵁ يحث رعيته على الزهد في الأطعمة وعدم التوسع فيها، ويذكرهم بحال نبيهم ﷺ .
قال ﵁: لقد رأيت رسول الله ﷺ ، وما يجد من الدقل (١) ما يملأ به بطنه (٢).
ومما روي عن عمر ﵁ في حثه رعيته على الزهد في الأطعمة أنه دخل على ابنه عاصم وهو يأكل لحماً فقال: ما هذا؟ فقال: قرمنا إلى اللحم، فقال عمر ﵁: كفى بالمرء سرفاً أن يأكل كل ما يشتهي (٣).
وروي أن جابر بن عبد الله ﵄ مر على عمر ﵁ بلحم قد اشتراه بدرهم، فقال عمر: ما هذا؟ قال: اشتريته بدرهم، قال: كلما اشتهيت شيئاً اشتريته؟! لا تكون من أهل هذه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا﴾ (٤).
стр. 984
وروي أن عمر ﵁ بلغه أن يزيد بن أبي سفيان ﵁ يأكل ألوان الطعام، فقال عمر ﵁ لمولاه يرفأ: إذا عملت أنه قد حضر عشاؤه فأعلمني، فلما حضر عشاؤه أعلمه، فأتى عمر، فسلم واستأذن، فأذن له، فدخل فقرب عشاؤه، فجاء بثريدة لحم، فأكل عمر معه منها، ثم قرب شواء، فبسط يزيد يده، فكف عمر، ثم قال: الله يا يزيد بن أبي سفيان، أطعام بعد طعام؟ والذي نفس عمر بيده لأن خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقتهم (١).
وأما اهتمام عمر ﵁ بالأشربة فإنه قد حرص على إبعاد رعيته عن شرب ما حرم الله كشرب الخمر، وحذرهم من شربها، وحثهم على التحري في الأشربة مخافة الوقوع في الحرام، قال ﵁ وهو يبين أنواع الأشربة التي يدخل فيها الخمر حتى لا يلتبس الأمر على الناس: إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل، والخمر ما خامر العقل (٢).
وعاقب عمر ﵁ من باع الخمر، واتجر به، فقد بلغه
стр. 985
رضي الله عنه أن رجلاً أثرى من بيع الخمر، فقال: اكسروا كل آنية له، وسيروا كل ماشية له (١).
ونهى عمر ﵁ رعيته عن الطعام مع من يشرب الخمر، خوفاً من التأثر به، ومشاركتهم في شربها، قال ﵁: لا يجاورنكم خنزير، ولا تأكلوا على مائدة يشرب عليها الخمر (٢).
وأجاز عمر ﵁ شرب النبيذ (٣) ما لم يتخمر، وأمرهم إذا خشوا تخمره باشتداده بصب الماء عليه، قبل أن يتخمر، فإذا تخمر حرم مطلقاً (٤).
قال عبد الرحمن بن عثمان التيمي (٥) ﵁: صاحبت عمر
стр. 986
ابن الخطاب ﵁ إلى مكة، فأهدى له ركب من ثقيف (١) سطيحتين من نبيذ، فشرب عمر ﵁ إحداهما طيبة، ثم أهدي له لبن فعدله عن شرب الأخرى حتى اشتد ما فيها، فذهب عمر ﵁ يشرب منها، فوجده قد اشتد، فقال: اكسروه بالماء (٢).
وقد أذن عمر ﵁ في شرب وتناول الطلاء (٣) الذي طبخ حتى ذهب ثلثاه ولم يكن مسكراً.
كتب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري ﵁: أما بعد فإنها قدمت عليَّ عير من الشام تحمل شراباً غليظاً أسود كطلاء
стр. 987
الإبل، وإني سألتهم على كم يطبخونه، فأخبروني أنهم يطبخونه على الثلثين، ذهب ثلثاه الأخبثان، ثلث ببغيه، وثلث بريحه، فمر من قبلك يشربونه (١).
وكتب ﵁: أما بعد، فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان، فإن له اثنين ولكم واحد (٢).
стр. 988
المسألة الثانية: الاهتمام بالألبسة.
لقد اهتم عمر ﵁ بالألبسة التي ترتديها رعيته أن تكون مما أباحه الله ، وأن تكون على الصفة المشروعة، فمن الألبسة التي نهى عنها عمر ﵁ رعيته:
١ - لباس الكفار، ولبس الحرير:
كتب عمر ﵁ إلى عتبة بن فرقد (١)، ومن معه من جند المسلمين بأذربيجان (٢): يا عتبة بن فرقد إياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله ﷺ نهانا عن لبوس الحرير، وقال: "إلا هكذا"، ورفع لنا إصبعيه (٣).
وقال سويد بن غفلة (٤) ﵁: كنا غزاة بالشام، فقضينا غزاتنا فقدمنا على عمر وهو بظهر المدينة يستقبلنا أو يتلقانا، فلما رآنا وعلينا الديباج (٥) والحرير، جعل يرمينا فرجعنا فخلعناها، ولبسنا بروداً
стр. 989
يمانية، ثم أتيناه فلما رآنا قال: مرحباً بالمهاجرين إن الله لم يرض الحرير والديباج لمن كان قبلكم فيرضاه لكم (١).
٢ - النهي عن لبس ما يدخل فيه جلود الميتة:
فقد كتب عمر ﵁ إلى عماله: بلغني أنكم في أرض يخالط طعامها الميتة، ولباسها الميتة، فلا تأكلوا إلا ما كان ذكياً ولا تلبسوا إلا ما كان ذكياً (٢).
ورأى عمر ﵁ رجلاً عليه قلنسوة بطانتها جلود الثعالب، فألقاها عن رأسه، وقال: وما يدريك لعله ليس بذكي (٣).
وقد حرص عمر ﵁ أن تكون الألبسة على هيئة شرعية، فنهى ﵁ عن إسبال الإزار للرجال.
أى ﵁ على عتبة بن فرقد قميصاً طويل الكم، فدعا بشفرة ليقطعه من أطراف أصابعه، فقال عتبة: يا أمير المؤمنين، إني أستحي
стр. 990
أن تقطع كمي أنا أقطعه، فتركه (١).
ودخل شاب على عمر ﵁ حينما طعن، فجعل يثني على عمر ﵁، فرأى عمر ﵁ عليه إزاراً يمس الأرض، فقال له: يابن أخي ارفع إزارك، فإنه أتقى لربك، وأبقى لثوابك (٢).
ونهى عمر ﵁ عن لبس النساء ما يصف بشرتهن، قال ﵁: لا تلبسوا نساءكم القباطي (٣)، فإنه لا يشف يصف (٤).
стр. 991
وحث عمر ﵁ على الزهد في اللباس، وترك زيادة الترف والنعم، وحث على لبس ما ألفه المسلمون، قال ﵁: اتزروا وارتدوا، وانتعلوا، وألقوا الخفاف، والسراويلات، وذروا التنعم وزي العجم (١).
ولم يرد بذلك ﵁ ترك التمتع بما أباح الله ، وحرمان النفس والتضييق عليها، بل إنه ﵁ حث على إظهار
стр. 992
النعمة والتوسيع على النفس، والتجمل بما أباح الله من اللباس، قال ﵁، إذا وسع الله عليكم، فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء وقميص في إزار، وقباء (١) في تبان (٢)، في تبان وقميص (٣).
المسألة الثالثة: الاهتمام بالمساكن:
حث عمر ﵁ على الاهتمام بالمساكن وإصلاحها، والمحافظة على مرافقها حتى تبقى صالحة للعيش، والإقامة فيها، قال ﵁: أصلحوا مثاويكم (٤).
ولكنه ﵁ نهى رعيته عن الإفراط في الاهتمام بالمنازل وتزيينها بما يصل لحد المباهاة والسرف والبذخ، وعاقب ﵁ من فعل ذلك.
بلغه ﵁ أن ابناً له ستر جدران منزله، وجللها زيادة في تزيينها وتجميلها، فقال ﵁: لئن كان ذلك لأحرقن بيته (٥).
стр. 993
وروي عن عمر ﵁ كراهيته لرفع بناء المساكن.
روي أن أهل الكوفة بعثوا إلى عمر ﵁ يستأذنونه في البناء باللبن، فقال عمر: افعلوا، ولا يزيدن أحدكم عن ثلاثة أبيات، ولا تطاولوا في البنيان، والزموا السنة، تلزمكم السنة، وكتب ألا يرفعوا بنياناً فوق القدر، قالوا: وما القدر؟ قال: ما لا يقربكم من السرف، ولا يخرجكم من القصد (١).
وروي أنه قال: لا تطيلوا بيوتكم، فإنه من شر أعمالكم (٢).
وروي أن الناس استأذنوا عمر في البناء بالمدر، فكتب: إني كنت أكره لهم البناء، فأما إذا فعلوه فليقلوا السمك (٣)، ويعرضوا الجدر، ويقاربوا بين الخشب في السقوف (٤).
стр. 994
المسألة الرابعة: الاهتمام بالصحة:
إن من اهتمام عمر ﵁ برعيته، اهتمامه بصحتهم، وحرصه على خلوهم من الأمراض استبقاءً لهم وحرصاً على سلامة المجتمع المسلم وتمتع أفراده بالعافية التي يستطيعون معها القيام بواجباتهم، وما أراد الله منهم من العبادات، والقيام بنشر دين الله بالدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله.
ومن الآثار الدالة على اهتمام عمر ﵁ بصحة رعيته وعافيتهم وحمايتهم من انتشار الأوبئة والأمراض فيهم، وتعريضهم للهلكة، موقفه ﵁ من الإقدام بجند المسلمين على طاعون عمواس الذي وقع بالشام، فإنه ﵁ لما بلغ سرغ لقيه أمراء أجناد المسلمين بالشام، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه بوقوع وباء الطاعون، فاستشار عمر ﵁ أصحابه فاختلفوا، ثم أشار عليه مهاجرة الفتح بالرجوع، فمال عمر ﵁ إلى قولهم، وتجهز للرجوع، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف وشهد أن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فراراً منه"، فحمد الله عمر ثم انصرف (١).
стр. 995
ومن عناية عمر ﵁ برعيته إرشاده المرضى لما فيه شفاؤهم بإذن الله إن كان عنده علم من ذلك.
جاء رجل إليه ﵁ يشتكي داء النقرس (١)، فقال له عمر ﵁: كَذَبَتْك الظهائر (٢)، فبرئ في العام المقبل، وما يشتكي شيئاً (٣).
وروي أن عمر ﵁ رأى رجلاً بيده جرحاً فقال: بطه (٤) ولو بعظم (٥).
وروي أن رجلاً أتى عمر ﵁ وهو ينهج (٦)، قد ركبه
стр. 996
اللحم، فقال عمر: ما هذا؟ قال: بركة الله يا أمير المؤمنين، فقال: كذبت، بل هو عذاب الله (١).
وكان ﵁ ربما استدعى الأطباء لمعاينة المرض للذين اشتد مرضهم وتأخر برؤهم، حرصاً منه ﵁ على شفائهم واستردادهم عافيتهم.
كان معيقب الدوسي (٢) ﵁ مصاباً بمرض الجذام (٣)، فكان عمر ﵁ يطلب له الطب من كل من سمع له بطب، حتى قدم عليه رجلان من أهل اليمن، فقال: هل عندكما من طب لهذا الرجل الصالح؟ فإن هذا الوجع قد أسرع فيه، فقالا: أما شيء يذهبه فإنا لا نقدر عليه، ولكنا سنداويه دواء يقفه فلا يزيد، قال عمر: عاقبة عظيمة أن يقف فلا يزيد، فقالا له: هل تنبت أرضك الحنظل؟ قال: نعم، قالا: فاجمع لنا منه، فأمر من جمع لهما منه مكتلين عظيمين، فعمدا إلى كل حنظلة فشقاها بثنتين، ثم أضجعا معيقباً، ثم أخد كل رجل منهما بإحدى قدميه ثم جعلا يدلكان بطون قدميه بالحنظلة، حتى إذا أمحقت أخذا أخرى، قال
стр. 997
الراوي: حتى رأينا معيقباً يتنخم أخضر مراً، ثم أرسلاه، فقالا لعمر: لا يزيد وجعه بعد هذا أبداً.
قال عبد الله بن جعفر (١) ﵁: فوالله ما زال معيقب متماسكاً لا يزيد وجعه حتى مات (٢).
وروي عن أسلم مولى عمر ﵁ أنه قال: مرضت زمان عمر مرضاً شديداً، فدعا لي الطبيب، فحماني حتى كنت أمص النواة (٣).
وكان عمر ﵁ يرشد بعض المرضى إلى ترك العلاج
стр. 998
والصبر على المرض إن كان المرض لا خطر فيه، ويزول من غير علاج، وكان العلاج يترتب عليه بعض الضرر.
فقد جاء رجل إلى عمر ﵁ يشتكي من ذات الجنب، قد دعي له رجل يكويه، فأبى إلا أن يأذن له عمر ﵁، فأخبر عمر ﵁ فقال عمر ﵁: لا تقربن النار، فإن له أجلاً لن يعدوه، ولن يقصر عنه (١).
ولعل من اهتمام عمر ﵁ بصحة رعيته وقوتهم ونشاطهم حثه لهم على إعطاء أنفسهم حقاً من الراحة والنوم بعد عناء العمل، والكدح في طلب الرزق.
فقد كان ﵁ يحث رعيته على النوم بعد العشاء، وعدم السمر والحديث بعد صلاة العشاء لأن
في السمر بعدها مضار كبيرة، ومن أكبرها النوم عن صلاة الفجر وبالأحرى عدم قيام الليل، ومنها عدم
стр. 999
القدرة على الاستيقاظ المبكر، للعمل وطلب الرزق، والسعي في الأرض، وغير ذلك من المضار.
قال سليمان بن ربيعة الباهلي (١) ﵀: كان عمر يتجدب (٢) لنا السمر بعد العتمة (٣).
وكان ﵁ ينُشّ (٤) الناس بعد العشاء بالدرة، ويقول: انصرفوا إلى بيوتكم (٥).
стр. 1000
وكان عمر ﵁ يحذر الناس من النوم قبل العشاء وذلك خشية النوم عن صلاة العشاء.
كتب ﵁ إلى رعيته وعماله: أن لا ينام قبل صلاة العشاء فمن نام، فلا نامت عينه (١).
ومن ساعات النوم الهامة والمفيدة لراحة البدن، واسترداده نشاطه النوم بعد الظهر، أو القيلولة، فكان عمر ﵁ يرغب رعيته فيها.
قال السائب بن يزيد (٢) ﵁: ربما قعد على باب ابن مسعود ﵁ رجال من قريش، فإذا فاء الفيء (٣)، قال عمر ﵁: قوموا فما بقي فهو للشيطان، ثم لا يمر بأحد إلا أقامه.
وقال: كان عمر ﵁ يمر بنا نصف النهار، أو قريباً منه، فيقول: قوموا، فقيلوا فما بقي للشيطان (٤).
стр. 1001
ومما رأيت إلحاقه بمسألة الاهتمام بالصحة لعلاقته بالمرض والوفاة حث عمر ﵁ من أصيب بوفاة قريب أو عزيز عليه بالصبر واحتساب الأجر على الله، وعدم الجزع والنياحة على الميت.
قال ابن عمر ﵄: كان عمر يضرب فيه أي البكاء على الميت برفع الصوت والنوح عليه بالعصا ويرمي بالحجارة ويحثي التراب (١).
وأذن عمر ﵁ لأهل الميت بإظهار الحزن عليه والبكاء على فراقه من غير رفع الأصوات لأن ذلك من طبيعة البشر التي لا يستطيعون دفعها.
فلما توفي خالد بن الوليد ﵁ مر عمر ﵁ بنسوة من بني المغيرة، وهن يبكين خالد بن الوليد في داره، فقال ﵁: ما عليهن أن يهرقن دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقعاً (٢) أو لقلقة (٣).
المطلب الأول: معاملة العبيد والإماء، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: معاملة العبيد:
لقد حض الإسلام على العناية بالعبيد، وإعطائهم حقوقهم، والتعامل معهم باعتبارهم أناساً أسوياء يتمتعون بكامل الحقوق الإنسانية، وأن ما وقع عليهم من الرق، والعبودية أمر طارئ، قد يقع على غيرهم من البشر.
قال ﷺ : في العبيد: "إخوانكم خولكم (١)، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم" (٢).
وعمر ﵁ أولى العبيد العناية والرعاية والرحمة والشفقة، وأعطاهم حقوقهم، ورد عليهم ظلامتهم، وتمثل اهتمامه ﵁ بهم في عدة أمور هي:
أولاً: العناية بالعبيد ومواساتهم، وإعطاؤهم حقوقهم.
قال أبو هريرة ﵁: كان عمر ﵁ إذا مر بالعبد قال: يا فلان، أبشر بالأجر مرتين (٣).
стр. 1005
وقال أبو محذورة ﵁: كنت جالساً عند عمر ﵁، إذ جاء صفوان بن أمية بجفنة يحملها نفر في عباءة، فوضعها بين يدي عمر، فدعا عمر ناساً مساكين، وأرقاء من أرقاء الناس حوله، فأكلوا معه ثم قال عند ذلك: فعل الله بقوم، أو قال لحا الله (١) قوماً يرغبون عن أرقائهم أن يأكلوا معهم، فقال صفوان: أما والله ما نرغب عنهم، ولكن نستأثر عليهم، لا نجد والله من الطعام الطيب ما نأكل ونطعمهم (٢).
وروي عن أبي رافع الصائغ ﵀ أنه قال: مر بي عمر ﵁ وأنا أصوغ، وأقرأ القرآن، فقال: يا أبا رافع، لأنت خير من عمر تؤدي حق الله، وحق مواليك (٣).
ومن الآثار الدالة على إنصاف عمر ﵁ الرقيق، وإعطائهم حقوقهم والعناية بهم، أن رقيقاً لعبد الرحمن بن حاطب (٤)
стр. 1006
انتحروا ناقة رجل من مزينة، فأمر عمر ﵁ أن تقطع أيديهم، ثم أرسل فردهم، ثم قال لعبد الرحمن: أما والله لولا أني أظن أنكم تستعملونهم، وتجيعونهم حتى لو أن أحدهم يجد ما حرم الله لأكله لقطعت أيديهم، ولكن الله إذ تركتهم لأغرمنك غرامة توجعك، ثم قال للمزني: كم ثمنها؟ قال: كنت أمنعها من أربعمائة، فقال عمر ﵁ لعبد الرحمن: أعطه ثمانمائة (١).
وروي أن رجلاً أمر غلاماً له أن يسنو على بعير له، فنام الغلام، فجاء بشعلة من نار، فألقاه في وجهه، فتردى الغلام في بئر، فلما أصبح أتى عمر ﵁، فرأى الذي في وجهه فأعتقه (٢).
стр. 1007
وقال محمد بن سيرين ﵀: كان عمر ﵁ يعدي المملوك على سيده إذا استعداه (١).
وروي أن عمر ﵁ كان يذهب إلى العوالي (٢) كل سبت، فإذا وجد عبد اً في عمل لا يطيقه وضع عنه (٣).
وممن أولاهم عمر ﵁ رعايته وعنايته اللقطاء ومن لا يعرف لهم أب، فقد جاء أبو جميلة (٤) ﵁ إلى عمر ﵁ بمنبوذ وجده، فاتهمه عمر ﵁، ثم سأله عنه، فأثنى عليه خيراً، فقال عمر ﵁: هو حر، وولاؤه لك، ونفقته من بيت المال (٥).
ثانياً: الحث على إعتاق العبيد المسلمين، وفك رقابهم.
وعمل عمر ﵁ على فك رقاب العبيد، وإزالة الرق
стр. 1008
عنهم والعبودية، وحث ﵁ رعيته على ذلك، وشدد عليهم فيه.
قال عبد الله بن عمر ﵄: أعتق عمر كل من صلى من سبي العرب، فبت عتقهم، وشرط عليهم أنكم تخدمون الخليفة بعدي ثلاث سنوات (١).
وكاتب سيرين والد محمد بن سيرين ﵏ أنس بن مالك ﵁ علىعشرين ألف درهم يدفعها إليه، فيعتقه، فأتى سيرين أنساً بالعشرين ألفاً كاملة، فأبى أنس أن يقبلها إلا منجمة، ومفرقة، فأتى سيرين عمر ﵁، فشكا إليه أنساً، فكتب عمر إلى أنس أن اقبلها من الرجل، فقبلها أنس، وعتق سيرين (٢).
стр. 1009
وقال عمر ﵁: إذا أدى المكاتب إلا الشطر، لم يسترق (١).
أي إذا أدى شطر ما كاتب عليه سيده فقد عتق.
ثالثاً: كراهية عمر ﵁ لجلب العبيد، وخاصة من بقي منهم على الكفر.
كان عمر ﵁ ينهى عن الإتيان بالعبيد البالغين إلى
стр. 1010
المدينة، خصوصاً من كان منهم مقيماً على كفره، وذلك لأن البالغ أقدر من الصبي الصغير على الاطلاع على أسرار المسلمين، وكشف عوراتهم، وعلى التخطيط للنيل من الإسلام والمسلمين.
قال ابن عمر ﵄: كان عمر ﵁، يكتب إلى أمراء الجيش: لا تجلبوا علينا من العلوج أحداً جرت عليه المواسي، فلما طعنه أبو لؤلؤة، قال: من هذا؟ قالوا: غلام المغيرة بن شعبة، قال: ألم أقل لكم لا تجلبوا علينا من العلوج (١) أحداً؟ فغلبتموني (٢).
стр. 1011
المسألة الثانية: معاملة الإماء.
واهتم عمر ﵁ بالإماء كاهتمامه بالعبيد، وأحسن إليهن وأعطاهن حقوقهن، ومما قضى به عمر ﵁، والذي يظهر رأفته ورحمنه، وعنايته بالإماء، عتق أمهات الأولاد بموت ساداتهن وألا يوهبن ولا يبعن.
قال ابن عمر ﵄: قضى عمر في أمهات الأولاد (١) أن لا يبعن ولا يوهبن، ولا يورثن، يستمتع بها صاحبها ما كان حياًّ، فإذا مات عتقت (٢).
وجاء عن عمر ﵁ ما يدل على أن هذا العتق إنما تناله العفيفات المسلمات من أمهات الأولاد.
стр. 1012
قال عمر ﵁: إن أحصنت وأسلمت عتقت، وإن هي فجرت وكفرت وزنت رقت (١).
ومن عناية عمر ﵁ بالإماء وإنصافهن ممن ظلمهن من أسيادهن، أن أمة جاءت إليه تشكو سيدها بأنه عذبها، فأقعدها على الجمر حتى احترقت مقعدتها، فأرسل عمر إلى سيدها، فأوجعه ضرباً، وأعتق الأَمة (٢).
ومن الأمور التي لاحظها عمر ﵁ في الإماء هو عدم تشبههن بالحرائر، فكان يعاقب من يفعل ذلك من الإماء، لأن ذلك قد
стр. 1013
يوقع في الغرر والخداع بحيث تظن الأمة حرة، فتعامل معاملتها في الأحكام الشرعية، فكان ﵁ ينهى الإماء أن يلبسن لبس الحرائر من الحجاب وغيره (١).
стр. 1014
المطلب الثاني: معاملة أهل الذمة (١)، وفيه ثلاثة مسائل:
المسألة الأولى: عناية عمر ﵁، واهتمامه بأهل الذمة.
يعتبر أهل الذمة من رعايا الدولة الإسلامية، وفئة من فئاتها، إذ أنهم يعيشون على أراضيها، وينعمون بحمايتها، مقابل جزية يدفعونها، لأنهم ليسو من المسلمين، ولكن لهم ذمة وعهداً، وقد حرص عمر ﵁ على العناية بأهل الذمة وحمايتهم، وإعطائهم حقوقهم التي كفلتها لهم شريعة الإسلام، وعدم تكليفهم بما لا يطيقون والرأفة بهم.
بعث عمر ﵁ حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حنيف (٢) لجباية الخراج، ومسح أرض السواد، وقال لهما محذراً من تكليف أهل الذمة ما لا يطيقونه من الخراج: تخافا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق. فقال عثمان: لو شئت لأضعفت، وقال حذيفة: لقد حملت الأرض أمراً هي له مطيقة، وما فيها كبير فضل، فجعل عمر يقول: انظر ما لديكما أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق (٣).
стр. 1015
ومن رأفة عمر ﵁ بأهل الذمة وعنايته بهم، ومعرفته لحوائجهم أن أذن لهم بدخول المدينة ثلاثة أيام يتسوقون بها، ويقضون حوائجهم ولا يقيمون فوق ثلاث (١).
وقد أوصى ﵁ عند وفاته مَنْ بعده بالعناية بأهل الذمة، وإعطائهم حقوقهم، والرأفة بهم.
قال ﵁: وأوصي الخليفة من بعدي بذمة الله، وذمة رسوله ﷺ أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم (٢)، ولا يكلفوا فوق طاقتهم (٣).
ومما روي عن عمر ﵁ في الرأفة بأهل الذمة أنه مر بباب قوم وعليه سائل يسأل، شيخ كبير، ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه، وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي. قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. فأخذ عمر ﵁ بيده، وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء من المنزل ثم أرسل إلى خازن
стр. 1016
بيت المال، فقال: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم (١).
المسألة الثانية: دعوة أهل الذمة للإسلام.
كان عمر ﵁ يدعو أهل الذمة للإسلام، ويحرص على هدايتهم وإنقاذهم من النار رحمة بهم وشفقة عليهم، ومن الآثار في ذلك:
أن أسلم مولى عمر التمس وضوءاً لعمر ﵁، فلم يجده إلا عند نصرانية فاستوهبها، وجاء به إلى عمر ﵁، فأعجبه حسنه، فقال: من أين هذا؟ فقال له: من عند هذه النصرانية، فتوضأ عمر ﵁، ثم دخل عليها، فقال: أسلمي فكشفت عن رأسها كأنه ثغامة (٢) بيضاء، فقالت: أبعد هذه السن (٣)؟!
стр. 1017
ومما روي في شفقة عمر ﵁ على أهل الكتاب لكونهم ممن يعبد الله على ضلالة، وحزنه على مشقتهم في عبادتهم مع أن مصيرهم إلى النار.
روي أنه ﵁ مر بدير راهب، فناداه: يا راهب، فأشرف عليه، فجعل عمر ﵁ ينظر إليه ويبكي، فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك، من هذا؟ قال: ذكرت قول الله : ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ﴾ (١)، فذلك الذي أبكاني (٢).
المسألة الثالثة: الشروط التي صالح عليها عمر ﵁ أهل الذمة.
إن من أهم النصوص، وأشملها لبنود الصلح التي عقدها عمر ﵁ مع أهل الذمة، ذلك النص الذي نقل إلينا صلح عمر ﵁ مع نصارى الشام، وفيه:
أن أهل الشام كتبوا لعمر ﵁: إنكم لما قدمتم علينا، سألناكم الأمان لأنفسنا، وذرارينا، وموالينا، وأهل ملتنا، وشرطنا على
стр. 1018
أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا، ولا فيما حولها ديراً، ولا كنيسة، ولا قلاية (١)، ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها، ولا نجيء ما كان من خطط المسلمين، ولا نمنع كنائسنا من أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل أو نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة، وابن السبيل، وأن ننزل من مر بنا ثلاثة أيام من المسلمين نطعمهم، وأن نرشدهم، ولا نؤوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوساً، ولا نعلم أولادنا القرآن، وأن لا نظهر شركاً، ولا ندعو إليه أحداً، وأن لا نمنع أحداً من ذوي قراباتنا الدخول في الإسلام، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئاً من السلاح، ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زيّنا حيث ما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، وأن لا نظهر صلبنا وكتبنا في شيءٍ من طرق المسلمين ولا أسواقهم، وأن لا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضرباً خفياً، وأن لا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة
стр. 1019
المسلمين، وأن لا نخرج شعانين (١)، ولا باعوثاً (٢)، وأن لا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين وأسواقهم، ولا نجاورهم بموتنا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، ولا نطلع عليهم في منازلهم.
قال عبد الرحمن بن غنم الأشعري (٣): فلما أتيت عمر بن الخطاب بهذا الكتاب زاد فيه: ولا نضرب أحداً من المسلمين. شرطنا ذلك لكم على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا الأمان، فإن نحن خالفنا عن شيء مما شرطنا لكم، وضمنا على أنفسنا، فلا ذمة لنا، وقد حل لكم ما حل لأهل المعاندة والشقاق (٤).